عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 28-12-2025, 10:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع والعشرون

صـــ152 الى صـــ 161
(554)







وما أخذ صاحب النصف وصاحب الثلث ثلاثة ونصف مضروبة في اثني عشر وذلك اثنان وأربعون بينهما نصفان لكل واحد منهما أحد وعشرون وكان الذي لا يستقيم بينهم ثلاثة عشر مضروبة في اثني عشر فيكون ذلك مائة وستة وخمسين بينهم لكل واحد منهم اثنان وخمسون فصاحب الربع ما وصل إليه من الثلثين إلا اثنان وخمسون وصاحب الثلث أخذ مرة اثنين وخمسين ومرة أحدا وعشرين وذلك ثلاثة وسبعون ، وصاحب النصف أخذ مرة اثنين وخمسين ومرة أحدا وعشرين ومرة ستة وستين فيكون ذلك مائة وتسعة وستين ، فإذا جمعت بين هذه السهام بلغت سهام ثلثي المال مائتين وأربعة وستين ، فإذا ضممته إلى الثلث الذي اقتسموه على طريق العول كانت الجملة ثلثمائة وستة وتسعين فاستقام التخريج .

وعن إبراهيم - رحمه الله - قال إذا أوصى الرجل وأعتق بدئ بالعتق وبه نأخذ ، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنه ، وهذا لأن العتق أقوى سببا من سائر الوصايا ، فإنه لا يحتمل الفسخ ، وهو إسقاط للرق والمسقط يكون متلاشيا وسائر الوصايا يتحمل الفسخ والرجوع عنها وثبوت الحكم بحسب السبب ولا مزاحمة للضعيف مع القوي ، ثم أبو يوسف ومحمد رحمهما الله أخذا بظاهر هذا الحديث فقدما العتق على المحاباة المتقدمة وأبو حنيفة رحمه الله خص المحاباة من سائر الوصايا باعتبار أنها أقوى سببا فسببها عقد الضمان وعقد الضمان أقوى من التبرع وقوة العتق باعتبار حكم السبب [ ص: 153 ] فعند البداءة بالمحاباة يترجح بالسبق وبقوة السبب ، فقال يبدأ بها ، وعند البداءة بالعتق يستويان من حيث إن للعتق قوة السبق وقوة الحكم وللمحاباة قوة السبب والمعتبر أولا السبب ، فإن الحكم ينبني على السبب فيتحاصان وسيأتي بيان المسألة في موضعها .
وعن إبراهيم في رجل يوصي إلى رجل فيموت الموصى إليه فيوصي إلى رجل آخر ، فإن وصيتهما جميعا صحيحة وبه نأخذ ، فإن الوصي بعد موت الموصي قائم مقام الموصي في ولايته في المال ، وقد كانت ولايته في ماله ومال الموصي الأول فيخلفه وصيه في التصرف في المالين ; لأن - بعد قبول الوصية - التصرف في مال الموصي الأول من حوائج الوصي كالتصرف في مال نفسه ، وإنما يقيم الموصي مقامه فيما هو من حاجته .
وعن إبراهيم في الرجل يوصي لأم ولده في حياته وصحته فيموت قال هو ميراث ، وإن أوصى عند موته لها بوصية فهو لها من الثلث والمراد بوصيته لها في صحته الإقرار والهبة لا الوصية المضافة إلى ما بعد الموت ; لأن حالة الصحة وحالة المرض في ذلك سواء وبه نأخذ فنقول الهبة لأم الولد والإقرار لها بالدين باطل من المولى ; لأنها باقية على ملكه وكسبها له بمنزلة القنة ، فأما وصيته لها مضافة إلى ما بعد الموت فصحيحة ; لأنها تعتق بالموت ووجوب الوصية يكون بعد الموت فالوصية لها بمنزلة الوصية لجارية أجنبية وعن ابن عمر رضي الله عنه قال إذا أقر الرجل عند موته بدين لوارث ، فإنه لا يجوز إلا ببينة ، وإن أقر لغير وارث بالدين جاز ولو أحاط بجميع ماله وبه نأخذ في الفصلين ، وقد روي في بعض الروايات مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بينا ذلك في الإقرار .
وعن إبراهيم في المرأة يضربها الطلق قال هي بمنزلة المريض في الوصية والتبرع . والطلق اسم لوجع الولادة ويسمى ذلك مخاضا أيضا قال الله - تعالى - : { فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة } ومتى أخذها وجع الولادة فهي بمنزلة المريض ; لأنها أشرفت على الهلاك إلا أنه قد يأخذها الوجع ، ثم يسكن فباعتبار ذلك الوجع لا تصير في التبرعات كالمريضة بمنزلة مريض يعقبه برء ، وإنما تصير كالمريضة إذا أخذها الوجع الذي يكون آخره انفصال الولد عنها من سلامتها به أو موتها ; لأن المعتبر مرض الموت ومرض الموت ما يتصل به من أوصى بأكثر من ثلث ماله لم يجز في الفضل على الثلث إلا أن يجيزه الورثة بعد موته وهم كبار ; لأن حقهم تعلق بماله بمرضه ولكن الشرع جعل الثلث محلا لوصية الموصي ليتدارك به ما فرط في حياته فما زاد على ذلك إذا أوصى به ، فقد قصد الإضرار بورثته بإسقاط حقهم عما تعلق حقهم به وإيثار الأجنبي على من آثره الشرع ، وهو الوارث فللوارث أن يرد عليه [ ص: 154 ] قصده بأن يأبى الإجازة ولا معتبر بإجازته في حياة الموصي عندنا .

وقال ابن أبي ليلى تصح إجازته في حياته وليس له أن يرجع بعد وفاته ; لأنه سقط حقه بالإجازة وبالمرض قد تعلق حقه بماله فيصح إسقاطه وفقه هذا أن حق الوارث إنما يثبت في ماله بالموت ولكن سبب موته المرض فلما أقيم هذا السبب مقام حقيقة الموت في منع المورث من التصرف المبطل لحق الوارث فكذلك قام مقامه في صحة إسقاط الحق من الوارث بالإجازة ولكنا نقول إسقاط الحق قبل وجود السبب لا يجوز ويعتبر المرض بسبب تعلق حقه بمال بل السبب مرض الموت ومرض الموت ما يتصل به الموت فقبل اتصال الموت لا يكون سببا ، وهذا الاتصال موهوم فيكون هذا إسقاط الحق قبل تقرر السبب ، ثم الإجازة من الوارث إنما تعمل لوجود دليل الرضا منه بتصرف المريض وإجازته في حياة الموصي لا تدل على ذلك بل الظاهر أنه احتشم المورث فلم يجاهره بالرد من غير أن يكون راضيا بوصيته بخلاف ما إذا أجازه بعد الموت ، وفي الإجازة بعد الموت إن لم يكن الوارث من أهله بأن كان صغيرا فهو باطل أيضا ; لأنه إسقاط الحق بطريق التبرع ، فأما إذا كان كبيرا فإجازته صحيحة ويسلم المال للموصى له بطريق الوصية من الموصي عندنا ، وعند الشافعي صحيحة بطريق التمليك من الوارث ابتداء منه حتى لا يتم إلا بالقبض على قوله ، وعندنا يتم من غير قبض الموصى له والشيوع لا يمنع صحة الإجازة وليس للوارث أن يرجع فيه .

وجه قوله أن بنفس الموت قد صار قدر الثلثين من المال ملكا للوارث ; لأن الميراث يثبت من غير قبول الوارث ولا يرتد بالرد فإجازته تكون إخراجا للمال عن ملكه بغير عوض ، وهذا فيه لا يتم إلا بالقبض كما لو أوصى بمال جاره فأجازه الجار بعد موته ولكنا نقول تصرف الموصي صادف ملكه وامتنع نفوذه بقيام حق الغير فيه إجازة من له الحق تكون إسقاطا كإجازة المرتهن بيع الراهن ، وكذلك إن أجازوا وصية الوارث .

ولو أوصى بألف درهم من مال رجل أو بعبد أو بثوب فأجاز ذلك الرجل قبل موته أو بعده فله أن يرجع عنه ما لم يدفعه إلى الموصى له ، فإذا دفعه إليه جاز ; لأن وصيته من مال غيره بمنزلة الهبة كأنه وهب مال غيره فلا يصح إلا بالتسليم والقبض كما لو وهب مال نفسه بخلاف الوصية من مال نفسه بأكثر من الثلث ; لأنه أوصى بمال نفس إلا أنه لم ينفذ لحق الورثة ، فإذا أجازوا ، فقد أبطلوا حقهم وجاز من قبل الموصي جواز الوصية فلم يكن التسليم من شرط صحتها وجوازها .
وإذا أوصى الرجل لرجل بعبد ولآخر بثوب ولآخر بدار والثلث يبلغ ألف درهم والوصية تبلغ [ ص: 155 ] ألفا وخمسمائة أصاب كل واحد منهم ثلثي وصيته وبطل الثلث ; لأنه لا بد من إبطال الفضل على الثلث وليس أحدهم بإبطالها أولى من الآخر ، وقد استووا في استحقاق الثلث فكذا في إبطاله فينقص من وصية كل واحد منهما ثلثها . ووجه ذلك أن ينظر إلى مبلغ الوصايا وإلى ثلث ماله ، فإن كانت الزيادة مقدار الثلث ينقص من نصيب كل واحد منهما الثلث ، وإن كان نصفا النصف . وتفسيره إذا أوصى لرجل بعبد قيمته ألف درهم ولآخر بثوب قيمته ثلثمائة درهم ولآخر بدار قيمتها مائتان فذلك كله ألف وخمسمائة وثلث ماله ألف فالزيادة مقدار الثلث فينقص من وصية كل واحد منهم مقدار الثلث فلصاحب العبد ثلثا العبد ولصاحب الدار ثلثا الدراهم ولصاحب الثوب ثلثا الثوب فاستقام الثلث والثلثان .
وإذا أوصى لذوي قرابته بالثلث ، فإن ذوي قرابته كل ذي رحم محرم منه ، قال رضي الله عنه هنا خمسة ألفاظ إما أن يوصي لذوي قرابته أو لأقاربه أو لأنسابه أو لأرحامه أو لذوي أرحامه فأبو حنيفة يعتبر خمسة أشياء ذا رحم محرم واثنين فصاعدا ما سوى الوالد والولد ، ومن لا يرث والأقرب فالأقرب ، وفي قول أبي يوسف الأول يدخل فيها جميع ذوي رحم محرم منه الأقرب والأبعد في ذلك سواء ، ثم رجع ، فقال كل من يجمعه وأباه أقصى أب في الإسلام ويدخل في الوصية ذو الرحم وغير ذي الرحم المحرم كلهم سواء ، وهو قول محمد والاختلاف في موضعين أحدهما أنه يصرف إلى ذوي الرحم المحرم ولا يصرف إلى غيرهم عند أبي حنيفة ، وعندهما ذو الرحم المحرم وغيره سواء . والثاني أنه يصرف إلى الأقرب فالأقرب عنده ، وعندهما يستوي فيه الأقرب والأبعد واتفقوا أنه لا يدخل فيها الوصية لوارث لقوله عليه السلام : { لا وصية لوارث } ، وكذلك يعتبر الاثنان بالاتفاق ; لأن ذوي لفظ جمع وأقل الجمع اثنان في الميراث .

( ألا ترى ) أن الأخوين ينقلان الأم من الثلث إلى السدس فكذلك في الوصية إذ هي أخت الميراث فلذلك لا يصرف إلى الولد ; لأنهما يسميان قرابة لقوله تعالى : { إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } من بينهما فتبين أن الوالدين غير القرابة ، فإذا خرج الأب من أن يكون قريبا للابن خرج الابن من أن يكون قريبا للأب وهل يدخل فيها الجدود وولد الولد ففي الزيادات أنه يدخل ولم يذكر فيه خلافا وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الجد وولد الولد لا يدخلان في الوصية ، وكذا روي عن أبي يوسف ; لأن الجد بمنزلة الأب وولد الولد بمنزلة الولد ، وإنما اعتبر أبو حنيفة ذا الرحم المحرم ; لأن الموصي قصد بالوصية صلة الرحم ; لأنه مأمور بها قال الله - تعالى - : { إن الله يأمر بالعدل [ ص: 156 ] والإحسان وإيتاء ذي القربى } ، وقال جل وعلا : { وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله } فلما كان مأمورا بصلة القرابة ، وإنما تجب الصلة ممن كان ذا رحم محرم منه فانصرفت الوصية إليه دون غيره ; لأن القرابة المطلقة قرابة ذي الرحم المحرم لاختصاصها بأحكام مخصوصة من عدم جواز المناكحة والعتق عند الملك وعدم الرجوع في الهبة ووجوب النفقة عند العشرة فانصرفت الوصية إليه ، وإنما اعتبر الأقرب فالأقرب ; لأن كل من كان أقرب إليه فهو أشبه بهذا اللفظ فكان أولى كما في العصبات وذوي الأرحام في الميراث والأقرب في الشفعة . وجه قول أبي يوسف الأول أنه ينصرف إلى كل ذي رحم محرم منه الأقرب والأبعد منه سواء ; لأنهم في استحقاق الاسم سواء .

( ألا ترى ) أنه لو أوصى لإخوته وله إخوة بعضهم لأب وأم وبعضهم لأب وبعضهم لأم أنهم في الوصية سواء ولا يعتبر الأقرب . وجه قوله الآخر ، وهو قول محمد أنه يدخل فيه ذو الرحم المحرم وغير ذي الرحم المحرم ويصرف إلى كل من يجمعه . وأباه أقصى أب في الإسلام إن هذا اللفظ في الأبعدين أكثر استعمالا من الأقربين .

( ألا ترى ) أنه لا يقال للأخ أو العم هذا قربى فيدخلون كلهم في الوصية .

( ألا ترى ) إلى ما روي في الخبر : { لما نزل قوله تعالى : { وأنذر عشيرتك الأقربين } جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرباءه سبعين نفسا ، وقال لهم إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد } ، وكان فيهم ذو رحم محرم وغيره فثبت أن كلهم في الوصية سواء إلا أنه لا يمكن أن يدخل فيه جميع أولاد آدم عليه السلام فيجعل الحد فيه من يجمعه وإياهم أقصى أب في الإسلام ; لأنه لما ورد الإسلام صارت المعرفة بأهل الإسلام وكان قبل ذلك يعرف بقبائل الجاهلية وهما إنما قالا ذلك في زمانهما ; لأن في ذلك الوقت ربما يبلغ إلى ثلاثة آباء أو أربعة آباء ولا يجاوز ذلك فتتبين أقرباؤه أما في زماننا فلا يمكن أن يعتبر ذلك ; لأن النسبة قد طالت فتقع الوصية لقوم مجهولين .

فإن ترك عمين وخالين وهم ليسوا بورثة فعند أبي حنيفة الوصية للعمين دون الخالين ; لأن العم أقرب من الخال ; لأنه من قبل الأب بدليل الولاية ، وعندهما الثلث بينهم بالسوية ولو كان له عم واحد وخالان كان للعم النصف والنصف للخالين عنده ; لأنه أوصى بلفظ الجمع ، وهو قوله ذوي وأقل الجمع في الوصية اثنان ويصرف النصف إلى الخالين ; لأنهما يستحقان اسم القرابة ، فإذا خرج العم من الوسط صار كأنه لم يترك إلا الخالين .

قال محمد رحمه الله إذا أوصى بثلث ماله لقبيلة دخل الموالي فيه ; لأنهم ينسبون إلى تلك القبيلة ، وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال : { مولى القوم منهم } ، هذا إذا كانوا يحصون [ ص: 157 ] فإن كانوا يحصون فالوصية باطلة ; لأن المقصود من هذه الوصية الصلة .

( ألا ترى ) أنه يستوي فيه الغني والفقير ، فإذا كانوا يحصون صاروا مجهولين فبطلت وجه الإحصاء ذكرناه في الشرب والشفعة ولا خلاف في المسألة إلا أنه نص على قول محمد .

وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أوصى لفقراء أهل بيته فلكل من ينسب إلى أقصى جد في الإسلام من قبل الرجال ، وكذا لمحتاجي أهل بيته أي إذا أوصى لأهل بيته ، فإن كان الموصي من أولاد العباس فكل من كان نسبه إلى العباس من قبل الأب دخل فيه سواء كان هو بنفسه ذكرا أو أنثى بعد أن يكونا منسوبين إليه من قبل الآباء ، ومن كان نسبه إليه من قبل الأم لا يدخل فيه ; لأنه لا يسمى من أهل بيته ، وإنما يسمى من أهل بيت آخرين ، وكذلك الوصية لجنس فلان أو لمحتاجي جنسه ; لأن الجنس وأهل البيت سواء وسواء كانوا يحصون أو لا يحصون ; لأن هذا سبيل الصدقة ; لأنه حصر الفقراء والمحتاجين وجهالة المتصدق عليه لا تمنع الصحة ، فإن قابض الصدقة هو الله - تعالى - وهذا عندهم إلا أن عند أبي حنيفة يعتبر الأقرب فالأقرب ولا يعطي غير ذي الرحم المحرم ، وعندهما تصرف إلى الكل .
ولو أوصى بثلث ماله لإخوته وله ستة إخوة متفرقين وله ولد يحوز ميراثه فالثلث بين إخوته سواء ; لأن الاستحقاق بالاسم وهم في استحقاق الاسم سواء بخلاف ما لو أوصى لأقرباء فلان عند أبي حنيفة ; لأنه يصح أن يقال هذا أقرب من فلان ولا يصح أن يقال هذا أكثر أخوة من فلان بل كلهم في استحقاق الاسم سواء هذا إذا كان له ولد يحوز ميراثه ، فإن لم يكن فلا وصية للوارث وللأخوين لأب ثلث ذلك ; لأنهما لا يرثان .

فإن قيل وجب أن يصرف جميع الثلث إليهما إذا لم تصح الوصية لهم كما لو أوصى لحي وميت قلنا الإضافة كانت صحيحة إلى الأخوين لأب وأمين ولأخوين لأم .

( ألا ترى ) أنه لو أجازت الورثة جازت إلا أنهم خرجوا بعد الدخول في الوصية فلا يزداد حق الأخ لأب .

( ألا ترى ) أنه لو أوصى لثلاثة نفر فمات اثنان قبل موته كان للباقي ثلث الثلث لصحة الإضافة .

( ألا ترى ) أنه لو قال الثلث الذي أوصيت به لفلان ، فقد أوصيت به لوارثه ، فإنه يكون رجوعا بخلاف ما لو قال لفلان وفلان وأحدهما ميت ; لأن الميت ليس بمحل بوجه فلا يدخل تحت اللفظ .

( ألا ترى ) أنه لو قال الثلث الذي أوصيت به لفلان ، فقد أوصيت به لفلان الميت لا يكون رجوعا ، وإذا أوصى بثلثه لبني فلان ، فهذا لا يخلو إما أن يكون الأب هو قبيلة مثل تميم وكليب ووائل أو لا يكون قبيلة بل أب خاص ، فإن كان قبيلة خاصة دخل [ ص: 158 ] فيه الذكور والإناث ; لأن المراد النسبة والمرأة تقول أنا من بني فلان كما يقول الرجل ; لأنه لا حقيقة لهذه النسبة ، وإنما ينسب إليها مجازا فيتناول جنس من ينسب إليها حقيقة كان أو مجازا .

( ألا ترى ) أنه لم يدخل فيه الحليف والخليل ، وإذا كانوا يحصون ، فإن كانوا لا يحصون فهي باطلة ; لأن في القبيلة أغنياء وفقراء والوصية للأغنياء صلة والصلة للمجهول باطلة . أما إذا كان فلان أب صلب ، فإن كانوا ذكورا دخلوا في الوصية ; لأن لفظ البنين للذكور حقيقة فينصرف إليه ما أمكن ، وإن كن إناثا لا يدخل فيه ذكور واحدة منهن ; لأن اللفظ لا يتناولهن ، وإن كانوا ذكورا وإناثا فعند أبي حنيفة وأبي يوسف الوصية للذكور دون الإناث ، وعند محمد يدخل فيه الذكور والإناث ، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رواه يوسف بن خالد السمين لأبي يوسف وأبي حنيفة فعند أبي حنيفة وأبي يوسف أن البنين جمع لابن يقع على الذكور ; لأنه حقيقة .

( ألا ترى ) أنهم لو كانوا كلهم إناثا لم يدخلوا في الوصية . ومحمد يقول البنين إذا ذكروا مطلقا يقع على الذكور والإناث عند اشتراكهم قال الله - تعالى - : { يا بني آدم } ولم يقصر اللفظ على الذكر خاصة ; لأن النسب إلى الجد بمنزلة النسب إلى الأب في الحقيقة ; لأن أكثر الناس ينسب إلى الجد ليعرف دون الأب .

( ألا ترى ) أن ابن أبي ليلى ينسب إلى جده ، وكذلك أبو نصر بن سلامة ينسب إلى جده ; لأن سلامة جده لا أبوه ، وإذا كان ينسب إلى الجد صار الحكم أن الصلب والجد سواء .

ولو أوصى بثلثه لولد فلان وله بنون وبنات كان الثلث بينهم سواء ; لأن الولد اسم لجنس المولود ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر ولو كانت له امرأة حامل دخل ما في بطنها في الوصية ; لأنه دخل تحت تسمية الولد .

( ألا ترى ) أنه يرث فيدخل تحت الوصية أيضا ، فإن كانت له بنات وبنو ابن فالوصية لبناته دون بني ابنه ; لأن لفظ الولد يتناول ابنه حقيقة ويتناول أولاد الابن مجازا فمهما أمكن صرفه إلى حقيقته لا يصرف إلى مجازه ولا يدخل أولاد البنات ; لأنهم من قوم آخرين وليسوا من أولاده ; لأن النسب للآباء ولو كان له ولد واحد ذكر أو أنثى فجميع الوصية له ; لأنه هو المستحق للاسم على الحقيقة فلا يصرف إلى مجازه والولد اسم جنس يتناول الواحد فصاعدا .

وإذا أوصى لفخذ فلان أو لبطن فلان فالجواب فيه مثل الجواب في قوله لقبيلة فلان يدخل فيه البنون والبنات ، وهذا إذا كانوا يحصون ، فأما إذا كانوا لا يحصون فالوصية باطلة ; لأنه للمجهول إلا إذا قال لفقرائهم فحينئذ يجوز ; لأن المقصود به التقرب إلى الله - تعالى - فإن كانوا يحصون يدفع إلى جميعهم ; لأنه بمنزلة التسمية لهم ، وإن كانوا [ ص: 159 ] لا يحصون يجوز أن يدفع إلى بعضهم دون بعض غير أن عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يجوز صرفه كله إلى فقير واحد ، وعند محمد لا يجوز إلا أن يصرف إلى اثنين ; لأن الوصية أخت الميراث والجمع في باب الميراث اثنان فصاعدا ولهما أن الفقر اسم جنس والجنس يتناول الواحد فصاعدا دل عليه قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء } الآية ولو دفع إلى فقير واحد جاز ولهذا لو قال إن تزوجت النساء فعبدي حر فتزوج امرأة واحدة يعتق .
ولو أوصى بثلثه لفلان وفلان أو بني فلان وفلان ، ثم مات الموصي فالمسألة على ثلاثة أوجه إما أن يموت أحدهما قبل موت الموصي أو بعد موته أو كان ميتا وقت الوصية أما إذا مات بعد موته ، فإنه يكون الثلث بين الحي والميت نصفين ولأن الموصي لما مات أولا ، فقد وجبت الوصية لهما ، فإذا مات أحدهما صار نصيبه لورثته ، وإن مات أحدهما قبل موته صار نصف الثلث للحي ونصفه مردودا إلى ورثة الموصي ; لأنه مات قبل وجوب الوصية له ; لأن الوصية تملك بعد الموت ، وقد مات قبل الملك ، وإنما يكون للحي نصف الثلث ; لأن الإضافة إليهما كانت صحيحة وكان لكل واحد منهما نصف الثلث فلا يزاد حقه بموت الآخر فكان لورثة الموصي ، وأما إذا كان أحدهما ميتا وقت الوصية ، فإن كان الموصي قال بني فلان وفلان فللحي نصف الوصية ولا شيء لورثة الميت ; لأن كلمة بين كلمة تقسيم وتجزئة فصار كأنه أوصى لكل واحد منهما بنصف الثلث ، وإذا بطل نصيب الميت رجع إلى ورثة الموصي ولا يكون للحي إلا النصف ولو قال لفلان وفلان وأحدهما ميت فالوصية كلها للحي سواء علم بموته أو لم يعلم ويروى عن أبي يوسف أنه قال إن كان الموصي علم بموته فالثلث كله للحي ، وإن لم يعلم فللحي نصفه ; لأنه إذا لم يعلم بموته كان قصده تمليك نصف الثلث لكل واحد منهما فلا يثبت إلا ذلك بخلاف ما إذا علم بموته ; لأنه قصد صلة الحي منهما . وجه ظاهر الرواية أنه أضاف الوصية إلى اثنين أحدهما تصلح الإضافة إليه والآخر لا تصلح فبطلت الإضافة إلى من لا تصلح إليه الإضافة وتثبت إلى من تصلح الإضافة إليه .

( ألا ترى ) أنه لو قال ثلث مالي لفلان ولهذه الإسراء ولهذه الأسطوانة كان الثلث كله لفلان ولو قال ثلث مالي لفلان ولعقبه فالثلث كله لفلان ; لأن الإضافة إلى العقب فاسدة ; لأن عقبه من يعقبه ، فإذا كان هو حيا لا يكون له عقب ، وإذا بطلت الإضافة إلى العقب ثبت ثلث المال إليه . ولو قال ثلث مالي لفلان وللمساكين كان نصفه لفلان ونصفه للمساكين عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد ثلثه لفلان وثلثاه للمساكين بناء على ما ذكرنا أن عنده [ ص: 160 ] المساكين اسم جمع فيتناول الاثنين ، وعندهما اسم جنس فيقع على الأدنى ، وكذا لو قال ثلث مالي لفلان وللحج كان نصفه لفلان ونصفه للحج ; لأن الوصية للحج وصية لله - تعالى - فصار كأنه أوصى لاثنين ، وإذا قال حجوا عني حجة وأعتقوا عني نسمة ينفذ من الثلث ; لأن الوصية نفاذها من الثلث ، فإذا كان لا يسعها ينظر إن كانت الحجة حجة الإسلام بدئ بها ، وإن أخره الميت ; لأن حجة الإسلام أقوى من نسمة التطوع ويعلم أن إسقاط الفرض أهم إليه من غيره إلا أنه أخره ليقبل قلبه ، وإن كان حجه تطوعا وليس أحدهما بأولى من الآخر فيبدأ بما بدأ به الميت ; لأنه أهم عنده هذا إذا أوصى بعتق نسمة منه بغير عينها أما إذا كانت النسمة بعينها ، فإنهما يتحاصان في الثلث ; لأن الوصية بالعتق وصية للعبد إذا كان معينا والوصية بالحج وصية لله - تعالى - فصار بمنزلة وصيتين مختلفتين فيتحاصان بخلاف ما إذا كانت النسمة بغير عينها ; لأنهما وصيتان لله - تعالى - .

وإذا أوصى بالثلث لبني فلان وهم أربعة فمات منهم اثنان وولد للأب ولد آخر ، ثم مات الموصي فالثلث لولده يوم يموت الموصي ; لأن الوصية تمليك بعد الموت فانصرف إلى الموجودين بعد الموت .

( ألا ترى ) أنه يعتبر ماله يوم الموت لا يوم الوصية ، وكذا لو قال ثلث مالي لموالي فلان وفلان العربي ، ثم مات منهم ميت وأعتق فلان منهم عبدا ، ثم مات الموصي فالثلث لمواليه يوم مات لما ذكرنا .

ولو كان لفلان موالي أعتقهم وموالي أعتقوه ، فإن لم يكن من العرب ولم يبين لأي الفريقين أوصى فالوصية باطلة ; لأن الموصى له مجهول ; لأن المولى يذكر ويراد به المولى الأسفل ويذكر ويراد به الأعلى ولا يمكن الجمع بينهما لاختلاف المقصود ; لأن المقصود من الوصية للأسفل زيادة إنعام ، ومن الوصية للأعلى الشكر على النعمة وهما متضادان لا يمكن الجمع بينهما وروي عن أبي حنيفة أن الثلث للمولى الأسفل ; لأن قصده بالوصية البر والناس يقصدون بالبر المولى الأسفل دون الأعلى .

( ألا ترى ) أنه لو وقف على مواليه كان للأسفل دون الأعلى كذلك هنا وروي عنه أيضا أن الثلث بين الفريقين نصفان ; لأن الاستحقاق بالاسم وهم في استحقاقه سواء .

( ألا ترى ) أنه لو أوصى لإخوته وله أخ لأب وأم وأخ لأب وأخ لأم أن الثلث بينهم لاستحقاق الاسم كذلك هاهنا .

ولو أوصى بثلث ماله لفلان وله مال فهلك ذلك المال أو لم يكن له مال ، ثم اكتسب مالا فله ثلث ماله يوم يموت ; لأن الوصية تمليك عند الموت ولأن الرجل لا يكون ماله أبدا على حالة واحدة فربما يستفيد وربما يهلك فلما أوصى بثلث ماله مرسلا ولم يقيده صار كأنه قال لفلان ثلث مالي الذي [ ص: 161 ] يكون وقت الموت .

( ألا ترى ) أنه لو ربح في المال ربحا أو زاد في المال شيئا أن له ثلث جميع المال .

ولو أوصى له بثلث غنمه فهلكت الغنم قبل موته أو لم يكن له غنم من الأصل فالوصية باطلة ، وكذا العروض كلها ; لأن الوصية تعلقت به فالهلاك يبطلها ، وكذلك إن لم يكن موجودا فاستفاد ; لأنه علقه بالعين ، وأنها غير موجودة ، وكذا لو قال شاة من غنمي أو قفيز من حنطتي ، ثم مات وليس له غنم ولا حنطة فالوصية باطلة إذا لم يكن له في الأصل غنم ولا حنطة ومثله لو قال شاة من مالي أو قفيز حنطة من مالي أو ثوب من مالي فالوصية جائزة ويعطي له قيمة شاة ; لأنه أضافها إلى ماله فالمال اسم للجنس يتناول الدراهم والدنانير والعروض ونحوها والشاة ليست من أجزاء هذا المال فعلم أنه أراد قيمة شاة من ماله .
ولو أوصى له بشاة ولم يقل من غنمي ولا من مالي فمات وليس له غنم لم تذكر في هذا الكتاب وينبغي أن يعطى له شاة أو قيمة شاة ، وقد ذكر في السير الكبير مسألة تدل على هذه الحالة قال إذا قال الإمام من قتل قتيلا فله جارية من السبي ، فإن كان في السبايا جارية ، فإنه يعطى له ، وإن لم يكن ، فإنه لا يعطى له ، ولو قال من قتل قتيلا فله جارية ولم يقل من السبي ، فإنه يعطى جارية على كل حال كذلك هنا .
ولو أوصى للرجل بثوب ، ثم قطعه وخاطه قميصا ، فهذا لا يخلو إما أن يغيره عن جنسه أو يزيد فيه أو ينقصه أما إذا غيره عن جنسه كان رجوعا كما إذا أوصى له بثوب ، ثم قطعه وخاطه قميصا أو أوصى له بقطن ، ثم غزله أو بغزل ، ثم نسجه أو بحديدة ، ثم صاغ منها إناء أو سيفا أو بفضة ، ثم صاغ منها خاتما أو غيره كان رجوعا ; لأنه لما غيره عن حاله استدل به أنه أراد الرجوع إذا لو كان من قصده البقاء على الوصية لما كان يغيره عن حاله فالذي أوصى به يوجد والذي وجد لم يوص به ; لأنه صار شيئا آخر ، وأما إذا زاد فيه ، فإن كانت زيادة لها قيمة مثل الثوب إذا صبغه والسويق إذا لته بالسمن أو أوصى له بدار وليس فيها بناء فبنى فيها كان ذلك رجوعا ; لأن الموصى له لا يتوصل إليه إلا ببذل ، وقد جعل وصيته بغير بذل فلما لم يتوصل إليه إلا ببذل يستدل به أنه أبطل الوصية ، وأما إذا زاد شيئا يتوصل به إليه بغير بذل كما إذا أوصى بدار ، ثم جصصها أو طينها فذلك لا يكون رجوعا ; لأن ذلك تحسين وتزيين ويتوصل إليه بغير بذل فلم يكن رجوعا وكان ذلك دليل البقاء على الوصية .
وكذلك لو أوصى له بثوب ، ثم غسله لم يكن رجوعا ; لأنه ليس بزيادة ، وإنما ذلك لإزالة الدرن والوسخ ، وأما إذا نقصه ، فإن كان نقصانا يبقى الغير مع ذلك النقصان لا يكون رجوعا كما إذا أوصى له بثبوت ، ثم قطعه ولم يخطه ; لأن الشيء لم يتغير عن [ ص: 162 ] حاله لكن انتقص ، وإن كان لا يبقى مع ذلك النقصان كان رجوعا كما إذا أوصى له بشاة ، ثم ذبحها ; لأن اللحم لا يبقى إلى وقت الموت ، والإنسان وإن مرض مرضا شديدا ، فإنه لا ينقضي أجله فلما كان عنده أن اللحم لا يبقى إلى وقت موته ، فقد قصد الرجوع عن الوصية .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.08 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.47%)]