
28-12-2025, 05:31 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس والعشرون
صـــ132 الى صـــ 141
(534)
يوضحه أن القطع في السرقة خالص حق الله تعالى فوجوبه يعتمد الجناية على حق الله تعالى دون المساواة ومعنى الجناية يتحقق في سرقة مال الذمي ، والمستأمن بثبوت إلا من لهما حقا لله تعالى فما كان القطع إلا نظير الكفارة ، والكفارة تجب بقتل الذمي ، والمستأمن كما تجب بقتل المسلم وحجتنا في ذلك ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام { أقاد مسلما بذمي وقال أنا أحق من وفى بذمته } وهذا التعليل تنصيص على وجوب القود على المسلم بقتل الذمي واستيفاء القود منه وفي بعض الروايات { أن رجلا مسلما قتل ذميا فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص وقال أنا أحق من وفى بذمته } .
وعن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقتل رجل مسلم برجل من أهل الحيرة [ ص: 133 ] ذمي ، ثم بلغه أنه فارس من فرسان العرب فكتب فيه أن لا يقتل يعني يسترضوا الأولياء فيصالحوا على الدية ، وإن عبيد الله بن عمر لما قتل هرمزان بتهمة دم أبيه استقر الأمر على عثمان فطلب منه علي رضي الله عنه أن يقتص من عبد الله وكان يدافع في ذلك أياما ، ثم قال : هذا رجل قتل أبوه بالأمس فأنا أستحي أن أقتله اليوم ، وإن هرمزان رجل من أهل الأرض أنا وليه أعفو عنه وأؤدي الدية فهذا اتفاق منهما على وجوب القصاص وقضى علي رضي الله عنه بالقصاص على مسلم بقتل ذمي ، ثم رأى الولي بعد ذلك فقال ماذا صنعت قال : إني رأيت أن قتلي إياه لا يرد أخي ، وقد أعطوني المال فقال : فلعلهم خوفوك فقال : لا ، فقال علي رضي الله عنه : إنما أعطيناكم الدية وتبذلون الجزية لتكون دماؤكم كدمائنا وأموالكم كأموالنا ، والمعنى فيه أن دم الذمي مضمون بالقصاص حتى إذا كان القاتل ذميا يلزمه القصاص به بالإجماع وذلك دليل على انتفاء الشبهة المبيحة عن الدم وبعد انتفاء الشبهة يستوي أن يكون القاتل مسلما ، أو ذميا ولا يدخل عليه الأب إذا قتل ابنه ; لأن امتناع وجوب القود عليه عندنا ليس لقيام الشبهة في دم الابن ، بل لأن فضيلة الأبوة تخرج الولد من أن يكون مستوجبا القود على والده كما يمنعه من قتله شرعا ، وإن كان الأب مباح الدم بأن كان مرتدا أو حربيا ، أو زانيا ، وهو محصن ، والدليل على أن الأبوة إذا طرأت تمنع استيفاء القصاص ، والشبهة إنما تؤثر إذا اقترنت بالسبب الموجب وحيث كان طريان الأبوة مانعا من الاستيفاء عرفنا أن المعنى فيه ما ذكرنا .
فأما المستأمن إذا قتل مستأمنا ففي وجوب القصاص على المسلم بقتل المستأمن قياس ، أو استحسان في القياس يلزمه القصاص ذكره في هذا الكتاب ، وهو رواية أحمد بن عمران أستاذ الطحاوي عن أصحابنا ورواه ابن سماعة عن أبي يوسف ، فقالوا : ما ذكره في السير بناء على جواب القياس أن الشبهة المبيحة عن الدم تنفى بعقد الأمان فلا جرم يجب القصاص بقتله على المستأمن ، والمسلم جميعا فأما على جواب الاستحسان فيقول بقيت الشبهة المبيحة في دمه ، وهو كونه حربيا ; لأنه ممكن من الرجوع إلى دار الحرب فجعل في الحكم كأنه في دار الحرب فلا يجب القصاص بقتله على أحد سواء كان القاتل مستأمنا أو ذميا ، أو مسلما ولأن الذمي محقون الدم على التأبيد فيجب القصاص بقتله على المسلم كالمسلم وتحقيقه أن القصاص يعتمد المساواة في الحياة ; لأنه إزهاق الحياة ، وهو مشروع لحكمة الحياة ، وإنما تتحقق المساواة في ذلك شرعا لوجود التساوي في حقن الدم وقد وجد ذلك بين المسلم ، والذمي فإن حقن كل واحد منهما مؤبد بسبب مشروع ، وهو عقد الذمة [ ص: 134 ] خلف عن الإسلام في معنى الحقن ، والخلف يعمل عمل الأصل عند عدم الأصل وهذا الحقن ، والتقوم إنما يثبت بالإحراز ، والإحراز يكون بالدار لا بالدين ; لأن الإحراز بالدين إنما يكون في حق من يعتقده فأما الإحراز بقوة أهل الدار فيكون في حق الكل ، والذمي في الإحراز مساو للمسلم ; لأنه من أهل دارنا حقيقة وحكما .
والدليل عليه أن الإحراز يؤثر في المال ، والنفس جميعا ، ثم في المال إحراز الذمي كإحراز المسلم حتى يجب القطع بسرقة مال الذمي وحد السرقة أقرب إلى السقوط عند تمكن الشبهة من القصاص ولا يدخل عليه المقضي عليه بالرجم ; لأنا لا نقول يباح قتله لنقصان في إحراز كل جزء على جريمته فأما الإحراز فقائم في المال ، والنفس جميعا وهاهنا إن سلم لنا أن الإحراز في حق المسلم والذي سواء يتضح الكلام فإنه لا يمكنه أن يدعي بعد ذلك بقاء الشبهة بسبب إصراره على الكفر ; لأن المبيح كان هو القتال دون الكفر كما قال الله تعالى { ، فإن قاتلوكم فاقتلوهم } ولما { رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة قال : هاه ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت } ، والقتال ينعدم بالإحراز في حق الذمي أصلا كما ينعدم في حق المسلم ، وقد قررنا هذا في السير ، وإذا ثبت انتفاء الشبهة ، والمساواة في الإحراز ثبتت المساواة بينهما في حكم القصاص فلا يجوز أن تكون فضيلة الإسلام في القاتل مانعا ; لأن طريان هذه الفضيلة لا تمنع الاستيفاء فلو كان اقترانها بالسبب يمنع الوجوب لكان طريانها يمنع الاستيفاء كفضيلة الأبوة وفضيلة الإسلام في المنكوحة فإنه لما كان يمنع ابتداء النكاح عليها للكافر يمنع الوطء إذا طرأ بعد النكاح .
فأما المسلم إذا قتل مستأمنا فلا قصاص عليه على طريق الاستحسان لانعدام المساواة في الإحراز ، فالمستأمن غير محرز نفسه بدار الإسلام على التأبيد ; ولهذا لا يوجب القطع بسرقة ماله لبقاء الشبهة المبيحة وهي المحاربة فإنه ممكن من أن يرجع إلى دار الحرب فيعود حربيا للمسلمين وبهذا الطريق نقول لا يقتل الذمي بالمستأمن أيضا خلافا للشافعي ; لأن الذمي محرز نفسه بدارنا على التأبيد فلا تتحقق المساواة بينه وبين المستأمن فأما الآيات في نفي المساواة بين الكفار ، والمؤمنين ، فالمراد بها في أحكام الآخرة وذلك مبين في آخر كل آية وأما قوله عليه السلام { المسلمون تتكافأ دماؤهم } فمن أصلنا أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون هذا بيان أن دماء غير المسلمين لا تكافئ دماء المسلمين وأما قوله عليه السلام { لا يقتل مؤمن بكافر } ، فهو غير مجرى على ظاهره بالاتفاق ; لأن القاتل إذا أسلم يقتل قصاصا وفيه قتل مؤمن بكافر ، ثم المراد به الحربي يعني من لا يحل قتله من أهل الحرب كالنساء ، والصبيان فإنه لا يقتل [ ص: 135 ] المؤمنون بهم بدليل قوله { ولا ذو عهد في عهده } أي ولا يقتل ذو العهد بالكافر ، وإنما لا يقتل ذو العهد بالكافر الحربي ، فإن قيل هذا ابتداء أي لا يقتل ذو العهد في مدة عهده قلنا ابتداء الواو حقيقة للعطف خصوصا فيما لا يكون مستقلا بنفسه ، فإن قيل قد روي ولا بذي عهد فيفهم منه أن المؤمن لا يقتل بذي العهد قلنا إن ثبتت هذه الرواية فهي محمولة على المستأمن وبه نقول إن المسلم لا يقتل بالمستأمن ، وكذلك لو اجتمع نفر من المسلمين على قتل ذمي قتلوا به ; لأنهم في حكم القصاص كالمسلمين .
وكل قطع من مفصل ففيه القصاص في ذلك الموضع ; لأن المعتبر في القصاص المساواة وفي القطع من المفاصل يمكن اعتبار المساواة فيجب القصاص فأما كل قطع لا يكون من مفصل ، بل يكون بكسر العظم فإنه لا يجب القصاص فيه عندنا وفي أحد قولي الشافعي يجب القصاص ; لأن القصاص مشروع لمعنى الزجر ، والجناية بغير حق في الغالب إنما تكون بهذه الصفة وقل ما يكون من المفصل فلو قلنا لا يجب القصاص في ذلك أدى إلى إبطال الحكمة ، ولكنا نستدل بقوله عليه السلام { لا قصاص في العظم } ولأنه لا تتأتى مراعاة المساواة في العظام ; لأنه لا ينكسر في الموضع الذي برئ كسره وبدون اعتبار المساواة لا يجب القصاص ما خلا السن ، فالقصاص يجب فيه ، وقد بيناه .
ولا تقطع اليسار باليمين ولا اليمين باليسار ولا اليد بالرجل ولا الإبهام بغيرها من الأصابع ولا أصبع من يد بأصبع من الرجل لانعدام المساواة بين هذه الأعضاء فإن فيما هو المقصود بها لا مساواة يعني مقصود منفعة البطش في اليد ، والعمل بها وبين اليمين ، واليسرى في ذلك تفاوت ، وكذلك في الخلقة ، والهيئة يظهر التفاوت بين الإبهام وغيرها من الأصابع وبين اليد ، والرجل وأصابع اليد وأصابع الرجل فيمتنع جريان القصاص بينهما ولا يقتص من عظم ما خلا السن ، والأصل في جريان القصاص في الأسنان قوله تعالى { ، والسن بالسن } وروي { أن الربيع عمة أنس بن مالك كسرت سن جارية فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص فقال أنس بن النضر ، أويكسر سن الربيع بسن جارية فرضوا بالأرش ، فقال عليه السلام إن لله عبادا لو أقسموا عليه لأبرهم منهم أنس بن النضر } ، والأصل في جريان القصاص فيما دون النفس اعتبار المماثلة في الفعل وفي المحل أما المأخوذ بالفعل فلأن المماثلة في ضمان العدوان منصوص عليها فيجب اعتبارها في كل ما يتأتى ، والمتأتى اعتبار المماثلة في هذه الأشياء ويعني بالمماثلة في المأخوذ بالفعل المساواة في المنفعة ، والمساواة في البدل ; لأن التفاوت في المنفعة المقصودة دليل اختلاف الجنس ، وإن [ ص: 136 ] اتحد الأصل فلأن تنعدم المماثلة أولى ; ولهذا لا تقطع اليمين باليسار ، والتفاوت في البدل دليل ظاهر على انعدام المساواة ; لأن البدل بمقابلة المبدل ، وهو قيمته ، فالتفاوت فيه دليل على التفاوت في المبدل .
وعلى هذا الأصل قال علماؤنا رحمهم الله لا يجري القصاص بين الرجال ، والنساء في الأطراف وقال ابن أبي ليلى يجري ، وهو قول الشافعي ويسلكون في الباب طريقا سهلا ، وهو اعتبار الأطراف بالنفوس ; لأنها تابعة للنفس وثبوت الحكم في التبع بثبوته في الأصل فكما يجري القصاص بين الرجال ، والنساء في النفوس فكذلك في الأطراف ، ولكنا نقول لا مماثلة بين طرف الرجل وطرف المرأة في المنفعة ولا في البدل ، والمماثلة معتبرة في القصاص في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تستوفى بالشلاء للتفاوت بينهما في البدل ، والمنفعة ولا معنى لقولهم إن الشلاء ميتة لا روح فيها ; لأن استيفاءها في القصاص جائز وبقطعها يتألم صاحبها ويجب حكومة العدل لقطعها فعرفنا أن الحياة فيها باقية ، ولكن التفاوت في البدل فلا تقطع الصحيحة بها بخلاف النفوس ، فالمعتبر هناك المساواة في الفعل حتى تستوفى النفس الصحيحة بالزمنة ، فإن قيل التفاوت في البدل يمنع استيفاء الأكمل بالأنقص ولا يمنع استيفاء الأنقص بالأكمل حتى إن الشلاء تقطع بالصحيحة وعندكم في هذا الموضع لا تقطع يد المرأة بالرجل قلنا نعم إذا كان التفاوت بسبب حسي كالشلل وفوات بعض الأصابع ، فهو كما قلنا فأما إذا كان التفاوت بمعنى حكمي فإنه يمنع استيفاء كل واحد منهما لصاحبه كاليمين مع اليسار وهذا المعنى ، وهو أن في التفاوت إذا كان بنقصان حسي فمن له الحق إذا رضي بالاستيفاء يجعل هو بالبعض حقه مستوفيا لما بقي وذلك جائز ; ولهذا لا يستوفى الأكمل بالأنقص ، وإن رضي به القاطع ; لأنه بالرضا يكون باذلا للزيادة ولا يجوز استيفاء الطرف بالبدل فأما إذا كان التفاوت لمعنى حكمي فلا وجه لتمكنه من الاستيفاء هاهنا بطريق إسقاط البعض ولا بطريق البدل .
وعلى هذا قال الشافعي تقطع يد العبد بيد الحر كما يقتل العبد بالحر ، وكذلك تقطع يد العبد بيد العبد كما يقتل أحدهما بالآخر قصاصا ولا تقطع يد الحر بيد العبد كما لا يقتل الحر بالعبد عنده وعندنا لا يجري القصاص بين العبيد ، والأحرار ولا بين العبيد فيما دون النفس لانعدام المساواة في البدل أما فيما بين العبيد ، والأحرار فظاهر ، وكذلك بين العبيد إذا اختلفت القيم فيهم ، وكذلك إذا استوت ; لأن طريق معرفة القيمة الحزر ، والمماثلة المشروطة شرعا لا تثبت بطريق الحزر كالمماثلة في الأموال الربوية عند المقابلة بجنسها ولا يقال نصاب السرقة يعرف بالتقويم [ ص: 137 ] وإن كان يتعلق به ما يندرئ بالشبهات فكذلك المماثلة في القيمة هاهنا ; لأنا لا ننكر معرفة القيمة بالحزر ، والظن ، وإنما ننكر ثبوت المساواة بالحزر قطعا وفي باب السرقة الحاجة إلى معرفة القيمة لا إلى المساواة ولا يقال إذا كانت قيمة كل واحد من العبدين أكثر من عشرة آلاف فهاهنا المساواة بينهما في البدل ثابتة شرعا ومع ذلك لا يجري القصاص بينهما في الأطراف ; لأن التقدير في بدل نفس العبد فأما بدل طرفه فلا يدخله التقدير شرعا ، ولكن تجب قيمته بالغة ما بلغت فيتحقق التفاوت بينهما فيه وبهذا تبين أن أطراف العبد يسلك بها مسلك الأموال ولا مدخل للقصاص في الأموال .
وعلى هذا الأصل قلنا يجري القصاص بين المسلم ، والذمي فيما دون النفس للمساواة بينهما في البدل وعند الشافعي يقطع طرف الذمي بطرف المسلم ولا يقطع طرف المسلم بطرف الذمي اعتبارا بالنفسية على قوله وعلى هذا الأصل لا يقطع يدان بيد واحدة عندنا للتفاوت في البدل ، والتفاوت في المقدار وتأثير التفاوت في المقدار فيما يعتبر فيه المماثلة أكثر من تأثير التفاوت في الصفة .
( ألا ترى ) أن في الأموال الربوية التفاوت في المقدار يمنع جواز العقد ، والتفاوت في الصفة لا يمنع ، ثم التفاوت في الصفة هاهنا يمنع استيفاء الأكمل بالأنقص كالصحيحة بالشلاء ، فالتفاوت في المقدار أولى وعند الشافعي يقطع يدان بيد واحدة إذا وضعا السكين من جانب واحدة اعتبارا للقصاص في الطرف بالقصاص في النفس إلا أن في الأطراف إذا وضع أحدهما السكين من جانب ، والآخر من جانب وأمرا حتى التقى السكينان يجب القصاص ; لأن القتل إزهاق للحياة ، وهو لا يحتمل الوصف بالتجزي بحال فباختلاف محل الفعل لا يثبت التجزؤ ، بل كل واحد منهما قاتل على الكمال كما لو اتحد محل فعلهما فأما القطع فإنه جزء محسوس وذلك يتنوع نوعين نوع منه يتجزأ ، وهو عند اختلاف محل الفعل ; لأنه لو لم يوجد من كل واحد منهما إمرار السلاح إلا على بعض العضو ، ونوع منه لا يحتمل الوصف بالتجزي ، وهو ما اتحد محل الفعل ; لأن كل واحد منهما أمر السلاح على جميع العضو .
( ألا ترى ) أنه لا يمكن أن يشار إلى شيء من المحل فيقال القطع بفعل هذا دون فعل ذلك وعند اختلاف محل الفعل يقال هذا الجانب انقطع بفعل هذا ، والجانب الآخر انقطع بفعل الآخر ، فإذا كان غير متجزي كان قياس النفس يجعل كل واحد منهما قاطعا بجميع اليد حكما فيلزمه القصاص لاعتبار معنى الزجر كما يعتبر ذلك في النفس ، والدليل على الفرق أن عند تميز محل الفعل يجب على كل واحد منهما حكومة العدل وعند اتحاد محل الفعل يجب على كل واحد منهما عندكم [ ص: 138 ] نصف دية اليد في ماله ، وكذلك قلتم لو أن محرمين قتلا صيدا بضربة واحدة فإن على كل واحد منهما قيمته صحيحا ولو جرحه كل واحد منهما في محل على حدة ضمن كل واحد منهما قيمته مجروحا بجراحة صاحبه فبه يتضح هذا الفرق ، ولكنا نقول كل واحد منهما قاطع بعض اليد سواء اختلف محل الفعل ، أو اتحد ; لأن القطع هو الفعل بين متصلين ; ولهذا يطلق هذا الاسم على الخشب ، والنبات ، والجبال ونحن نتيقن أن ما انقطع بفعل أحدهما لم ينقطع بفعل الآخر ولا معتبر بإمرار كل واحد منهما السلاح على جميع العضو ; لأن إمرار السلاح من غير حصول القطع به وجوده كعدمه وما انقطع بقوة أحدهما لم ينقطع بقوة الآخر هذا شيء يعرفه كل عاقل فعرفنا أن كل واحد منهما قاطع بعض اليد ولا يجوز أن يقطع جميع يده بقطعه بعض اليد ; لأن المساواة في الفعل معتبرة لا محالة ، والدليل عليه أن القطع في الجملة مما يحتمل الوصف بالتجزي وما يحتمل الوصف بالتجزي إذا اشترك فيه اثنان يضاف إلى كل واحد منهما بعضه ، وإن حصل على وجه غير متجزي كما لو اشتركا في تمزيق ثوب ، أو في استهلاك درة ، أو في جمل حبسه يضاف نصفه إلى كل واحد منهما ، وإن حصل على وجه غير متجزئ فأما النفس ، فالقياس فيها هكذا ، ولكن تركنا القياس بالأثر ، وهو حديث عمر ، والمخصوص من القياس بالأثر لا يلحق به إلا أن يكون في معناه من كل وجه ; لأن الفعل في النفس لا يحتمل الوصف بالتجزي بحال ، والفعل في الطرف يحتمل الوصف بالتجزي .
( ألا ترى ) أنه يتحقق أن يقطع بعض اليد ويترك ما بقي وفي النفس لا يتحقق إزهاق بعض الحياة دون البعض فلعدم احتمال التجزؤ هناك يجعل كاملا في حق كل واحد منهما ولاحتمال التجزؤ هاهنا يجعل كل واحد منهما قاطعا للبعض يوضح الفرق أن الفعل في النفس يكمل بسراية فعله فإنه لو جرح فسرى إلى النفس كان مباشرا قتله ، والفعل في الطرف لا يكمل بسراية الفعل ، وأنه لو قطع فسرى إلى ما بقي حتى سقط لا يلزمه القصاص وسراية فعله أقرب إلى فعله من فعل شريكه ، فإذا لم يجز تكميل فعله بسراية فعله في حكم القصاص ، فلأن لا يجوز تكميله بفعل شريكه أولى . ولا معنى لاعتبار الزجر . فإن معنى الزجر معتبر بعد وجود المماثلة بدليل أنه لا تقطع يد الحر بيد العبد ولا الصحيحة بالشلاء لانعدام المماثلة ، وإن وقعت الحاجة إلى الزجر ولأن المشتركين في أدنى ما يتعلق به القطع لا يلزمهما القطع كما لو اشترك رجلان في سرقة نصاب واحد لا يقطع واحد منهما ، وإن كان المسروق درة لا تحتمل التجزؤ وبه فارق النفس فإن المشتركين في أدنى [ ص: 139 ] ما يوجب القتل حقا لله تعالى يلزمهما القتل ، نحو ما إذا اشتركا في قتل رجل في قطع الطريق فيعتبر حق العبد بحق الله في الفصلين جميعا ، وإذا ثبت أنه لا يجب القصاص عليهما قلنا يجب على كل واحد منهما نصف دية اليد في ماله ; لأنا نتيقن أن كل واحد منهما قاطع للنصف ، والفعل عمد ، وكذلك إذا وضع كل واحد منهما السكين من جانب فإنا إن علمنا أن كل واحد منهما قطع نصف اليد يلزمه نصف الدية ، وإنما يصار إلى حكومة العدل إذا لم يعلم أن كل ما قطعه كل واحد منهما قدر النصف .
ولو قطع رجل يد رجل من نصف الساعد أو رجله من نصف الساق عمدا لم يكن عليه في ذلك قصاص ; لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة في الفعل ، والمحل فإن فعله كان في كسر العظم دون القطع من الفصل وفيما يلزمه من الدية وحكومة العدل اختلاف بين أصحابنا وقد تقدم بيانه .
ولو قطع رجل يدي رجل اليمنى ، واليسرى قطعت يداه بهما ، وكذلك إن قطعهما من واحد ; لأن المماثلة المشروطة في الفعل ، والمحل ، والمأخوذ بالفعل موجود ، فإن قيل هو ما فوت على كل واحد منهما منفعة الجنس ، وإذا قطعنا يده كان فيه تفويت منفعة الجنس فلا يتحقق المماثلة قلنا في حق كل واحد منهما يعتبر ما يستوفيه هو ، وليس في استيفائه منفعة الجنس ، ثم هذا المعنى إنما يعتبر في السرقة ; لأن تفويت منفعة الجنس استهلاك حكما ، والاستهلاك الحقيقي في حد السرقة غير مشروع فكذلك الحكمي فأما في القصاص ، فالاستهلاك الحقيقي مشروع إذا كانت المماثلة فيه فكذلك الاستهلاك الحكمي .
ولو قطع رجل يميني رجلين قطعت يمينه بهما وغرم دية يد منهما عندنا سواء قطعهما معا ، أو على التعاقب وقال الشافعي إن قطعهما على التعاقب يقطع بالأولى منهما وللثاني الأرش ، وإن قطعهما معا يقرع بينهما ويكون القصاص لمن خرجت قرعته ، والأرش للآخر ; لأنه حين قطع يد أحدهما ، فقد صارت مشغولة بحقه مستحقة له قصاصا ، والمشغول لا يشغل كمن رهن عينا من إنسان وسلمها إليه ، ثم رهنها من آخر فإنه لا يصلح الثاني مع بقاء حق الأول وهنا حق الأول باق فمنع ذلك ثبوت حق الثاني في اليد بخلاف ما إذا عفي الأول ; لأن المانع قد زال إذ لم يبق له حق في المحل ، وكذلك إذا بادر الثاني واستوفى ; لأنه لم يبق للأول حق في المحل لفواته فكان الثاني مستوفيا حقه ، فإذا حضرا جميعا فحق الأول قائم فيترجح بالسبق ، والدليل عليه أنه ليس في عينه وفاء بحقهما بالاتفاق حتى إن عندكم يقضي بأرش يد بينهما ، وإن قطعا جميعا ولو كان في عينه وفاء بحقهما لم يجب لهما شيء آخر بعد استيفائه كما قلتم في النفس إذا ثبت أن في عينه وفاء بحق أحدهما لم يكن بد [ ص: 140 ] من ترجيح أحدهما على الآخر فرجحنا بالسبق أو بخروج القرعة إذا حصل الفعلان جميعا كما هو أصل ، ثم فيما قلتم جمع بين القصاص ، والأرش لكل واحد منهما بسبب فعل واحد وذلك لا يجوز على أصلكم وحجتنا في ذلك أن حق كل واحد منهما ثابت في جميع اليد ; لأن السبب تقرر في حق كل واحد منهما ، وهو القطع المحسوس وكونه مشغولا بحق الأول لما لم يمنع تقرر السبب في حق الثاني لا يمنع ثبوت حكمه .
( ألا ترى ) أن ملك المولى في عبده لا يمنع وجوب القصاص عليه إذا تقرر سببه ، وهو القتل ، والحق دون الملك بخلاف الرهن فإن ثبوت السبب هناك بطرق الحكم واشتغال المحل بحق الأول يمنع ثبوت السبب في حق الثاني حكما ، والدليل عليه أنه لو عفى الأول كان للثاني أن يستوفي القصاص وتأثير العفو في الإسقاط فلو لم يجب له القصاص بأصل الفعل لم يجب بالعفو ، والدليل عليه أن الثاني لو بادر واستوفى كان مستوفيا للقصاص فعرفنا أن حق كل واحد منهما ثابت في جميع اليد ، والمساواة في سبب الاستحقاق توجب المساواة في الاستحقاق كالغريمين في التركة ، والشفيعين في الشقص المشفوع إلا أنه إذا قطعت يده بهما ، فقد صار كل واحد منهما مستوفيا نصف حقه لما بينا أن القطع يقع متجزئا فإن القطع الذي هو ظلم يقع من اثنين بصفة التجزؤ فكذلك القطع الذي هو جزء بخلاف النفس فإن ما هو ظلم هناك لا يقع متجزيا فكذلك ما هو جزء .
وإذا صار كل واحد منهما مستوفيا نصف اليد ، فقد قضى بنصف طرفه حق كل واحد منهما ومن عليه القصاص في الطرف إذا قضى بطرفه حقا مستحقا عليه يقضي لمن له القصاص بالأرش كما لو قطعت يده في سرقة وبهذا تبين أن المعنى الذي يجب به نصف الأرش لكل واحد منهما غير ما يجب به القصاص فلا يكون هذا جمعا بين القصاص ، والأرش بسبب واحد وبه فارق النفس فإن هناك لو قضى بنفسه حقا مستحقا عليه بأن قتل رحما لا يقضي لمن له القصاص بشيء إذا عرفنا هذا ، فنقول : لو عفى أحدهما عنه قبل القصاص أقتص منه للباقي ولا شيء للعافي ; لأن المزاحمة بينهما في القطع لثبوت حق كل واحد منهما في المحل ، وقد انعدم ذلك بعفو أحدهما فكان للآخر القصاص فقط ولو حضر أحدهما دون صاحبه لم ينتظر الغائب ويقتص لهذا الحاضر ; لأن حقه ثابت في جميع اليد ومزاحمة الآخر معه في الاستيفاء موهوم عسى يحضر وعسى لا يحضر فلا يؤخر استيفاء المعلوم لمكان الموهوم كأحد الشفيعين إذا حضر ، والآخر غائب يقضي له بجميع المبيع بالشفعة لهذا المعنى ، ثم إذا قدم الغائب كان له الدية ; لأنه قضى بجميع طرفه حقا مستحقا عليه [ ص: 141 ] فيقضي للآخر بالأرش بخلاف النفس فإن هناك لو حضر أحدهما واستوفى القصاص ، ثم حضر الآخر لا يقضي له بشيء ; لأن هناك في نفسه وفاء بحقهما فإنما لم يستوف هذا المعنى من جهته ، وإن لم يحضر ، وليس في الطرف الواحد وفاء بحقهما فإن ما تعذر على الثاني للاستيفاء بقضائه بطرفه حقا مستحقا عليه .
يوضحه أن في النفس ، وإن قضى بها حقا مستحقا عليه فلا يمكن جعلها سالمة بعد موته ولا يمكنه تقوم نفسه عليه بعدما مات فأما في الطرف فيمكن أن يجعل الطرف كالسالم له حين قضى به حقا مستحقا عليه وأن يتقوم عليه ذلك ; لأنه كالحابس لطرفه حكما ; فلهذا يقضي للثاني بالأرش ، وإن اجتمعا فقضى لهما بالقصاص ، والدية فأخذ الدية ، ثم عفى أحدهما عن القصاص جاز عفوه ولم يكن للآخر أن يستوفي القصاص ، وإنما له نصف الدية ; لأنهما ملكا الأرش بالقبض وبعد تمام ملك كل واحد منهما في نصف اليد يستحيل أن يبقى حق كل واحد منهما في جميع القصاص فعرفنا أن حق كل واحد منهما إنما بقي في نصف القصاص ، والقصاص المشترك بين اثنين إذا سقط نصيب أحدهما بعفوه انقلب نصيب الآخر مالا فأما إذا لم يستوفيا الدية حتى عفى أحدهما بعدما قضى القاضي فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف للآخر أن يستوفي القصاص كما لو عفى أحدهما قبل قضاء القاضي ، وهو القياس وعند محمد وزفر ليس للآخر أن يستوفي القصاص استحسانا كما لو عفى أحدهما بعد استيفاء الأرش وذلك ; لأن قضاء القاضي بالقصاص وبالأرش بينهما قد نفذ ، ومن ضرورته ضرورة القصاص مشتركا بينهما ، فإذا أسقط أحدهما نصيبه يبقى حق الآخر في نصف القصاص ولا يتصور استيفاء نصف اليد قصاصا .
والدليل عليه أن الأرش بقضاء القاضي صار مملوكا بينهما ، فهو كما لو ملكا الأرش بالاستيفاء بخلاف ما قبل القضاء فإنهما لم يملكا الأرش بعد فيبقى حق كل واحد منهما في جميع القصاص ، والدليل على الفرق بين ما قبل القصاص وبين ما بعده أن أحد الشفيعين لو سلم قبل أن يقضي القاضي لهما بالدار كان للآخر أن يأخذ جميع الدار بالشفعة ولو سلم أحدهما بعد قضاء القاضي لم يكن للآخر أن يأخذ إلا النصف ، وكذلك لو ادعى رجلان كل واحد منهما شراء عين من ذي اليد وأقاما البينة ، ثم أسقط أحدهما حقه قبل قضاء القاضي فإنه يقضي للآخر بالبيع في جميع العين وبعدما قضى القاضي لهما لو رد أحدهما البيع في نصيبه لم يكن للآخر إلا النصف وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا : القاضي إنما قضى بما كان على ما كان فنزل ذلك منزلة الفتوى ولو استفتيا فأفتى لهما القاضي أن القصاص بينكما أو أن الأرش [ ص: 142 ] بينكما ، ثم عفى أحدهما كان للآخر استيفاء القصاص فكذلك إذا قضى به القاضي ، وهو نظير من مات وترك ابنا وبنتا فقضى القاضي بينهما بالميراث أثلاثا كان هذا كفتوى المفتي .
ولو تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا فقضى القاضي لها بمهر المثل كان هذا كفتوى المفتي حتى لو طلقها قبل الدخول بها كان لها المتعة وفي تفسير هذا الوصف نوعان من الكلام أحدهما أن حق كل واحد منهما كان في جميع القصاص على أن يستوفي كل واحد منهما النصف إذا زاحمه الآخر وبقي كذلك بعد قضاء القاضي بدليل أنه لو حضر أحدهما واستوفى كان مستوفيا للقصاص ويكون الأرش للآخر بخلاف ما بعد استيفاء الأرش فإن هناك لو حضر أحدهما لا يتمكن من استيفاء القصاص ما لم يحضر الآخر وهذا ; لأن القضاء قول من القاضي ، والقصاص الذي هو غير المشترك لا يصير مشتركا بقول بحال كما لو جعل نصف القصاص لغيره وقضى القاضي بذلك كان ذلك لغوا بخلاف استيفاء الأرش فإنه فعل وبالفعل يصير القصاص مشتركا ، والقاضي ، وإن قضى بالأرش بينهما ، فالملك لكل واحد منهما لا يتم بالقضاء قبل الاستيفاء ; لأن الأرش في معنى الصلات فإنما يتم الملك فيها بالقبض لا بالقضاء كمنفعة الزوجة تصير بالقبض لا بنفس القضاء ، والدليل عليه أن السبب الموجب للأرش لكل واحد منهما قضاؤه بطرفه حقا مستحقا عليه وذلك لا يتم بالقضاء قبل استيفاء القصاص فأما إذا استوفيا الأرش فسبب الملك في المقبوض هو القبض ، وقد تم ذلك وبهذا فارق فصل الشفعة ، والبيع ، فالقاضي بقضائه هناك غير الأمر عما كان عليه ; لأنه فسخ بيع كل واحد منهما في النصف وأبطل حق كل واحد من الشفيعين في النصف الذي قضى به الآخر ، والوجه الآخر أن القصاص وجب مشتركا بينهما ، والأرش كذلك أما إذا حصل الفعلان معا ، فهو ظاهر ، وكذلك إن حصلا على التعاقب ; لأنه يجعل في الحكم كأنهما كانا معا وهذا ; لأنا لو قلنا إن حق كل واحد منهما في جميع القصاص لكان القاضي مسقطا حق كل واحد منهما عن نصف القصاص بولاية شرعية ، والقصاص لا يحتمل الوصف بالتجزي إسقاطا .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|