
28-12-2025, 06:18 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس والعشرون
صـــ182 الى صـــ 191
(539)
وكذا شهود الكتابة إذا رجعوا وضمنهم الولي القيمة كان لهم أن يرجعوا على المكاتب ببدل الكتابة ولم يملكوا رقبة المكاتب ، ولكن لما كان المكاتب مملوكا رقبة للمكاتب انعقد السبب في حقهم على أن يكون عاملا في بدل ، وهو بدل الكتابة بذلك ، وإن لم يملكوا رقبة المكاتب فهذا مثله وأبو حنيفة يقول الشهود ضمنوا لإتلافهم المشهود عليه حكما ، والمتلف لا يرجع بما يضمن بسببه على غيره كالولي وهذا ; لأنهم لم يكونوا متلفين ما كانوا ضامنين مع مباشرة الإتلاف ; لأن مجرد السبب يسقط اعتباره في مقابلة المباشرة .
( ألا ترى ) أنه لو وقع إنسان في بئر حفرها غيره في الطريق كان الضمان على الحافر ولو دفعه غيره حتى وقع فيه كان الضمان على الدافع دون الحافر وهاهنا لما ضمن الشهود عرفنا أنهم جناة متلفون للنفس حكما ، وإن كان تمام ذلك الإتلاف عند استيفاء [ ص: 183 ] الولي فإن استيفاء الولي بمنزلة شرط بقدر جنايته ، ومن ضمن بجنايته على النفس لا يرجع على غيره فأما في الخطأ فإنما رجع ; لأنه ملك المقبوض ، وهو الدية ، وقد أتلفه المستوفي بصرفه إلى حاجته وهذا سبب آخر موجب للضمان عليه للشاهد ، وكذلك الشاهد بالمال قولهما إن في هذا الموضع يجعل هو قائما مقام من ضمنه قلنا هذا أن لو بقي حق من ضمنه قبل الولي واختياره فتضمين الشاهد إبراء منه للولي فكيف يقوم الشاهد مقامه في الرجوع عليه وقوله بأنه ينعقد السبب موجبا للملك له أن يعمل في بدله قلنا هذا أن لو كنا في الأصل نتوهم الملك في الضمان ، وليس في القصاص توهم الملك بالضمان بحال فلا ينعقد السبب باعتبار الحلف كيمين الغموس ، ثم لو كان القصاص ملكا لهما لم يضمنه المتلف عليهما كما إذا شهدا على الولي بالعفو وقتل من عليه القصاص إنسان آخر فليس له القصاص قبل الضمان وانعقاد السبب لا يكون أقوى من ثبوت الملك حقيقة ، وإذا كان المتلف للقصاص لا يضمنه للمالك ، فكيف يضمنه لمن انعقد له السبب ؟ وبه فارق مسألة غصب المدبر والكتابة ، فإن هناك لو كان مالكا حقيقة لم يضمنه المتلف عليه فكذلك إذا جعل كالمالك حكما باعتبار انعقاد السبب فيكون له أن يرجع بالبدل لذلك .
ولو رجع الشاهدان دون الولي فقال الولي أنا أجيء بشاهدين آخرين يشهدان على ذلك ، وقد قتل القاتل لم ألتفت إلى ذلك ; لأن الولي لا يثبت لنفسه شيئا بهذه البينة فإنه قد استوفى القصاص ولا سبيل لأحد عليه إذا كان مصرا على دعواه ولم يظهر القتيل فلو قبلت هذه البينة إنما تقبل لإسقاط ضمان الدية على الراجعين وهما لا يدعيان ذلك ، بل يكذبان الشاهدين ويقران على أنفسهما بالدية لنسبتهم للقتل بغير حق فلا فائدة في قبول هذه البينة .
ولو شهد أحد شاهدي الدم مع آخر على صاحبه أنه كان محدودا في قذف ، أو عبدا فشهادتهما باطلة ; لأن هذه الشهادة تقوم لإبطال قضاء القاضي لا لإثبات ملك ، أو حق لأحد بعينه ، والشهادة على إبطال قضاء القاضي لا تقبل ولا شيء على واحد منهما ; لأن الشاهد بهذا لا يصير راجعا ، فقد يكون هو محقا في شهادته ، وإن كان صاحبه عبدا ، أو محدودا في قذف وأما المشهود عليه ، فهو ثابت على شهادته منكر لما شهد به صاحبه عليه ولو شهد أنه عبد لهذا المدعي فيصير به عبدا له ; لأن هذه البينة تقوم لإثبات الملك للمدعي ، فإذا قبلت تبين بطلان القضاء الأول ، وأن القاضي أخطأ في قضائه بغير حجة فيكون ضمان ذلك على من وقع الضمان له ، وهو الولي وتجب الدية على عاقلته ; لأنه ظهر أنه كان مخطئا في القتل ، وأنما ظهر بما هو حجة عليه وعلى عاقلته وبهذا الفصل تبين [ ص: 184 ] أنه إذا لم يرجع الشهود ، والولي ، ولكن جاء المشهود بقتله حيا فإن الدية تجب على عاقلة الولي ، والشهود ويتخير ولي القتيل في ذلك وهكذا ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة ، وإنما تجب في مالهم إذا رجعوا ; لأن وجوب ذلك بالاعتراف .
وإذا قضى القاضي بالدم بشهادة الشاهدين فلم يقتل حتى رجعا استحسنت أن أدرأ القصاص عنه ، وهو قول أبي حنيفة الآخر وكان يقول أولا يستوفى القصاص ، وهو القياس ; لأن القصاص محض حق العبد فيتم القضاء بنفسه ، والرجوع بعد القضاء لا يمنع الاستيفاء كالمال ، والنكاح فإن القاضي إذا قضى بالنكاح ، ثم رجع الشهود لا يمنع استيفاء الوطء على الزوج ، وإن كان في القصاص يحتاط في الاستيفاء فكذلك في الوطء وجه قوله الآخر أن القصاص عقوبة تندرئ بالشبهات ، والغلط فيه لا يمكن تداركه فيكون بمنزلة الحدود فكما أن في الحدود لا يتم القضاء بنفسه ويجعل رجوع الشهود مع القضاء قبل الاستيفاء بمنزلة الرجوع قبل القضاء فكذلك في القصاص بخلاف المال فإنه يثبت مع الشبهات وبخلاف النكاح ; لأن العقد هناك ينعقد بقضاء القاضي ظاهرا وباطنا وهاهنا ما لم يكن واجبا من القصاص لا يصير واجبا بقضاء القاضي ولا بد من قيام الحجة عند الاستيفاء وأصل شهادة الشهود ، فإذا لم يبقى حجة بعد رجوعهم يمتنع الاستيفاء وكل دية وجبت بغير صلح فهي في ثلاث سنين ; لأنها وجبت بالقتل وتقوم الدم بالمال ثابت شرعا بخلاف القياس ، وإنما قومه الشرع بمال مؤجل فكما لا يزاد في قدر ذلك بحال فكذلك لا يزاد في صفته بأن يجعل حالا .
وإذا شهد شاهدان بالدم فاقتص من القاتل ، ثم قالا : أخطأنا إنما القاتل هذا لم يصدقا على الثاني ; لأنهما شهدا على أنفسهما بالقتل وغرما الدية للأول ; لأنهما - رجعا عن الشهادة عليه ونحو ذلك مروي عن علي بن إبراهيم يعني في السرقة .
ولو شهدا بدم على رجلين فقتلا بشهادتهما ، ثم رجع أحدهما في أحد الرجلين فعليه نصف دية هذا الرجل الواحد في ثلاث سنين ولا يضمن من دية الآخر شيئا ; لأنه لم يرجع عن شهادته فيه ، وقد بقي على الشهادة في حق الآخر من يقوم به نصف الحق فيجب على الراجع نصف ديته ولو لم يرجع وادعى عليه أولياء المقتص منه أنه رجع وسألوا يمينه على ذلك فليس عليه يمين ; لأنهم لو أقاموا البينة عليه بالرجوع لم يقبل فكيف يستحلف عليه وهذا ; لأن الرجوع في غير مجلس الحكم لا يتعلق به حكم فكانت هذه دعوى باطلة منهم ، وإن رجع الشاهد فلزمه نصف الدية في ماله في ثلاث سنين فمات أخذ ذلك من ماله حالا لوقوع الاستغناء له عن الأجل بالموت ، وإن [ ص: 185 ] كان الرجوع منه في المرض وعليه دين في الصحة بين ، بدئ بدين الصحة ; لأن - رجوعه إقرار على نفسه بالدية ، والمريض إذا أقر على نفسه وعليه دين في صحته بدئ بدين الصحة .
ولو شهد شاهدان على دم عمد ولهما على المقتول دين أجزت شهادتهما ; لأنهما يثبتان القود بشهادتهما ولا منفعة لهما في ذلك الدم ، فإن رجعا عن شهادتهما بعد القتل ضمنا الدية ويقبضان دينهما من الثلث ، فإن كان على الميت دين سوى ذلك حاصهم فيه قال الحاكم رحمه الله ولا تصح هذه المسألة أن يحمل على أن الدين على المقتول قصاصا ، وهو كما قال فإن الدين إذا كان لهما على الأول ، والدية عند الرجوع تجب عليهما للمقتول قصاصا فكيف يستوفيان دينهما من هذه الدية ، وإن كان دينهما على المقتول قصاصا فبدل نفسه واجب عليهما عند الرجوع ودينه يقضى من بدل نفسه والله أعلم بالصواب
( قال : رحمه الله ) وإذا أمر الصبي الحر الصبي الحر أن يقتل إنسانا فقتله ، فالدية على عاقلة القاتل ، وليس على الآمر شيء ; لأن قول الصبي هدر فيما يلزمه الغرم فيكون وجوده كعدمه فبقي مباشرة القتل من الصبي القاتل .
ولو أمر رجل صبيا فقتل رجلا كانت الدية على عاقلة الصبي كمباشرته القتل باختياره يرجعون بها على عاقلة الآمر ; لأن الآمر جان في استعماله الصبي وأمره إياه بالقتل ، وهو الذي تسبب لوجوب الضمان على عاقلة الصبي فثبت لهم حق الرجوع بها على عاقلته ، فإن قيل أمره قول وما يجب على المرء بقوله من ضمان الجناية لا تعقله العاقلة قلت متمثلا نعم إذا كان ذلك القول خبرا محتملا الصدق ، والكذب ; ليكون محمولا على الكذب في حق العاقلة فأما إذا كان ذلك أمرا فلا تردد في كونه تسببا واستعمالا ، وإذا ثبت السبب في حق العاقلة ثبت الحكم .
وإذا أعطى الرجل صبيا عصا ، أو سلاحا يمسكه له ولم يأمره فيه بشيء فعطب الصبي بذلك بأن سقط من يده فوقع على رجله فمات فضمانه على عاقلة الرجل ; لأنه جان في استعمال الصبي في إمساك ما دفع إليه ، وهو سبب لهلاكه متعد في ذلك السبب ، وإن قتل الصبي نفسه بذلك ، أو قتل رجلا لم يضمن الدافع شيئا ; لأنه أمره بإمساكه لا باستعماله ، وإنما وجب الضمان على عاقلته لاستعماله ، وهو مختار في ذلك غير مأمور به من جهة الدافع فكذلك إذا قتل به نفسه فإنما تلف باستعماله لا بإمساكه بخلاف ما إذا وقع على رجله ; لأنه ثمة [ ص: 186 ] حصل الهلاك لا بمباشرته ، بل بإمساكه الذي هو حكم دفع الدافع ، وهو متعد في الدفع فيضمن بخلاف ما إذا حصل التلف بمباشرته وحدث من جهة الصبي باختياره ; لأنه طرأت المباشرة على التسبيب فينقطع حكم التسبيب وهذه المباشرة ليست حكم ذلك التسبيب فلا يثبت الرجوع بخلاف ما إذا أمره بالقتل حكما .
، وإذا غصب الرجل الصبي الحر فذهب به ، فهو ضامن له إن قتل أو أصابه حجر ، أو أكله سبع ، أو تردى من حائط عندنا استحسانا وفي القياس لا شيء عليه ، وهو قول زفر والشافعي وجه القياس أن ضمان الغصب يختص بما هو مال متقوم ، والصبي الحر ليس بمال متقوم فلا يضمن بالغصب كالميتة ، والدم ، والدليل عليه أنه لو مات حتف أنفه أو أصابته حمى فمات ، أو مرض فمات أو خرجت به قرحة فمات لم يضمن الغاصب شيئا بالاتفاق ، والدليل عليه أنه لو غصب مكاتبا صغيرا فمات في يده ببعض هذه الأسباب لم يضمن الغاصب شيئا ، فالحر أولى ، وكذلك لا يضمن أم الولد بالغصب ، وإن تلفت بهذه الأسباب ; لأنه لم يبق لرقها قيمة فلأن لا يضمن الحر بهذه الأسباب كان أولى .
وحجتنا في ذلك أنه سبب لإتلافه بغير حق ، والمسبب إذا كان متعديا في سبب ، فهو ضامن ، والدية على عاقلته كحافر البئر وواضع الحجر في الطريق وبيان الوصف أنه أزال يد حافظه عنه في حال حاجته إلى الحفظ ولم يقم بحفظه بنفسه فكان مسببا لإتلافه ، وهو متعد في ذلك ; لأنه ممنوع شرعا من إزالة يد حافظه ومعنى قولنا إن لم يقم بحفظه بنفسه ; لأنه تلف بأمر يمكن التحرز عنه بخلاف ما إذا مات ; لأن ذلك لا يستطاع الامتناع عنه فلا يكون دليلا على تركه الحفظ ، أو على أنه كان سببا لإزالة حافظه عنه فأما التردي من الحائط ونهش الحية وإصابة الحجر فإنه يمكن التحرز عنه في الجملة وبهذا تبين أن هذا الضمان ضمان جناية لا ضمان غصب ، والحر يضمن بالجناية تسبيبا كان ، أو مباشرة وهذا بخلاف المكاتب ; لأنه في يد نفسه صغيرا كان ، أو كبيرا ، فهو بفعله ما حال بينه وبين نفسه وبخلاف أم الولد فإنها تقوم بحفظ نفسها فلا يكون هو جانيا بإزالة الحفظ عنها ; فلهذا لا يضمن نقصها ولو قتل الصبي في يد الغاصب رجلا فليس على الغاصب في ذلك شيء ; لأنه لم يأمره بالقتل ، ولكنه أنشأ القتل باختياره فلو ثبت للعاقلة حق الرجوع على الغاصب كان ذلك باعتبار يده على الصبي ، والحر لا يضمن باليد ، وكذلك لو قتل الصبي نفسه في يد الغاصب فلا شيء على الغاصب كما لو قتل غيره ، وعلى قول أبي يوسف تجب ديته على عاقلة الغاصب ; لأنه تلف بسبب يمكن حفظه من ذلك السبب عادة ، فهو كما لو نهشته حية .
وإذا حمل [ ص: 187 ] الرجل الصبي الحر على دابة فقال له أمسكها لي ، وليس بيده حبل فسقط عن الدابة فمات ، فالدية على عاقلة الرجل ; لأنه سبب لإتلافه حين حمله على الدابة فكان متعديا في تسبيبه ، فإذا تلف بذلك السبب كان ضامنا لديته ويستوي إن كان الصبي ممن يركب ، أو لا يركب ، فإن سار الصبي على الدابة فأوطأ إنسانا فقتله ، فإن كان هو ممن يستمسك عليها فديته على عاقلة الصبي ; لأنه متلف للرجل بدابته حين أوطأها إياه ولا شيء على عاقلة الذي حمله عليها ; لأنه أحدث السير باختياره ، فهو كما لو قتل رجلا في يد الغاصب باختياره ، وإن كان مما لا يسير على الدابة لصغره ولا يستمسك عليها فدم القتيل هدر ; لأن هذه الدابة بمنزلة المنفلتة فإنها سارت من غير أن يسيرها أحد والدابة المنفلتة إذا وطئت إنسانا فدمه هدر وهذا الذي حمل الصبي على الدابة لم يسيرها فلا يكون هو قائدا للدابة ولا سائقا ، والصبي الذي لا يستمسك على الدابة بمنزلة متاع موضوع عليها فلا يكون هو مسيرا للدابة بخلاف ما إذا كان يستمسك عليها ، وإذا حمل الرجل معه الصبي على الدابة ومثله لا يصرفها ولا يستمسك عليها فوطئت الدابة إنسانا فقتلته
، فالدية على عاقلة الرجل خاصة ; لأنه هو المسير للدابة ، والصبي الذي لا يستمسك بمنزلة المتاع معه على الدابة ، فالدية على عاقلته وعليه الكفارة ; لأن الراكب يجعل متلفا لما أوطأ بدابته مباشرة فإنه إنما تلف بفعله ، والكفارة جزاء مباشرة القتل وسيأتي بيان هذا في الباب الذي يلي هذا ولو كان الصبي يصرف الدابة ويسير عليها ، فالدية على عاقلتهما جميعا ; لأن كل واحد منهما مسير للدابة هاهنا فكانا جانيين على الرجل فتجب الدية على عاقلتهما ولا ترجع عاقلة الصبي على عاقلة الرجل بشيء ; لأن هذا بمنزلة جناية الصبي بيده ، والرجل لم يأمره بذلك ولو سقط الصبي فمات فديته على عاقلة الرجل ; لأنه هو الذي حمله عليها ، وقد بينا أن حامل الصبي على الدابة ضامن لديته إذا سقط سواء كان سقوطه بعد ما سير الدابة ، أو قبل أن يسيرها وكان هو ممن يستمسك عليها ، أو لا يستمسك عليها .وإذا حمل العبد صبيا حرا على دابة فوقع الصبي عنها فمات فديته في عنق العبد يدفع به ، أو يفدى ; لأنه صار مسببا لهلاكه ، والعبد يضمن بالجناية تسببا كان أومباشرة ، وموجب جناية العبد الدفع ، أو الفداء ، وإن كان معه على الدابة فسارا عليها فوطئت إنسانا فمات فعلى عاقلة الصبي نصف الدية وفي عنق العبد نصفها يدفع به ، أو يفدى ; لأنهما جانيان على المقتول فعلى كل واحد منهما موجب جنايته ويجعل في ذلك الحكم كأنه تفرد به ، وإذا حمل الحر الكبير العبد الصغير على الدابة ومثله يصرفها ويستمسك عليها ، ثم أمره أن يسير عليها فأوطأ إنسانا فذلك [ ص: 188 ] في عنق العبد يدفعه به مولاه أويفديه بمنزلة جنايته بيده ويرجع مولاه بالأقل من قيمته ، ومن الأرش على الغاصب ; لأنه حين حمله على دابته ، فقد صار غاصبا له ويبقى حكم غصبه ما بقي على الدابة والعبد المغصوب إذا جني في يد الغاصب كان للمولى أن يرجع على الغاصب بالأقل من قيمته ، ومن أرش الجناية ; لأنه غصبه فارغا ورده مشغولا بالجناية بخلاف ما تقدم ، فالمحمول على الدابة هناك حر ، والحر لا يضمن بالغصب ولو حمله عليها ، وهو لا يصرف الدابة ولا يستمسك عليهما فسارت الدابة فأوطأت إنسانا فدمه هدر ; لأن الذي حمله عليها ليس بقائد للدابة ولا سائق لها ، وإنما هذه دابة منفلتة ، وإن كانت واقفة حيث أوقفها ولم تسر حتى ضربت رجلا بيدها ، أو رجلها ، أو بذنبها ، أو كدمته فلا شيء على الصبي ; لأن الصبي بمنزلة المتاع حين كان لا يستمسك على الدابة وعلى الذي أوقفها الضمان على عاقلته ; لأنه متعد في هذا التسبب فإنه ممنوع من إيقاف الدابة في الطريق إلا أن يكون أوقفها في ملكه فحينئذ لا ضمان عليه ; لأنه غير متعد في إيقافها في ملكه ، والمتسبب إذا لم يكن متعديا في تسببه لا يضمن شيئا كمن حفر بئرا ، أو وضع حجرا في ملكه والله أعلم
( قال : رحمه الله ) وإذا سار الرجل على دابة أي الدواب كانت في طريق المسلمين فوطئت إنسانا بيد أو رجل وهي تسير فقتلته فديته على عاقلة الراكب ، والأصل في هذا أن السير على الدابة في طريق المسلمين مباح مقيد بشرط السلامة بمنزلة المشي فإن الحق في الطريق لجماعة المسلمين وما يكون حقا للجماعة يباح لكل واحد استيفاؤه بشرط السلامة ; لأن حقه في ذلك يمكنه من الاستيفاء ودفع الضرر عن الغير واجب عليه فيقيد بشرط السلامة ; ليعتدل النظر من الجانبين ، ثم إنما يشترط عليه هذا القيد فيما يمكن التحرز عنه دون ما لا يمكن التحرز عنه ; لأن ما يستحق على المرء شرعا يعتبر فيه الوسع ولأنا لو شرطنا عليه السلامة عما لا يمكن التحرز عنه تعذر عليه استيفاء حقه ; لأنه لا يمتنع من المشي ، والسير على الدابة مخافة أن يقتل بما لا يمكن التحرز عنه فأما ما يستطاع الامتناع عنه لو شرطنا عليه صفة السلامة من ذلك لا يمتنع عليه استيفاء حقه ، وإنما يلزمه به نوع احتياط في الاستيفاء إذا عرفنا هذا ، فنقول : التحرز عن الوطء على شيء في وسع الراكب إذا أمعن النظر في ذلك ، فإذا لم يسلم كان جانيا وهذه جناية منه بطريق [ ص: 189 ] المباشرة ; لأن القتل إنما حصل بفعله حين كان هو على الدابة التي وطئت فتجب عليه الكفارة وعلى عاقلته الدية ، وإن نفحته برجلها وهي تسير فلا ضمان على الراكب لقوله عليه السلام { الرجل جبار } أي هدر .
والمراد نفحة الدابة بالرجل وهي تسير وهذا لأنه ليس في وسعه التحرز من ذلك ; لأن وجه الراكب أمام الدابة لا خلفها ، وكذلك النفحة بالذنب ليس في وسعه التحرز عن ذلك وقال ابن أبي ليلى هو ضامن لجميع ذلك وقاس الذي يسير على الدابة بالذي أوقف دابته في الطريق فنفحت برجلها ، أو يدها فكما أن هناك يجب ضمان الدية على عاقلته فكذلك هنا ، ولكنا نقول في الفرق بينهما هو ممنوع من إيقاف الدابة على الطريق ; لأن ذلك مضر بالمارة ولأن الطريق ما أعد لإيقاف الدواب فيه فيكون هو في شغل الطريق بما لم يعد الطريق له متعديا ، والمتعدي في التسبب يكون ضامنا ; فلهذا يسوى فيه بين ما يمكن التحرز عنه وبين ما لا يمكن وهذا لأنه إن كان لا يمكن التحرز عن النفحة بالرجل ، والذنب ، فهو يمكنه التحرز عن إيقاف الدابة بخلاف الأول فإن السير على الدابة في الطريق مباح له ; لأن الطريق معد لذلك ولأنه لا يضر بغيره ، وهو محتاج إلى ذلك فربما لا يقدر على المشي فيستعين بالسير على الدابة ، وإذا لم يكن نفس السير جناية قلنا لا يلزمه ضمان ما لا يستطاع الامتناع منه .
( ألا ترى ) أن الماشي في الطريق لا يكون ضامنا لما ليس في وسعه الامتناع منه بخلاف الجالس ، والنائم في الطريق ولو كدمت ، أو صدمت ، أو خبطت ، أو ضربت بيدها إنسانا ، وهو يسير عليها فذلك كله مما يمكن التحرز عنه فيكون موجبا للدية على عاقلته بمنزلة ما لو وطئت إلا أن هذه الأسباب لا تلزمه الكفارة عندنا ; لأن الكفارة جزاء مباشرة القتل فلا تجب بالتسبب على ما نبينه ، وإن ضربت بحافرها حصاة أو نواة ، أو حجرا ، أو شبه ذلك فأصاب إنسانا وهي تسير فلا ضمان عليه ; لأن هذا لا يمكن التحرز عنه ، فهو بمنزلة التراب ، والغبار المنبعث من سنابكها إذا فقأ عين إنسان إلا أن يكون حجرا كبيرا فيضمن ; لأن ذلك مما يستطاع الامتناع منه ، وإنما ينبعث الحجر الكبير بخرق منه في السير .
ولو راثت أو بالت في السير فعطب إنسان بذلك لم يكن عليه ضمان ; لأنه لا يمكنه التحرز عن ذلك قالوا : وكذلك إذا وقفت لتبول ، أو لتروث ; لأن من الدواب ما لا يفعل ذلك حتى يقف فهذا مما لا يستطاع الامتناع عنه ، وكذلك اللعاب يخرج من فيها ولو وقع سرجها أو لجامها ، أو شيء محمول عليها من أداتها ، أو متاع الرجل الذي معه يحمله فأصاب إنسانا في السير كان ضامنا ; لأن هذا مما يمكن التحرز عنه ، وإنما سقط [ ص: 190 ] لأنه لم يشد عليها ، أو لم يحكم ذلك فكأنه ألقاه بيده على الطريق ، وكذلك من عطب به بعد ما وقع على الأرض ، فإن عثر به ، أو تعقل ، فهو ضامن له بمنزلة ما لو وضعه بيده على الطريق والراكب ، والرديف ، والسائق ، والقائد في الضمان سواء ; لأن الدابة في أيديهم وهم يسيرونها ويصرفونها كيف شاءوا وذلك مروي عن شريح رحمه الله إلا أنه لا كفارة على السائق ، والقائد فيما وطئت ; لأنهما مسببان للقتل ، والكفارة جزاء مباشرة القتل فأما الراكب ، والمرتدف فمباشران القتل بفعلها فعليهما الكفارة كالنائم إذا انقلب على إنسان فقتله .
وإذا أوقف دابته في طريق المسلمين ، أو في دار لا يملكها بغير إذن أهلها فما أصابت بيد ، أو رجل ، أو ذنب ، أو كدمت ، أو سال من عرقها ، أو لعابها على الطريق فزلق به إنسان فضمان ذلك على عاقلته ; لأنه متعد في هذا التسبيب فإنه ممنوع من إيقاف الدابة في ملك غيره بغير إذنه ، وكذلك في طريق المسلمين هو ممنوع من إيقاف الدابة خصوصا إذا كان يضر بالمار ، ولكن لا كفارة عليه لانعدام مباشرة القتل منه وإذا أرسل الرجل دابته في الطريق فما أصابت في وجهها ، فهو ضامن له كما يضمن الذي سار به ولا كفارة عليه ; لأنه سائق لها ما دامت تسير على سنن إرساله ، فإذا عدت يمينا أو شمالا فلا ضمان عليه ; لأنها تغيرت عن حالتها أنشأت سيرا آخر باختيارها فكانت كالمنفلتة إلا أن لا يكون لها طريق غير الذي أحدثت فيه فحينئذ يكون ضامنا على حاله ; لأنه إنما سيرها في الطريق الذي يمكنه أن يسير فيه ، وإنما سارت في ذلك الطريق فكان هو سائقا لها ووقفت ، ثم سارت فيه برئ الرجل من الضمان إذا ; لأنها لما وقفت ، فقد انقطع حكم إرساله ، ثم أنشأت بعد ذلك سيرا باختيارها فهي كالمنفلتة ، فإن ردها فالذي ردها ضامن لما أصابت في فورها ذلك ; لأنه سائق لها في الطريق الذي ردها فيه ، وإذا حل عنها وأوقفها ، ثم سارت هي فلا ضمان عليه ; لأن حكم فعله قد انقطع بما أنشأت من السير باختيارها .
قال : وإذا اصطدم الفارسان فوقعا جميعا فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه عندنا استحسانا وفي القياس على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه ، وهو قول زفر والشافعي وجه القياس : أن كل واحد منهما إنما مات بفعله وفعل صاحبه ; لأن الاصطدام فعل منهما جميعا فإنما وقع كل واحد منهما بقوته وقوة صاحبه فيكون هذا بمنزلة ما لو جرح نفسه وجرحه غيره ، ولكنا استحسناه لما روي عن علي رضي الله عنه أنه جعل دية كل واحد من المصطدمين على عاقلة صاحبه ، والمعنى فيه أن كل واحد منهما موقع لصاحبه فكأنه أوقعه عن الدابة بيده وهذا [ ص: 191 ] لأن دفع صاحبه إياه علة معتبرة لإتلافه في الحكم فأما قوة المصطدم فلا تصلح أن تكون علة معارضة لدفع الصادم ، فهو بمنزلة من وقع في بئر حفرها رجل في الطريق يجب الضمان على الحافر ، وإن كان لولا مشيه وثقله في نفسه لما هوى في البئر ، وكذلك لو دفع إنسان غيره في بئر حفرها رجل في الطريق ، فالضمان على الدافع دون الحافر ، وإن كان لولا حفره لذلك الموضع لما أتلفه بدفعه وعلى هذا الأصل قالوا : لو أن رجلين تجاذبا حبلا فانقطع الحبل فماتا جميعا ، فإن مات كل واحد منهما بفعل صاحبه بأن وقع على وجهه فعلى عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه ; لأنه إنما وقع على وجهه بجذب صاحبه إياه ، وإن وقع كل واحد منهما على قفاه فلا شيء على واحد منهما ; لأن سقوطه على قفاه بقوة نفسه لا بجذب صاحبه إياه ، وإن سقط واحد منهما على وجهه ، والآخر على قفاه فدية الساقط على وجهه على عاقلة صاحبه ولو قطع إنسان الحبل بينهما فسقط كل واحد منهما على قفاه ومات فديتهما على عاقلة القاطع للحبل ; لأنه كالدافع لكل واحد منهما .
ولو كان الصبي في يد أبيه فجذبه رجل من يده فمات فديته على عاقلة الجاذب ; لأن الأب محق في إمساكه ، والجاذب متعد في تسبيبه ، وكذلك لو تجاذبا صبيا يدعي أحدهما أنه ابنه ، والآخر يدعي أنه عبده ، فالدية على عاقلة الذي يدعي أنه عبده ; لأن الشرع جعل القول قول من يدعيه ابنه فيكون هو محقا في إمساكه ، والآخر متعديا في جذبه ولو جذب ثوبا من يد إنسان ، وهو يدعي أنه ملكه فتخرق الثوب من جذبهما ، ثم أقام المدعي البينة أنه كان له فله نصف قيمة الثوب على صاحبه ; لأنه كان يكفيه الإمساك باليد وما كان يحتاج إلى الجذب فيجعل التخريق محالا به على فعلهما جميعا .
ولو عض ذراع إنسان فنزع ذراعه من فيه فسقطت أسنان العاض ، فهو هدر ولو انقطع لحم صاحب الذراع فأرش ذلك على العاض ; لأنه محتاج إلى جذب الذراع من فيه فإن العض يؤلمه ، وهو إنما قصد دفع الألم عن نفسه فيكون محقا في الجذب ، والآخر متعديا في العض .
ولو أخذ بيد إنسان فجذب صاحب اليد يده فعطبت يده ، فإن كان أخذ بيده ليصافحه فلا ضمان على الذي أخذ ; لأن الجاذب ما كان يحتاج إلى ما صنع فيكون هو الجاني على يد نفسه ، وإن كان أخذ يده ; ليعصره ، فالضمان على الآخذ ; لأن الجاذب محتاج إلى الجذب لدفع الألم عن نفسه .
ولو جلس على ثوب إنسان فقام صاحبه فتخرق الثوب من جذبه ، فالضمان على الجالس عليه ; لأنه متعد في الجلوس على ذيل الغير بغير إذنه .
والذي بينا في اصطدام الفارسين فكذلك الجواب في اصطدام الماشيين ، فإن كان أحدهما حرا ، والآخر عبدا فقيمة العبد على [ ص: 192 ] عاقلة الحر ، ثم يأخذها ورثة الحر ; لأن كل واحد منهما صار قاتلا لصاحبه فيجب على عاقلة الحر قيمة العبد ، ثم إن تلف العبد الجاني وأخلف بدلا فيكون بدله لورثة المجني عليه ، وهو الحر .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|