
28-12-2025, 07:02 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,876
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع والعشرون
صـــ82 الى صـــ 91
(547)
قال : ولو قتل رجلا خطأ وحفر بئرا في الطريق فوقع فيها إنسان فمات أو أحدث في الطريق شيئا فقضى عليه بالقيمة للذي وقع في البئر ولولي القتيل وسعى فيها بينهما ثم عطب مما أحدث في الطريق إنسان فمات فإنه يشاركهم في تلك القيمة للذي وقع في البئر ولولي القتيل وسعى فيها ; لأنه أحدثه في الطريق قبل أن يقضي عليه بالقيمة وإنما صار جانيا بذلك التسبب وجنايات التسبب والمباشرة لا تلزمه إلا قيمة واحدة ما لم يقض عليه بها وكذلك لو وقع في البئر إنسان آخر فمات ولو حفر بئرا أخرى في الطريق بعد ما قضى عليه بالقيمة فوقع فيها إنسان فمات قضى القاضي بقيمة أخرى ; لأن جنايته بالتسبيب ابتداء بعد القضاء بالقيمة في الجناية الأولى بمنزلة جنايته بالمباشرة فيلزمه باعتبارها قيمة أخرى ; لأن الرقبة قد فرغت من قبل قضاء القاضي بالقيمة فيشغل بالجناية المبتدأة بعد ذلك فيلزمه القيمة لأجلها ولو وقع في البئر الأول فرس فعطب كان عليه قيمته دينا يسعى فيه بالغا ما بلغ ولا يشاركه أهل الجناية ولا يشاركونه لأن الواجب لصاحب الفرس ضمان مال وقد بينا أنه لا مشاركة بين ضمان المال وضمان النفس ولا مشابهة في الحكم .
( ألا ترى ) أنه لو قتل إنسانا خطأ فاستهلك مالا قضى عليه بالقيمة في القتل وبالمال بالغا ما بلغ وكل من يكاتب على المكاتب فهو في حكم الجناية بمنزلة المكاتب فيما يلزمه من السعاية وكذلك أم ولده التي ولدت منه في المكاتبة لأن دفعها بالجناية متعذر بسبب الكتابة فهي بمنزلة المكاتبة فيما يلزمها بالجناية ولو جنى عبده خوطب المكاتب فيه بالدفع أو الفداء وهو بمنزلة الحر فالتدبير في كسبه ولهذا لو كان القتل من العبد عمدا فصالح المكاتب على مال جاز صلحه ; لأنه قصد به تخليص ملكه
قال : وإذا أقر المكاتب بقتل عمدا ثم إنه عفا أحد الوليين عنه قضى عليه بنصف القيمة للآخر فإن عجز قبل أن يؤدي بطل ذلك عنه في قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قول أبي يوسف ومحمد إذا قضى عليه قبل أن يعجز صار دينا عليه يباع فيه وكذلك لو قتل المكاتب رجلا عمدا ثم صالح عن نفسه [ ص: 83 ] على مال فهو جائز ويلزمه المال ما لم يعجز فإذا عجز قبل أداء المال بطل عنه المال في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد هو لازم يباع فيه لأن هذا دين لزمه في حال الكتابة فيكون بمنزلة سائر ديونه يباع فيه بعد العجز إلا أن يقضي المولى عنه وأبو حنيفة يقول : لا تأثير لعقد الكتابة في إطلاق الحجر عنه في الجناية والصلح عن دم العمد فكان هو في حق المولى بمنزلة العبد المحجور عليه إلا أن في حال قيامه بالكتابة المال إنما يؤدى من كسبه وهو أحق بكسبه فكان إقراره معتبرا في حقه وكذلك قبوله بسبب الصلح فإذا عجز صار الحق لمولاه وإقراره في حق المولى باطل وكذلك قبوله المال بالصلح عن دم العمد لأنه ملتزم مالا لا بإزاء مال وذلك غير صحيح في حق المولى فلا يطلب بشيء منه ولا يباع فيه بخلاف سائر الديون فإن ذلك لزمه بسبب صار هو بعقد الكتابة منفك الحجر فكذلك السبب في حق المولى
قال : إذا قتل المكاتب رجلا عمدا وله وليان فعفا أحدهما يسعى للآخر في نصف القيمة فإن وقع رجل في بئر حفرها المكاتب في الطريق قبل القتل فعليه نصف قيمة أخرى لصاحب البئر لأنه قد غرم نصف القيمة وجناياته لا تلزمه إلا قيمة واحدة فكان عليه نصف قيمة أخرى لصاحب البئر وشاول صاحب البئر صاحب القتيل فيأخذ منه نصف ما أخذ في قول أبي يوسف ومحمد وفي قول أبي حنيفة قسمت القيمة بينهما أثلاثا كما بينا
وإذا قتل ابن المكاتب رجلا خطأ ثم إن المكاتب قتل ابنه وهو عبد وقتل آخر خطأ فعليه القيمة يضرب فيها أولياء القتيل الآخر بالدية وأولياء قتيل الابن بقيمة الابن لأن الجنايتين إذا حصلتا من المكاتب قبل قضاء القاضي لا يلزمه إلا قيمة واحدة وإنما يضرب كل واحد منهما في تلك القيمة بمقدار حقه وحق أولياء الحر في الدية وحق أولياء قتيل الابن كان في الدية ولكن بجناية الابن فأما بجناية المكاتب فلا حق لهم قبله إلا في قيمة الابن ; لأن المكاتب ما جنى على وليهم إنما جنى على الابن الذي كان مستحقا لهم بجنايته فلهذا ضربوا في قيمته بقيمة الدين
. قال : وإذا جنى المكاتب جناية ثم اختلف المكاتب وولي الجناية في قيمة المكاتب وقد علم أنها ازدادت أو نقصت فالقول في القيمة قول المكاتب لإنكاره الزيادة وعلى المولى إثبات الزيادة بالبينة وإنما شرط العلم بإنها زادت أو نقصت ; لأنه إذا لم يعلم ذلك ففي قول أبي يوسف الأول يحكم بقيمته في الحال على قياس المدبر كما بينه في أول الجنايات وكذلك لو فقئت عين المكاتب فقال المكاتب : جنيت بعد ما فقئت عيني فالقول قوله ; لأن المولى يدعي سبق تاريخ في جنايته إلى ما قبل فقء العين وهو منكر ولأن [ ص: 84 ] الولي يدعي ثبوت حقه في العين المفقوءة والمكاتب منكر لذلك والقول قول المنكر مع يمينه وعلى المولى إثبات ما يدعيه بالبينة والله أعلم بالصواب
( قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد رحمه الله ) ورضي عنه وعن أسلافه : اعلم بأن الجناية اسم لفعل محرم شرعا سواء حل بمال أو نفس ، ولكن في لسان الفقهاء يراد بإطلاق اسم الجناية الفعل في النفوس والأطراف ، فإنهم خصوا الفعل في المال باسم وهو الغصب والعرف غيره في سائر الأسامي ، ثم الجناية على النفوس نهايتها ما يكون عمدا محضا ، فإنها من أعظم المحرمات بعد الإشراك بالله - تعالى - قال الله - تعالى - : { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا } ، فقد جعل قتل نفس واحدة كتخريب العالم أن لو كان ذلك في وسع البشر .
وإنما جعله كذلك لأن الواحد يقوم مقام الجماعة في الدعاء إلى الدين وفي الإعانة لكل من استعان به ، فإن التعاون بين الناس ظاهر فالذي يقتل الواحد يكون قاطعا لهذه المنفعة وأيد هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام : { لزوال الدنيا أهون على الله - تعالى - من قتل امرئ مسلم } وقال عليه السلام : { سباب المؤمن فسق وقتاله كفر } ، وهذا وإن كان تأويله قتاله لإيمانه فظاهره يدل على عظم الجناية في قتل المسلم ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنه لا يرى التوبة للقاتل العمد ولم يؤخذ بقبوله حتى روي أن رجلا سأله فقال ما تقول في من يقتل مؤمنا متعمدا فقال جزاؤه " جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " ، فقال : إلا من تاب وعمل صالحا ثم اهتدى ، فقال : وأنى يكون له الهدى ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { يؤتى بقاتل العمد يوم القيامة عند عرش الرحمن والمقتول متعلق به ويقول يا رب سل هذا فيم قتلني وفي ذلك نزل قوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } وما نسخها شيء بعد نبيكم } .
ولعظم الجناية في قتل العمد لم ير علماؤنا الكفارة على قاتل العمد ; لأن الوعيد المنصوص عليه لا يرتفع بالكفارة والذنب فيه أعظم من أن ترفعه الكفارة ويستوي فيه إن كان عمدا يجب فيه القصاص أو لا يجب كالأب إذا قتل ابنه عمدا ، والرجل إذا قتل من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا عمدا .
والشافعي يوجب الكفارة باعتبار القتل ولكن لا يقول إن ما لحقه من المآثم يرتفع بالكفارة وكيف يقول ذلك والوعيد منصوص - عنده - عليه ؟ ، واستدل لإيجاب الكفارة [ ص: 85 ] بالقتل بقوله - تعالى - : { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة } والمراد إيجاب الكفارة بالقتل لا بصفة الخطأ ; لأنه عذر مسقط وربما يقول المراد بالخطأ ما يضاد الصواب ، قال الله - تعالى - : { إن قتلهم كان خطأ كبيرا } أي ضد الصواب ، ويقال فلان أخطأ في مسألة كذا إذا لم يصب والعمد ضد الصواب فتتناوله الآية والدليل عليه قوله تعالى : { فإن كان من قوم عدو لكم } الآية ، وإنما يقتل المرء عدوه عمدا فعرفنا أن المراد إيجاب الكفارة بقتل العمد ، وفي حديث واثلة بن الأسقع : قال { أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاحب لنا أوجب القتل بالنار فقال عليه السلام اعتقوا عنه رقبة يعتق الله - تعالى - بكل عضو منها عضوا منه من النار } وإيجاب النار إنما يكون بقتل العمد والمعنى فيه أنه قتل آدمي مضمون فيكون موجبا للكفارة كالخطأ وشبه العمد ، وهذا على أصله صحيح ; لأن إثبات الكفارة بالقياس جائز والزيادة على النص بالقياس جائزة عنده وقياس المنصوص على المنصوص مستقيم عنده وشيء من ذلك لا يجوز عندنا صحيح علينا نفصل الخطأ على طريق الاستدلال ، وهو أن الكفارة إنما وجبت على الخاطئ ; لأنه نقص بفعله من عدد المسلمين أحدهم ممن كان يحضر الجمعة والجماعات فعليه إقامة نفس مقامها وليس في وسعه ذلك بطريق الإحياء فألزمه الشرع ذلك بطريق التحرير ; لأن الحرية حياة والرق تلف في حق أحكام الدنيا ، وفي هذا المعنى العامد والمخطئ سواء .
وحجتنا في ذلك قوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } فلهذا يقتضي أن يكون المذكور في الآية جميع أجزائه ولو أوجبنا عليه الكفارة لكان المذكور بعض جزئه فيكون فسخا لهذا الحكم ولا وجه لحمل الآية على المستحل ; لأن المذكور في الآية جزاء قتل العمد وإذا حمل على المستحل كان المذكور جزاء لرده ، وتبين بهذه الآية أن المراد بقوله : { ومن قتل مؤمنا خطأ } الخطأ الذي هو ضد القصد ; لأنه عطف عليه العمد ولا يعطف الشيء على نفسه ولأنه قابله بالعمد ومتى قوبل الخطأ بالعمد فالمراد ما يضاد القصد قال الله - تعالى - : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } ولأنه استثنى الخطأ من التحريم بقوله " إلا خطأ " والاستثناء من التحريم إباحة ، فلو حمل هذا على ضد الصواب أدى إلى أن يكون القتل الصواب هو المحرم ، وهذا محال فعرفنا أن المراد الخطأ الذي هو ضد القصد ، فإن أصل ذلك الفعل غير محرم لكونه رمى إلى قصد الصيد أو الحربي لكنه باتصاله بالمحل المحترم يصير محرما ولكن لا يلحقه إثم نفس الفعل لكونه موضوعا عنه كما قال - تعالى - : { ولا جناح عليكم فيما أخطأتم به } ، وإنما يلحقه به نوع مأثم بسبب ترك التحرز .
والكفارة [ ص: 86 ] تلزمه لمحو ذلك الإثم والإثم في حق قاتل العمد ليس من ذلك الجنس حتى تمحوه الكفارة ، ثم إن الله - تعالى - ذكر أنواع قتل الخطأ ما يكون منه بين المسلمين وما يكون في دار الحرب لقوله تعالى : { فإن كان من قوم عدو لكم } أي في قوم عدو لكم وما يكون في حق أهل الذمة لقوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } ونص على إيجاب الكفارة في كل نوع ، ففيه إشارة إلا أنه لا مدخل للقياس فيه إذ لو كان للقياس مدخل لنص على الكفارة في نوع من الخطأ ليقاس عليه سائر الأنواع وقال عليه السلام : { خمس من الكبائر لا كفارة فيهن ومن جملتها قتل نفس بغير حق } والمشهور من حديث واثلة : { أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاحب لنا قد أوجب النار } فيحتمل أن ذلك بسبب آخر غير القتل ولإن صح قوله بالقتل فهو محمول على القتل بالحجر والعصا الكبير ، ثم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم التطوع بالإعتاق عنه .
( ألا ترى ) أنه خاطب به غير القاتل ، والكفارة لا تجب على غير القاتل والمعنى فيه أن هذا محظور محض فلا يكون سببا لإيجاب الكفارة كالزنا والسرقة وتفسير الوصف أنه حرام ليس فيه شبهة الإباحة ، وتأثيره أن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة فسببهما ما يكون دائرا بين الحظر والإباحة فكما أن المباح المحض ، وهو القتل بحق لا يصلح سببا للكفارة فكذلك المحظور المحض ، وإنما السبب القتل الخطأ ; لأنه باعتبار أصل الفعل مباح وباعتبار المحل الذي أصابه محظور فكان جائزا وشبه العمد كذلك ، فإن القصد التأديب ، والتأديب مباح .
والقتل بالحجر الكبير عند أبي حنيفة ليس بمحظور محض أيضا من حيث إن الآلة باعتبار جنسها ليس بآلة القتل فتتمكن فيه الشبهة ولهذا لم يجعله موجبا للقود ، ولا يدخل على هذا قتل الأب ابنه عمدا ، فإنه محظور محض ، وإنما لم يكن موجبا للقصاص لانعدام الأهلية فيمن يجب عليه وكذلك قتل المسلم الذي لم يهاجر إلينا محظور محض ، وإنما لا يكون موجبا للضمان لانعدام الإحراز بالدار وبه لا تخرج الفعل من أن يكون محظورا محضا ، وكذلك المسلم يقتل المستأمن عمدا ، فإن الفعل محظور محض ، وإنما لم يجب القصاص به لانعدام تمام الإحراز .
ثم قد بينا أنه لا مدخل للقياس في هذه المسألة عندنا من الوجوه الذي بيناها ، وكلامه على طريق الاستدلال ممنوع ، فإن الكفارة وجبت عندنا بطريق الشكر ; لأن الشرع لما عذره بالخطأ وسلم له نفسه فلم يلزمه القصاص مع تحقق الفعل منه كان عليه أن يقيم نفسا مقام نفسه شكرا لله - تعالى - وذلك في أن يحرر شبحا ليتفرغ لعبادة الله - تعالى - فإذا عجز عن ذلك شغل نفسه بعبادة [ ص: 87 ] الله فصام شهرين متتابعين ، وهذا المعنى لا يوجب في حق العامد ، فإن الشرع ألزمه القصاص وما سلم له نفسه .
والدليل على أن المعنى ليس ما قلتم أنه لو قتل مستأمنا أو ذميا خطأ يلزمه الكفارة أيضا وما نقص بفعله من عدد المسلمين أحدهم . يوضحه أن في نفس المقتول حرمتان والمال في الخطأ وجب باعتبار حرمة صاحب النفس فقط فتجب الكفارة باعتبار حرمة حق الله - تعالى - .
فأما في العمد الواجب هو العقوبة ، ولا تجب العقوبة إلا باعتبار الحرمتين جميعا ; لأن الفعل ما لم يكن موجبا للعقوبة إنما يكون حراما لعينه لمجموع الحرمتين فلا يمكن إثبات الكفارة مع ذلك في أحكام الدنيا .
إذا عرفنا هذا فنقول جناية القتل أنواع ثلاثة : عمد وخطأ وشبه عمد ، وقد يكون ذلك من الأحرار ، وقد يكون من المماليك ، وكذلك يكون على الأحرار تارة وعلى المماليك تارة ، وقد ذكرنا في كتاب الديات عامة أحكام هذه الأنواع إلا أنه ذكر في هذا الكتاب بعض ما لم يذكر هناك من الأحكام .
وفرع على بعض ما ذكرنا من الأصول هناك فبدأ الكتاب بجناية المدبر . وروي عن معاذ بن جبل أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما جعل جناية المدبر على سيده وعن عمر بن عبد العزيز أنه جعل جناية المدبر على مولاه وعن إبراهيم وعن عامر رضي الله عنهما قالا جناية المدبر على مولاه والمراد به ما يكون موجبا للمال من جنايته كالخطأ والعمد فيما دون النفس ، فأما ما يكون موجبا للقصاص فعلى الجاني خاصة ليس على المولى منه شيء ، والمراد بإيجاب القيمة على المولى بجناية المدبر لا بإيجاب الدية على المدبر ; لأن المدبر مملوك والمستحق بجناية المملوك نفسه يدفع بها إلا أنه بالتدبير السابق منع دفعه على وجه لم يصر مختارا ; لأنه ما كان يعلم أنه يجني ، ولو منعه بالتدبير بعد الجناية على وجه لم يصر مختارا بأن لم يكن عالما بالجناية كان عليه قيمته فكذلك إن منعه بتدبير قبل الجناية ، وهذه القيمة في مال المولى لا تعقله العاقلة ; لأن وجوبها بجناية مملوكه ووصلة الملك بين المملوك والمالك ، وهذه القيمة في ذمة المولى لا في ذمة المدبر ; لأن جناية القن لا تتعلق بذمته فكذلك جناية المدبر ، وعند كثرة قيمة المدبر لا يجب على المولى أكثر من عشرة آلاف إلا عشرة ; لأن قيمته بعد الجناية عليه لا تزيد على هذا المقدار فكذلك قيمته عند الجناية منه ويستوي جنايته على النفس وما دونها ; لأن فيما دون النفس الواجب على المولى الأقل من قيمته ومن أرش الجناية ; لأنه لو كان ما كان الواجب دفعه أو فداه بأرش الجناية ، فالقيمة هنا بمنزلة الدفع هناك إلا أن التخيير بين القليل والكثير في الجنسين مستقيم ، وفي جنس واحد لا يستقيم عليه لخلوه عن [ ص: 88 ] الفائدة فأوجبنا الأقل لهذا .
فإن مات المدبر بعد الجناية فعلى المولى قيمته في ماله ; لأن جنايته ما تعلقت بنفسه ، ولا بذمته ، وإنما أوجبت القيمة دينا على المولى فبقاء المدبر وموته في ذلك سواء ، وإن اختلفوا في مقدار قيمته بعد موته فالقول قول المولى لإنكاره الزيادة وعلى ولي الجناية إثبات ما يدعيه بالبينة ، وإذا اختلفوا في قيمته وقت جنايته ، وهو حي وقيمته ألف فقال المولى لم تزل هذه قيمته منذ جنى وقال المولى كانت قيمته يوم الجناية أقل من هذه ، ولا يعلم متى كانت الجناية لم يصدق واحد منهما وأخذ بالقيمة على ما وجد عليه اليوم على قول أبي يوسف الأول .
وقال محمد إذا أقر المجني عليه أن الجناية وقعت قبل اليوم في وقت لا يدري كم كانت قيمته فيه فالقول قول السيد ، وهو قول أبي يوسف الآخر ، ولو لم يعلم وقت الجناية عليه تجب قيمته للحال إضافة للحادث إلى أقرب الأوقات ، ولو علم وقت الجناية وعلم أنها كانت سابقة فعلى قول أبي يوسف الأول يحكم بقيمته في الحال ، ولا يصدق المولى في النقصان ، ولا في قيمته ، وفي قوله الآخر ، وهو قول محمد إذا أقر المجني عليه أن الجناية كانت قبل اليوم في وقت لا يدري كم كانت قيمته يومئذ فالقول قول المولى .
وجه قوله الأول أن قيمته للحال معلوم ، وفيما مضى مسببه فيرد المسبب إلى المعلوم ويجعل في الحال شاهدا على ما مضى باعتبار الظاهر فيكون القول قول من شهد له الظاهر كما إذا اختلف رب الماء مع المستأجر في انقطاع الماء في المدة ، فإنه يحكم الحال فيه .
( ألا ترى ) أنه لو كان عجل الدفع كان مدفوعا بالجناية في الحال فكذلك إذا لم يكن عجل الدفع كان الواجب على المولى قيمته في الحال إلا أن يعلم أن قيمته وقت الجناية كانت دون هذا .
وجه قوله الآخر أن جنايته لا تتعلق برقبته ، وإنما يقوم في الحال ليتبين به حكم متعلق برقبته ولكن موجب جنايته قيمته في ذمة المولى وقت الجناية وقيمته في الحال لا يكون دليلا على قيمته وقت الجناية إذ القيمة تزداد تارة وتنقص الأخرى ، فإن بقي بينهم الدعوى والإنكار فالمولى يدعي الزيادة فيما هو دين له في ذمة المولى والمولى ينكر ذلك فكان القول قول المولى كما في سائر الدعاوى .
ثم ذكر في الأصل في الدعاوى الجناية على طرف العبد ، وقد بينا هذا في الزيادات فزاد هاهنا رواية عن أبي يوسف إذا قطع يد عبد كثير القيمة فصالح على عشرة آلاف ، فإنى أرد من الصلح أحد عشر درهما ، وقال محمد لا يزاد بدل يد العبد على خمسة آلاف إلا خمسة وكان أبو يوسف يقول لما تعذر بدل نفسه بعشرة آلاف إلا عشرة فلا بد من أن ينقص بدل طرفه عن بدل نفسه ، ولا نص في مقدار هذا النقصان فقدره بدرهم واحد اعتبارا [ ص: 89 ] للآدمي .
ومحمد جعل بدل طرفه النصف من بدل نفسه كما في الحر وسوى هذا رواية عن محمد أن الواجب في بدل طرف المملوك نقصان القيمة فقط ، وهو رواية عن أبي يوسف أيضا وعلى قول أبي حنيفة بدل طرف المملوك يتقدر بنصف بدل نفسه إذا لم يتجاوز الدية إلا أن في رواية الحسن عن أبي حنيفة عم جميع الأطراف في ذلك ، وفي رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة استثنى الأذن والشعر كالحاجب وشعر الرأس واللحية ، فقال : أستقبح اعتبار المملوك بالحر في هذا وأوجب نقصان القيمة .
وجه قول محمد أن طرف الملوك في حكم المال بدليل أنه لا يجرى فيه القصاص بحال ويتحمله العاقلة بالجناية عليه بمنزلة الجناية على سائر الأموال في أنها توجب نقصان المالية بدلا مقدرا .
وجه رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أن الأطراف تابعة للنفس ، المملوك والحر في ذلك سواء فكما أن موجب الجناية على طرف الحر نصف بدل نفسه فكذلك موجب الجناية على طرف العبد .
وجه رواية أبي يوسف أن البدل المقدر في الحر تارة يجب لتفويت الزينة وتارة يجب لتفويت المنفعة ومعنى الزينة في المملوك غير المطلوب ، وإنما المطلوب المنفعة ففي كل طرف يجب بدله باعتبار تفويت المنفعة كان العبد فيه كالحر ، وفي كل ما يجب في الحر باعتبار تفويت الزينة والجمال كالشعر ، وقطع الأذن المملوك فيه لا يلحق بالحر ولكن يلحق بالمال فيجب النقصان ، وهذا لأن المملوك يشبه الحر من وجه والمال من وجه والسبيل فيما يردد بين أصلين أن يوفر عليه حظهما .
وإذا حفر المدبر بئرا في الطريق فوقع فيها رجل فمات فعلى المولى قيمته ; لأنه بالحفر السابق جان على من وقع في البئر بطريق التسبب ، فإن دفع المولى قيمته إلى وليه بقضاء قاض فوهب الولي نصف القيمة للمولى ، ثم وقع فيها آخر قال يدفع الولي النصف الذي في يده كله إلى الآخر ; لأنه تبين أن القيمة المقبوضة كانت مشتركة بينهما نصفين فهبة المولى النصف ينصرف إلى نصيبه خاصة دون نصيب شريكه فما بقي في يده كله نصيب شريكه ولأنه صار مستهلكا كالقائم من القيمة إذ لا فرق بين أن يهب ذلك من المولى وبين أن يهب من أجنبي آخر وما استهلكه كالقائم في يده حكما فعليه أن يدفع نصف قيمته إلى شريكه ، فإن وقع فيها ثالث ، وقد غرم الواهب نصف القيمة للثاني بأمر القاضي فعلى الواهب لولي الثالث سدس القيمة ; لأنه تبين أن القيمة الواجبة كانت بينهم أثلاثا وأن حق الثالث في ثلث القيمة إلا أن نصف ذلك في النصف الذي هو في يد الثاني ، ولا ضمان على الأول فيه ; لأنه دفعه بقضاء قاض فيرجع به على الثاني ويأخذ منه ثلث ما في يده ونصف حقه ، وهو سدس القيمة كان [ ص: 90 ] في النصف الذي وهبه الأول ، وهو مستهلك لذلك فلهذا يغرم له سدس القيمة ، ولا سبيل له على المولى ; لأن المولى قد أدى ما عليه من القيمة ، وإنما يملك الموهوب بتملك صحيح من الواهب ، ولا سبيل لأحد عليه .
وإن حفر المدبر بئرا في الطريق فوقع فيها رجل فمات ، ثم كاتب المولى المدبر ، ثم وقع فيها رجل آخر فعلى المولى قيمته بينهما نصفان ، ولا شيء على المكاتب ; لأنه إنما صار جانيا بالحفر السابق ، وقد كانت تلك الجناية قبل الكتابة فلهذا لا يجب على المكاتب شيء .
( ألا ترى ) أنه لو أعتقه مولاه أو أدى بدل الكتابة فعتق ، ثم وقع فيها رجل كان على المولى قيمته ، ولا شيء على المعتق ، ولا على عاقلته . وعلى هذا يعتبر قيمته يوم الحفر ; لأنه صار جانيا بذلك الحفر .
( ألا ترى ) أن عند الوقوع قد يكون المدبر ميتا ، ولا تتحقق الجناية من الميت وعلى هذا لو أعتقه المولى بعد الحفر ، ثم وقع المولى في البئر فمات كان دمه هدرا ; لأنه صار جانيا بالحفر ، وهو كان مملوكا للمولى عند ذلك وجناية المملوك على المالك فيما يوجب المال هدر ، وكذلك لو وقع فيها عبد للمولى عند ذلك والمولى وارثه أو ابنه أو بعض من لا يرثه إلا المولى فدمه هدر ; لأنه لو اعتبر كان موجبا للمولى على نفسه إلا المكاتب ، فإن على المولى الأقل من قيمة المكاتب يوم وقع فيها ومن قيمة المدبر يوم حفر البئر يؤدى من ذلك مكاتبته وما بقي فهو ميراث ; لأن المكاتب إذا ترك وفاء فهو في حكم الأجنبي عن المولى فتعتبر الجناية عليه في إيجاب الأقل من قيمته يوم وقع في البئر ومن قيمة المدبر يوم حفر ليؤدي منه المكاتبة فتحصل له الحرية ، ثم ما بقي ميراث ، فإن كان للمكاتب ولد حر فهو ميراث له وإلا فهو للمولى بالولاء ويستوي إن كان حفر المدبر البئر قبل أن يكاتب المولى هذا العبد أو بعده ; لأن جنايته فيما اتصلت به حين وقع في البئر ، وهو مكاتب في هذه الحالة .
وإن كان الواقع فيها ابن المولى وله وارث غير المولى فهو ضامن حصة من يرث معه من قيمة العبد ويسقط حصته بمنزلة دين آخر واجب للابن على الأب ، ثم مات الابن ، فإنه يسقط حصته من ذلك ويؤدي حصة الابن إلا آخر .
ولو حفر المدبر البئر ، ثم أعتقه المولى ، ثم مات المولى ، ثم وقع في البئر إنسان فمات كانت قيمة المدبر في مال المولى ; لأن الحفر كان جناية منه في حال كونه مملوكا للمولى وكان موجبه القيمة على المولى إذا اتصل الوقوع به فيكون هذا نظير ما لو حفر المولى بنفسه ، ثم وقع فيها دابة بعد موته فكما أن هناك قيمة الدابة تكون في تركة المولى فيها هنا قيمة المدبر كذلك ، وإن لم يترك المولى شيئا فلا شيء على ورثته ، ولا على المعتق لما بينا أن موجب هذه [ ص: 91 ] الجناية الدين في ذمة المولى وليس على الوارث قضاء دين المورث من مال نفسه ، ولا على المعتق شيء من دين المعتق .
مدبر قتل دابة رجل وأحرق ثوب آخر فعليه السعاية في قيمة ذلك كله ; لأن جنايته على المال توجب الضمان دينا في ذمته يقضى من كسبه وسعايته ولكن يصير بهذا مأذونا له في التجارة حتى لا ينفذ سائر تصرفاته ; لأن انفكاك الحجر منه يتعمد الرضا له من المولى به صريحا أو دلالة ولم يوجد وحاله هاهنا كحال العبد المحجور عليه يلزمه دين بالاستهلاك فلا يصير به مأذونا ولكنه لو اكتسب كسبا أو وهبت له هبة فذلك كله مصروف إلى دينه ، فإن قضى به دين أحدهما كان للآخر أن يشارك فيه ; لأن القاضي لما قضى لهما موجبا الدين في ذمته ، فقد تعلق حقهما بكسبه فلا يملك تخصيص أحدهما بقضاء دينه وإبطال حق الآخر بمنزلة العبد المحجور عليه يخص بعض غرمائه بقضاء الدين من كسبه وهناك حق الباقين حق المشاركة معه .
ولو أن رجلا أعتق عبدا في مرضه ، ولا مال له غيره أو له مال غيره يخرج العبد من ثلثه ، ثم إن العبد قتل سيده خطأ فعليه أن يسعى في قيمتين في قول أبي حنيفة إحداهما : رد الوصية ، فإن العتق في المرض وصية ، ولا وصية للقاتل .
والأخرى لأجل الجناية ; لأن المستسعى في قيمة عبده مكاتب وجناية المكاتب على مولاه خطأ كجناية الأجنبي فيلزمه قيمته كذلك ، وعند أبي يوسف ومحمد عليه قيمة واحدة لرد الوصية والدية على عاقلته ; لأن المستسعى عندهما حر عليه دين فجنايته خطأ تكون على عاقلته .
ولو أن عبدا جرح مولاه فأعتقه مولاه ، ثم مات من تلك الجراحة ، فإن كان المولى صاحب فراش سعى العبد في قيمته لورثته ، وإن كان المولى يجيء ويذهب فالعبد حر لا سبيل عليه ; لأنه إذا كان صاحب فراش فهو مريض والإعتاق منه بمنزلة الوصية ، ولا وصية لقاتل ، وإذا كان يذهب ويجيء فهو بمنزلة الصحيح ينفذ إعتاقه لا بطريق الوصية .
( ألا ترى ) أن رجلا لو جرح رجلا جراحة وأقر له بدين ، وهو يجيء ويذهب جاز ، وإن كان صاحب فراش لم يجز وحصل ذلك بمنزلة الوصية منه للقاتل .
ولو أن مدبرة قتلت مولاها خطأ وهي حبلى ، ثم ولدت بعد موته فلا سعاية على ولدها في شيء من قيمته ; لأنه وجب عليها السعاية في قيمتها لرد الوصية فكانت كالمكاتبة عند أبي حنيفة والمكاتبة إذا ولدت ولدا فالولد يدخل في كتابتها ويعتق بعتقها وليس عليه شيء من بدل الكتابة وعندهما هي حرة والولد ينفصل عنها حرا ، ولو جرحت مولاها ، ثم ولدت ، ثم مات المولى من تلك الجراحة فعليها السعاية في قيمتها لرد الوصية ويعتق الولد من الثلث ; لأن الولد انفصل عنها وهي مدبرة ، فإن المولى حي حين ولدت وهي إنما [ ص: 92 ] تعتق بموت المولى . وولد المدبرة مدبر ولم يوجد من الولد ما يحرمه من الوصية فكان هذا من الثلث .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|