
28-12-2025, 09:00 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,960
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع والعشرون
صـــ122 الى صـــ 131
(551)
وهذا نظير ما سبق على معنى أن مولى البادي هو المخاطب أولا وشرط ثبوت حق الرجوع له أن يفدي عبده بموضحة العبد الحي ، فإن وجد منه هذا الشرط يكون له أن يطالب مولى الحي بموجب جناية عبده على عبده ، فإن أبى إيجاد هذا الشرط كان مبطلا حقه فلا شيء لواحد منهما على صاحبه ، وإن اختار مولى العبد الآخر دفع عبده فدفعه ، فإن أرش الشجة التي شجها الأول في عنقه ، فإن شاء المدفوع إليه فداه ، وإن شاء دفعه المولى إلى المدفوع فهو قائم مقام المقتول وسواء دفعه أو فداه لم يكن للأول شيء ; لأن الجناية من الآخر على الأول كانت ، وهو مشجوج فلا يتعلق حق مولى الأول ببدل تلك الشجة .
قال الحاكم رحمه الله أراد أن الآخر يسبق إلى الدفع قبل أن يختار الأول شيئا فالحكم ما بينه أولا ، وإن كان لا يعرف البادئ من العبدين بالضربة ، ثم قتل أحدهما صاحبه بعدما برئا ، فإنه يخير مولى القاتل ، فإن شاء دفع عبده ، وإن شاء فداه بقيمة المقتول المشجوج صحيحا ; لأنا تيقنا جناية القاتل على المقتول وكنا قد علمنا أن المقتول كان صحيحا واشتبه حاله وقت القتل فيجب التمسك بما كان معلوما فلهذا يفديه بقيمته صحيحا إن اختار الفداء ، فإن دفعه كان له نصف أرش شجته في عنقه باعتبار الأحوال كما بينا ، فإن شاء فداه المدفوع إليه بذلك ، وإن شاء دفع منه حصة قيمة العبد مشجوجا من العبد الذي دفعه أو يفديه ، فإن فداه بقيمته رجع عليه بأرش الشجة في الفداء الذي دفعه بعدما يدفع العبد المقتول نصف أرش شجته ; لأن ذلك القدر لا يتعلق به حق الذي فدى عبده بقيمته باعتبار الأحوال فيه فيسلم ذلك لمولى العبد المقتول من الفداء أو يرجع فيما بقي منه بأرش شجة عبده .
ولو التقى عبدان وتضاربا فقطع كل واحد منهما يد صاحبه معا [ ص: 123 ] فبرئا ، فإنه يخير مولى كل واحد منهما ، فإن شاء دفع عبده وأخذ عبد صاحبه ، وإن شاء أمسك عبده ، ولا شيء له في قول أبي حنيفة ، وقد تقدم بيان هذه المسألة في الحر إذا كان هو القاطع ليد العبد فكذلك في العبدين .
ولو أن أمة قطعت يد رجل ، ثم ولدت ولدا فقتلها ولدها خطأ ، فإن المولى بالخيار إن شاء دفع الولد إلى المقطوعة يده ، وإن شاء فداه وأيهما فعل خير مولى المقطوعة يده بين دفع الأقل من دية العبد ومن قيمة الأم ; لأن حق المقطوعة يده كان ثابتا في الأم والولد ما انفصل عنها ، بمنزلة عبد آخر جنى عليها فتعتبر جنايته لحق صاحب اليد ويخير كما بينا .
ولو أن عبدا قتل رجلا خطأ ، ثم إن عبد الرجل قطع يد هذا العبد خطأ فبرآ فمولى القاطع بالخيار إن شاء دفع عبده ، وإن شاء فداه وأيهما فعل خير مولى المقطوعة يده ، فإن شاء دفع عبده وما أخذ بجنايته معه ، وإن شاء فداه ; لأن عبده كان صحيحا حين قتل الرجل فحق وليه كان ثابتا في الجزء الفائت منه بقطع العبد يده إلى بدل فيثبت حقه في بدله أيضا ، فإذا اختار دفعه فعليه دفع بدل ذلك ولم يكن هذا اختيارا للآخر ; لأن نفس كل واحد منهما إنما استحقت بجنايته وأحدهما منفصل عن الآخر فكان هذا وما لو كانت جنايتهما على شخصين سواء فلا يكون إعتاقه أحدهما اختيارا في حق الآخر ; لأنه لا يتعذر دفع الآخر بجنايته بسبب هذا الإعتاق ، وهذا بخلاف ما سبق ، فإن المولى لو أعتق العبد المدفوع باليد المقطوعة كان ذلك منه اختيارا للفداء ; لأن دفعهما كان باعتبار جناية واحدة ، وفي الجناية الواحدة اختياره في البعض يكون اختيارا في الكل .
ولو أن رجلا قطع يد رجل فأعتقه مولاه قبل أن تبرأ ، وهو يعلم بذلك أو لا يعلم فلا شيء له في قول أبي حنيفة وله أن يرجع بنقصان قيمة عبده في قولهما ، وهذا بناء على ما سبق ، فإنه بالإعتاق فوت بتسليم الجثة ، ولو منع ذلك عند أبي حنيفة لم يرجع بشيء فكذلك إذا فوته وعندهما له أن يمتنع عن تسليم الجثة ويرجع بنقصان القيمة فكذلك إذا فوت ذلك بالعتق .
أم ولد بين رجلين كاتباها فقتلت أحد الموليين خطأ فعليها الأقل من القيمة ومن الدية ; لأن جناية المكاتبة على مولاها كجنايتها على أجنبي آخر ، وقد جنت وهي مكاتبة فعليها الأقل من قيمتها ومن أرش الجناية ، فإن قتلت الآخر بعده فعلى عاقلتها الدية ; لأنها عتقت حين قتلت الأول منهما على اختلاف الأصلين ; لأن عندهما ، وإن لزمها السعاية في نصيب الآخر فالمستسعى حر ، وعند أبي حنيفة لا سعاية على أم الولد لمولاها فعرفنا أنها قتلت الآخر منهما وهي حرة فعليها الدية وعليها كفارتان ; لأن الكفارة بالقتل تجب على المملوكة كما [ ص: 124 ] تجب على الحر ، وإن قتلتهما معا فعليها قيمتها ; لأنها جنت على كل واحد وهي مكاتبة ، وإنما عتقت بعد ذلك ، ولو جنت على أجنبيين ، ثم عتقت كان عليها قيمتها لهما فكذلك إن جنت على مولييها .
وإذا قطع الرجل يد عبد قيمته ألف درهم فلم يبرأ حتى زادت قيمته فصارت ألفي درهم ، ثم قطع آخر رجله من خلاف ، ثم مات منهما جميعا قال على الأول ستمائة وخمسة وعشرون درهما ، وعلى الآخر سبعمائة وخمسون درهما قال الحاكم رحمه الله ، وفي جواب هذه المسألة نظر ، وإنما قال ذلك ; لأنه أجاب في نظير هذه المسألة في كتاب الديات بخلاف هذا ، وقد بينا تمامه قال الشيخ الإمام الأجل الزاهدي رحمه الله ، وعندي ما ذكر هاهنا صحيح وتأويله أن قيمته صارت ألفي درهم صحيحا لا مقطوع اليد فعلى هذا التأويل الجواب ما ذكره في الكتاب من قبل أن الأول حين قطع يده وقيمته ألف لزمه بالقطع خمسمائة ، ثم الثاني بقطع الرجل أتلف نصف ما بقي فيلزمه أيضا خمسمائة ; لأنه إذا كان قيمته صحيحا ألفي درهم فقيمة مقطوع اليد ألف درهم ، وقد أتلف نصفه بقطع الرجل ، وهو مقطوع اليد فيلزمه خمسمائة فحين مات منها ، فقد صار كل واحد منهما متلفا نصف ما بقي منه بسراية جنايته إلا أن في حق الأول لا معتبر بزيادة القيمة فيكون عليه نصف هذا من القيمة الأولى والقيمة الأولى كانت ألف درهم وربع تلك القيمة مائتان وخمسون فعليه بالسراية نصف ذلك الربع ، وهو مائة وخمسة وعشرون ، فإذا ضممت ذلك إلى خمسمائة يكون ستمائة وخمسة وعشرين ، وقد أوجب على الأول هذا المقدار والآخر منهما لزمه بالسراية قيمة ما تلف بسراية فعله وذلك معتبر من قيمته وقت جنايته ألفي درهم وربع تلك القيمة خمسمائة فنصف الربع مائتان وخمسون ، وقد وجب عليه بأصل الجناية خمسمائة وبالسراية مائتان وخمسون فذلك سبعمائة وخمسون درهما والله أعلم بالصواب .
قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن سهل السرخسي رحمه الله إملاء يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وأربعمائة : الأصل في إيجاب الدية على العاقلة في الخطأ وشبه العمد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي في حديث حمل بن مالك { أن النبي عليه السلام قال لأولياء الضاربة : قوموا فدوه . قال أخوها [ ص: 125 ] عمرو بن عويمر الأسلمي : أندي من لا عقل ولا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل دمه يطل فقال عليه السلام أسجع كسجع الكهان ؟ أو قال : دعني وأراجيز العرب قوموا فدوه فقال : إن لها بيتا هم سراة الحي وهم أحق بها مني فقال : بل أنت أحق بها قم فده } وشيء من المعقول يدل عليه ، وهو أن الخاطئ معذور وعذره لا يعدم حرمة نفس المقتول ولكن يمنع وجوب العقوبة عليه فأوجب الشرع الدية صيانة لنفس المقتول عن الهدر ، وفي إيجاب الكل على القاتل إجحاف به واستئصال فيكون بمنزلة العقوبة ، وقد سقطت العقوبة عنه للعذر فضم الشرع إليه العاقلة لدفع معنى العقوبة عنه ، وكذلك في شبه العمد باعتبار أن الآلة آلة التأديب ولم يكن فعله محظورا محضا ولهذا لا يجب عليه القصاص ، فلا يكون جميع الدية عليه في ماله لدفع معنى العقوبة عنه ، ولكن الشرع أوجب الدية هاهنا مغلظة ليظهر تأثير معنى العمد وأوجبها على العاقلة لدفع منع العقوبة عن القاتل .
ثم هذا الفصل لا يحصل إلا بضرب استهانة وقلة مبالاة وتقصير في التحرز وإنما يكون ذلك بقوة يجدها المرء في نفسه وذلك بكثرة أعوانه وأنصاره وإنما ينصره عاقلته فضموا إليه في إيجاب الدية عليهم ، وإن لم يجب لهذا المعنى ، وكل أحد لا يأمن على نفسه أن يبتلى بمثله وعند ذلك يحتاج إلى إعانة غيره فينبغي أن يعين من ابتلي ليعينه غيره إذا ابتلي بمثله كما هو العادة بين الناس في التعاون والتواد فهذا هو صورة أمة متناصرة وجبلة قوم قوامين بالقسط شهداء لله متعاونين على البر والتقوى وبه أمر الله - تعالى - الأمة هذه ، ثم كانت للعرب في الجاهلية أسباب للتناصر منها القرابة ، ومنها الولاء ، ومنها الحلف ، ومنها مماحلة العدو ، وقد بقي ذلك إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكونوا حلفاء له كما كانوا حلفاء لجده عبد المطلب .
ودخل بنو بكر في عهد قريش ليكونوا حلفاء لهم الحديث فكانوا يضلون عن حليفهم وعديدهم ويعقل عنهم حليفهم وعديدهم ومولاهم باعتبار التناصر كما يعقلون عن أنفسهم باعتبار التناصر .
فلما كان في زمن عمر رضي الله عنه ودون الدواوين صار التناصر بينهم بالديوان فكان أهل ديوان واحد ينصر بعضهم بعضا وإن كانوا من قبائل شتى فجعل عمر العاقلة أهل الديوان . بيانه في الحديث الذي بدأ به الكتاب فقال : بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض العقل على أهل الديوان ; لأنه أول من وسع الديوان فجعل العقل فيه ، وكان قبل ذلك على عشيرة الرجل في أموالهم وبهذا أخذ علماؤنا - رحمهم الله - فقالوا : العقل على أهل الديوان من العاقلة .
وأبى الشافعي ذلك فقال : هو على العشيرة فقد كان عليهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 126 ] ولا نسخ بعد رسول الله . ولكنا نقول : قد قضى به عمر رضي الله عنه على أهل الديوان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه منكر فكان ذلك إجماعا منهم ، فإن قيل : كيف يظن بهم الإجماع على خلاف ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : هذا اجتماع على وفاق ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به على العشيرة باعتبار النصرة وكان قوة المرء ونصرته يومئذ بعشيرته ، ثم لما دون عمر رضي الله عنه الدواوين صارت القوة والنصرة بالديوان ، فقد كان المرء يقاتل قبيلته عن ديوانه على ما روي عن علي رضي الله عنه أن يوم الجمل وصفين جعل بإزاء كل قبيلة من كان من أهل تلك القبيلة ليكونوا هم الذين يقاتلون قومهم فلهذا قضوا بالدية على أهل الديوان .
ثم الشافعي يقول : إلزام الدية العاقلة بطريق الصلة والصلة المالية مستحقة بوصلة القرابة دون الديوان كالنفقة والميراث . ونحن نقول : الوجوب عليهم بطريق الصلة كما قال وإيجابه فيما هو صلة أولى وأهل ديوان واحد فيما يخرج من الصلة لهم بعين العطاء كنفس واحدة ، وإيجاب هذه الصلة فيما يصل إليهم بطريق الصلة أولى في إيجابه من أصول أموالهم ، ثم لا شك أن المعتبر النصرة ففي حق كل قاتل يعتبر ما به تتحقق النصرة ، وتناصر أهل الديوان يكون بالديوان ، فإن كان القاتل من قوم يتناصرون بالحلف فذلك هو المعتبر ; لأن المعنى متى عقل في الحكم الشرعي تعدى الحكم بذلك المعنى إلى الفروع ، ثم القاتل أحد العواقل يلزمه من الدية مثل ما يلزم أحد العاقلة عندنا .
وعند الشافعي ليس على القاتل شيء من الدية ; لأن الخطأ مرفوع قال الله - تعالى - : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } وقال عليه السلام : { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } ، وإنما يتحقق ذلك إذا لم يكن عليه شيء من الدية ، ثم هذا الجزء كسائر الأجزاء فبالمعنى الذي نوجب سائر الأجزاء على العاقلة من نصرة أو صلة نوجب هذا الجزء عليهم أيضا ولكنا نقول : الإيجاب على العاقلة لدفع الإجحاف والاستئصال عن القاتل والتخفيف عليه وذلك في الكل لا في الجزء ، ثم الوجوب عليهم باعتبار النصرة ولا شك أنه ينصر نفسه كما ينصر غيره وكما أنه معذور غير مؤاخذ شرعا فالعاقلة لا يؤاخذون بفعله أيضا قال الله - تعالى - : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ، ومن لم يجن فهو أبعد من المؤاخذة من الجاني المعذور ، فإذا أوجبنا على كل واحد من العاقلة جزءا من الدية فلأن نوجب عليه مثل ذلك أولى ، وهذا لأن محل أداء الواجب العطاء الذي يخرج لهم بطريق الصلة ، وهو في ذلك كنفس واحدة فكما يخرج العطاء لغير القاتل يخرج للقاتل .
وذكر عن المعرور بن سويد قال [ ص: 127 ] : فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدية تؤخذ في ثلاث سنين فالنصف في سنتين وما دون الثلث في سنة وبه نأخذ فنقول جميع الدية متى وجبت بنفس القتل كانت مؤجلة في ثلاث سنين سواء كانت على العاقلة أو في مال القاتل كالأب يقتل ابنه عمدا ، وقد بينا هذا في الديات ، وإذا كان جميع الدية في ثلاث سنين فكل ثلث منه في سنة . ومتى كان الواجب بالقتل ثلث بدل النفس أو أقل من ذلك كان في سنة واحدة ، وما زاد على الثلث إلى تمام الثلثين في السنة الثانية ، وما زاد على ذلك إلى تمام الدية في السنة الثالثة ، وهذا لأن تقوم النفس بالمال غير معقول ، وإنما عرف ذلك شرعا والشرع إنما ورد بإيجاب الدية مؤجلة في ثلاث سنين فعلينا اتباع ذلك واتباع الأجزاء بالجملة في مقدار ما يثبت فيها من الأجل .
والشافعي يجعل التأجيل لمعنى التخفيف كالإيجاب على العاقلة معنى التخفيف معقول فأما في التأجيل فمعنى نقصان المالية ; لأن المؤجل في المالية أنقص من الحال وبسبب صفة العمدية يخرج من أن يكون مستحقا للتخفيف ولكن ليس لهذه الصفة تأثير في إيجاب زيادة على قيمة المتلف ولو أوجبنا الدية عليه حالا كان ذلك زيادة ، فإن قيل : أليس في شبه العمد أن الدية تجب مغلظة وفيه إيجاب زيادة المالية باعتبار صفة العمد ؟ قلنا : نعم ولكنا إنما ننكر إيجاب الزيادة بالرأي فيما لا مدخل للرأي فيه وتلك الزيادة إنما أوجبناها بالنص كأصل المال بمقابلة النفس أوجبناه بالنص بخلاف القياس وعن إبراهيم قال في دية الخطأ وشبه العمد : في النفس على العاقلة على أهل الديوان في ثلاثة أعوام في كل عام الثلث ، وما كان من جراحات الخطأ فعلى العاقلة على أهل الديوان إذا بلغت الجراحة ثلثي الدية ففي عامين ، وإن كان النصف فكذلك ، وإن كان الثلث ففي سنة واحدة وذلك كله على أهل الديوان وبه نقول ، فإن الواجب من الأرش متى بلغ نصف عشر بدل النفس في حق الرجل أو في حق المرأة يكون ذلك على العاقلة ، وما دون ذلك بمنزلة ضمان المال يكون على الجاني . والشافعي يسوي بين القليل والكثير .
والقياس فيه أحد السببين . أما التسوية فكما ذهب إليه الشافعي في إيجاب الكل على العاقلة والتسوية في أن لا يوجب شيء على العاقلة كما في ضمان المال ولكنا تركنا القياس بالسنة ، وإنما جاءت السنة في أرش الجنين بالإيجاب على عاقلته وأرش الجنين نصف عشر بدل الرجل فيقضي بذلك على العاقلة وفيما دونه يؤخذ بالقياس . وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة } . [ ص: 128 ] وأرش الموضحة نصف عشر بدل النفس ففيما دونه يؤخذ بالقياس ، وهذا لأن الإيجاب على العاقلة كان لمعنى دفع الإجحاف عن الجاني وذلك في الكثير دون القليل فلهذا أوجبنا الكثير على العاقلة دون القليل والفاضل بينهما يكون مقدرا وأدنى ذلك أرش الموضحة .
قال : وليس على النساء والذرية ممن كان له عطاء في الديوان عقل ; لأنه بلغنا عن عمر رضي الله عنه قال : لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة ، وإنما جعل الفضل فيما يؤدي - والله أعلم - على عشيرة الرجل ولم يجيئوا على وجه العون لصاحبهم ; لأنهم أهل يد واحدة ونصرة واحدة على غيرهم ، وهذه النصرة إنما تقوم بالرجال دون النساء فبنية المرأة لا تصلح لهذه النصرة ، وكذلك النصرة لا تقوم بالصبيان .
( ألا ترى ) أن الشرع نهى عن قتل النساء والصبيان من أهل الحرب ; لأنهم يقاتلون لدفع من يقاتلهم وتناصرهم فيما بينهم وذلك لا يحصل بالنساء والصبيان ، وكذلك الجزية التي خلت عن النصرة لم توجب على النساء والصبيان فكذلك تحمل العقل ، وعلى هذا لو كانت المرأة هي القاتلة أو الصبي لم يكن عليهما شيء من الدية بخلاف الرجل ; لأن وجوب جزء على القاتل باعتبار أنه أحد العواقل ، وهو لا يوجد في النساء والصبيان ولا ينظر إلى ما لهم من فرض العطاء في الديوان ; لأن ذلك ليس باعتبار النصرة بل باعتبار المؤنة كما فرض عمر رضي الله عنه لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم العطاء في الديوان فكان يوصله لهن في كل سنة .
وإذا قتل الرجل خطأ فلم يرفع إلى القاضي حتى مضت سنون ، ثم رفع إليه ، فإنه يقضي بالدية على عاقلته في ثلاث سنين من يوم يقضي ; لأن ثبوت الأجل يبنى على وجوب المال والمال إنما يجب بقضاء القاضي فأما قبل القضاء فالمال ليس بواجب ; لأن ضمان المتلفات يكون بالمثل بالنص ومثل النفس نفس إلا أنه إذا رفع إلى القاضي فيتحقق العجز عن استيفاء النفس لما فيه من معنى العقوبة وتحول الحق بقضائه إلى المال كما في ولد المغرور ، فإن قيمته إنما تجب على المغرور بقضاء القاضي ، وإن كان رد عينه متعذرا قبل القضاء ولكن في الحكم جعل الواجب رد العين إلى أن يحوله القاضي إلى القيمة بقضائه لتحقق العجز عن رد العين ولهذا لو هلك الولد قبل القضاء لم يضمن شيئا واعتبر قيمة الولد يوم القضاء لهذا ، وهو نظير الأجل في حق العين ، فإنه لا يعتبر ما مضى من المدة قبل الخصومة ، وإنما يكون ابتداء التأجيل من وقت قضاء القاضي فكذلك هاهنا ابتداء التأجيل يكون من وقت قضاء القاضي ، فإن كانوا أهل ديوان قضى بذلك في أعطياتهم فيجعل الثلث في أول عطاء يخرج لهم بعد قضائه ، وإن لم يكن بين القتل وقضائه وبين خروج [ ص: 129 ] أعطياتهم إلا شهر أو أقل من ذلك ; لأن التأجيل في حق العاقلة كان لمعنى تأخر خروج العطاء ومحل قضاء الدية منه العطاء ، فإنما يعتبر خروج العطاء بعد القضاء .
( ألا ترى ) أنه لو لم يخرج سنين لم يطالبوا بشيء فكذلك إذا خرج بعد قضاء القاضي بشهر أو أقل يؤخذ منه ثلث الدية والثلث الثاني في العطاء الآخر إذا خرج إن أبطأ بعد الحول أو عجل قبل السنة ، وكذلك الثلث الثالث ، فإن عجل للقوم العطاء فخرجت لهم ثلاثة أعطية مرة وهي أعطية استحقوها بعد قضاء القاضي بالدية ، فإن الدية كلها تؤخذ من تلك الأعطية الثلاثة لوصول محل أداء الدية منه إلى يد العاقلة .
قال : ولا يقضى بالدية على القوم حتى يصيب الرجل في عطائه من الدية كلها أربعة دراهم أو ثلاثة أو أقل من ذلك عندنا وقال الشافعي : ما يقضى به على كل واحد منهم لا يكون أقل من نصف دينار ; لأنها صلة واجبة شرعا فيعتبر بالزكاة وأدنى ما يجب في الزكاة نصف دينار أو خمسة دراهم ، فقد كان ذلك بمعنى نصف دينار في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنا نقول : الإيجاب عليهم للتخفيف على القاتل ، وإنما يجب على وجه لا يتعسر ذلك عليهم وذلك في إيجاب القليل دون الكثير ، ثم هذه يؤمرون بأدائها على وجه التبرع فلا يبلغ مقدارها مقدار الواجب من الزكاة بل ينقص من ذلك .
( ألا ترى ) أنه لا تجب هذه الصلة في أصول أموالهم ، وإنما تجب فيما هو صلة لهم ، وهو العطاء فعرفنا أنه مبني على التخفيف من كل وجه ، وقد ظن بعض أصحابنا رحمهم الله أن التقدير بثلاثة دراهم فيما يؤخذ منهم في كل سنة وذلك غلط ، فقد فسرها هنا فقال : حتى يصيب الرجل في عطائه من الدية كلها أربعة دراهم أو ثلاثة دراهم فعرفنا أنه لا يؤخذ في كل سنة من كل واحد منهم إلا درهم أو درهم وثلث ، فإن قلت العاقلة فكان يصيب الرجل أكثر من ثلاثة دراهم أو أربعة ضم إليهم أقرب القبائل في النسب من أهل الديوان حتى يصيب الرجل في عطائه ما وصفنا ، وهذا لأن إيجاب الزيادة عليهم إجحاف بهم فلا يجوز فلذلك ضم إليهم أقرب القبائل كما ضممنا العاقلة إلى القبائل للتحرز عن الإجحاف بهم ولأنه متى حزبهم أمر ولا يتمكنون من دفع ذلك عنهم بأنفسهم ، فإنما يستعينون بأقرب القبائل إليهم ، فإذا كانوا في بعض الأحوال يستنصرون بهم عند الحاجة فكذلك يضمون إليهم في تحمل العقل عند الحاجة .
قال : ولا يستحقون العطاء عندنا إلا بآخر السنة فلذلك قلنا : إذا خرج العطاء بعد القضاء بشهر أو أقل أخذ منه ثلث الدية ومعنى هذا أن العطاء إنما يخرج لهم في العادة في كل سنة واستحقاق ذلك عند تمام السنة ; لأنهم يستحقون [ ص: 130 ] ذلك بطريق الصلة والتبرع إلى آخر المدة في حكم المعاوضات دون الصلات ، وإنما يكون استحقاق الصلة عند تمام المدة ولا يثبت الملك فيها إلا بالقبض بمنزلة الجزية ولهذا قلنا : إن من مات من أهل الذمة أو أسلم لم يكن عليه شيء من الجزية وفي حق أهل الديوان أن من مات منهم قبل خروج العطاء وقبل تمام السنة لم يصر عطاؤه ميراثا لورثته فعرفنا أن وجوبه باعتبار آخر السنة . فمتى كان يجيء ذلك الوقت بعد القضاء كان العطاء الواجب باعتبار ذلك الوقت محلا لأخذ الدية منه ، وإذا لم يقض عليهم بالدية حتى مضت سنون ، ثم قضى بها ولم يخرج للناس أعطياتهم الماضية لم يكن فيها من الدية شيء ; لأن وجوب هذه الأعطية باعتبار مدة مضت قبل قضاء القاضي ، وقد بينا أن وجوب الدية بقضاء القاضي فمحل الأداء الأعطيات التي تجب بعد القضاء فلهذا لا يستوفى من الأعطيات الماضية شيء من الدية ويستقبل بصاحب الدية الأعطية المستقبلة بعد القضاء .
و كانت عاقلة الرجل أصحاب رزق يأخذونه في كل شهر قضى عليهم بالدية في أرزاقهم في ثلاث سنين في كل سنة الثلث ; لأن الرزق في حقهم قائم مقام العطاء ، فإن العطاء إنما كان محلا لقضاء الدية منه ; لأنه صلة يخرج لهم من بيت المال ولأجله اجتمعوا وأثبتوا أسماءهم في الديوان ، وهذا موجود في الرزق إذا كانوا أصحاب رزق ، ثم ينظر إن كانت أرزاقهم تخرج في كل سنة فكلما خرج رزق يؤخذ منه الثلث ، وإن كان يخرج في كل شهر فمقدار نصف سدس الثلث يؤخذ من كل رزق حتى يكون المستوفى في كل سنة مقدار الثلث يؤخذ من كل رزق ، وإن خرج الرزق بعد قضاء القاضي بيوم أو أكثر أخذ من رزق ذلك الشهر بحصة الشهر كما بينا ، فإن كانوا يأخذون الأرزاق في كل ستة أشهر فخرج لهم رزق ستة أشهر بعد القضاء أخذ منهم سدس الدية ، وإن كانت لهم أرزاق في كل شهر ولهم أعطية في كل سنة فرضت عليهم الدية في أعطياتهم دون أرزاقهم ; لأن الأرزاق إنما كانت خلفا عن الأعطيات ولا يعتبر الخلف مع وجود الأصل ، وهذا لأن الأرزاق لهم لكفاية الوقت فأخذ شيء من ذلك منهم يؤدي إلى إضرار بهم وبعيالاتهم فيشق ذلك عليهم عادة فأما الأعطيات فليست لكفاية الوقت ولكن لتألفهم حتى يكونوا مجتمعين في الديوان يقومون بالنصرة فلا يشق عليهم الأداء من الأعطيات فلهذا قلنا عند الاجتماع بفرض الدية من الأعطيات دون الأرزاق
ومن جني عليهم من أهل البادية وأهل الثمن الذين لا ديوان لهم فرضت الدية على عواقلهم في أموالهم في ثلاث سنين على الأقرب فالأقرب منهم يوم يقضي القاضي بالدية ; لأن تناصرهم [ ص: 131 ] بالقرب ، وإنما يعتبر ذلك عند القضاء بالدية كما في حق أهل الديوان ويضم إليه أقرب القبائل في النسب حتى يصيب الرجل من الدية في السنين الثلاثة ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم لتحقق معنى التخفيف عليهم ، وهذا المعنى هنا أولى بالاعتبار منه في حق أهل الديوان ; لأن المأخوذ من أموالهم هاهنا والأداء من الأعطيات يكون أيسر من الأداء من أصول الأموال .
ومن أقر بقتل خطأ ولم يرتفعوا إلى القاضي سنين ، ثم ارتفعوا قضى عليه بالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضي ; لأن ما يثبت بالاعتراف لا تتحمله العاقلة لقوله عليه السلام { : ولا صلحا ولا اعترافا } ، وهذا لأن إقراره في حقه محمول على الصدق وفي حق عاقلته محمول على الكذب لكونه متهما في حقهم ، ثم موجب الجناية في الأصل على الجاني ، ثم تحمل العاقلة للتخفيف عليه ، فإذا لم يثبت التسبب في حق العاقلة ففي الواجب عليه باعتبار الأصل والتأجيل فيه من وقت القضاء لا من وقت الإقرار ; لأن الثابت بالإقرار من القتل لا يكون أقوى من الثابت بالمعاينة وفي القتل المعاين الدية إنما تجب بقضاء القاضي فيها أولا .
ولو أقر أنه قتل ولي هذا الرجل وأقر أنه خاصمه إلى قاضي بلد كذا فقامت بذلك البينة فقضى به القاضي على عاقلته من أهل ديوان الكوفة وصدقه ولي الجناية في ذلك وكذبه العاقلة فلا شيء على العاقلة ; لأن تصادقهما ليس بحجة على العاقلة ولم يكن عليه شيء في ماله ; لأنهما تصادقا على أن الواجب بقضاء القاضي تقرر على العاقلة وبعد تقرره على العاقلة لا يبقى عليه وتصادقهما حجة في حقهما بخلاف الأول فهناك السبب الموجب للدية على العاقلة هو قضاء القاضي ولم يوجد أصلا فيقضي بها في مال المقر قال : إلا أن يكون له عطاء معهم فتكون عليه حصته من ذلك ; لأنه في مقدار حصته يقر على نفسه وفي حصة عواقلهم يقر عليهم فيؤخذ بما أقر به على نفسه ، وهذا يبين أن القاتل إنما يكون أحد العواقل عندنا إذا كان له عطاء في الديوان فأما إذا لم يكن فليس عليه من الدية شيء ; لأن الدية تؤخذ من الأعطيات ، فإن قيل : لما كان أصل الوجوب عليه ، وقد تحول بزعمه إلى عاقلته بقضاء القاضي ، فإذا توي ذلك على العاقلة بجحودهم ينبغي أن يقضي بالكل عليهم كما إذا توي الدين على المحال عليه بجحوده عاد الدين إلى ذمة المحيل قلنا : هذا مستقيم فيما إذا كان أصله دينا لدفع التوى عن مال المسلم ، وهذا أيضا لم يكن دينا عليه ، وإنما كان بطريق الصلة لصيانة دم المقتول عن الهدر وبعد ما تقرر على العاقلة بقضاء القاضي لا يتحول إليه بحال سواء استوفى من العاقلة أو لم يستوف والعمد الذي لا قود فيه يقضي بالدية من مال القاتل في ثلاث سنين من يوم يقضي بها القاضي لقوله [ ص: 132 ] عليه السلام { : لا تعقل العاقلة عمدا } ولأن ذلك للتخفيف ودفع الإجحاف عن القاتل والعامد لا يستحق ذلك .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|