
28-12-2025, 02:30 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,128
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع والعشرون
صـــ42 الى صـــ 51
(543)
قال : وإذا قتل العبد قتيلا خطأ ثم فقأ رجل عينه ثم قتل آخر خطأ ثم اختار المولى دفعه فإنه يدفع أرش العين إلى الأول لأنه جنى على الأول وعينه كانت صحيحة فيثبت فيها حق المجني عليه ثم فاتت وأخلفت بدلا فيكون البدل له ولا مزاحمة للثاني معه فيه لأنه جنى على الثاني وهو أعور فلم يثبت حق الثاني في هذه العين أصلا ثم يكون العبد بينهما يضرب فيه الأول بالدية إلا ما أخذ من أرش العين ويضرب فيه الآخر بالدية حتى إذا كانت قيمته ألف درهم وكان أرش العين خمسمائة فإن العبد يقسم بينهما على تسعة وثلاثين سهما لأن الأول إنما بقي من حقه تسعة آلاف وخمسمائة فيضرب بذلك في العبد والثاني إنما يضرب بعشرة آلاف كمال الدية فإذا جعلت كل خمسمائة سهما كان العبد بينهما على تسعة وثلاثين سهما وكذلك لو كان الذي فقأ عينه عبدا فدفع به كان ولي الأول أحق به ثم يضرب مع الآخر بالدية إلا قيمة العبد الذي أخذه لأنه وصل إليه ذلك القدر من حقه .
وإذا قتل العبد قتيلا خطأ وللمقتول وليان فدفعه المولى إلى أحدهما بقضاء قاض ثم قتل عنده آخر ثم جاء ولي الآخر والشريك في الجناية الأولى فإنه يقال للمدفوع إليه الأول : ادفع نصفك إلى الأول أو افده بنصف الدية لأن نصف العبد صار مملوكا بالدفع إليه بقضاء القاضي فإنما جنى على ملكه فيخاطب بأن يدفع ذلك النصف أو يفديه بنصف الدية فإن دفعه برئ من نصف الدية ويرد النصف الباقي على المولى لأنه أخذه بغير حق فيرده على من أخذ منه ثم يقال للمولى : ادفعه أو افده بعشرة آلاف خمسة آلاف للآخر وخمسة آلاف لولي الأول الذي لم يأخذ شيئا فإن دفعه ضرب كل واحد منهما في هذا النصف بخمسة آلاف فيكون بينهما نصفين فحصل ثلاثة أرباع العبد [ ص: 43 ] لولي الجناية الآخرة وربعه للذي لم يكن قبض من ولي الجناية الأولى ثم يضمن المولى الذي كانت الجناية الثانية في يده ربع قيمته للمولى فيدفعه إلى الأوسط لأن هذا الربع استحقه ولي الجناية الآخر بجناية كانت منه عند المدفوع إليه وقد كان مضمونا في يده فيرجع عليه بربع القيمة لذلك ويدفعه إلى الأوسط لأن حقه كان ثابتا في هذا الربع وقد فات وأخلف بدلا فيجمع له ربع العبد وربع القيمة ولا يكون ذلك موجبا للضمان عليه حتى لو كان دفعه إليه بغير قضاء القاضي كان للأوسط الخيار إن شاء ضمن المولى هذا الربع باعتبار دفعه إلى صاحبه بغير قضاء قاض وإن شاء ضمنه فإن ضمن المولى رجع به المولى على المدفوع إليه الأول لما قلنا .
قال : وإذا قتل العبد قتيلين خطأ فدفعه المولى إلى أحدهما بغير قضاء القاضي فقتل عنده قتيلا خطأ ثم اجتمعوا واختاروا الدفع فإن المدفوع إليه الأول يقال له ادفع نصف العبد إلى الآخر لأن حقه كان في نصف العبد وقد تم ملكه في ذلك النصف بالدفع إليه ثم كانت الجناية الأخيرة من هذا النصف على ملكه وقد اختار الدفع فيؤمر بدفع نصف العبد إليه ويرد النصف الباقي على المولى لأنه أخذه بغير حق ثم يدفعه المولى إلى الأوسط والآخر يضرب فيه الآخر بخمسة آلاف لأنه وصل إليه نصف حقه ويضرب فيه الأوسط بعشرة آلاف لأنه لم يصل إليه شيء من حقه فيكون هذا النصف بينهما أثلاثا ثلثاه للأوسط وثلثه للآخر ثم يضمن المولى سدس قيمة العبد للأوسط وهو ما سلم من هذا النصف لولي الجناية الأخيرة لأن حق الأوسط كان ثابتا في جميع هذا النصف وكان قد دفعه إلى غيره بغير قضاء القاضي فلهذا يضمن له سدس القيمة ويرجع به على الأول الذي كان في يده لأن استحقاق هذا السدس بجناية كانت في يده وإن شاء الأوسط ضمن هذا السدس الذي كان في يده هكذا يقوله العراقيون من مشايخنا والصحيح عندي أنه ليس له ذلك هاهنا ولا في الفصل الأول لأنه ما كان مالكا لهذا النصف قبل أن يدفع إليه حين يكون قبض الأول جناية على حقه فيكون ضامنا له ولو كان الدفع بقضاء قاض كان مثله هذا أيضا لأن المولى لا يضمن شيئا للأوسط ولكنه يرجع بسدس القيمة على المدفوع إليه الأول لما قلنا وإذا قبض ذلك منه دفعه إلى الأوسط وعلى ما يقوله العراقيون الأوسط هو الذي يرجع بسدس القيمة على المدفوع إليه .
قال : وإذا قتل العبد قتيلا خطأ وفقأ عين آخر فدفعه المولى إلى المفقوء عينه فقتل عنده قتيلا آخر ثم اجتمعوا فاختاروا دفعه فإن صاحب العين يدفع ثلثه إلى الآخر لأنه ملك الثلث والجناية [ ص: 44 ] الأخيرة من هذا الثلث حصلت على ملكه فيدفعه بها ويرد الثلثين على المولى فيدفعه المولى إلى ولي القتيلين يضرب فيه الأول بعشرة آلاف والآخر بثلثي الدية لأنه قد وصل إليه ثلث حقه فيكون هذا مقسوما بينهما أخماسا ثلاثة أخماسه للأول وخمساه للآخر ثم يضمن المولى للأول ستة أجزاء وثلثي جزء من ستة عشر جزءا وثلثي جزء من ثلثي قيمة العبد وذلك في الحاصل خمسا بدل ما سلم للآخر من هذا الثلثين إلا إنه إذا بنى الجواب على القسمة التي كانت بينهما فإن الأول ضرب فيه بعشرة آلاف والآخر بستة آلاف وثلثي ألف ولهذا قال ما قال وفي الحقيقة رجوعه على المولى بخمسي ثلثي قيمته لأن المولى أتلف ذلك عليه حين دفعه إلى صاحب العين بغير قضاء قاض واستحق بالجناية التي كانت عنده ثم يرجع به المولى على صاحب العين لما قلنا إن الاستحقاق بسبب جناية كانت في ضمانه .
قال وإذا قتلت الأمة قتيلا خطأ ثم ولدت بنتا ثم قتلت البنت رجلا خطأ ثم إن البنت قتلت الأم فاختار المولى دفعها ضرب أولياء قتيل الأمة فيها بقيمة الأم وأولياء قتيل البنت بالدية لأن البنت في هذا الحكم كجارية أخرى للمولى فإن حق ولي جناية الأم لا يثبت في البنت ثم قد وجد من البنت جنايتان إحداهما على الحر والأخرى على الأم وهي مقدرة بحق أولياء جناية الأم فإن دفعها المولى ضرب كل واحد منهما فيها بمقدار حق أولياء الأم بقيمة الأم وولي الحر بالدية فتقسم البنت بينهما على ذلك وإن اختار المولى فداء البنت دفع قيمتها إلى وليها وقيمة الأم إلى ولي الأم لأنه إنما أقر بها بما يثبت فيها من الحق باعتبار جنايتها ولو كانت البنت فقأت عين الأم .
فهذه المسألة على أربعة أوجه إن اختار المولى دفعها دفع الأم بجنايتها ودفع البنت يضرب فيها أولياء قتيلها بالدية وأولياء قتيل الأم بنصف قيمة الأم لأنها على غير الأمة وقد ثبت فيها حق أولياء الأم والعين من الآدمي نصفه فلهذا ضربوا فيها بنصف قيمة الأم وإن اختار الفداء فيهما فدى كل واحد منهما بعشرة آلاف أرش جنايتها وقد خلطن بحق فيهما للمولى ولا تعتبر جناية البنت على الأم وإن اختار الدفع في الأم والفداء في بنت دفع الأم إلى أولياء جنايتها وفدى البنت بالدية إلى أولياء قتيلها وبنصف قيمة الأم لأولياء قتيل الأم لأنها أتلفت نصف الأم بجنايتها وهي جناية معتبرة بحق أولياء جناية الأم وإن اختار الدفع في البنت والفداء في الأم فدى الأم بعشرة آلاف ودفع البنت إلى أولياء جنايتها لأنه حين فدى الأم صارت هي مخالفة له فجناية البنت عليها غير معتبرة لحق المولى فلهذا دفع البنت إلى أولياء جنايتها ولو فقأت الأم عين البنت [ ص: 45 ] بعد ما فقأت عينها فاختار المولى دفعهما فإنه يدفع البنت وإنما يبدأ بها لأنها هي التي ابتدأت بالجناية على الأم فيضرب فيها أولياء قتيلها بالدية وولي قتيل الأم بنصف قيمة الأم ثم يكون ذلك المقدار من البنت مع الأم ويدفع الأم وما أصابها بأرش عينها من البنت فيكون ما دفع بها من البنت لولي قتيل الأم خاصة لأن الأم حين ثبتت الجناية الأولى كانت عينها صحيحة فيثبت حق المولى في بدل تلك العين .
ولا مزاحمة فيه لأولياء جناية البنت وهي عوراء فلا يثبت حقهم في بدل عينها ثم يضرب ولي قتيل الأم في الأم بما بقي من الدية ويضرب فيها ولي جناية البنت بنصف قيمة البنت فتكون القسمة بينهما على ذلك وقد طعنوا في هذا الجواب فقالوا ينبغي أن يضرب أولياء قتيل البنت في البنت بالدية إلا مقدار ما يصل إليهم من الأم باعتبار جنايتها على نصف البنت لأن المعتبر هو المال وباعتبار المال سلم له هذا ولكن ما ذكره في الكتاب أصح لأن عند دفع البنت لم يصل إلى أولياء قتيلها شيء بعد فيضربون بجميع الدية ولا معتبر بما يكون بعد ذلك .
( ألا ترى ) أن رجلا لو مات وترك ألف درهم ولرجل عليه ألف درهم ولآخر عليه ألف درهم فاقتسما الألف بينهما أثلاثا ثم إن صاحب الألفين أبرأه عن الألف لا يتغير بهذا الإبراء حكم تلك القسمة لهذا المعنى وإن اختار الولي الفداء فيهما فداهما بديتين وأمسكهما جميعا لأنه يفدي كل واحدة منهما بدية قتيلها وقد خلصتا للمولى ولا يعتبر جناية كل واحدة منهما على صاحبتها .
قال وإذا قتلت الأمة رجلا خطأ ثم ولدت بنتا ثم إن ابنتها قتلتها فإنه يقال لمولاها ادفعها أو افدها بقيمة الأم لأن البنت في هذا الحكم كجارية أخرى للمولى .
ولو جنت الأمة وهي حامل ثم ولدت ولدا قبل أن يدفعها فالولد للمولى لأن الولد زيادة انفصلت عنها قبل تقرر حق ولي الجناية فيها وإذا ولدت آخر بعد الدفع فهو للمدفوع إليه لأنه ملكها بالدفع إليه والولد يتبع الأم في الملك .
ولو جنت الأمة جناية خطأ ثم ولدت ولدها فقطع الولد يدها فالمولى بالخيار إن شاء دفع الأم ونصف قيمتها إلى أهل الجناية وإن شاء دفعها وولدها وإن شاء أمسكها وأعطى الأرش لأن الولد بمنزلة مملوك آخر للمولى إذا لم يتعلق به حق أولياء جنايتها وقد أتلف الولد نصف الأم فتعتبر جنايته عليها بحق أولياء جنايتها فلهذا خير المولى على ما بينا سواء كان أرش الجناية أقل من نصف قيمتها أو مثل نصف قيمتها ولو جنى عليها عبد لغيره فأخذ الأرش أعطى من ذلك أرش جنايتها وأمسك الباقي لأن جناية عبد الغير عليها معتبرة لحق المولى فإذا قبض الأرش التحق ذلك بسائر أملاكه [ ص: 46 ] فيكون له أن يعطي من ذلك أرش جنايتها ويمسك ما بقي معها كما لو كان له أن يعطي أرش جنايتها من سائر أملاكه بخلاف ما سبق فجناية الولد عليها هناك غير معتبرة لحق الأم وإنما كانت معتبرة لحق ولي جنايتها وإذا اختلف المولى وولي جنايتها فقال الولي جنت وهي صحيحة ثم فقأ رجل عينها فالأرش لي وقال المولى جنت بعد الفقء فالقول قول المولى لما بينا أن الولي يدعي استحقاق مال في يد المولى ويدعي تاريخا في جنايته سابقا على وجوب الأرش بالجناية عليها فلا يصدق في ذلك إلا بحجة وكذلك لو كان الذي جنى عليها القتيل نفسه أو وليه ثم اختلف فالقول في ذلك قول المولى لما بينا أنه ينكر سبق تاريخ يدعيه المولى فالقول قوله مع يمينه وعلى المولى إثبات ما يدعيه بالبينة والله أعلم .
( قال رحمه الله ) وإذا حفر العبد بئرا في طريق بغير إذن مولاه ثم أعتقه مولاه ثم علم بما حفر ثم وقع فيها رجل فمات فعلى المولى قيمة العبد لأن الحافر عند الوقوع يصير جانيا بسبب الحفر السابق فإن ذلك الحفر كان تعديا منه إلا أنه اتصل بالمجني عليه عند الوقوع فيصير جانيا عليه بذلك الحفر كالمعلق للطلاق والعتاق بالشرط فعند وجود المشروط يصير مطلقا ومعتقا بالكلام السابق وذلك الفعل كان منه في ملك المولى وموجب جناية العبد واستحقاق نفسه على المولى وقد أتلفه المولى بالإعتاق على وجه لم يصر مختارا إما لأنه لم يكن عالما بالحفر أو لأنه لم يكن عالما بأن يقع فيها إنسان فكان مستهلكا للعبد فعليه قيمة العبد لولي الجناية فإن وقع فيها آخر اشتركا في تلك القيمة لأنه صار جانيا على الثاني بالسبب الذي به صار جانيا على الأول وهو الحفر فيستويان في الاستحقاق الثابت بذلك السبب والمولى بالإعتاق ما استهلك إلا رقبة واحدة فلا يلزمه أكثر من قيمة واحدة ولكن تلك القيمة بينهما نصفان فإن وقع فيها العبد فهو وارثه تركة في تلك القيمة أيضا لأن العبد بعد ما عتق فقد طهر من تلك الجناية والتحق هو بغيره من الأجانب .
وروي عن محمد بن الحسن أن دمه هدر وأصل هذه المسألة فيما إذا حفر العبد بئرا في الطريق ثم أعتقه المولى ثم وقع العبد فيها فمات فدمه هدر في قول محمد لأنه كالجاني على نفسه بذلك الحفر السابق وفي ظاهر الرواية على المولى قيمته لورثته لأنه حين أعتق فقد خرج من أن يكون جانيا حكما ويصير كأن الجاني بالحفر هو المولى حتى إن عند [ ص: 47 ] وقوع الواقع فيها يكون موجب الجناية على المولى ولا شيء فيه على المعتق فيكون وقوع المعتق فيها كوقوع أجنبي آخر فيغرم المولى قيمته لورثته ولو كان أعتقه المولى بعد ما وقع فيها رجل فإن كان المولى لا يعلم بوقوع الرجل فيها فعليه قيمة العبد لأنه صار بالإعتاق مستهلكا لا مختارا وإن علم بموت الرجل فيها فعليه الدية لأنه صار مختارا بالإعتاق فقد صار متخيرا بموت الرجل فيها وعلمه بذلك بخلاف ما إذا كان إعتاقه قبل أن يقع في البئر أحد لأنه ما صار متخيرا قبل وقوع الواقع فيها فلا يمكن أن يجعل إعتاقه اختيارا فإن وقع آخر فيها فمات فإنه يقاسم صاحب الدية فيضرب الآخر بقيمة العبد والأول بالدية في قول أبي حنيفة رحمه الله .
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله على المولى نصف قيمة أخرى لولي القتيل الآخر ولا يشرك الأول في الدية لأن إعتاق المولى إياه اختيار الدية في حق الأول فكأنه لم يعتقه ولكنه أمسكه وأدى الدية ولو فعل ذلك ثم وقع في البئر آخر كان عليه أن يدفع نصفه إلى الآخر أو يفديه بالدية فكذلك هاهنا يصير هو بالإعتاق في حق الثاني مستهلكا للعبد فيغرم له نصف قيمته وأبو حنيفة يقول دفعه الدية إلى الأول بسبب إعتاقه بعد العلم بالجناية بمنزلة دفعه القيمة إليه إذا لم يكن عالما بالجناية ثم هناك المولى لا يغرم شيئا آخر إذا وقع فيها إنسان آخر ولكن الثاني شارك الأول فيما قبض فكذلك هاهنا وهذا لأن المولى قد غرم جميع موجب جناية العبد فلا يلزمه شيء آخر بعد ذلك لأنه لا يثبت بوقوع الثاني فيه في حق المولى تجدد الجناية فإنه حر حين وقع فيه الثاني وبه فارق ما إذا أمسكه وأدى الدية لأن العبد عند وقوع الثاني فيه صار جانيا باعتبار الحفر السابق وهذا على ملك المولى في هذه الحالة فيخاطب المولى بموجب هذه الجناية فيدفع إليه النصف أو يفديه وإذا ثبت أن المولى لا يغرم شيئا آخر قلنا ولي الثاني يضرب مع الأول فيما قبضه بقيمة العبد لأنه صار جانيا عليه لا بالحفر السابق والمولى في حقه يصير مختارا فيكون حقه في قيمة العبد وحق الأول في الدية فقد صار المولى مختارا في حقه فيضرب كل واحد منهما في المقبوض بمقدار حقه ولو وقع فيها رجل فمات ثم وقع فيها آخر فذهبت عينه والعبد قائم دفعه المولى إليهما فيكون بينهما أثلاثا على مقدار حقيهما .
وإن اختار الفداء فداه بخمسة عشر ألفا عشرة آلاف لصاحب النفس وخمسة آلاف لصاحب العين وإن أعتقه قبل أن يعلم بهما فعليه قيمتهما بينهما أثلاثا لأنه صار مستهلكا للعبد عليهما بالإعتاق وإن كان يعلم بالقتل ولا يعلم بالعين فعليه عشرة آلاف لولي القتيل لأنه مختار لذلك وعليه ثلث قيمته [ ص: 48 ] لصاحب العين لأنه صار مستهلكا في حقه حين لم يكن عالما بالجناية فيغرم له حصته من القيمة وهو الثلث ولو باع العبد قبل أن يقع فيها أحد ثم وقع فيها إنسان فمات فعلى البائع قيمته لأن إزالته العبد عن ملكه بالبيع بمنزلة إزالته بالعتق وكذلك لو وقع فيها العبد في ظاهر الرواية على البائع قيمته للمشتري وفي رواية محمد دمه هدر كما بينا في العتق .
قال : وإذا حفر العبد بئرا في طريق المسلمين فوقع فيها رجل فقال : المولى أنا كنت أمرته بذلك لم يضمن عاقلته ولم يصدق على ذلك إلا ببينة لأن الجناية باعتبار الظاهر تعلقت برقبة العبد وصار المولى مخاطبا بالدفع أو الفداء فلا يقبل قوله في إيجاب موجب الجناية على العاقلة إلا بالبينة ولا في تفريغ العبد عن موجب هذه الجناية إذا كذبه ولي الجناية وإن صدقه ولي الجناية برئ العبد من الجناية بتصادقها على ذلك والحق لا يعد وهما فتكون الدية في مال المولى لأن إقراره بالحفر كان من العبد بأمره بمنزلة إقراره بأنه حفر بنفسه .
ولو وقع إنسان في بئر في الطريق فأقر رجل بأنه هو الذي حفر البئر كان مصدقا على نفسه دون عواقله وتكون الدية في ماله في ثلاث سنين .
وإذا استأجر الرجل عبدا محجورا عليه وحرا يحفران له بئرا فوقعت عليهما فماتا فعلى المستأجر قيمة العبد للمولى لأنه صار غاصبا العبد باستعماله وقد تلف في عمله ثم تلك القيمة تكون لورثة الحر إن كان أقل من نصف الدية لأن العبد صار جانيا على نصف الحر وقد فات وأخلف بدلا فيستوفي وليه ذلك البدل بحقه ثم يرجع بها المولى على المستأجر لأن المقبوض استحق من يده بجناية كانت من العبد وفي ضمانه ثم المستأجر قد ملك العبد بالضمان وقد صار الحر جانيا على نصفه فيكون على عاقلة الحر نصف قيمة العبد المستأجر ولو كان العبد مأذونا له في العمل لم يكن على المستأجر شيء لأنه ليس بغاصب له وكان على عاقلة الحر نصف قيمة العبد لأن الحر صار جانيا على نصف العبد ثم يكون ذلك لورثة الحر باعتبار جناية العبد على نصف الحر .
وإذا حفر العبد بئرا في الطريق بغير إذن مولاه ثم قتل قتيلا خطأ فدفعه مولاه إلى ولي القتيل ثم وقع في البئر إنسان فمات فإن ولي القتيل بالخيار إن شاء دفع نصفه وإن شاء فداه بالدية لأن العبد صار جانيا على الواقع في البئر بالحفر السابق وباعتبار تلك الجناية يكون نصف قيمة حق ولي الواقع في البئر .
( ألا ترى ) أنه لو كان وقوع الواقع في البئر قبل أن يدفع بجنايته كان العبد بينهما نصفين ولأن المدفوع إليه بالجناية قد ملك جميعه لأنه حين دفعه إليه العبد ما كان لأحد سواه حق في العبد وبوقوع الواقع في البئر لا يتبين أن حق وليه كان تاما يومئذ وإنما [ ص: 49 ] يثبت مقصورا على الحال ولكن بذلك السبب فلا يبطل به ملك المدفوع إليه العبد بذلك في شيء من العبد ولكنه في الخيار يقوم مقام المولى باعتبار ملكه فإن شاء دفع إليه نصفه وإن شاء فداه بالدية ولو وقع في البئر أولا إنسان فمات فدفعه ثم قتل قتيلا خطأ فدفعه المدفوع إليه ثم وقع في البئر آخر فإن ولي القتيل يدفع ثلثه إلى الواقع في البئر آخرا أو يفديه بالدية لأن العبد في الحاصل قاتل ثلاثة نفر اثنان في البئر وواحد بيده وقد صار حصة صاحب البئر الأول للذي قتله بيده مع حصته وذلك ثلثان من العبد والثلث منه حق ولي الواقع في البئر آخرا وقد قام المدفوع إليه مقام المالك فيه فيتخير بين أن يدفع الثلث أو يفديه بالدية .
وإذا حفر المدبر أو أم الولد بئرا في الطريق وقيمته ألف درهم فوقع فيها إنسان فمات فعلى المولى قيمته لأن جنايته بالحفر عند اتصال الوقوع به كجنايته بيده وجناية المدبر وأم الولد توجب القيمة على المولى به قضى أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه حين كان أميرا بالشام وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد وهذا لأن المولى بالتدبير السابق صار مانعا دفع الرقبة بالجناية على وجه لم يصر مختارا فيكون ضامنا قيمته لو فعل ذلك بعد الجناية وهو لا يعلم بها فإن وقع فيها واحد بعد واحد فماتوا وقد تغيرت قيمته فيما بين ذلك إلى زيادة أو نقصان لم يكن على المولى إلا قيمة ألف درهم يوم حفر بينهم جميعا بالسوية لأنه ما منع إلا رقبة واحدة فلا يغرم إلا قيمة واحدة والجناية من المدبر سببها كان هو الحفر فيعتبر قيمته عند ذلك ( ألا ترى ) أن في الجناية بيده يعتبر قيمته حين جنى وكذلك لو مات المدبر قبل أن يقع فيها إنسان أو أعتقه أو كاتبه أو فعل شيئا من ذلك بعد ما وقع فيها بعضهم ثم وقع فيها إنسان فمات فعلى المولى قيمته لأن جناية المدبر لا تتعلق برقبته فإنه ليس بمحل الدفع وإنما تجب القيمة على المولى ابتداء فموت المدبر وحياته وعتقه في ذلك سواء وكذلك لو جنى جناية بيده شارك أهلها في تلك القيمة لأن المولى ما منع إلا رقبة واحدة إلا أنه إذا كانت قيمته يوم جنى بيده ألفين فعلى المولى ألف درهم لهذا خاصة لأن على المولى قيمته وقت جنايته فإنه عند ذلك صار مانعا دفعه بالتدبير السابق وهذه الجناية الثانية وجدت منه الآن فعليه لصاحبها قيمته ألفان وقد غرم مرة ألفا فيغرم لهذا ألفا أخرى ثم يضرب هو في القيمة الأولى مع أهلها بتسعة آلاف لأنه وصل إليه مقدار ألف فينتقص من حقه ذلك القدر ويضرب كل واحد من أصحاب البئر بعشرة آلاف فتكون القيمة بينهم على ذلك .
قال : وإذا استأجر أربعة رهط مدبرا ومكاتبا وعبدا وحرا يحفرون لهم بئرا [ ص: 50 ] فوقعت عليهم من حفرهم فماتوا ولم يؤذن للمدبر ولا للعبد في العمل فيقول كل واحد منهم : تلف بفعله وفعل أصحابه فيهدر ربع نفسه وتعتبر جناية أصحابه عليه في ثلاثة أرباع نفسه ثم على المستأجر قيمة العبد والمدبر لمولاه لأنه صار غاصبا لها بالاستعمال والمدبر يضمن بالغصب كالقن ثم لورثة الحر ربع دية الحر في رقبة كل إنسان منهم ولولي المكاتب ربع قيمة المكاتب في رقبة كل منهما فيضرب في هاتين القيمتين ودية الحر بنصف دية الحر وورثة المكاتب بنصف المكاتب فيقسمان ذلك على هذا ثم يرجع مولاهما بذلك على المستأجر لأن المقبوض استحق بجناية قيمة كانت منهما في يد المستأجر فيثبت لهما حق الرجوع عليه في رقبة العبد ثم للمستأجر على عاقلة الحر ربع قيمة واحد منهما لأنه ملك العبد بالضمان وقد صار بمنزلة المالك للمدبر باستحقاق بدل نفسه بعد ما ضمن قيمته فلهذا رجع على عاقلة الحر بربع قيمة كل واحد منهما وله في رقبة المكاتب ربع قيمة كل واحد منهما وقد كان للمكاتب في رقبة كل واحد منهما ربع قيمته من القيمة التي أخلفها كل واحد منهما فيكون بعضه قصاصا من بعض ويترادان الفضل ولو مع قيمة المكاتب على عاقلة الحر لأن الحر أتلف ربع المكاتب ثم يأخذ ذلك ورثة الحر باعتبار جناية المكاتب على ربع الحر إلا أن يكون لهم أكثر من ربع الدية فيأخذون ربع الدية ويردون الفضل على مولى المكاتب ولكن هذا إنما يستقيم على قول من يقول : قيمة المملوك في الجناية بالغة ما بلغت ولكل واحد من العبدين يعني المدبر والعبد ربع قيمته في قيمة الآخر ولكن ذلك على المستأجر له فلا يفيد اعتباره .
فإن كان العبدان مأذونا لهما في العمل فلا ضمان على المستأجر لانعدام الغصب وربع قيمة كل واحد منهما على عاقلة الحر وكذلك ربع قيمة المكاتب على عاقلة الحر وثلاثة أرباع دية الحر في أعناقهم في عنق كل واحد منهم ربع فإذا عقلت عاقلة الحر ربع قيمة كل واحد منهما وأخذ ذلك كل واحد منهم قلنا : يؤخذ من مولى المدبر قيمة كاملة لأنه صار مانعا بالتدبير السابق فيكون موجب جنايات المدبر القيمة عليه بعد أن يكون القيمة مثل ما عليه من ذلك أو أقل فيقسم ذلك بينهم يضرب فيه ورثة الحر بربع الدية ومولى العبد بربع القيمة ومولى المكاتب بربع القيمة .
وإن كان المكاتب ترك وفاء أخذ من تركته تمام قيمته إن كانت قيمته أقل مما عليه من ذلك لأن جنايات المكاتب إذا اجتمعت لا توجب إلا قيمة واحدة في كسبه ثم يضرب فيها ولي الحر بربع الدية ومولى العبد بربع القيمة ومولى العبد بربع القيمة ومولى المدبر بربع القيمة ثم يؤخذ من مولى العبد جميع ما أخذ من ذلك [ ص: 51 ] لأن المأخوذ بدل عبده وأولياء جناية العبد أحق بذلك من مولاه فيضرب في ذلك ورثة الحر بربع دية الحر ومولى المدبر بربع قيمة المدبر ومولى المكاتب بربع قيمة المكاتب لأن العبد كان جنى على ربع كل واحد منهم فلهذا كانت قيمة بدله بينهم .
( قال رحمه الله ) وإذا أخرج الرجل كنيفا شارعا من داره على الطريق أو ميزابا أو مصبا أو صلاية من حائط فما أصاب من ذلك إنسانا فقتله فعلى عاقلة الذي أخرجه ديته لأنه متعد في تسببه حتى شغل طريق المسلمين بما أحدثه فيه إما في رقبة الطريق أو في هواه فكل واحد منهما يحول بين المارة وبين المرور في الطريق وفي الميزاب إذا أصاب الذي في الحائط لا ضمان عليه فيه لأنه غير متعد في موضع هذا الطرف في ملكه وقد بينا تفصيل هذه المسألة .
ولو وضع خشبة على الطريق فتعرقل به رجل فهو ضامن له لأنه شغل رقبة الطريق بالخشبة التي وضعها فيه فهو بمنزلة ما لو بنى في الطريق دكانا أو جلس فيه بنفسه أو وضع ظله على الطريق فإن وطئ المار على الخشبة ووقع فمات كان ضامنا له بعد أن لا يتعمد الزلق قال : وهذا إذا كانت الخشبة كبيرة يوطأ على مثلها فإن كانت صغيرة لا يوطأ على مثلها فلا ضمان على الذي وضعها لأن وطأه على مثل هذه الخشبة بمنزلة تعمد الزلق أو بمنزلة التعرقل بالحجر الموضوع على الطريق عمدا وذلك لا يوجب الضمان على واضع الحجر فطريان المباشرة على التسبيب بمنزلة ما لو حفر بئرا في الطريق فألقى إنسان نفسه فيها عمدا فإن قال واضع الحجر ذلك أنه تعمد التعرقل به وكذبه الولي فهو على الخلاف الذي بيناه في البئر وفي قول أبي يوسف الأول القول قول الولي ، وفي قوله الآخر وهو قول محمد القول قول الواضع ، وهذا بخلاف واضع الجارح إذا ادعى أن المجروح مات بسبب آخر ; لأن الجرح علة موجبة للضمان فبعد وجود العلة لا تقبل دعوى العارض المسقط ، وها هنا الواضع والحافر يدعي صلاحية العلة لإضافة الحكم إليه فإنما يضاف الحكم إلى الشرط عند عدم صلاحية العلة لذلك ، والأصل هو الصلاحية فكان هو متمسكا بالأصل معنى منكرا لسبب الضمان فلهذا كان القول قوله .
وإذا تعرقل الرجل بحجر فوقع على حجر ومات فإن الضمان على واضع الحجر الأول ; لأنه دافع له بحجره على الحجر الثاني فكأنه دفعه بيده ، وإن لم يكن له واضع فهو على واضع الحجر لأن وضع الحجر الثاني سبب وهو التعدي [ ص: 52 ] وإذا تعذر إضافة القتل إلى ما دفعه عليه يجعل مضافا إلى الحجر الثاني ، وأحد من هؤلاء يلزمه الكفارة ولا يحرم الميراث لأنه سبب الكفارة وحرمان الميراث مباشرة قتل محظور
قال رحمه الله : وإذا غصب الرجل من رجل عبدا فقتل العبد عنده قتيلا خطأ ثم اختصموا فإن العبد يرد إلى مولاه لأن الغصب حرام مستحق الفسخ وفسخه بالرد على مولاه ; ولأن موجب الجناية تخيير المالك بين الدفع والفداء والمالك هو المغصوب منه فهو المتمكن من دفعه بها دون الغاصب فيردها إليه ثم يقال له : ادفعه أو افده أي ذلك فعل يرجع على الغاصب بالأقل من قيمته ومما فداه به لأن الرد لم يسلم له حين استحق من يده بجناية عند الغاصب فكأنه هلك في يد الغاصب ولأن فسخ فعل الغاصب إنما يحصل برده كما قبضه ولم يوجد لأنه قبضه فارغا ورده مشغولا بالجناية فإذا لم ينفسخ حكم فعله كان ضامنا قيمته لمولاه إلا أنه يعتبر الأقل ; لأن المولى يتخلص بالأقل منهما فهو في التزام الزيادة مختار ، فحق الرجوع إنما يثبت له بما تتحقق فيه الضرورة دون ما هو مختار له وذلك في مقدار الأقل .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|