
28-12-2025, 10:35 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع والعشرون
صـــ142 الى صـــ 151
(553)
( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله : اعلم بأن الوصية عقد مندوب إليه مرغوب ليس بفرض ولا واجب عند جمهور العلماء ، وقال بعض الناس الوصية للوالدين والأقربين إذا كانوا ممن لا يرثونه فرض ، وعند بعضهم الوصية واجبة على أحد ممن لم يرثوه واستدلوا بقوله - تعالى - : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } والمكتوب علينا يكون فرضا ، وقال عليه السلام : { لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر إذا كان له مال يريد الوصية فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه } ، وحجتنا في ذلك أن الوصية مشروعة لنا لا علينا قال عليه السلام : { إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم فضعوه حيث شئتم أو قال حيث أحببتم } ، والمشروع لنا ما لا يكون فرضا ولا واجبا علينا بل يكون مندوبا إليه بمنزلة النوافل من العبادات ثم التبرع بعد الوفاء معتبر بالتبرع في حالة الحياة وذلك إحسان مندوب إليه ، وكذلك التبرع بالوصية بعد الموت ، وأما الآية فقد اتفق أكثر أهل التفسير على أن ذلك كان في الابتداء قبل أن ينزل آية المواريث ثم انتسخ ، وتكلموا في ناسخه وكان أبو بكر الرازي رحمه الله يقول : إنما انتسخ بقوله : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } فإنه نص على الميراث بعد وصية منكرة فلو كانت الوصية للوالدين والأقربين ثابتة بعد نزول هذه الآية [ ص: 143 ] لذكر الإرث بعد الوصية المعرفة ; لأن تلك وصية معهودة ، وهذا قول الشافعي أيضا بناء على مذهبه أنه لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة والرازي كان لا يجوز نسخ الكتاب إلا بالخبر المتواتر وأكثر مشايخنا رحمهم الله يقولون إنما انتسخ هذا الحكم بقوله عليه السلام : { إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث } ، وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول والعمل به ونسخ الكتاب جائز بمثله عندنا ; لأن ما تلقته العلماء بالقبول والعمل به كالمسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو سمعناه يقول لا تعملوا بهذه الآية فإن حكمها منسوخ لم يجز العمل بها ولأجل شهرة هذا الحديث بدأ الكتاب به ورواه عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا وصية لوارث } ، وفي بعض الرواية قال : { إلا أن يجيزه الورثة } ، وفي هذه الزيادة بيان أن المراد نفي الجواز لا نفي التحقيق ، ومن ضرورة نفي الجواز نفي الفرضية والوجوب ، والحديث مرسل بالطريق الذي رواه ولكن المراسيل حجة عندنا كالمسانيد أو أقوى من المسانيد ; لأن الراوي إذا سمع الحديث من واحد لا يشق عليه حفظ اسمه فيرويه مسندا وإذا سمعه من جماعة يشق عليه حفظ الرواية فيرسل الحديث فكان الإرسال من الراوي المعروف دليل شهرة الحديث ، فأما الحديث الذي رواه فهو شاذ فيما تعم به البلوى والوجوب لا يثبت بمثله ، ثم هو محمول على ما كان ابتداء قبل نزول آية المواريث أو المراد ذلك لا يليق بطريق الاحتياط والأخذ بمكارم الأخلاق لقوله عليه السلام : { لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان وجاره طاو إلى جنبه } ، والمراد ما بينا .
ثم الوصية تتقدر بقدر الثلث من المال وهي مأخوذة من الدين لحديث علي رضي الله عنه قال : إنكم تقرءون الوصية قبل الدين { وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدأ بالدين قبل الوصية } ، وهكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فهذا منهما إشارة إلى معنى التقديم والتأخير في الآية ، ثم قضاء الدين من أصول حوائج المرء ; لأنه تفرغ به ذمته والوصية ليست من أصول حوائجه وحاجته مقدمة في تركته .
( ألا ترى ) أنه يقدم جهازه وكفنه لحاجته إلى ذلك فكذلك قضاء الدين ، ثم زعم بعض أصحابنا أن الوصية بعد الدين تقدم على الميراث لظاهر الآية وأكثرهم قالوا التقديم لا يظهر في الوصية بل الوارث يستحق الثلثين إرثا في الوقت الذي يستحق الموصى له الثلث بالوصية والمراد من الآية تقديم الوصية على الميراث في الثلث ; لأنه محل للإرث إذا لم يوص فيه بشيء ، فإذا أقضى كانت الوصية في الثلث مقدمة على الميراث والدليل على أن محل الوصية النافذة شرعا ثلث [ ص: 144 ] المال ما رواه من حديث : { سعد بن مالك قال يا رسول الله أوصي بمالي كله ، فقال لا قال فبنصفه قال لا قال فبثلثه قال الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس } ، وفي رواية : يتكفكفون ، وأصل هذا الحديث ما روي : { أن سعدا رضي الله عنه مرض بمكة عام حجة الوداع فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقال يا رسول الله أخلف عن دار الهجرة فأموت بمكة ، فقال : إني لأرجو أن يبقيك الله ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون لكن البائس سعد بن خولة يرثى له إن مات بمكة } ، قيل هذا من النبي عليه السلام إشارة إلى ما جرى من الفتوح على يد سعد في زمن عمر رضي الله عنه ، ثم { قال : يا رسول إني لا يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بمالي كله } ، الحديث ، وفيه دليل على أنه لا ينبغي للمرء أن يوصي بأكثر من ثلثه ; لأن النبي عليه السلام ذم المعتدين في الوصية والتعدي في الوصية مجاوزة حدها قال الله - تعالى - : { ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } ، وفي الحديث : { الحيف في الوصية أكبر الكبائر } ، والحيف هو الظلم والميل وذلك بمجاوزة الحد المحدود شرعا بأن يوصي لبعض ورثته أو يوصي بأكثر من ثلث ماله على الإضرار بورثته .
والدليل على أن محل الوصية الثلث ما روينا من قوله : { إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم } ، ثم بين المعنى بقوله : { إنك إن تدع عيالك أغنياء } ، معناه ورثتك أقرب إليك من الأجانب فترك المال خير لك من الوصية فيه ، وفي هذا دليل أن التعليل في الوصية أفضل وذلك مروي عن أبي بكر وعمر ، وقال : لأن يوصي بالخمس أحب إلينا من أن يوصي بالربع ولأن يوصي بالربع أحب إلينا من أن يوصي بالثلث ، وعن علي رضي الله عنه مثل ذلك وزاد وقال : من أوصى بالثلث فلم يترك شيئا يعني لم يترك شيئا مما جعل له الشرع حق الوصية فيه فعرفنا أن القليل في الوصية أفضل ; لأن ذلك أبعد وحشة الورثة ، فإنه إذا أوصى بجميع الثلث قال الوارث لا منة له علي ، فإنه ما ترك الوصية بما زاد على الثلث إلا لعجزه عن تنفيذه شرعا وحق الوارث ثبت في ماله شرعا قال عليه السلام : { إن أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر حتى إذا بلغ هذا - وأشار إلى التراقي - قلت : لفلان كذا ولفلان كذا كان ذلك } وإن لم يقل ، وإنما تحل الوصية بالثلث شرعا لمن يترك مالا كثيرا يستغني ورثته بثلثه إما لكثرة المال أو لقلة الورثة هكذا روي أن عليا استأذنه رجل في الوصية لمن يترك خيرا يريد قوله تعالى : { إن ترك خيرا } ، ثم يستدل بظاهر هذا الحديث من يقول بأن : { الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر } ، فإن النبي عليه السلام قدم صفة الغنى لورثة سعد ، فقال [ ص: 145 ] { إنك إن تدع عيالك أغنياء } ، ولكنا نقول قدم صفة الغنى لهم واختار الفقر لنفسه والأفضل ما اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ، ثم إنما قدم الغني على الفقير الذي يسأل كما قال : { من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس } ، أي يلحون في السؤال ونحن إنما نقدم الفقير الصابر دون الذي يسأل كما وصفهم الله بقوله - تعالى - : { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا } ، وهذا لأن الفقر مع الصبر أسلم للمرء وأزين للمؤمن قال عليه السلام : { الفقر أزين للمؤمن من العذار الجيد على جلد الفرس } .
فأما الغنى فسبب للطغيان والفتنة قال الله - تعالى - : { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } وروي أن حمزة بن عبد المطلب أوصى إلى زيد بن حارثة يوم أحد وأن عليا رضي الله عنه أوصى إلى الحسن رضي الله عنه ، وفيه دليل أن للمرء أن يوصي إلى غيره في القيام بحوائجه بعد وفاته ، وهذا من نظر الشرع له أيضا فقد يفرط في بعض حوائجه في حياته أو تخترمه المنية فيحتاج إلى من يقوم مقامه في القيام بحوائجه بعد موته والإيصاء إلى الغير كان مشهورا بين الصحابة رضي الله عنهم ، فإن أبا بكر رضي الله عنه استخلف عمر وأوصى إلى عائشة رضي الله عنها في حوائجه وعمر أوصى إلى حفصة وتكلم الناس في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أوصى إلى أحد والصحيح عندنا أنه لم يوص إلى أحد بشيء إنما : { أمر أبا بكر أن يصلي بالناس } ، وبه استدلوا على خلافته ، فقالوا ما اختاره لأمر ديننا إلا وهو يرضى به لأمر دنيانا .
وينبغي أن يوصي إلى من هو أقرب إليه إذا كان أهلا لذلك كما أوصى علي إلى ولده الحسن رضي الله عنه : { وأوصى حمزة إلى زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما حين قدم المدينة } ، وذكر عن ابن مسعود أنه سئل عن إنسان أوصى بسهم من ماله ، فقال هو السدس وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله تعالى ، فقال مطلق لفظ السهم في الوصية والإقرار ينصرف إلى السدس ، وهو مروي عن جماعة من أهل اللغة منهم إياس بن معاوية قالوا السهم السدس وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قالا للموصى له سهم مثل أخس سهام الورثة وروي ذلك في الكتاب عن شريح ; لأن ماله يصير سهاما بين ورثته فذكر السهم ينصرف إلى ذلك وأخس السهام متيقن فيه إلا أن يجاوز السهم فحينئذ لا تنفذ الوصية فيما زاد على الثلث بدون إجازة الورثة وأبو حنيفة يقول هذا إن لو ذكر السهم معرفا ، وقد ذكره منكرا بقوله أوصيت لكم بسهم من مالي فينصرف إلى ما فسر أهل اللغة السهم به وبيان المسألة يأتي في موضعه .
وعن عمر رضي الله عنه قال إذا أوصى الرجل بوصيتين فالأخيرة منهما أملك وبظاهره [ ص: 146 ] أخذ الشافعي ، فقال الوصية الثانية بالثلث أو بالعتق للذي أوصى به لغيره يكون دليل الرجوع عن الوصية الأولى ولكنا نقول المراد وصيتان بينهما منافاة بأن يوصي ببيع عبده من إنسان ، ثم يوصي بعتقه أو على عكس ذلك ، فإن بين هاتين الوصيتين في محل واحد منافاة فالثانية منهما دليل الرجوع عن الأولى ، فأما إذا أوصى إلى إنسان بعبد بعينه ، ثم أوصى لآخر بذلك العبد فلا منافاة بين الوصيتين في المحل ومراده أن يكون كله لأحدهما إن لم يقبل الآخر الوصية أو لم يبق إلى ما بعد موت الموصي ، وإن لم يكن مشتركا بينهما إن قبلا جميعا الوصية فلا تكون الثانية منهما دليل الرجوع عن الأولى ، وإن لم يستحق الموصى له الأول الترجيح بالسبق فلا أقل من أن يزاحم الموصى له الثانية ، وعن إبراهيم في الرجل يموت ولم يحج قال إن أوصى أن يحج عنه فمن الثلث ، وإن لم يوص فلا شيء وبهذا نأخذ .
وقد بينا المسألة في كتاب المناسك فنقول فيما يجب حقا لله - تعالى - خالصا كالزكاة والحج لا يصير دينا في التركة بعد الموت مقدما على الميراث ولكنه ينفذ من الثلث إن أوصى به كما ينفذ بسائر التبرعات ، وإن لم يوص به فهو يسقط بالموت في أحكام الدنيا ، وإن كان مؤاخذا في الآخرة بالتفريط في أداء بعد التمكن منه ، وعلى قول الشافعي يصير ذلك دينا في تركته مقدما على الميراث أوصى به أو لم يوص ، وقد بينا المسألة في كتاب المناسك والزكاة ، وعن إبراهيم في الرجل يوصي بثلث ماله يحج به عنه أو يعتق به رقبة فلم تتم الحجة ولا الرقبة قال يتصدق عنه ولسنا نأخذ بهذا ، فإن تنفيذ الوصية تجب على ما أوجبه الموصي بحسب الإمكان والتحرز عن التبديل واجب بالنص قال - تعالى - : { فمن بدله بعدما سمعه } الآية ، وإنما يحج بثلثه من حيث يبلغ ، وإن كان الثلث لقلته بحيث لا يمكن أن يحج به عنه فهو لورثته وكان إبراهيم ذهب في ذلك إلى أن مقصود الموصي التقرب إلى الله - تعالى - بثلث ماله ونيل الثواب في ذلك القدر من المال فيجب تحصيل مقصوده بحسب الإمكان وذلك في التصدق به ولكنا نقول اعتبار التعبير في ألفاظ الشرع يجب ; لأنها لا تخلو عن حكمة حميدة ، فأما في أوامر العباد فيعتبر اللفظ .
( ألا ترى ) أنه لو أمر إنسانا بأن يطلق امرأته للسنة فطلقها بغير السنة لم يقع ؟ والشرع أمر بإيقاع الطلاق للسنة ، ومن طلق امرأته لغير السنة كان طلاقه واقعا .
وعن إبراهيم قال لا بأس بأن يوصي المسلم للنصراني أو النصراني للمسلم فيما بينه وبين الثلث وهكذا عن شريح وبه نأخذ ، فإن الوصية تبرع بعد الوفاة بعقد مباشرة فيعتبر بالتبرع في حياته ولا بأس بعقد الهبة بين المسلم والذمي في حال الحياة والأصل فيه [ ص: 147 ] قوله تعالى : { لا ينهاكم الله } إلى قوله : { أن تبروهم وتقسطوا إليهم } ، وإن أراد بهذا بيان الفرق بين الوصية والميراث ، فإن الإرث لا يجري مع اختلاف الدين ; لأن الإرث طريقه طريق الولاية والخلافة على معنى أنه يبقى للوارث المال الذي كان للمورث واختلاف الدين يقطع الولاية ، فأما الوصية فتمليك بعقد مبتدأ ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب ولا يصير مغرورا فيما اشتراه الموصي بخلاف الوارث ، وعن إبراهيم في الرجل يستأذن ورثته في الوصية فيأذنون له ، ثم يرجعون بعد موته قال لهم ذلك إن شاءوا رجعوا وبه نأخذ ، فإن الإجازة من الورثة معتبرة في الوصية بما زاد على الثلث أو في الوصية للوارث ، وإنما تعتبر إجازتهم بعد موت الموصي ، فأما في حياته فلا تعتبر ; لأن الإجازة إما أن تكون بمنزلة التمليك منهم أو بمنزلة إسقاط الحق ، وإنما ثبت ذلك كله لهم بعد موت الموصي فتمليكهم قبل أن يملكوا أو إسقاطهم لحقهم قبل أن يتقرر وجوب الحق لهم يكون لغوا ، ثم إجازتهم في حالة الحياة لا تكون دليل الرضا منهم بهذا بل الظاهر أنهم كارهون له إلا أنهم احتشموا المورث فلم يجاهروه بالإباء فلو لزمهم حكم الإجازة في حالة الحياة تضرروا بخلاف ما بعد الموت فإجازتهم بعد الموت دليل الرضا منهم .
وعن إبراهيم في رجل أوصى لغير وارث بدين أو أقر به قال هو جائز ولو أحاط بماله ومراده الإقرار بالدين لا الوصية ، وإنما سماه وصية لذكره إياه فيما بين الوصايا ، وفي موضع الوصية وبهذا نأخذ فنقول الإقرار لغير الوارث بالدين صحيح ، وإن أحاط بماله ، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنه ، وقد روي مرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيناه في كتاب الإقرار ، وعن الشعبي أنه سئل عن رجل له ثلاث بنين فأوصى لرجل بمثل نصيب أحدهم قال له الربع وبه نأخذ ; لأن مثل الشيء غيره فهو جعل نصيب أحد البنين معيارا لما أوجب الوصية فيه وجعل وصيته بمثل ذلك ، فأما أن يقال يصير الموصى له بالإيجاب كابن آخر له مع البنين الثلاثة فله الربع أو يقال ينظر في نصيب أحد البنين فيزاد على أصل السهام مثل ذلك للموصى له والمال بين البنين الثلاثة على ثلاثة أسهم لكل واحد منهم سهم ، فإذا زدنا للموصى له سهما على الثلاثة كانت السهام أربعة ، ثم نعطيه ذلك السهم فيكون له الربع ولا يجوز له أن يعطي الثلث بهذا الإيجاب ; لأن ذلك حينئذ ينفذ الوصية له في نصيب أحد البنين لا في مثل نصيب أحدهم ، وهو إنما أوصى له بمثل نصيب أحدهم .
وعن إبراهيم والشعبي قالا في رجل أوصى لرجلين بالنصف والثلث فردوا إلى الثلث بينهم على خمسة أسهم لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب [ ص: 148 ] الثلث اثنان ، وهذا قول أبي يوسف ومحمد وابن أبي ليلى رحمهم الله ، فأما عند أبي حنيفة رحمه الله فالثلث بينهما نصفان . والأصل عند أبي حنيفة أن الوصية بما زاد على الثلث عند عدم إجازة الورثة تبطل في حق الضرب بها في ثلث ، وبيانه إذا أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بثلث ماله فلم تجز الورثة أو أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بنصف ماله فلم تجز الورثة فعند أبي حنيفة الثلث بينهما نصفان في الفصلين جميعا ، وعندهما في الفصل الأول يكون الثلث بينهما أرباعا على أن يضرب الموصى له بالجميع بالثلث في سهام جميع المال الثلاثة والموصى له بالثلث بسهم واحد ، وفي الفصل الثاني يكون الثلث بينهما أثلاثا على أن يضرب الموصى له بالجميع بسهمين والموصى له بالنصف بسهم فهما يقولان : ما يوجبه الموصي بعد موته معتبر بما أوجبه الله - تعالى - من السهام للورثة بعد الموت والله - تعالى - أوجب للزوج النصف وللأخت النصف وللأم الثلث فكان موجب استحقاق كل واحد منهم بما أوجب له عند الانفراد والضرب بجميع ما سمي له بالوصية في محل الميراث عند المزاحمة فكذلك فيما أوجب الموصي .
المقصود استحقاق كل واحد منهما لما أوجبه له عند الانفراد وإجازة الورثة يوضحه أن الموصي قصد سلامة ما سمي لكل واحد منهما بكماله وتفضيل أحدهما على الآخر ففي أحد الحكمين تعذر تحصيل مقصوده عند عدم إجازة الورثة ، وفي حكم الآخر ما تعذر تحصيل مقصوده فيجب تحصيله كما لو قال أوصيت بهذه الألف لفلان منها بستمائة ولفلان منها بسبعمائة تعتبر تسميته لكل واحد منهما ، وفي القدر الذي سمي التفضيل بينهما ، وإن تعذر اعتباره في استحقاق جميع المسمى لكل واحد منهما لضيق المحل ، ثم وصيته بالنصف والثلث ينصرف كل واحد منهما إلى جزء شائع في جميع ماله ، وفيما ذهب إليه أبو حنيفة تنفذ وصية أحدهما بجميع الثلث الذي له أن يوصي به وجعل الزيادة فيما أوصى لأحدهما بثلث ماله للآخر خاصة حتى يبطل بعدم إجازة الورثة وذلك خلاف ما أوجبه الموصي .
( ألا ترى ) أنه لو أوصى لأحدهما بثلث ماله ولآخر بسدس ماله ولأحدهما بالثلث وللآخر بالربع أن لكل واحد منهما أن يضرب بجميع ما أوصى به له في الثلث ، وكذلك لو أوصى لأحدهما بألف درهم وللآخر بألفين وثلث ماله ألف ضرب كل واحد منهما في الثلث بجميع ما سمي له ، وكذلك لو أعتق في مرضه عبدا قيمته ألف وعبدا قيمته ألفان وثلث ماله ألف أو باع من إنسان عبدا وحاباه بألف وباع من أحد شيئا وحاباه بألفين ضرب كل واحد منهما في الثلث بجميع ما حباه ، وإن كان أكثر من ثلث [ ص: 149 ] ماله فكذلك فيما سبق .
ولأبي حنيفة - رحمه الله - طريقان : أحدهما أن الوصية بما زاد على الثلث عند عدم إجازة الورثة مفسوخة بتغيير الوصية المفسوخة كالمرجوع فلا يستحق الضرب بها كالوصية بمال الجار ، وإنما قلنا ذلك ; لأنها كانت موقوفة على إجازة الورثة فتنفسخ بردهم كالبيع الموقوف على إجازة المالك ينفسخ برده وتأثيره أن حق الضرب فيه بناء على صحة الإيجاب ، وقد بطل ذلك بالانفساخ فلا معنى للضرب به في مزاحمة وصية الإيجاب فيها صحيح ، ولهذا فارق المواريث ، فإن ما أوجبه الله - تعالى - لكل وارث صحيح قطعا ويقينا فعرفنا أن المراد المضاربة بها عند ضيق المحل لعلمنا أن المال الواحد لا يكون له نصفان وثلث وبه فارق الوصية بالثلث والسدس ; لأن كل واحد منهما إيجاب صحيح لا ينفسخ برد الوارث ، فإن كل واحد منهما إيجاب بتسمية يوجد ذلك فيما هو محل الوصية ، وهو الثلث ، فأما هذا فإيجاب بتسمية لا توجد تلك التسمية إلا فيما هو حق الورثة فيبطل بردهم الإيجاب فيما يتناول حقهم ، وكذلك الوصية بالألف والألفين ، فإنها ما وقعت في حق الورثة بهذه التسمية ; لأن حق الورثة في أعيان التركة دون الألف المرسلة .
( ألا ترى ) أنه يتصور تنفيذ جميع هذه الوصية على ما سمى الموصي من غير إجازة الورثة بأن يكثر مال المورث فكذلك في مسألة العتق ، فإن ذلك وصية بالبراءة عن السعاية والسعاية بمنزلة الألوف المرسلة .
( ألا ترى ) أنه يتصور تنفيذ الوصية لكل واحد منهما بدون إجازة الورثة بأن يكثر مال الميت .
وكذلك في مسألة المحاباة فالوصية بالمحاباة تكون من الثمن وذلك بمنزلة المال المرسل حتى يتصور تنفيذه لكل واحد منهما بدون إجازة الورثة عند كثرة المال ، فإن قيل هذا فاسد ، فإن الخلاف ثابت فيما إذا أوصى بعبد بعينه لإنسان قيمته ألف وبعبد آخر بعينه لإنسان قيمته ألفان ولا مال له سواهما وهنا يتصور تنفيذ الوصية لكل واحد منهما في جميع ما سمي له بغير إجازة الورثة بأن يكثر مال الميت فيخرج العبدان من الثلث قلنا نعم ولكن وصيتهما بعين التركة حق الورثة فكانت تلك الوصية واقعة في حق الورثة .
( ألا ترى ) أنها لا تصلح إلا بعد قيام ملكه في العين عند الوصية بخلاف الوصية بالألف المرسلة ، فإنها صحيحة إن لم يكن في ملكه مال عند الوصية والطريق الآخر لأبي حنيفة أن الوصية بما زاد على الثلث وصية ضعيفة حتى لا يجب تنفيذها إلا بإجازة الورثة والوصية بالثلث وصية قوية ، ولا مزاحمة بين الضعيف والقوي في الاستحقاق ولكن الضعيف في مقابلة القوي كالمعدوم ، بمنزلة الوصية للوارث مع الوصية للأجنبي ، فإنه لا يثبت المزاحمة بينهما والمضاربة عند [ ص: 150 ] عدم إجازة الورثة وبه فارق المواريث ، فقد استوت السهام في القوة ، وكذلك الوصايا في الثلث ، فقد استوت في القوة لمصادفة كل واحد منهما محل الوصية ، وكذلك التركة إذا كانت ألفا ، وفيها دين ألف ودين ألفان ; لأن الدينين استويا في القوة ، وكذلك الوصايا في الألوف المرسلة والعتق والمحاباة ، فإنها استوت في القوة حين لم تصح في حق الورثة على ما بينا وقول الموصي قصد تبين فلنا التفصيل بناء على صحة الإيجاب في حق الاستحقاق ، وقد بطل ذلك بالرد على الطريق الأول ، وهو ضعيف على الطريق الثاني فلا يزاحم القوي وبه فارق مسألة الألف ; لأن مطلق الإضافة إليهما يعقبه تفسير ، وهو ما سمي من الستمائة لأحدهما والسبعمائة للآخر فيكون الحكم لذلك التفسير استواء الإيجاب في القوة وما قالوا إن الإيجاب ينصرف إلى جزء شائع هاهنا فاسد ، فإنه إذا أوصى بثلث ماله لابنه استحق الموصى له جميع الثلث ولو انصرف الإيجاب إلى ثلث شائع في جميع المال صار له ثلث الثلث ; لأن ذلك القدر صادف محل الوصية وحيث استحق جميع الثلث عرفنا أن تسمية الثلث مطلقا تنفيذ محل الوصية لتصحيح إيجابه في جميعه كالعبد المشترك بين اثنين يبيع أحدهما نصفا مطلقا ، فإنه ينصرف البيع إلى نصيبه خاصة ، فهذا مثله .
وعن أبي عاصم الثقفي قال سألني إبراهيم عن رجل أوصى بنصف ماله وثلثه وربعه فأجازوا قلت لا علم لي بها قال لي خذ مالا له نصف وثلث وربع وذلك اثنا عشر فخذ نصفها ستة وثلثها أربعة وربعها ثلاثة فاقسم المال على ذلك وهذا قول أبي يوسف ومحمد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله بخلاف ذلك ولم يزد على ذلك حتى اختلفوا في تخريج المسألة على قول أبي حنيفة ، وهذه مسألة معروفة تدعى الثقفية وربما يمتحن من يدعي التحرز في المقدرات من أصحابنا ، فأما تخريج قولهما فظاهر ; لأن القسمة عندهما على طريق العول والمضاربة فالموصى له بالنصف يضرب بنصف المال ستة من اثني عشر والموصى له بالثلث يضرب بأربعة من اثني عشر والموصى له بالربع يضرب بثلاثة فمبلغ هذه السهام ثلاثة عشر فحينئذ أجازه الورثة يقسم جميع المال بينهم على ذلك ، وعند عدم الإجازة يقسم الثلث بينهم على ذلك ، وأما عند أبي حنيفة فقسمة المال بينهم عند إجازة الورثة على طريق المنازعة فخرج أبو يوسف رحمه الله قوله على طريق ومحمد رحمه الله على طريق آخر والحسن على طريق آخر وكل واحد منهما روى طريقه عنه . وطريق الحسن أوجه ، فأما طريق أبي يوسف أن الموصى له بالنصف فضل الموصى له بالثلث بسهمين ; لأن تفاوت ما بين النصف والثلث سهمان ولا منازعة في هذين السهمين لصاحب الثلث والربع فيأخذهما صاحب [ ص: 151 ] النصف ، ثم لا منازعة لصاحب الربع فيما زاد على الربع إلى تمام الثلث ، وهو سهم وصاحب الثلث والنصف كل واحد منهما يدعي ذلك ، وفي المال سعة فيأخذ كل واحد منهما سهما ففي ثمانية استوت منازعتهم فيها يكون بينهم أثلاثا فانكسر بالأثلاث فيضرب أصل المال اثنا عشر في ثلاثة فيكون ستة وثلاثين صاحب النصف أخذ مرة سهمين ومرة سهما ، وقد ضرب ذلك في الثلاثة وهي تسعة . وصاحب الثلث أخذ سهما وذلك ثلاثة والباقي أربعة وعشرون بينهم لكل واحد منهم ثمانية فحصل لصاحب الربع ثمانية من ستة وثلاثين ولصاحب الثلث أحد عشر ولصاحب النصف سبعة عشر .
وأما تخريج محمد لقول أبي حنيفة فقريب من هذا ولكنه قال لما أخذ صاحب النصف سهمين بلا منازعة تراجع حقه إلى الثلث فوصاياهم جميعا بعد ذلك اجتمعت في الثلث ، ومن أصل أبي حنيفة أن الوصايا متى وقعت في الثلث فالقسمة بين أربابها على طريق العول فيضرب صاحب النصف بما بقي من حقه ، وهو أربعة من اثني عشر وصاحب الثلث بأربعة أيضا وصاحب الربع بثلاثة فيكون بينهم على أحد عشر فالسبيل أن تضرب أصل المال اثني عشر في إحدى عشر فيكون مائة واثنين وثلاثين كان قد أخذ صاحب النصف سهمين وضربنا سهما في أحد عشر وذلك اثنان وعشرون بقي بعد ذلك مائة وعشرة لصاحب الربع من ذلك ثلاثون ولصاحب الثلث أربعون ولصاحب النصف كذلك فجملة ما حصل لصاحب النصف اثنان وستون ولصاحب الثلث أربعون ولصاحب الربع ثلاثون .
فأما تخريج الحسن رحمه الله لقوله فهو أنه اجتمع هاهنا وصيتان وصية في الثلث ووصية فيما زاد على الثلث وأبو حنيفة يرى القسمة على طريق العول في الوصايا في الثلث والقسمة على طريق المنازعة في الوصايا فيما زاد على الثلث فيعتبر كل واحد منهما ويبدأ بقسمة الثلث ; لأن القسمة على طريق العول تكون عن موافقة فهو أقوى مما ينبني على المنازعة ولأن الوصية في محلها أقوى مما إذا جاوزت محلها فنقول :
يضرب صاحب النصف في الثلث بجميع الثلث وهي أربعة وصاحب الثلث بمثله وصاحب الربع بينهم فيضرب الثلث بينهم على أحد عشر فيكون جميع المال على ثلاثة وثلاثين ، ثم يأتي إلى القسمة بطريق المنازعة فنقول صاحب النصف حقه في النصف من جميع المال وذلك ستة عشر ونصف ، وقد وصل إليه أربعة بقي له من حقه اثنا عشر ونصف وصاحب الثلث كان حقه في أحد عشر وصل إليه أربعة بقي له سبعة فما زاد على سبعة إلى تمام اثني عشر ونصف لا منازعة فيه لصاحب الثلث فيأخذه صاحب النصف وذلك خمسة ونصف ، ثم صاحب [ ص: 152 ] الربع كان حقه في الربع وذلك ثمانية وربع وصل إليه ثلاثة بقي له خمسة وربع فما زاد على خمسة وربع إلى تمام سبعة لا منازعة فيه لصاحب الربع فصاحب الثلث والنصف كل واحد منهما يدعيه ، وفي المال سعة فيأخذ كل واحد منهما سهما وثلاثة أرباع بلا منازعة فجملة ما أخذا من اثنين وعشرين ، وهو ثلثا المال تسعة مرة خمسة ونصف ومرتين سهم وثلاثة أرباع وذلك ثلاثة ونصف والباقي ثلاثة عشر استوت منازعتهم فيه فيكون بينهم أثلاثا فانكسر بالأثلاث وكان قد انكسر بالأنصاف والأرباع إلا أن الربع يجزي عن النصف ; لأن النصف يخرج من مخرج الربع فالسبيل أن يضرب ثلاثة في أربعة فيكون اثني عشر ، ثم يضرب أصل المال وذلك ثلاثة وثلاثون في اثني عشر فيكون ثلثمائة وستة وتسعين الثلث من ذلك مائة واثنان وثلاثون كان لصاحب النصف من ذلك أربعة مضروبة في اثني عشر وذلك ثمانية وأربعون ولصاحب الثلث مثل ذلك ولصاحب الربع ثلاثة مضروبة في اثني عشر وذلك ستة وثلاثون وكان ما أخذ صاحب النصف من الثلاثين بلا منازعة خمسة ونصف مضروبة في اثني عشر فذلك ستة وستون .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|