عرض مشاركة واحدة
  #550  
قديم 28-12-2025, 08:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,623
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع والعشرون

صـــ102 الى صـــ 111
(549)






( ألا ترى ) أن عبدا لو جنى جناية ، ثم جنى عليه المولى ، وهو لا يعلم بجنايته ، ثم اختار دفعه ضمن ما جنى عليه .

واستوضح هذا كله بمكاتب عليه دين ألف درهم واستهلك له مولاه ألف درهم ، ثم استدان بعد ذلك القائم مات ولم يترك مالا غير الدين الذي على مولاه اتبع الغرماء جميعا الأولون والآخرون المولى بتلك الألف حتى يأخذونها فيقسمونها ، ولو كان الدين يبطل فيما سبق عن المولى لم يكن على المولى في هذه الفصول شيئا إلا للغرماء الأولين فهذا يوضح لك جميع ما سبق .

رجل جنى على مكاتبه جناية ، ثم مات المكاتب وترك ولدا ولد في المكاتبة ولم يدع شيئا ، فإنه يرجع على الابن من المكاتبة بقدر أرش الجناية ; لأن ذلك كان دينا على المولى للمكاتب ، وقد بقيت الكتابة لما خلف ولدا فيصير المولى مستوفيا ذلك القدر من بدل الكتابة بطريق المقاصة ; لأن في حال حياة المكاتب إنما كان لا تقع المقاصة لمكان الأجل في بدل الكتابة وبموته سقط الأجل في المال الذي خلفه كما لو ترك وفاء ، وإذا صار المولى مستوفيا ذلك كان على الولد أن يسعى فيما بقي من بدل الكتابة ، فإن كان على المكاتب دين يقضى على المولى بالأرش فيؤخذ منه ويودي إلى غريم المكاتب ; لأن ما على المولى بمنزلة كسب المكاتب ، والدين في كسبه مقدم على بدل الكتابة بعد موته فيمنع ذلك وقوع المقاصة ولكن يأخذه الغريم من المولى ويسعى الولد فيما بقي من الدين والمكاتبة ; لأنه قائم مقام أبيه فيما كان واجبا على أبيه .
ولو جنى المكاتب على مولاه جناية فقضى عليه بقيمته والجناية أكثر من القيمة ، ثم أعتق المولى نصفه فهذا وما لو أعتق كله سواء ، ولو أعتق كله بعد القضاء عليه بالجناية بقي ذلك دينا عليه يسعى فيه لمولاه ; لأنه قبل العتق كان يسعى فيه فلا يزيده العتق إلا [ ص: 103 ] وكادة فكذلك إذا أعتق نصفه ; ويسعى في قول أبي حنيفة مع ذلك في الأقل من نصف القيمة ومن نصف المكاتبة ; لأن العتق عنده يتجزأ فيجب إخراج الباقي إلى الحرية بالسعاية ، وإنما يلزمه الأقل لأنه هو المتيقن به .
وإذا قتل العبد رجلا خطأ ، ثم كاتبه المولى فالكتابة جائزة إن علم المولى بالجناية أو لم يعلم ; لأنه باق على ملكه بعد الجناية والمولى متمكن من التصرف فيه .

( ألا ترى ) أنه لو وهبه أو باعه بعد ذلك منه لم تكن الجناية بعضها فكذلك إذا كاتبه ، فإن كان المكاتب يعلم بالجناية فهو ضامن للأرش ; لأنه منع بالكتابة دفع الرقبة فيصير به مختارا للأرش ويستوي إن عجز المكاتب أو لم يعجز ، وعن أبي يوسف قال إن لم يخاصم في الأرش حتى عجز كان للمولى أن يدفعه بالجناية بخلاف ما إذا خوصم وقضى القاضي بالأرش ; لأن الكتابة لا تزيل ملك المولى ، وهو يعرض الفسخ ففيه لا يكون اختيارا للأرش ، وإنما يتم به الاختيار إذا تأكد بقضاء القاضي ; لأن المنع من دفع الرقبة إنما يتحقق بعد المطالبة ، فإذا عجز قبل القضاء صارت الكتابة كأن لم تكن والكتابة كانت تمنعه من دفعه بالجناية وإقدامه عليه مع علمه بالجناية يكون اختيارا للفداء لبيعه رقبته من إنسان ، فإنه وإن فسخ البيع بقضاء القاضي لم يسقط الأرش عن المولى ، وإن كان كاتبه ، وهو لا يعلم بجنايته فعجز قبل الخصومة في الجناية خير المولى بين الدفع والفداء ; لأن المولى ما صار مختارا شيئا هاهنا ، وإنما يغرم القيمة لاستهلاك الرقبة ، فإذا ارتفع المانع من الدفع قبل قضاء القاضي ، فقد انقدم الاستهلاك فيخير بين الدفع والفداء بمنزلة ما لو باعه ، وهو لا يعلم بالجناية ، ثم فسخ البيع بسبب هو فسخ من كل وجه قبل أن يخاصم في الجناية ، فإنه يخير بين الدفع والفداء ، وإن كاتبه بعدما قضى به لأصحاب الجناية قبل أن يقبضوه كان باطلا ; لأن بقضاء القاضي تحول إلى ملك ولي الجناية ، فإنما كاتب ما لا يملك .

( ألا ترى ) أنه لو أعتقه أو باعه في هذه الحالة كان باطلا فكذلك إذا كاتبه ، ولو كاتبه ، وهو لا يعلم بالجناية فلم يقض بها حتى مات المكاتب ولم يدع شيئا فلا ضمان على المولى ; لأنه لما أشرف على الموت تحقق عجزه عن أداء بدل الكتابة فانفسخت الكتابة فزال المانع من الدفع فخرج المولى من أن يكون مستهلكا وصار بمنزلة ما لو عجز في حال حياته ، ثم مات بعد ذلك فيبطل حق ولي الجناية لفوات محل حقه ، ولو مات عن وفاء كانت عليه القيمة ; لأن عقد الكتابة يبقى بعد موته فيتحقق من المولى استحقاق الرقبة بعقد الكتابة فيلزمه القيمة لهذا ، وكذلك إن ترك ولدا يسعى في الكتابة ; لأن عقد الكتابة يبقى ببقاء الولد كما يبقى باعتبار مال خلفه ، فإن عجز فرد في الرق لم [ ص: 104 ] تبطل القيمة عن السيد قال ; لأني ألزمتها إياه ومراده إذا عجز بعدما قضى القاضي بالقيمة على الولد ، فأما إذا عجز قبل قضاء القاضي بالقيمة ، فقد بطلت الجناية ; لأن الولد قائم مقام أبيه ، وقد بينا أن الأب لو مات عاجزا قبل قضاء القاضي بالقيمة يبطل حق ولي الجناية بخلاف ما إذا مات بعد القضاء فكذلك إذا عجز الولد وليس في عنق الولد شيء من حق ولي الجناية لما بينا أن حق ولي الجناية لا يسري إلى الولد .
وإذا كان العبد بين رجلين فجنى جناية فكاتبه أحدهما بغير إذن شريكه فأدى إليه المكاتبة ، ثم جاء أصحاب الجناية ، فإن كان علم بالجناية فهو ضامن لنصف الأرش ، ولو لم يعلم فهو ضامن نصف قيمة العبد ; لأنه في نصيبه كان مخيرا بين الدفع والفداء وكتابته في نصيبه تنفذ في حق ولي الجناية ويتأكد بأداء البدل فهو وما لو كان العبد كله سواء ، وأما الذي لم يكاتب فلا شيء عليه ; لأنه ما أحدث بعد جنايته شيئا يصير به مختارا ولكنه يرجع على شريكه بنصف ما قبض من بدل الكتابة ; لأنه كسب عبد مشترك بينهما ويضمنه قيمة نصيبه أيضا إن كان موسرا ويسعى العبد فيه إن كان معسرا ، ثم يدفع ذلك إلى أصحاب الجناية ; لأن نصيبه من العبد فات وأخلف بدلا فيدفع إلى ولي الجناية إلا أن يكون الأرش أقل من ذلك .

وإن أعتق نصيبه ضمن نصف القيمة لأصحاب الجناية ; لأنه صار ذلك متلفا عليهم بإعتاقه ، ولا سبيل لأصحاب الجناية على ما أخذه من المكاتب من نصف ما قبض من بدل الكتابة ; لأن ذلك كسب نصيبه وليس لولي الجناية على كسب الجاني سبيل ، وإن كاتب كل واحد منهما وهما يعلمان بالجناية أو كاتبه أحدهما بإذن شريكه وهما يعلمان بالجناية فكذلك الجواب عند أبي يوسف ومحمد ; لأن الكتابة عندهما لا تتجزأ ، وعند أبي حنيفة المكاتب يصير مختارا لنصيبه ، فأما الآذن لا يصير مختارا ; لأن الكتابة عنده تتجزأ في نصيبه فكان هذا في حكم الجناية وما لو كاتبه بغير إذن شريكه سواء .
رجل كاتب عبدا ، وقد جنى جناية ولم يعلم بها ، ثم جنى جناية أخرى فقضي عليه بها ، ثم عجز ، ثم حضر أصحاب الجناية الأولى قال يدفعه المولى إليهم ويبيعه صاحب الجناية الثانية المقضي بها فيباع له فيها ; لأن الجناية الأولى باقية في رقبته بعد عقد الكتابة ، فإن المولى لم يكن عالما بها .

( ألا ترى ) أنه لو عجز قبل القضاء دفع بها فكان وجود تلك الجناية قبل الكتابة وبعده سواء ، وقد تحول حق ولي الجناية الثانية ; لأن القيمة بقضاء القاضي فحين عجز كان عبدا قد اجتمع في رقبته دين وجناية فيدفع بالجناية أولا ، ثم يباع في الدين لمراعاة الحقين ، وإن لم يقض القاضي بشيء حتى عجز خير المولى بين أن يدفعه [ ص: 105 ] بالجنايتين أو يفديه بالأرش منهما .

وإذا قتل المكاتب رجلا خطأ ، ثم قتل رجلا آخر خطأ ، ثم جاء ولي أحدهما فقضي له بقيمة العبد ولم يعلم بالجناية الأخرى ، ثم عجز المكاتب ، فإن نصف قيمة العبد دين للمقضي له في نصف العبد وجميع الجناية الأخرى في النصف الباقي ، فإن شاء مولاه فداه ، وإن شاء دفعه ; لأن الجنايتين اجتمعتا عليه في حالة الكتابة فيكون حق كل واحد منهما في نصف القيمة ، وإنما قضى القاضي للأول بجميع القيمة لجهله بالجناية الثانية فحين علم بها تبين أن قضاءه فيما زاد على النصف للمقضى له كان باطلا فكأنه ما قضى له إلا بنصف القيمة ، فإذا عجز كان نصف القيمة دينا له في نصف العبد يباع فيه وحق ولي الجناية الثانية في النصف الثاني لانعدام المحول إلى القيمة ، وهو قضاء القاضي فيخير المولى فيه بين الدفع والفداء ، ولو لم يعجز وأخذ المقضي له فيه جميع القيمة ، ثم حضر الآخر ، فإنه يقضي للآخر على المكاتب بنصف القيمة ويرجع المكاتب على الأول بنصف القيمة ; لأنه تبين أنه استوفى منه فوق حقه ، فإن حقه كان في نصف القيمة والنصف الآخر للثاني ، بخلاف ما إذا كانت إحدى الجنايتين قبل الكتابة وقد غرم المكاتب ما كان منه قبل الكتابة ; لأن هناك موجب الجناية الأولى على مولاه وموجب الجناية الثانية على المكاتب فلم يجتمعا في حق المكاتب ولهذا كان قضاء القاضي للثاني بجميع القيمة صحيحا وها هنا موجب الجنايتين على المكاتب والمكاتب لا يلزمه بجناياته إلا الأقل من قيمته ومن أرش الجناية .
مكاتب قتل رجلا خطأ ، ثم قتل رجلا آخر خطأ فقضى عليه بإحدى الجنايتين ، ثم قتل آخر خطأ ، فإنه يكون للمقضى له نصف القيمة التي قضى له بها ; لأن عند القضاء كان الموجود منه جنايتين فحق كل واحد من الموليين في نصف القيمة ، وقد تحول حق المقضي له إلى نصف القيمة بقضاء القاضي ، ثم قضى للثالث بنصف قيمة العبد خاصة ; لأن نصف القيمة فرع من الجناية بتحويل القاضي حق الثاني إلى نصف القيمة فيتعلق حق ولي الجناية الثانية بذلك النصف فلهذا يقضي له بنصف القيمة ويقضي أيضا بنصف القيمة للذي لم يقض له بشيء بينه وبين الثالث أثلاثا ثلثاه للأوسط وثلثه للثالث ; لأن في هذا النصف اجتمع حق الأوسط وحق الثالث ، فإن المحول لم يوجد ، وفي حق كل واحد منهما جنى إلا أن يقضى لهما بنصف القيمة إلا أن الثالث قد وصل إليه نصف حقه فلا يضرب في هذا النصف إلا بما بقي له والأوسط ما وصل إليه شيء من حقه فهو يضرب بجميع حقه في هذا النصف فلهذا كان النصف بينهما أثلاثا ، ولو عجز قبل القضاء بالجناية الثالثة فاختار دفعه كان [ ص: 106 ] نصفه بين الثالث والأوسط أثلاثا ثلثاه للأوسط وثلثه للثالث ويكون النصف الباقي للثالث خاصة ويكون حق المقضي له دينا في هذا النصف ; لأن حق الأول تحول إلى ذمته في هذا النصف فتعلق به حق الثالث فعند العجز اجتمع في هذا النصف دين وجناية فيدفع بالجناية ، ثم يباع بالدين في النصف الآخر ، فقد اجتمع في هذا نصف وحق الأوسط فيدفع إليهما ويضرب فيه الأوسط بجميع حقه والثالث بنصف حقه ; لأنه قد وصل إليه نصف حقه فلهذا كان النصف بينهما أثلاثا .
مكاتب قتل رجلا خطأ ، ثم فقأ عين رجل فقضى للمفقوءة عينه بثلث القيمة عليه ، ثم عجز قال يباع الثلث في دين المفقوءة عينه ويدفعه المولى إلى ولي النفس أو يفديه بجميع الدية ; لأن حقهما كان تعلق به أثلاثا ، فإن حق المفقوءة عينه في خمسة آلاف وحق ولي النفس في عشرة آلاف .

( ألا ترى ) أنه لو كان بمحل الدفع كان يدفع إليهما أثلاثا فكذلك القيمة في المكاتب يكون بينهما أثلاثا ، ثم المحول ، وهو القضاء وجد في حق المفقوءة عينه فيصير ثلث القيمة دينا له في مالية ثلث الرقبة يباع فيه بعد العجز ، والثلثان حق مولى النفس ولم يوجد المحول فيه حتى عجز فيخاطب المولى بأن يدفع إليه ثلثيه أو يفديه بجميع الدية ، فإن لم يعجز حتى قتل رجلا خطأ ، ثم عجز فاختار دفعه ، فأما المقضي له فله ثلث القيمة دينا في ثلث العبد ، وقد تعلق حق ولي الثالث بذلك الثلث فاجتمع في ذلك الثلث دين وجناية فيدفع في الجناية ، ثم يباع في الدين ، وأما الثلثان ، فقد اجتمع فيهما حق ولي الأول وحق ولي الآخر ولم يوجد المحول في حق واحد منهما فيدفع إليهما ، ثم يضرب فيه الأول بالدية والآخر بثلثي الدية ; لأنه قد وصل إليه ثلث حقه ، فإنما يقسم ثلثا الرقبة بينهما أخماسا على قدر حقهما .

ولو جنى المكاتب جنايتين فقضى لأحدهما بنصف القيمة فأداها إليه المكاتب ، ثم قضى للآخر وسلم ما استوفى لا شركة للثاني مع الأول فيما قبض ; لأن حق أحدهما تميز عن حق الآخر .

( ألا ترى ) أنه تحول حق القيمة إلى القيمة وحق الآخر في نصف العبد حتى لو عجز قبل القضاء يدفع إليه نصفه فلا يكون له حق مشاركة المستوفي فيما استوفى ، سواء مات المكاتب أو لم يمت عجز أو لم يعجز .
مكاتبة قتلت رجلا خطأ ، ثم فقأت عين آخر ، ثم ولدت ولدا فقضى عليها للمفقوءة عينه بثلث قيمتها ، ثم عجزت ، فإن حق ولي النفس في ثلثي رقبة الأم يدفع أو يفدي ; لأن المحول ، وهو القضاء لم يوجد في حقه ويباع الثلث في دين المقضي له ، فإن لم يف الثلث بحقه بيع ثلث الولد فيه أيضا ; لأن حق الغريم حق قوي في الأم فيسري إلى الولد .

( ألا ترى ) أن أمة مديونة لو ولدت بيع ولدها معها في [ ص: 107 ] الدين بخلاف حق ولي الجناية وحق المفقوءة عينه صار دينا بقضاء القاضي في الثلث فيثبت في ثلث الولد أيضا فهو نظير مكاتبة عجزت وعليها دين ، وقد ولدت في مكاتبتها فبيعت في دينها فلم يف ثمنها به بيع ولدها فيه أيضا بخلاف حق ولي النفس والذي يوضح الفرق أن حق صاحب الدين يثبت في الكسب فكذلك يثبت في الولد بخلاف حق ولي الجناية ، وإن كان إنما قضى لولي المقتول على المكاتبة بالسعاية في ثلثي قيمتها ، ثم عجزت ، وقد ولدت في مكاتبتها فحق المفقوءة عينه في ثلث رقبتها إن شاء دفعه ، وإن شاء فداه ، ولا سبيل له على شيء من ولدها ويباع ثلثها للمقضى له ، فإن وفى وإلا بيع ثلثا الولد ; لأن حق صاحب الولد صار دينا بقضاء القاضي والدين يسري إلى الولد وحق صاحب العين في الجناية لم يصر دينا بعد فلا يسري إلى الولد .
مكاتب قتل رجلا خطأ فقضى عليه بها ، ثم جنى جنايتين فقضى عليه بإحداهما ، ثم عجز والجنايات مستوية وكل واحدة منها تأتي على قيمته ، فإن القيمة للمقضى له دين في جميع الرقبة ; لأنه حين تحول حق الأول إلى القيمة بقضاء القاضي لم يكن في رقبته جناية سواها فيثبت حقه في جميع القيمة دينا في جميع الرقبة ، ثم لا يتغير ذلك الحكم بما يكون له من الجناية ونصف القيمة للمقضى له الآخر دين في نصف الرقبة ; لأن الجنايتين الأخريين تعلقتا برقبته فيكون حق كل واحد من الموليين في النصف ، وقد تحول حق المقضي له إلى نصف القيمة بقضاء القاضي وبقي حق الآخر في نصف العبد فيخاطب المولى بدفعه إلى من لم يقض له أو الفداء ، فإن فداه طهر هذا النصف عن حق الثالث ، وإنما بقي فيه حق الأول في نصف قيمته فيباع هذا النصف له خاصة .

وأما النصف الآخر ، فقد وجب فيه دينان دين المقضي له الأول ودين المقضي له الثاني فيباع هذا النصف ويقسم الثمن بين الأول والثاني أثلاثا ; لأن الأول يضرب فيه بخمسة آلاف ، فقد وصل إليه نصف حقه والثاني يضرب فيه بعشرة آلاف ، فإنه لم يصل إليه شيء هكذا ذكره الحاكم رحمه الله في المختصر قال والأوضح عندي أن هذا النصف بينهما نصفان ; لأن حق كل واحد منهما بقضاء القاضي حول إلى نصف القيمة في هذا النصف فكانا مستويين في ذلك فيكون ثمن هذا النصف بينهما نصفين ، وإن دفع المولى نصفه بالجناية بيع النصف المدفوع في دين الأول خاصة ; لأنه اجتمع في هذا النصف دين وجناية فيدفع أولا بالجناية ، ثم يباع في الدين وبيع النصف الباقي للآخرين نصفين لما بينا أن حقهما في هذا النصف تحول إلى القيمة وهما مستويان فيه وبهذا تبين أن ما ذكره الحاكم في الفصل الأول من القيمة بينهما أثلاثا غلط ، ولو كان قضى [ ص: 108 ] للآخرين أيضا بقيمة العبد ، ثم عجز بيع العبد فكان نصفه ثمنه للأول ونصفه للآخرين ; لأن حق الأول ثبت في جميع القيمة وحق الآخرين بقضاء القاضي إنما ثبت في قيمة واحدة أيضا .

مكاتب قتل ثلاثة أنفس خطأ فقضى لأحدهم بثلث قيمته ، ثم إن أحد الآخرين وهب جنايته للمكاتب ، ثم عجز المكاتب قال يباع ثلثه في دين المقضي له ; لأن حقه بقضاء القاضي تحول إلى ثلث القيمة دينا في ثلث المالية ، ثم يباع الثلث في دينه بعد العجز ويدفع المولى ثلثه إلى الثالث ويبقى ثلثه للمولى لا حق لهما فيه ; لأن القاضي حين قضى لأحدهم بثلث القيمة ، فقد قضى بالقيمة بينهم أثلاثا إلا أن حق الثاني لم يتحول إلى القيمة بعد ، فإن عجز دفع المولى إليه من العبد بمقدار حقه ، وهو الثلث والثلث منه كان حق الواهب ، وقد أسقطه بالهبة فيبقى للمولى .

( ألا ترى ) أن عبدا لو جنى جنايتين فعفا أحدهما عن جنايته كان نصفه للسيد لهذا المعنى إذ حق كل واحد منهما في نصفه فحصة العافي تسلم للمولى ، وفي حصة الآخر يخاطب المولى بالدفع أو الفداء .

وكذلك إن كان المكاتب جنى جنايتين فعفا أحدهما عنه وقضى للآخر بحقه ، ثم عجز بيع للآخر نصفه في دينه منه ويبقى العبد سالما للمولى ، وهو حصة العافي ، وكذلك إن كان في يد المكاتب مال يفي بدين المقضي له قضى دينه ويبقى سالما للمولى إن كان الآخر قد عفا ، وإن لم يكن عفا خوطب المولى بدفع نصيبه إليه أو الفداء ، وإن كان ما في يده لا يفي بحق المقضي له بذلك ، ثم بيع بقدر نصيبه ثلثا كان أو نصفا فيما بقي له من الدين ، فإن كان عليه دين سوى ذلك تحاصا في هذا المال لاستواء حقهما فيه ، ثم يباع ما بقي من العبد في دين صاحب الدين ; لأن دينه تعلق بجميع الرقبة فلا يسلم شيء من الرقبة للمولى ما لم يصل إلى الغريم كمال حقه .

إذا ولد للمكاتب في كتابته من أمة له ولد فقتله رجل خطأ كانت قيمته للمكاتب ; لأن من دخل في كتابته صار تبعا له .

( ألا ترى ) أنه أحق بكسبه يأخذه فيقضي به من دين الكتابة ؟ فكذلك هو أحق ببدل رقبته .
وإذا كان للمكاتبة ولد ولدته في المكاتبة فجنى الولد جناية قضى عليه بالجناية ولم يلحق الأم منها شيء ; لأن الولد لما دخل في كتابتها صار مكاتبا للمولى ; لأنه لو أعتقه ينفذ عتقه فيه وجناية المكاتب توجب عليه الأقل من قيمته ومن أرش الجناية ، ولا يقال إن الأم أحق بكسبه فينبغي أن يكون موجب جنايته عليها ; لأنها إنما كانت أحق بكسبه لتؤدي منه بدل الكتابة فتجعل العتق لنفسها وله حتى إن ما وراء ذلك من الكسب يكون للولد بمنزلة مكاتب آخر للمولى وضمان المكاتبة دينا على المكاتب باطل في رقها ، فإن عتقت جاز ذلك الضمان [ ص: 109 ] بمنزلة العبد إذا ضمن مالا عن إنسان ، ثم عتق أخذ بذلك الضمان ، وكذلك إن ضمنت دينا آخر على الولد منه لم يصح ضمانها في حال رقها ، فإن عتقت كان ضمانها صحيحا لزوال المانع ، وهو الرق .

وإذا كان العبد وامرأته مكاتبين كتابة واحدة فولدت ولدا ، ثم قتله الأب فعليه قيمته للأم ; لأن الولد دخل في كتابتها ، فإنه جزء منها يتبعها في الرق والحرية فكذلك بدل الرقبة ، وكذلك في الكتابة . وجناية الأب على الولد كجناية أجنبي آخر ، ولو قتله أجنبي آخر كان عليه قيمته للأم ; لأن بدل الرقبة بمنزلة الكسب وكسب الولد للأم دون الأب فكذلك بدل الرقبة ، وكذلك لو أديا فعتقا ، فإنه لا يسقط عنه شيء من ذلك ; لأنه واجب عليه لها وبالعتق يتأكد حقها قبله ، وكذلك لو قتل الابن أباه كان الضمان في قيمته ; لأنه صار مكاتبا للمولى تبعا لأمه فجنايته على أبيه كجناية مكاتب آخر فيلزمه السعاية في قيمته وليس على الأم من ذلك شيء وليس عليه من بدل الكتابة شيء ; لأنه تبع للأم في الكتابة .

فإن أدت الأم عتقوا جميعا وكانت القيمة الواجبة عليه ميراثا عن الأب بمنزلة سائر أكسابه ، ولو لم يقتل الولد الأب ولكن الأم قتلت الولد لم يلزمها شيء ; لأن الولد جزء منها ، ولو قتله غيرها كانت القيمة واجبة لها ، فإذا كانت هي الذي قتلته لو وجبت القيمة وجبت لنفسها على نفسها وذلك لا يجوز ، وكذلك لو قتل الولد الأم فليس عليه بسبب الجناية شيء ; لأنه جزء منها فجنايته عليها كجنايته على نفسه إلا أنه يلزمه الكتابة بمنزلة ما لو كانت الأم باقية ولأنه قائم مقامها ، فإن الكتابة تبقى بموتها حتى يؤدي البدل فعليه أن يسعى فيما كانت الأم تسعى فيه ، وإن قتل الأب الولد كان عليه الأقل من قيمته ومن قيمة أبيه بسبب جنايته وليس عليه من بدل الكتابة شيء ; لأنه ما كان داخلا في كتابة أبيه فلا يقوم مقامه بعد موته والأم حية تسعى في الكتابة فلا حاجة للولد إلى السعاية فيما على أبيه ، فإن أدت الأم جميع الكتابة عتقا جميعا والسعاية الواجبة على الولد بجنايته على الأب تكون ميراثا عنه تأخذ الأم حصتها فما أدت عنه بمنزلة كسب آخر يخلفه الأب وما بقي هو ميراث لورثة الأب ليس لهذا الولد منه شيء ; لأنه قاتل إلا أن يكون صغيرا فحينئذ لا يحرم الميراث بقتله عندنا ، وقد بينا هذا في الديات وإن حرمان الميراث بسبب القتل إنما يثبت في حق من ينسب إلى تقصير في التحرز وذلك لا يتحقق في حق الصبي والمجنون ولأن حرمان الميراث جزاء الفعل المحظور وذلك ينبني على الخطاب فلا يثبت في حق الصبي ، وعند الشافعي الصبي بمنزلة البالغ في حرمان الميراث بسبب القتل كما هو بمنزلة البالغ في الكفارة على مذهبه .

ولو أن رجلا كاتب عبدين مكاتبة واحدة [ ص: 110 ] فولد لأحدهما ولد من أمته ، ثم جنى الأب على ولده أو جنى عليه فالجناية باطلة ; لأنه دخل في كتابة أبيه فكان مانعا له فجناية كل واحد منهما على صاحبه بمنزلة جنايته على نفسه ; لأنهما كشخص واحد في حكم الكتابة ، فلو اعتبرنا جناية أحدهما على صاحبه بمنزلة جنايته على آخر كانت القيمة واجبة على واحد منهما وذلك لا يجوز ، ولو جنى المكاتب الآخر على الولد لزمته الجناية للأب ; لأن المكاتب الآخر من هذا الولد كأجنبي آخر ولأن المكاتب الآخر لو جنى على الأب كانت جنايته معتبرة فكذلك إن جنى على الولد الذي لم يبع له في الكتابة .

وإذا ولدت المكاتبة ولدا ، ثم أقرت عليه بجناية أو دين لم تصدق عليه ; لأن الولد صار بمنزلة المكاتب للمولى حين دخل في كتابتها ، وإقرارها على مكاتب المولى بالدين والجناية باطل ، وكذلك إن أدت فعتقت ; لأن الولد ازداد بعدا عنها ، فإن مات الولد قبل أن تؤدي من ماله أخذت بإقرارها من ذلك المال ; لأنها أحق بالمال الذي خلفه الولد ، وقد أقرت أن ذلك المال مشغول بحق صاحب الدين والجناية ، وإن حقهما مقدم على حقها فتؤاخذ بإقرارها وتجعل كأنها جددت الإقرار بدين بعد موت الولد كمن أقر على مورثه بدين في حياته ، ثم مات فصار المال ميراثا له ، وكذلك لو قتل الولد فأخذت قيمته ; لأن قيمة نفسه بمنزلة كسبه في أنه يسلم لها إذا فرغ من دينه وجنايته فيكون إقرارها صحيحا فيه إذا خلص الحق لها .

( ألا ترى ) أن الدين لو كان ثابتا على الولد بالبينة كان الغريم أحق بكسبه وقيمته إذا قتل ، ولو أقر الولد على الأم بجناية أو دين لم يصدق ; لأنه لو جاز كان على الأم دونه ، ولا ولاية له على أمه في أنه يلزمها دينا ، فإن ماتت الأم عن مال بدئ بالكتابة فقضيت ; لأن إقرار الأم كما لا يصح في حق الولد لا يصح في حق المولى ، وحق استيفاء بدل الكتابة من تركتها بعد موتها ، فإذا قضت الكتابة وحكم بعتقها كان الباقي ميراثا منها للابن فيؤاخذ بإقراره فيما ورثه كما لو جدد الإقرار عليها بذلك بعدما صار المال ميراثا له ، وإن لم تدع الأم شيئا فقضى على الولد أن يسعى فيما على أمه من الكتابة ، وهو مقر اليوم بالجناية التي كان أقر بها على الأم ، فإنه يقضي عليها بالسعاية فيها أيضا ; لأن المقر يعامل في حق نفسه كأن ما أقر به حق والثابت بالإقرار في حق المقر كالثابت بالمعاينة ، ولو ثبت في الكسب القائم في يده .

ولو ثبتت الجناية بالبينة كان على الولد السعاية بعد موتها في الأقل من قيمتها ومن أرش الجناية مع بدل الكتابة ، فإن عجز ، وقد أدى بعض الكتابة لم يسترد ما أدى ويبطل ما بقي ; لأن بالعجز صار كسبه ورقبته حقا للمولى وإقراره في حق المولى غير صحيح إلا أنه لا يسترد من القابض ما أدى [ ص: 111 ] لأن حق المولى عند عجزه إنما ثبت في الكسب القائم في يده وذلك خرج من ملكه إلى ملك القابض بسبب صحيح فلا يثبت فيه حق المولى .

ولو أقرت المكاتبة على ولدها بدين وعلى الولد دين ببينة ، وفي يده مال قد اكتسبه فصاحب البينة أحق بماله ; لأن دينه ثابت بحجة هي حجة في حق الكل ودين الآخر إنما ثبت بإقرار المكاتبة وإقرارها ليس بحجة على غيرها ، فإن قضى صاحب البينة وفضل شيء كان للذي أقرت له الأم ; لأن الولد بمنزلة عبدها من حيث إنها أحق بكسبه إذا فرغ من دينه ، وقد أقرت بأن حق المقر له فيه مقدم على حقها ، فإن عجزت أو عتقت لم يلزم رقبة الولد من إقرارها شيء ; لأن بالعجز صار الولد عبدا للسيد فلا يجوز إقرارها عليه وبالعتق صار الولد حرا ولم يبق لها حق في كسبه فلا يجوز إقرارها عليه في ذمته ، ولا في كسبه ، ولو قتل الولد وهي مكاتبة وأخذت قيمته صرفت في الدين بمنزلة كسب خلفه الولد ; لأنها أحق بجميع ذلك ، فإن صرفت في الدين ، ثم عجزت لم يسترد من ذلك شيء من المقر له لما بينا أن حق المولى إنما ثبت بعد عجزها فيما بقي في يدها ، فأما المصروف إلى الدين ، فقد خرج من ملكها إلى ملك المقر له فلا يثبت حق المولى في شيء منه .
ولو غصب المكاتب عبدا فهلك عنده ضمن قيمته بالغة ما بلغت ، وكذلك سائر الأموال ; لأن ضمان الغصب بمنزلة ضمان العقد من حيث إنه يوجب الملك في المضمون والمكاتب في ذلك بمنزلة الحر بخلاف ضمان الجناية ، فإنه لا يجب على المكاتب بسبب الجناية إلا الأقل من قيمته ومن أرش الجناية اعتبارا للمكاتب بالقن وضمان المال بسبب الغصب والاستهلاك يجب على القن في ذمته بالغا ما بلغ وضمان الجناية لا يوجب على المولى إلا دفع الرقبة بها فكذلك في حق المكاتب .
فإن غصب المكاتب عبدا قيمته ألف درهم فصارت قيمته في يده ألفين ، ثم قتله وقتل آخر خطأ فمولى العبد بالخيار ; لأنه وجد من المكاتب في عبده سببان موجبان للضمان الغصب والقتل فكان له أن يضمنه بأي السببين شاء ، فإن اختار تضمينه بالقتل قضى على المكاتب بقيمته واقتسم المولى العبد المغصوب وولي الحر يضرب فيه المولى بألفي درهم قيمته وقت القتل وولي الحر بالدية ; لأنه لما اختار تضمينه بالقتل ، فقد أبرأه عن ضمان الغصب فيجعل كما لو قتله في يد مولاه ، وإن أراد المولى أن يضمنه بالغصب ضمنه قيمته يوم غصبه ألف درهم وقضى عليه لولي الحر بقيمة المكاتب بسبب جنايته على الحر ، ولا يشتركان في ذلك ; لأن ما وجب بسبب الغصب يكون دينا في ذمته وما وجب بسبب القتل يكون في رقبته فلا تتحقق المشاركة بينهما فيه بخلاف [ ص: 112 ] الأول فهناك الواجب عليه لهما بسبب الجناية فيشتركان في القيمة الواجبة على المكاتبة بقدر حقهما ، وكذلك لو كانت قيمته يوم غصب أكثر القيمتين فهذا والأول في التخريج سواء .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.84 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.59%)]