
28-12-2025, 05:36 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس والعشرون
صـــ142 الى صـــ 141
(535)
( ألا ترى ) أن صاحب الحق لو عفا عن النصف سقط جميع حقه وهاهنا لما نفذ قضاء القاضي بالقصاص بينهما عرفنا أن القصاص كان مشتركا بينهما بشرط مزاحمة كل واحد منهما مع صاحبه فتقرر ذلك بقضاء القاضي ، ثم بالعفو زالت مزاحمته فيكون حق الآخر في القصاص لانعدام شرط الشركة كما لو زالت مزاحمته بالعفو قبل قضاء القاضي ، والطريق الأول أصح ولو لم يكونا أخذا المال وأخذا به كفيلا ، ثم عفا أحدهما [ ص: 143 ] فالمسألة على الخلاف أيضا ; لأن تأثير الكفالة في توجه المطالبة بالأرش على الكفيل وذلك لا يكون أقوى من توجه المطالبة لهما بالأرش على الأصيل بقضاء القاضي ، ثم هناك لو عفا أحدهما كان للآخر القصاص فهذا مثله ولو كانا أخذا بالمال رهنا كان هذا بمنزلة قبض المال إذا عفا أحدهما بعد ذلك لم يكن للآخر أن يستوفي القصاص وهذا استحسان وكان ينبغي في القياس أن لا يقع بينهما شركة أبدا ما لم يقبضا ولم يذكر غير هذا في رواية أبي حفص وفي رواية أبي سليمان قال : كان ينبغي في القياس أن لا يقع بينهما شركة أبدا سواء قبضا المال ، أو لم يقبضا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وفي رواية أبي سليمان أشار إلى أن القياس ، والاستحسان في فصل استيفاء الأرش ، والارتهان بالأرش جميعا وفي رواية أبي حفص أشار إلى أن القياس ، والاستحسان في فصل الارتهان بالأرش وهذا هو الأصح وجه القياس أن الرهن وثيقة بالأرش كالكفالة فكما أن عفو أحدهما بعد كفالة الكفيل بالأرش لا يمنع الآخر من الاستيفاء أي استيفاء القصاص فكذلك بعد الرهن ; لأن بالارتهان لم يتم ملكهما في الأرش ولا في بدله وجه الاستحسان أن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء لهما .
( ألا ترى ) أنه يتم استيفاؤهما بهلاك الرهن ، وأنه يعتبر قيمة الرهن وقت القبض فتقام يد الاستيفاء مقام حقيقة الاستيفاء في إيراث الشبهة بخلاف الكفالة فإن بالكفالة تزداد المطالبة ولا تثبت يد الاستيفاء فبقي كل حق واحد منهما بعد الكفالة في جميع القصاص كما كان قبله .
، وإذا قطع الرجل أصبع رجل من المفصل من يمناه ، ثم قطع يمينا أخرى وبدأ باليد ، ثم قطع الأصبع ، ثم حضرا جميعا فإنه يقطع أصبعه أولا بأصبع الآخر ، ثم يخير صاحب اليد ، فإن شاء قطع ما بقي ، وإن شاء أخذ دية يده ; لأن في البداءة بحق صاحب اليد إيفاء الحقين فإنه لا يفوت به محل حق صاحب الأصبع فمهما أمكن إيفاء الحقين لا يجوز إبطال حق أحدهما ، ثم حق صاحب الأصبع في الأصبع مقصود وحق صاحب اليد في الأصبع تبع بدليل أنه لو أراد قطع الأصابع ، أو بعضها وترك الكف منع من ذلك ولا مساواة بين التبع ، والمقصود ، فهو نظير ما لو قطع يد إنسان وقتل آخر فإنه يبدأ بحق صاحب اليد فيقتص له أولا ، ثم يقتل بالآخر ، وإذا قطع صاحب الأصبع أصبعه يخير صاحب اليد بمنزلة ما لو كانت يد القاطع ناقصة بأصبع ومن قطع يد إنسان ويد القاطع ناقصة بأصبع يتخير المقطوعة يده لعجزه عن استيفاء حقه بصفة الكمال ، فإن شاء أخذ الأرش ، وإن شاء قطع ما بقي ولا [ ص: 144 ] شيء له سوى ذلك عندنا وعند الشافعي له أن يقطع ما بقي ويضمنه خمس دية اليد ; لأن كل أصبع خمس اليد بدليل أن أرش كل أصبع يكون خمس أرش اليد ، فهو إنما استوفى أربعة أخماس حقه فيقضي له بالأرش فيما بقي كمن أتلف على آخر خمسة أقفزة حنطة فوجد عنده أربعة أقفزة واستوفاها كان له أن يستوفي قيمة القفيز الخامس ، ولكنا نقول استوفى محل حقه بكماله فلا يرجع مع ذلك بشيء من الأرش كما لو قطع يدا صحيحة ويد القاطع شلاء فاستوفى القصاص وهذا ; لأن الأصابع صفة لليد .
( ألا ترى ) أن المقصود باليد منفعة البطش وبفوات الأصبع ينتقص معنى البطش ولا ينعدم ، والدليل عليه أنه لو أراد صاحب اليد استيفاء بعض الأصابع لم يكن له بعد ذلك ، ولكن إما أن يقطع من مفصل اليد أو يترك فعرفنا أن الأصابع في حقه بمنزلة الوصف ومن تجوز بحقه مع نقصان الصفة لا يكون له أن يرجع بشيء آخر كما لو أتلف عليه كرا جيدا فوجد عنده كرا رديئا وقبضه بخلاف القفزان فإنه مقدار ، وليس بصفة .
( ألا ترى ) أن له أن يبرئ عن بعض الأقفزة ويستوفي البعض وهاهنا ليس له أن يعفو عن بعض الأصابع ويستوفي البعض ، فإن جاء صاحب اليد أولا قطعت له اليد ; لأن حقه ثابت معلوم فلا يتأخر استيفاؤه لمكان حق موهوم لغائب لا يدري أيطلب ، أو يعفو ، ثم إذا حضر الآخر قضى له بالأرش ; لأن من عليه الحق قضى بمحل حقه حقا مستحقا عليه فيكون له الأرش ، فإن قيل كيف يستقيم هذا مع قولكم إن الأصبع وصف وتبع قلنا نعم ، ولكن باعتبار فوات هذا الوصف كان يتخير من له الحق ، وإنما لم يتخير هاهنا لبقاء الأصبع فكان هو من هذا الوجه قاضيا بالأصبع حقا مستحقا عليه بخلاف النفس فإن هناك لو حضر من له القصاص في النفس أولا واستوفى لم يكن لمن له القصاص في الطرف شيء ; لأن هناك ما قضى بالطرف حقا مستحقا عليه .
( ألا ترى ) أن فوات الطرف لا يثبت الخيار لصاحب النفس .
ولو قطع من أصبع رجل مفصلا ، ومن أصبع رجل آخر مفصل ذلك الأصبع ، ومن رجل ثالث الأصبع كلها ، ثم اجتمعوا عند القاضي فإنه يقطع المفصل الأعلى لصاحب الأعلى ; لأنه ليس في بداءته بحقه تفويت محل حق الآخرين وبالبداءة بأخذ حق الآخرين تفويت محل حقه ولأن حقه في المفصل الأعلى مقصود وحق الآخرين فيه تبع ، وإذا قطع هذا المفصل تخير صاحب المفصلين ، فإن شاء قطع المفصل الأوسط بجميع حقه ; لأنه وجد محل حقه ، ولكنه مع النقصان ، وإن شاء أخذ ثلثي دية أصبعه من مال القاطع لعجزه عن استيفاء [ ص: 145 ] كمال حقه ، ثم يخير صاحب الأصبع ، فإن شاء أخذ ما بقي من أصبعه لوجود محل حقه ، وإن كان ناقصا ، وإن شاء أخذ دية أصبعه من مال القاطع لعجزه عن استيفاء كمال حقه ، وكذلك لو قطع كف رجل من مفصل ، ثم قطع يد آخر من المرفق ، ثم اجتمعا فإن الكف يقطع لصاحب الكف ; لأنه ليس في البداءة بحقه تفويت محل حق الآخر ، ثم يخير صاحب المرفق ، فإن شاء قطع ما بقي بحقه لوجود محل حقه ، وإن شاء أخذ الأرش لعجزه عن استيفاء حقه بكماله وفي جميع هذه الوجوه لا يثبت للثاني الخيار قبل استيفاء الأول ; لأن صفة الكمال قائمة في طرفه ولا تنعدم بثبوت حق الأول فيه ، وإنما ينعدم ذلك باستيفائه ; فلهذا كان خياره بعد استيفاء الأول .
وإذا شج الرجل الرجل موضحة فأخذت ما بين قرني المشجوج وهي لا تأخذ ما بين قرني الشاج لكبر رأس الشاج فإن المشجوج يخير ، فإن شاء أخذ الأرش ، وإن شاء اقتص له يبدأ من أي الجانبين أحب حتى يبلغ مقدارها في طولها إلى حيث تبلغ ، ثم يكف ، وليس له أن يشجه شجة تأخذ ما بين قرنيه وذكر الطحاوي عن الرازي الكبير أن له ذلك ولا خيار له ; لأن في القصاص فيما دون النفس تعتبر المساواة في المحل ولا ينظر إلى الصغر ، والكبر .
( ألا ترى ) أن من قطع يد إنسان ويد القاطع أكبر من يد المقطوع أنه يجب القصاص فهذا مثله ، ولكنا نقول الأصل في الشجاج أنه تعتبر المساواة في المساحة ، والسير ; لأن البدل يختلف بحسب الاختلاف في ذلك ، والمساواة في البدل معتبرة في القصاص فيما دون النفس فهاهنا لو شجه شجة تأخذ ما بين قرني الشاج كان في المساحة أكثر من الأول ، وكذلك في الألم ولو شجه مثل الأول وفي المساحة كان في السير دون الأول ; لأن الشجة الأولى أخذت ما بين قرنيه وذلك القدر لا يأخذ ما بين قرني الشاج ، فقد عجز عن استيفاء حقه بكماله فثبت له الخيار إن شاء استوفى الأرش ، وإن شاء استوفى القصاص بقدر الأولى في المساحة وتجوز بدون حقه في السير بخلاف اليد فإن المعتبر هناك منفعة البطش فلعل هذه المنفعة في اليد الصغيرة أكثر من اليد الكبيرة .
( ألا ترى ) أن أرش اليد لا يختلف باختلاف اليد في الصغر ، والكبر بحال ، فإن لم يأخذ ما بين قرني المشجوج لكبر رأسه وهي تأخذ ما بين قرني الشاج وتفضل فإنه يخير أيضا ; لأنه إن استوفى مثل حقه في المساحة كان هذا أزيد في السير من الأول ، وإن اقتصر على ما يكون مثل الأول في السير كان دون حقه في المساحة فيتخير ، فإن شاء أخذ الأرش ، وإن شاء اقتص [ ص: 146 ] له ما بين القرنين من الشاج لا يزاد على ذلك ، وإن كانت الشجة في طول رأس المشجوج وهي تأخذ من رأس الشاج من جبهته إلى قفاه ، فإن شاء أخذ الأرش ، وإن شاء اقتص له مقدار شجته إلى مثل موضعها من رأسه لا أزيد على ذلك ; لأنه لو شجه مثل شجته في الطول كان هذا في معنى السبر أزيد من الأول ولا سبيل له إلى استيفاء الزيادة ، وإن شجه إلى مثل ذلك الموضع من رأسه كان دون حقه في الطول فيخير لذلك ، وإن كانت أخذت من المشجوج ما بين جبهته إلى قفاه ولا تبلغ من رأس الشاج إلا إلى نصف ذلك ، فإن شاء أخذ الأرش ، وإن شاء اقتص له بمقدار شجته إلى حيث تبلغ ويبدأ من أي الجانبين أحب لما قلنا وقدمنا فيما سبق .
حكم القصاص في الشجاج وما فيها من اختلاف الروايات ، وأنه لا يقتص في شيء من ذلك حتى يبرأ ولا قصاص في الهاشمة ، والمنقلة ، والآمة ، والجائفة ; لأن هذه الجراحات في العظم فاعتبار المماثلة فيها غير ممكن وبلغنا عن عمر رضي الله عنه أنه قال : لا قصاص في عظم ، وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ولا قصاص في آمة ولا جائفة ولا منقلة ولا عظم يخاف عليه تلف وكل عظم كسر من ساعد ، أو ساق أو ضلع ، أو ترقوة أو غير ذلك ففيه حكم عدل ولا قصاص فيه لتعذر اعتبار المساواة فيه وللتفاوت في الأرش فإن حكم العدل إنما يظهر بتقويم المقومين فلا يكون ذلك مقطوعا به .
، وإذا قطع رجل يد رجل عمدا ويد القاطع شلاء ، أو ناقصة أصبعا قيل له اقطع يده إن شئت وإلا فخذ الأرش ; لأنه وجد جنس حقه ، ولكنه ناقص في الصفة فيتخير لذلك ، فإن سقطت يده قبل أن يختار من له القصاص شيئا فلا شيء له عندنا وله الأرش عند الشافعي ، وكذلك لو كانت يد القاطع صحيحة فسقطت لأكلة أو قطعت ظلما فلا شيء لمن له القصاص وعند الشافعي له الأرش ، وكذلك في النفس لو مات من عليه القصاص أو قتل ، فهو بناء على ما سبق أن عنده الواجب أحد شيئين إما القصاص ، أو الأرش ، وإذا تعذر استيفاء أحدهما لفوات محله تعين الآخر وعندنا الواجب هو القصاص لا غير وقد سقط لفوات محله حقيقة وحكما ، والحق الثابت في محل مقصور عليه لا يبقى بعد فواته بخلاف ما إذا قطعت يده في سرقة ; لأنه لما قضى بيده حقا مستحقا عليه كان ذلك كالسالم له حكما إذا ثبت هذا فيما إذا كانت يده صحيحة فكذلك إذا كانت يده شلاء ; لأن حقه كان في القصاص ، وقد فات محله حين سقطت يده ، فإن قيل هو مخير بين استيفاء القصاص واستيفاء الأرش ، فإذا تعذر عليه استيفاء أحدهما تعين الآخر قلنا لا كذلك ، بل كان حقه في القصاص لا غير إلا أنه كان له أن [ ص: 147 ] يستوفي الأرش لعجزه عن استيفاء كمال حقه بدليل أنه لو زال الشلل قبل أن يستوفي الأرش لم يكن له إلا القصاص ، وقد فات محل حقه فلم يبق له شيء .
ولو قطعت أصبع من أصابع القاطع لغير قصاص لم يكن للمقطوعة يده إلا أنه يقطع ما بقي ولا أرش له بخلاف ما إذا قطعت أصبع من أصابعه في قصاص ; لأن الأصبع جزء من اليد فيعتبر الجزء بالكل في الفصلين جميعا .
، وإذا اقتص الرجل من الرجل في عضو ، أو شجه فمات المقتص منه من ذلك فديته على عاقلة المقتص له في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي لا شيء عليه ، والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم كان عمر وعلي يقولان الحق قبله ولا شيء على أحد وكان ابن مسعود يقول يضمن دية النفس ويسقط من ذلك أرش العضو الذي هو حقه وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول عليه الدية وكان يروي في ذلك حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { من استقاد من إنسان فمات المستقاد منه وبرئ المستقيد ضمن المستقيد ديته } وجه قولهما أن هذا قطع بحق ، أو قطع مستحق ، فالسراية المتولدة منه لا تكون مضمونة كالإمام إذا قطع يد السارق فمات من ذلك وتأثيره أن السراية أثر الفعل فلا تنفصل عن أصل الفعل ولما اتصل أصل الفعل بالخفية فكذلك أثره ، ثم نفس من عليه القصاص صارت في حكم نفسه على معنى أن الفعل في محل حقه يكون حقا مباحا وفيما وراء ذلك يكون عدوانا ، وإن محل حقه صار مملوكا له في حكم الاستيفاء وما وراء ذلك غير مملوك له ، والفعل في محل حقه جزاء وفيما سوى ذلك عدوان .
فإذا تميز أحد المحلين عن الآخر حكما يجعل كالتمييز حسا ولا تنوب السراية من بدن إلى بدن فباعتبار هذا المعنى يجعل عقيب القطع كأنه تم البرء فلا تعتبر السراية بعد ذلك ولأن هذا فعل مأذون فيه ، فالسراية المتولدة منه لا تكون مضمونة كمن قال لغيره اقطع يدي ، أو قال : من عليه القصاص لمن له القصاص اقطع - يدي قصاصا فقطع وسرى فإنه لا يجب شيء ، وكذلك النزاع ، والفصاد ، والحجام ، والختان لا يضمن واحد منهم بالسراية شيئا لهذا المعنى ولأن هذا قطع لو اقتصر لم يكن مضمونا فلا تكون السراية مضمونة كقطع يد المرتد وهذا ; لأن الشرع أثبت له حق قطع اليد ، وليس في وسعه التحرز عن السراية فلا يجوز أن يكون مؤاخذا به ، والسراية إنما تكون لعجز الطبيعة عن دفع أثر الجراحة ، والبرء وبقوة الطبيعة عن دفع أثرها وشيء من ذلك ليس في وسع المستوفي لحقه .
يوضحه أن طرفه كان سالما بلا خطر فلا يتميز إلا بمثله ، وهو طرف يسلم له بالاستيفاء من غير خطر ولأبي حنيفة رحمه الله طريقان أحدهما أن هذا قتل بغير حق فيكون مضمونا وبيانه [ ص: 148 ] أن القتل اسم لجرح يعقبه زهوق الروح وقد وجد ذلك . ولا شك أن القطع غير القتل ، فالقطع اسم لفعل يكون مؤثرا في إباحة جزء من الجملة ، والقتل اسم لفعل يكون مؤثرا في إزهاق الروح ، وإنما يتعين ذلك باعتبار المآل ; ولهذا يعتبر في الجنايات مآلها حتى إذا قطع يد امرأة ، أو يد رجل من نصف الساعد لم يكن عليه القصاص ، فإن سرى إلى النفس يجب القصاص ، فبهذا يتبين : أن عند السراية تبين أن أصل الفعل كان قتلا ، لا أن يقال : كان قطعا فصار قتلا ; لأن الفعل لا يتصور أن يكون على صفة ، ثم يصير على صفة أخرى إذ لا بقاء له ولا يتبين أنه كان قتلا في الأصل ، وهو بمنزلة تحريك الخشبة إن لم يصب شيئا كان تحريكا ، وإن ألقاها على ما انكسر بها كان كسرا .
وإن ألقاها على حيوان فمات بها كان قتلا وهاهنا لما انزهق الروح بهذا الفعل عرفنا أنه كان قتلا من الأصل ولا حق له في القتل فيكون هذا قتلا بغير حق بمنزلة ما لو حز رقبته ; ولهذا كان القياس أن يلزمه القصاص عند أبي حنيفة إلا أنه أوجب عليه الدية استحسانا بمنزلة الخطأ فإنه ما قصد قتله ، وإنما قصد استيفاء حقه بإقامة فعل هو حق فيكون بمنزلة ما لو رمى إلى صيد ، أو حربي فأصاب مسلما يوضحه أن الفعل من حيث الصورة حقه وباعتبار المآل كان غير حقه ، والحكم ، وإن كان يبنى على ما يظهر في الحال فنسبة ذلك الفعل لصورته وصفة الحقية في صورته تكون شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات وما ادعوا من تمييز أحد المحلين حكما كلام لا معنى له ; لأن هذا التمييز في حكم القطع الذي هو قصاص فقط فأما فيما وراء ذلك فنفس من عليه وأطرافه كشيء واحد ، وقد بينا أن هذا ليس باستيفاء لحقه ، وكذلك الفعل إنما يكون جزاء إذا كان قطعا لا إذا كان قتلا وطرف من عليه غير مملوك لمن له القصاص حكما حتى إذا قطع كان البدل لمن عليه لا لمن له القصاص ، ولكن في حق المتمكن من استيفاء حقه جعل كأنه له واستيفاء حقه يكون بفعل هو قطع لا بفعل هو قتل قوله التحرز عن السراية ليس في وسعه قلنا نعم ، ولكن العفو ، والترك في وسعه ، وهو مندوب إليه قال الله تعالى { وأن تعفوا أقرب للتقوى } .
وإنما يتقيد بالوسع ما يكون مستحقا عليه فأما ما يكون مباحا له كالمشي في الطريق ، والرمي إلى الصيد وتعزير الزوج زوجته فمقيد بشرط السلامة ، وإن لم يكن في وسعه إيجاد ذلك ; لأن ذلك غير مستحق عليه ، ثم عجزه لا يجوز أن يكون مسقطا حرمة صاحب النفس في نفسه وأكثر ما في الباب أن يتقابل حقان حق هذا في طرف يسلم له بلا خطر وحق الآخر في نفس محترمة متقومة فتترجح حرمة النفس على حرمة الطرف أو يعتبر الحرمتان فلحقه [ ص: 149 ] في الطرف يتمكن من الاستيفاء ولمراعاة حق الآخر في النفس يتقيد عليه بشرط السلامة ، وهو بمنزلة ما لو قلع سن إنسان فاستوفى حولا فلم ينبت فإنه يمكن من استيفاء القصاص ، فإن استوفى القصاص ، ثم نبت السن المقلوع أولا وجب عليه أرش سن القالع لهذا المعنى وهذا بخلاف قطع الإمام يد السارق ; لأن ذلك مستحق عليه إقامته فيتقيد بما في وسعه .
يوضحه أن المأمور به هناك قطع مطلق وفعله في الصورة قطع فيصير به ممتثلا للآمر ويخرج من عهدته فيصير كالمسلم إلى من له القصاص عامل لنفسه الحق ، فإذا مات من ذلك فإنما قتله من له الحق بعدما خرج الإمام من عهدة فعله فأما هنا فمن له القصاص عامل لنفسه فلا يخرج من عهدته قبل البرء ، وإنما أذن له في قطع مقيد بكونه قصاصا ، والقصاص عبارة عن المساواة ، فإذا تبين أنه لم يكن قصاصا كان مضمونا عليه ; ولهذا قلنا في قوله اقطع يدي فقطع فسرى لا يجب شيء ; لأنه أنابه مناب نفسه في قطع مطلق فكما أن به تحول فعله إلى الآمر وخرج القاطع من عهدته ، وكذلك النزاع ، والفصاد ، والحجام إنما أمروا بفعل مطلق وكما فرغوا من ذلك خرجوا من عهدتهم وصار مسلما إلى أمرهم بذلك فأما قول من عليه القصاص لمن له القصاص اقطع يدي قصاصا غير معتبر ; لأن من له القصاص عامل لنفسه بعد هذا القول وقبله كيف وقد قيد الأمر بقوله اقطع قصاصا ، فإذا سرى إلى النفس فهذا على الخلاف ، والحرف الآخر لأبي حنيفة أن هذه سراية تولدت من قطع مضمون فيكون مضمونا كما لو قطع يد إنسان ظلما وبيان ذلك أن القصاص محض حق العباد فيكون واجبا بطريق الجبران وما يستوفى جبرا يكون على المستوفي بما كان استوفى منه فإن معنى الجبران لا يتحقق إلا به كمن استهلك على إنسان مالا فاستوفى منه مثله كان المستوفى مضمونا على المستوفي وهذا مثله ، فإذا كان أصل الفعل مضمونا ، والسراية أثره فتكون مضمونة أيضا وعليه يخرج قطع يد السارق ; لأنه أقامه حدا فلا يكون مضمونا على الإمام .
( ألا ترى ) أن ذلك قضاء منه وفيما يكون مضمونا عليه لا يكون نافذ القضاء ، وكذلك إذا قال لغيره اقطع يدي فإنه غير مضمون عليه ; لأنه عامل للآمر لأمره في محل مملوك له ، وكذلك قطع يد المرتد وأما فعل الفصاد ، والنزاع فإنه مضمون ضمان عقد ، ولكن لا يتولد ضمان الجناية من ضمان العقد وقد قررنا هذا في مسألة الأجير المشترك ولو لم يمت المقتص منه ومات المقتص له قتل به المقتص منه ; لأنه لما مات تبين أن الواجب له القصاص في النفس ، ومن له القصاص في النفس إذا قطع يد من عليه القصاص لا يسقط به [ ص: 150 ] حقه في النفس ; فلهذا قتل به قصاصا .
ولو قتل رجل رجلا فدفع إلى وليه فقطع يده عمدا أو مثل به في غير ذلك الموضع لم يكن عليه في ذلك أرش ; لأنه كانت له نفس ، واليد من النفس .
( ألا ترى ) أن استيفاء النفس باق على ذلك كله ، ولكن تعذر لما باشره من المثلة فإن المثلة حرام بنهي النبي عليه السلام عن المثلة وما كان يمنع من هذا الفعل فذاك لا يدل على أنه مضمون عليه كما لو حرقه بالنار فإنه لا يكون مضمونا عليه ، وإن كان هو ممنوعا منه ، والأطراف تابعة للنفس ، فإذا كان فعله في النفس على وجه يكون ممنوعا منه لا يوجب الضمان عليه فكذلك في الطرف ولو أن الولي بعدما قطع يده عمدا أو خطأ عفا عنه كان عليه دية اليد في قول أبي حنيفة ولا شيء عليه في قول أبي يوسف ومحمد ; لأنه استوفى طرفا من نفس لو استوفاها لم يضمن فكذلك إذا استوفى جزءا منها لم يضمن كما لو قطع يد مرتد وهذا ; لأن الأطراف تابعة للنفس فمن ضرورة ثبوت حقه في النفس ثبوت حقه في الأطراف ; لأن الحق في التبع إنما يثبت بثبوته في الأصل ; ولهذا لم يكن استيفاء الطرف موجبا للضمان عليه قبل العفو فكذلك بعد العفو ولأن العفو إسقاط فإن ما ينصرف إلى الباقي لا إلى المستوفي كمن قطع يد إنسان ، ثم قطع من له القصاص أصبعا من أصابعه ، ثم عفا عن اليد لم يضمن أرش الأصبع ، والأصابع للكف بمنزلة الأطراف للنفس .
والدليل عليه أنه لو أعقب القطع قتلا لم يضمن شيئا وكان ذلك باعتبار ثبوت حقه في الطرف فكذلك إذا أعقبه عفوا ; لأنه في العفو محسن وإحسانه لا يكون موجبا عليه الضمان يوضحه أنه بعد العفو لو سرى إلى النفس لم يضمن شيئا ، والقطع الساري أفحش من المقتصر ، وإذا كان لا يضمن بعد العفو إذا سرى شيئا ، فإذا اقتصر أولى أن لا يضمن وأبو حنيفة يقول استوفى طرفا لا حق له في استيفائه من نفس متقومة فيكون مضمونا عليه وبيانه أن نفس من عليه القصاص متقومة في حق سائر الناس فكذلك في حق من له القصاص إلا أن تقومها سقط في حق الاستيفاء بما سبق ولا حق لمن له القصاص في استيفاء الطرف ; لأن استيفاء الطرف قطع ، وقد بينا أن حقه في القتل ، والقطع غير القتل ، والدليل عليه أنه يمنع من الاستيفاء مع أن القطع طريق مشروع لاستيفاء القصاص في النفس فإنما يمنع هناك ; لأنه مخطئ في الطريق وهاهنا غير مخطئ في الطريق ، ثم يمنع من الاستيفاء فعرفنا أنه لا حق له في الطرف وهذا لأن حقه في النفس ، والأطراف تابعة للنفس فإنما يثبت له الحق في استيفائها تبعا لا مقصودا .
فإذا استوفى الطرف مقصودا كان مستوفيا [ ص: 151 ] ما ليس بحق له إلا أنه قبل العفو متمكن من أن يجعله تبعا للنفس بأن يقتله فيكون كل واحد من الفعلين قتلا ويصير الطرف تبعا للنفس فلا يضمن شيئا فأما بعد العفو ، فقد سقط حقه في النفس وبقي الطرف مقصودا بالاستيفاء ولا حق له فيه مقصودا فكان مضمونا عليه ، والدليل عليه أن من وجب له القصاص على امرأة فرمى بها يلزمه الحد ، والمستوفى بالوطء في حكم جزء من العين فلو ثبت من له الحق في أطرافها مقصودا لصار ذلك شبهة في إسقاط الحد ، ومن له القصاص على عبد إنسان إذا تصرف في ماليته كان هو في ذلك كأجنبي آخر ، وإن كان حقه ثبت في ماليته تبعا على معنى أن باستيفاء النفس يصير مستوفيا للمالية ، والدليل على أن من له القصاص في النفس لا حق له في الطرف إنه لو كان عليه قصاص في أطرافه لإنسان وفي نفسه لآخر فجاء من له القصاص في النفس فقطع طرفه لم يضمن من عليه شيء لصاحب الطرف ولو كان حق من له القصاص في النفس ثابتا في الطرف لصار هو قاضيا بطرفه حقا مستحقا عليه فيغرم الأرش لصاحب الطرف ، وهو بخلاف الأصبع مع الكف فإن حق من له القصاص ثابت في الأصابع هناك بدليل أن فوات بعض الأصابع يثبت له الخيار ، وأن الكف تابعة للأصابع بدليل حكم الأرش فأما هنا ففوات الأطراف لا يثبت الخيار لصاحب النفس ولا ينقص بدل النفس بفوات الأطراف فعرفنا أن الأطراف تابعة للنفس ، وقد قيل إن تلك المسألة مذكورة في الزيادات ، والجواب قول محمد خاصة وهذا بخلاف ما لو سرى القطع إلى النفس بعد العفو ; لأن بالسراية يتبين أن أصل فعله كان قتلا ، وأنه كان مستوفيا حقه ، وإنما أسقط بعد الاستيفاء وهذا بخلاف ما إذا أعقب القطع قتلا ; لأن الفعل الثاني يكون متمما للمقصود بالفعل الأول فيتبين به أن كل واحد منهم قتل ، والقتل حقه فلا يكون مضمونا عليه ، ثم أذا قتله ، فقد تقرر حقه في النفس وذلك يمنع وجوب ضمان الطرف عليه بخلاف ما إذا عفا ولا معنى لقولهم إن عفوه ينصرف إلى ما بقي ; لأنه بقطع اليد ما صار مستوفيا شيئا من القتل حتى يقال ينصرف عفوه إلى ما بقي .
قال : وفي العين القصاص وفي السن القصاص إذا قلعت ، أو كسر بعضها ولم يسود ما بقي ، وقد بينا حكم القصاص في السن ، وإنما بقي منه حرف ، وهو أنه إذا كسر بعض السن فاسود ما بقي لا يجب القصاص فإنه عاجز عن فعل مثل الفعل الأول فإنه لا يمكنه أن يكسر بعض السن على وجه يسود ما بقي ; فلهذا لا يلزمه القصاص يوضحه أن الفعل كله في محل واحد وآخره موجب للأرش فيمنع ذلك وجوب القصاص في جميعه وفرق أبو يوسف ومحمد بين هذا وبين ما إذا قطع أصبع [ ص: 152 ] إنسان فشلت بجنبها أخرى وهذا ; لأن كل أصبع محل على حدة ووجوب الأرش بالفعل في أحد المحلين لا يمنع وجوب القصاص بالفعل في المحل الآخر وهنا المحل كله واحد ، فإذا خرج آخره من أن يكون موجبا للقصاص يخرج أوله من أن يكون موجبا فأما في العين إذا ذهب نورها بالضربة ولم تخسف فعليه القصاص وصورته أن تحمى له مرآة ، ثم تقرب منها حتى يذهب نورها ويربط على عينه الأخرى وعلى وجهه قطن هكذا روي عن علي رضي الله عنه فإن هذه الحادثة وقعت في زمن عثمان رضي الله عنه فشاور الصحابة في ذلك فلم يجد عندهم شيئا حتى قضى علي رضي الله عنه بالقصاص وبين طريق الاستيفاء بهذه الصفة فاتفقوا على قوله فأما إذا انخسفت ، أو قلعت الحدقة فلا قصاص فيها ; لأنه لا يتأتى اعتبار المماثلة في السن ، والمحل ، فهو بمنزلة كسر العظم ، وأنه لا يتعلق به القصاص .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|