
28-12-2025, 02:10 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,876
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع والعشرون
صـــ22 الى صـــ 31
(541)
وإذا احتفر الرجل بئرا في دار لا يملكها بغير إذن أهلها فهو ضامن لما وقع فيها لأنه متعد بالحفر في ملك الغير كما هو متعد بالحفر في الطريق فإن أقر رب الدار أنه أمره بذلك لم يصدق في القياس لأن الضمان قد وجب على عاقلة الحر وهو بقوله يريد إسقاط ذلك الضمان ولا ولاية له على أولياء المقتول في إسقاط حقهم وفي الاستحسان القول قوله ولا ضمان على أحد لأن رب الدار أقر بما يملك إنشاءه فإنه لو أذن له بالحفر الآن في ملكه صح إذنه ومن أقر بما يملك إنشاءه يكون مصدقا في ذلك فكان الثابت من الإذن بإقراره كالثابت بالبينة والحافر يخرج به من أن يكون متعديا فإذا احتفر الرجل بئرا في طريق مكة أو في غير ذلك من الفيافي فلا ضمان عليه في ذلك لأنه غير متعد بالحفر في ذلك الموضع إذ لا يتضرر به أحد ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : يملك بالحفر موضع بئره وما حوله من الحريم وعند أبي حنيفة رحمه الله كذلك إذا كان حفر بإذن الإمام فعرفنا أنه غير متعد في هذا الحفر فهو كالحافر في ملكه .
( ألا ترى ) أنه لو ضرب هناك فسطاطا أو اتخذ تنورا يخبز فيه أو ربط هناك دابته لم يضمن ما أصاب من ذلك بمنزلة ما لو فعله في ملكه وهذا إذا كان في غير المحجة فأما إذا احتفر في محجة الطريق فهو ضامن لما يقع فيه لأن الحق في ذلك الموضع للعامة فالتصرف فيه بمنزلة التصرف في الأمصار والله أعلم .
( قال رحمه الله ) : وإذا احتفر الرجل نهرا في ملكه أو جعل عليه جسرا أو قنطرة في أرضه فعطب به إنسان فلا ضمان عليه لأنه غير متعد فيما أحدثه في ملكه والمسبب إذا لم يكن متعديا لا يكون ضامنا وإذا حفر البئر في أرض غيره فهو بمنزلة البئر فيكون ضامنا لكونه متعديا في السبب وكذلك لو جعل عليه جسرا أو قنطرة في غير ملكه والجسر اسم لما يوضع ويرفع فلا يرجع والقنطرة ما يحكم بناؤه وعن أبي يوسف أنه لا يكون ضامنا في هذا وإن أحدثه في غير ملكه إذا كان بحيث لا يتضرر به غيره لأنه محتسب فيما صنع فإن الناس ينتفعون بما أحدثه [ ص: 23 ] فلا يكون هو متعديا فيه ولكنا نقول : إنما يكون محتسبا إذا جعله بإذن الإمام بمنزلة حفر البئر فإنه محتسب فيه أيضا في الموضع الذي يحتاج إليه الناس ومع ذلك إذا فعله بغير إذن الإمام كان ضامنا لما يعطب به فإن مشى على جسره إنسان متعمدا لذلك فانخسف به فلا ضمان عليه لأن هذا تعمد المشي عليه فيعتبر وقوعه مضافا إلى فعله لا إلى تسبب من اتخذ الجسر .
ولو حفر نهرا في غير ملكه فانشق من ذلك النهر ماء فغرق أرضا أو قرية كان ضامنا لذلك لأنه أسال الماء في غير ملكه فإما أن يقال : هو متعد فيه أو يقال هو مباح له ولكنه مقيد بشرط السلامة والتلف بهذا مما يمكن التحرز عنه فكان ضامنا كالمشي والسير على الدابة في الطريق ولو كان في ملكه لم يضمن شيئا لأن ذلك مباح له مطلق . وكذلك لو سقى أرضه فخرج الماء منها إلى غيرها لم يضمن لأن سقي أرضه تصرف في ملكه وذلك مباح له مطلقا .
وكذلك لو أحرق حشيشا في أرضه أو حصائد أو أجمة فخرجت النار إلى أرض غيره وأحرقت شيئا فلا ضمان عليه لأن هذا التصرف في ملكه مباح له مطلقا قال بعض المتأخرين : هذا إذا كانت الرياح ساكنة حين أوقد النار فأما إذا كان اليوم ريحا على وجه يعلم أن الريح يذهب بالنار إلى أرض جاره فهو ضامن استحسانا بمنزلة من صب الماء في ميزاب له وتحت الميزاب متاع لإنسان يفسد به قال : هو ضامن فكذلك النار يوقدها الرجل في داره أو تنوره فلا ضمان عليه فيما احترق لأن هذا التصرف في ملكه مباح له مطلقا .
وكذلك لو حفر نهرا أو بئرا في داره فنزت من ذلك أرض جاره لم يضمن بهذا السبب شيئا ولا يؤمر بأن يحول ذلك عن موضعه لأنه أحدثه في ملكه إلا أنه بقي فيما بينه وبين ربه أن يكف عما يؤذي جاره فأما الحكم فإنه لا يؤمر أن يحوله إلا أن يشاء .
ولو صب الماء في ملكه فخرج من صبه ذلك إلى ملك غيره فأفسده كان هذا والأول في القياس سواء إلا أن صب الماء في ملكه مباح له مطلقا غير أن الأخذ بالقياس هاهنا يقبح لأن الماء سيال بطبعه فإذا كان عند صب الماء يعلم أنه يسيل إلى ملك جاره يكون ضامنا لما يفسد به استحسانا .
( ألا ترى ) أنه لو صبه في ميزاب له فأفسد متاعا له تحته يكون ضامنا ويعد ذلك من جنايته بمنزلة مباشرته بيده وكذلك الجواب فيما يشبهه والله أعلم .
( قال رحمه الله ) : وإذا احتفر أهل المسجد فيه بئرا لماء المطر أو وضعوا فيه حبا فصب [ ص: 24 ] فيه الماء أو طرحوا فيه بواري أو حصى أو ركبوا فيه بابا أو علقوا فيه قناديل أو ظللوه فلا ضمان عليهم فيما عطب بذلك لأن هذا النوع من التصرف مباح لأهل المسجد في مسجدهم مطلقا فإن حق التدبير في المسجد فيما يرجع إلى الإصلاح إليهم على الوجه الذي يكون للمالك في ملكه فكما أن المالك لا يكون جانيا بإحداث شيء من هذا في ملكه فكذلك أهل المسجد في مسجدهم وكذلك إن فعله غيرهم بإذنهم لا يكون فعل المأذون من جهتهم كفعلهم وإن فعل بغير أمرهم فهو ضامن في قول أبي حنيفة وهو القياس وفي قول أبي يوسف ومحمد إذا كان مسجد للعامة فلا ضمان عليه فيه استحسانا إلا البناء والحفر .
وجه قولهما أن هذا مما يرجع إلى إصلاح المسجد وعمارة المسجد مما ندب الله إليها كل مسلم قال الله تعالى { إنما يعمر مساجد الله } الآية ثم بتعليق القنديل وبسط الحصر يتمكن الناس من إقامة الصلاة في المسجد وغير أهل المسجد سواء في إقامة الصلاة فيه فكذلك فيما يرجع إلى التمكن منه إلا أن أهل المسجد أخص بالتدبير فهم في ذلك كالملاك وغيرهم كالسكان نحو المستعير والمستأجر في الدار ثم المستعير لا يكون جانيا في وضع الأمتعة وصب الماء ونصب القنديل في الدار ويكون جانيا في البناء وحفر البئر بغير إذن صاحب الدار فكذلك غير أهل المسجد في المسجد وهذا لأن المسجد معد للصلاة فيه والبناء والحفر يخرج ذلك الموضع من أن يكون مصلى فيكون ذلك من باب التدبير لا من باب التمكين من إقامة الصلاة فيه فيختص به أهل المسجد دون غيرهم فيكون جانيا إذا فعله بغير أمرهم وإذنهم فأما بسط الحصير ونصب القنديل فمن باب التمكين من إقامة الصلاة فيه فغير أهل المسجد فيه كأهل المسجد وأبو حنيفة يقول : اختص أهل المسجد بالتدبير في هذه البقعة فغيرهم إذا أراد شيئا من ذلك يباح له فعله ولكنه مقيد بشرط السلامة بمنزلة المشي والسير على الدابة في الطريق والدليل على اختصاص أهل المسجد به أن التدبير في فتح الباب وإغلاقه ونصب الإمام والمؤذن والمتولي يكون إلى أهل المسجد دون غيرهم فإنه لو وجد في مسجدهم قتيل كان ذلك عليهم خاصة دون غيرهم والدليل عليه البناء والحفر فإن أهل المسجد هم المختصون بذلك وإذا فعله غيرهم وكان فيه إصلاح للمسجد كان مباحا لهم ولكنه مقيد بشرط السلامة ولا يبعد أن يكون المسلمون فيما هو المقصود وهو الصلاة فيه سواء ثم مع ذلك يختص أهله بالتدبير فيه كالكعبة فالناس فيما هو المقصود وهو الطواف سواء وقد اختص بنو شيبة بالتدبير فيها حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام لما أخذ المفتاح منهم يوم الفتح نزل عليه الوحي يأمره بالرد قال الله [ ص: 25 ] تعالى { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } .
وإذا قعد الرجل في مسجد لحديث أو نام فيه في غير صلاة أو مر فيه فهو ضامن لما أصاب كما يضمن في الطريق الأعظم في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد : لا ضمان عليه فيه لأنه لو كان مصليا في هذه البقعة لم يضمن ما يعطب به فكذلك إذا كان جالسا فيه لغير الصلاة بمنزلة الجالس في ملكه وهذا لأن الاعتكاف في المسجد قربة كالصلاة والمعتكف يتحدث وينام في المسجد والجلوس لانتظار الصلاة مندوب إليه قال عليه الصلاة والسلام : { المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها } { وندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجلوس في المسجد بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس } وكذلك الجلوس في المسجد لتعليم العلم وتعلمه مندوب إليه فيكون ذلك مباحا مطلقا والمباح المطلق لا يكون سببا لوجوب الضمان على الحر وأبو حنيفة يقول : المسجد معد للصلاة والقعود والنوم فيه لغير الصلاة مقيد بشرط السلامة كالطريق فإنه معد للمشي فيه فالجلوس أو النوم فيه وإن كان لا يضر بالمارة يتقيد بشرط السلامة والدليل عليه أن من يجلس في المسجد للصلاة إذا احتاج من يصلي في ذلك الموضع إلى إزعاجه ليصلي كان له ذلك شرعا وليس لغير المصلي أن يزعج المصلي عن مكانه فعرفنا أنه معد للصلاة فيه فشغله بغير ذلك يتقيد بشرط السلامة وإن كان ذلك مباحا أو مندوبا إليه ولا يكون هذا أقوى من الرمي إلى الكافر أو العبد فإنه مباح أو مندوب إليه ومع ذلك إذا أصاب مسلما كان ضامنا له .
ولا خلاف أنه إذا مشى في المسجد فأوطأ إنسانا أو نام فيه فانقلب على إنسان فهو ضامن له لإتلافه وبمثل هذا السبب يضمن في ملكه ففي المسجد أولى .
وإذا احتفر الرجل في سوق العامة بئرا أو بنى فيها دكانا بغير أمر السلطان فهو ضامن لما عطب به من شيء لأنه متعد في هذا السبب فألحق بالطريق العامة وما يكون حقا لعامة المسلمين فالتدبير فيه إلى الإمام فإذا أحدثه بغير إذن الإمام كان متعديا وإذا فعله بأمر السلطان لا يكون متعديا في هذا التسبب فلا يكون ضامنا بمنزلة ما لو قتله بملكه .
وإذا أوقف دابة في السوق فما أصابت دابته فهو ضامن له ولأنه متعديا بإيقافها في الطريق فإن ذلك يحول بين المارة والمرور في ذلك الموضع وإن كان موقفا تقف فيه الدواب للبيع وقد أذن له السلطان في ذلك فأوقف فيه الدابة لم يكن ضامنا فيما أصابت الدابة وإن لم يكن السلطان أذن فيه فهو ضامن لأن بإذن السلطان يصير ذلك الموضع معدا لإيقاف الدواب فيه فيكون إيقافها فيه بمنزلة إيقافها في ملكه فأما [ ص: 26 ] بدون إذن السلطان فهو ممر وليس بموضع لإيقاف الدابة فإذا أوقف فيه دابته أو أرسلها فيه كان ضامنا لما تلف به وإن لم يكن هو أوقفها ولا أرسلها فيه فلا ضمان عليه لأنها دابة منفلتة فجرحها هدر والقول في ذلك قوله مع يمينه مع أنه ينكر وجوب الضمان عليه في الموضع المعد لإيقاف الدواب إذا سار على دابته فيه لم يكن ضامنا للنفحة بالرجل والذنب لأن هذا جزء من الطريق كسائر أجزاء الطريق فالسير فيه يتقيد بشرط السلامة فيما يمكن التحرز عنه دون ما لا يمكن فإذا أنكر أن يكون أرسلها فهو ينكر وجوب الضمان عليه والمدعي يدعي ذلك فكان القول فيه قوله مع يمينه والله أعلم .
( قال رحمه الله ) : وإذا جنى العبد جناية خطأ فمولاه بالخيار إن شاء دفعه بها وإن شاء فداه بالأرش عندنا وعند الشافعي جنايته تكون دينا في رقبته يباع فيه إلا أن يقضي المولى دينه ومذهبنا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : يخير المولى في خطأ عبده بين الدفع والفداء ومذهبه مروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما فإنهما قالا : عبيد الناس أموالهم وجنايتهم في قيمهم وإنما أراد بالقيمة الثمن ، وجه قوله أن هذا فعل موجب للضمان فإذا تحقق من العبد كان الضمان الواجب به دينا في رقبته يباع فيه بمنزلة استهلاك الأموال وهذا لأن العبد لا عاقلة له وضمان الجناية في حق من لا عاقلة له بمنزلة ضمان المال فيكون واجبا في ذمة العبد ويكون شاغلا لمالية رقبته فيباع فيه إلا أن يقضي المولى دينه وحجتنا في ذلك أن المستحق بالجناية على النفوس نفس الجاني إذا أمكن .
( ألا ترى ) أن في جناية العمد المستحق نفس الجاني قصاصا حرا أو عبدا فكذلك في الخطأ إلا أن استحقاق النفس نوعان : أحدهما بطريق الإتلاف عقوبة والآخر بطريق التملك على وجه الجبران والحر من أهل أن يستحق فيه بطريق العقوبة لا بطريق التمليك والعبد من أهل أن يستحق نفسه بالطريقين جميعا فيكون العبد مساويا للحر في حالة العمد ويكون مفارقا له في حالة الخطأ لأن عذر الخطأ لا يمنع استحقاق نفسه تمليكا والسبب يوجب الحكم في محله وفي حق الحر لم يصادف محله وفي حق العبد السبب صادف محله فيكون مقيدا حكمه وهو أن نفسه صارت مستحقة للمجني عليه تمليكا ليتحقق معنى الصيانة عن الهدر إلا أن يختار المولى الفداء فيكون له ذلك لا مقصود المجني عليه يحصل به وبدل المتلف يصل [ ص: 27 ] إليه بكماله بخلاف إتلاف المال فالمستحق به بدل المتلف دينا في ذمة المتلف ولا يستحق به بدل المتلف دينا في ذمة المتلف ولا يستحق به نفس المتلف بحال والطريق الثاني أن موجب جناية الخطأ يتباعد عن الجاني لكونه معذورا في ذلك ويكون الخطأ موضوعا شرعا ويتعلق بأقرب الناس لإظهار صيانة المحل المحترم والتخفيف على المخطئ .
( ألا ترى ) أن في حق الحر تجب على عاقلته لهذا المعنى فكذلك في حق العبد إلا أن عاقلة العبد مولاه لأن الحر مستنصر بعاقلته ومزاد قوة وجرأة بهم كما أن المملوك يستنصر بمولاه فيجب ضمان جنايته على المولى إلا أن للمولى أن يقول : إنما لحقني هذا البلاء بسبب ملكي فيه فلي أن أتخلص عنه بنقل ملكي فيه إلى المجني عليه فأدفعه بالجناية فإذا دفعه صار كأن المجني عليه هو المالك فلا يجب شيء آخر عليه بالجناية وإذا لم يدفعه كان الرد عليه بخلاف ضمان المال فإنه يجب في ذمة المتلف ولا يخاطب غيره كما في حق الحر إذا عرفنا هذا فنقول : لا شيء على المولى في ذلك حتى يظهر حال المجني عليه اعتبارا لجناية العبد بجناية الحر وقد بينا أن هذا يتأتى في جناية الحر لأن موجبها يختلف بالسراية وعدم السراية فلا يصير ذلك معلوما قبل الاستيفاء والقضاء بالمجهول غير ممكن ثم الواجب هاهنا الدفع أو الفداء والمولى يخير في ذلك واختلافه بالبرء والسراية والخطأ والعمد في ذلك سواء ما لم يبلغ النفس لما بينا أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس فيكون موجب جنايته فيما دون النفس المال بكل حال فلهذا كان العمد والخطأ فيه سواء فإذا بلغ النفس وهو عمد ففيه القصاص ووجوب القصاص باعتبار أنه نفس مخاطبة والمملوك في ذلك كالحر والمستحق بالقصاص دمه والمملوك في حكم الدم مبقى على الحرية ولهذا استحق المولى عليه القصاص إذا تقرر سببه كما يستحق غيره والصغير من الجراحات في ذلك والكبير سواء على الحر والمملوك والذكر والأنثى بمنزلة الموجود من الحر فكما أن هناك لا يتلف موجب الجناية بهذه الأسباب فكذلك بجناية العبد . .
ولا تعقل العاقلة شيئا من جناية العبد والمدبر وأم الولد لأن المستحق بالجناية نفسه ونفسه غير مملوكة للعاقلة والمولى ولأن المولى في كونه مخاطبا بجناية العبد بمنزلة العاقلة ولا يتحمل غير العاقلة عواقلهم فكذلك لا يتحمل جناية العبد عاقلة مولاه بل سبب وجوب ذلك على المولى ملكه رقبته وكسبه وهو مختص بذلك دون عواقله ولهذا لم يكن على المولى موجب جناية المكاتب لأنه لا يملك كسبه بل المكاتب أحق بمكاسبه فيكون موجب جنايته عليه دون مولاه والمستسعى في بعض قيمته [ ص: 28 ] عند أبي حنيفة كالمكاتب .
فأما جناية العبد على الحيوان والعروض فتكون دينا في عنقه تقضى من كسبه أو يباع فيها وكذلك لو وطئ امرأة مكرهة فذلك دين في عنقه يباع فيه لأن المستوفى بالوطء مما يملك بالعقد سواء كان في حكم المنفعة أو في حكم العين فيكون بمنزلة المال .
( ألا ترى ) أنه لو كان الملتزم بذلك حرا كان عليه في ماله دون عواقله بأن وطئ امرأة بشبهة أو مستكرهة وسقط الحد للشبهة فكذلك العبد إذا فعل ذلك يكون دينا في ذمته والدين عليه يكون شاغلا لمالية رقبته ولا تعقل العاقلة كما لو جنى على المماليك خطأ فيها دون النفس وإن كان الجاني حرا لأن المملوك فيما دون النفس بمنزلة المال .
( ألا ترى ) أنه لا يتعلق به القصاص بحال لأن فيما دون النفس المتلف جزء من الجسم والجسم يدخل تحت القهر والاستيلاء فيصير مملوكا مآلا فيكون إتلافه في حكم إتلاف المال فيجب فيه الضمان على المتلف بالغا ما بلغ ويكون ذلك حالا في ماله ولا تعقله العاقلة بمنزلة إتلاف سائر الأموال .
فإذا بلغ النفس عقلته العاقلة في ثلاث سنين كما هو أصله وقد اعتبره في حكم القصاص على ما بينا وقد روي عن أبي يوسف ومحمد أن العاقلة لا تعقل نفس العبد وهو قول ابن أبي ليلى واستدل فيه بقوله عليه السلام { : ولا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا } والمراد أن نفس العبد لا تعقلها العاقلة وهذا لأن العبد يحل للتملك بالعقد فما يجب من الضمان بإتلافه يكون على المتلف في ماله كسائر الأموال وحجتنا في ذلك القيمة الواجبة بإتلاف نفس العبد بمنزلة الدية الواجبة بإتلاف نفس الحر وذلك على العاقلة مؤجلا في ثلاث سنين فهذا مثله وهذا لأن معنى النفسية لا يدخل تحت القهر فلا يتناولها الملك بل العبد فيه بمنزلة الحر .
( ألا ترى ) أنه يتعلق القصاص بقتله عمدا كما يتعلق بقتل الحر وكذلك الكفارة في الخطأ ولا مدخل للقصاص ولا كفارة في ضمان الأموال فعرفنا أن المال واجب هاهنا بالنص بخلاف القياس لأن المال لا يكون مثلا لما ليس بمال وما لا يكون مملوكا من الآدمي لا يكون مالا وإنما وجوب المال بقوله { ودية مسلمة إلى أهله } إلا أن هذه الدية في حق العبد القيمة وفي حق الحر مائة من الإبل كما بينه الشرع والدية تجب على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين في حالة الخطأ وبهذا المعنى خالف النفس ما دون النفس لأن ما دون النفس لا مدخل فيه للكفارة والقصاص وتأويل الأحاديث أن العاقلة لا تعقل جناية العبد على نفس العبد وبه نقول ثم الواجب بالجناية على النفس المملوك قيمته قلت قيمته أو كثرت غير أنها لا تزاد على دية الحر ولا تنقص عن عشرة آلاف إلا عشرة دراهم إذا كان العبد كبير القيمة في قول علمائنا رحمهم الله [ ص: 29 ] وفي قول الشافعي تجب قيمته بالغة ما بلغت وهو قول أبي يوسف الذي رجع إليه وإن كان المقتول أمة فإنها لا تزاد قيمتها على خمسة آلاف وينقص من ذلك عشرة دراهم في الروايتين وفي بعض الروايات خمسة دراهم فأما في قطع طرف العبد فيجب نصف قيمته بالغة ما بلغت في الصحيح من الجواب إلا رواية عن محمد أنه يجب في قطع يد العبد خمسة آلاف إلا خمسة ذكره في بعض نسخ الوكالة
وجه قول الشافعي ما روي عن عمر وعلي وابن عمر رضي الله عنهم أنهم أوجبوا في قتل العبد قيمته بالغة ما بلغت ولأن المتلف مات فيجب ضمان قيمته بالغة ما بلغت كسائر الأموال وهذا لأن ضمان المال يجب بطريق الجبران وإنما يحصل الجبران بما يكون مثلا له في صفة المالية ولهذا يضمن المملوك عند الغصب بقيمته بالغة ما بلغت كسائر الأموال فكذلك عند القتل وإنما قلنا أنه مال لأن الضمان يجب للمولى وملكه في عبده ملك مال والضمان الواجب له يكون ضمان المال إذا أمكن ولا يدخل عليه القصاص في حالة العمد لأن على هذا الطريق يقول القصاص يكون بدلا عن المالية أيضا إلا أن المالية ترقب بهذا المحل فتصير مضمونة بالنقصان وإن لم يكن المال في غير هذا المحل مضمونا بالقصاص بمنزلة الصيد في الحرم يكون مضمونا باعتبار حرمة المحل بما لا يضمن به في غير هذا المحل وهذا لأن القصاص يعتمد العمد والتكافؤ وذلك تمكن مراعاته في هذا المال دون سائر الأموال فكان هذا المال مضمونا بالقصاص دون سائر الأموال والدليل عليه أنه يرجع إلى تقويم المقومين في الأسواق ليوجب به حين ينفذ السوق وهذا يختص بضمان الأموال فأما في غير الأموال فإنما تجب الإبل ولا مدخل للإبل هاهنا .
والدليل عليه أنه باختلاف أوصاف المتلف في الجنس والجمال والمالية تختلف هذه الأوصاف فإنه ينقص عن الدية نقصانا غير معتبر فعرفنا أنه ضمان مال أو يكون المتلف عبدا فتجب قيمته بالغة ما بلغت كما لو كان قليل القيمة وهذا لأن في العبد معنيين : معنى النفسية والمالية فيكون الواجب بدلا عن المالية والدليل على ترجيح معنى المالية صيرورته محلا قابلا للتصرفات كسائر الأموال وخروجه من أن يكون أهلا للولايات التي اختصت بها النفوس المحترمة على أنا نعتبر كلا الوصفين فنقول : متى كان الواجب بإتلافه ما ليس بمال وهو القصاص يترجح معنى النفسية ولهذا لا يختلف بقلة المالية وكثرة المالية وهذا لأن ضمان المال بالمال أصل وضمان ما ليس بمال يكون على خلاف الأصل ومهما أمكن إيجاب الضمان على موافقة القياس فلا معنى للمصير إلى إيجابه بخلاف القياس [ ص: 30 ] والدليل عليه أن المبيع قبل القبض إذا قبض فالبيع يبقى ببقاء القيمة وإنما يبقى البيع إذا فات المعقود عليه وأخلف فلو لم يكن الضمان بدل المالية لما بقي العقد باعتباره لأن البيع يتناول المالية .
والراهن إذا قتل المرهون يضمن قيمته بحق المرتهن ولا حق للمرتهن إلا في المالية ولهذا لا يجب عليه القصاص بحال لأن القصاص بدل عن النفسية فلو كانت القيمة كذلك لما وجب على الراهن أن يجمع بينهما في الاعتبار فنقول : إذا كان العبد كبير القيمة يجب مقدار الدية لاعتبار معنى النفسية وما زاد على ذلك إلى تمام القيمة لاعتبار معنى المالية بمنزلة من قتل حرا ومزق عليه ثيابه وهذا مروي عن أبي يوسف فقد روى ابن سماعة رحمه الله عنه أن مقدار الدية من قيمة العبد تتحمله العاقلة وما زاد على ذلك إلى تمام القيمة يكون في مال الجاني لهذا المعنى وحجتنا في ذلك قول ابن مسعود رضي الله عنه لا تبلغ قيمة العبد دية الحر وينقص منه عشرة دراهم وهذا كالمروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن المقادير لا تعرف بالقياس وإنما طريق معرفتها التوقيف والسماع من صاحب الوحي والمعنى فيه أن هذا ضمان وجب بقتل الآدمي فلا يزاد على الديات كما لو وجب بقتل الحر وهذا لأن زيادة البدل تكون بزيادة الفضيلة وما من فضل في العبيد إلا ويوجد ذلك في الأحرار وزيادة ثم الحر مع أنه مجمع القصاص لا يزاد بدله على أعلى الديات فالعبد أولى وإنما قلنا : إن الضمان وجب بالقتل هاهنا لأن القتل سبب تضمن به النفس بالدية وهو حكم ثابت بالنص قال الله تعالى { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } ونفس العبد في هذا داخلة كنفس الحر .
( ألا ترى ) أنها تضمن بالكفارة كنفس الحر فكذلك بالدية والدية بمقابلة النفس مقدرة بالنص لا تجوز الزيادة عليها بالرأي فلا يجوز إسقاطها بالرأي فهذا دليل واضح على أن الضمان يجب هاهنا باعتبار النفسية وأن الواجب الدية لأنا لو لم نجعله واجبا باعتبار النفسية كنا قد أسقطنا بالرأي ما هو ثابت بالنص والدليل عليه أن ضمان النفس بالدية لإظهار حرمة المحل وصيانته عن الإهدار ونفس العبد محترمة كنفس الحر فلا يجوز إهدارها ما أمكن والدليل عليه أن صفة المالية في هذا المحل تبع للنفسية لأن قوام المالية ببقاء النفسية وهذا هو علامة التبع مع المتبوع .
ولا يجوز إهدار الأصل بحال لمراعاة التبع لأن في اعتبار الأصل اعتبار التبع وليس في اعتبار التبع اعتبار الأصل وإذا جعلنا الضمان واجبا باعتبار النفسية كنا اعتبرنا ما هو الأصل وباعتباره يحصل اعتبار التبع فكان ذلك أولى من أن يجعل بمقابلة المالية ويهدر معنى النفسية [ ص: 31 ] ولأن أكثر ما في الباب أن تثبت المساواة بين النفسية والمالية ولكن مع المساواة تترجح النفسية باعتبار السبب وهو القتل لأن القتل سبب لا يقصد به الأموال عادة وإنما يقصد به النفوس لمعنى التشفي والانتقام فأما الأموال فإنما تقصد بالغصب فلا جرم ضمان الغصب يكون ضمان مال يجب بالغة ما بلغت ولا يثبت في حق الأحرار وضمان القتل يكون باعتبار النفسية سواء بقتل الحر أو وجب بقتل العبد إلا أنه لا يجب على المولى بقتل عبده لخلوه عن الفائدة فإن ما يجب بمقابلة نفس العبد يكون لمولاه على سبيل الخلافة عنه والخلافة بسبب الملك لا تنعدم حكما بالقتل فلو وجب وجب له على نفسه والدليل على هذا فضل القصاص فإن القصاص يجب باعتبار معنى النفسية ثم لا يجب على المولى إذا قتل عبده لأنه غير مفيد فكذلك المال .
ومن يقول : القصاص واجب باعتبار المالية فهو لغو من الكلام لأن المال لا يضمن بالقصاص بحال فكيف يضمن بالقصاص والمقصود بالمال التمول والادخار لوقت الحاجة وليس في القصاص شيء من ذلك ولهذا يتبين ترجيح معنى النفسية على معنى المالية لأن المتلف في حال الخطأ ما هو المتلف في حالة العمد فإذا جعل المضمون منه في حالة العمد معنى النفسية فكذلك في حالة الخطأ ومن يقول يجمع بينهما فذلك فضل من الكلام لأنه لو كان هاهنا طريق إلى الجمع بينهما لكان ينبغي أن يضمن الدية مع كمال القيمة ويستوفى في حالة العمد القصاص باعتبار النفسية والقيمة باعتبار المالية وأحد لا يقول ذلك فعرفنا أنه لا وجه إلى الجمع بينهما لما بين الوصفين من المغايرة على سبيل التضاد فأما النقصان فنقول : بدل النفس قد ينقص عن أعلى الديات باعتبار معنى موجب للنقصان في المحل .
( ألا ترى ) أنه ينقص بالأبوة وبالكفر عن أصل الخصم وبالاجتنان في البطن بالاتفاق فإن بدل الجنين دون بدل المنفصل وإن كان الوجوب باعتبار النفسية هناك إذ لا مالية في الجنين حرا كان أو مملوكا فكذلك يجوز أن ينقص عن أعلى الديات باعتبار صفة المملوكية وهذا لأن تكميل الدية باعتبار كمال صفة المالكية .
( ألا ترى ) أن بدل الأنثى على النصف من بدل الذكر لأن الذكر أهل لمالكية المال والنكاح والأنثى أهل لمالكية المال دون مالكية النكاح فإنها مملوكة نكاحا فيتنصف بدلها بذلك والجنين ليس بأهل للمالكية في الحال ولكن فيه عرضة الأهلية لذلك إذا انفصل حيا فباعتباره ينقص بدله غاية النقصان إذا عرفنا هذا فنقول بسبب الرق تنتقص صفة المالكية لأنه صار مملوكا مآلا ولم يبق مالكا للنكاح بنفسه إلا أن هذا النقصان عارض على شرف الزوال بأن يعتق فيجوز أن يزاد بدل الرقيق على بدل الأنثى لهذا [ ص: 32 ] ويجوز أن ينقص باعتبار الحال وهو أنه دون الأنثى في صفة المالكية ثم صفة المملوكية وإن كانت لا تختلف في الرقيق ولكن ينبني على هذا الوصف ما يختلف في نفسه وهو المالية فإن أمكن إظهار النقصان باعتبار صفة المالكية بأن كان قليل القيمة يعتبر ذلك لإظهار النقصان وإن لم يمكن بأن كان كثير القيمة فحينئذ يصار في النقصان إلى معنى شرعي .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|