عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 28-12-2025, 05:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس والعشرون

صـــ122 الى صـــ 131
(533)





والآلة الجارحة إذا حصل القتل بها كان عمدا ; لأن ذلك فعل مزهق للروح وما لا تلبث ولا تطيق النفس احتماله في كونه مزهقا للروح أبلغ من الفعل الجارح ; لأن هذا مزهق للروح بنفسه ، والفعل الجارح مزهق للروح بواسطة الجراحة ، والجرح وسيلة يتوسل بها إلى إزهاق الروح وما يكون عاملا بنفسه يكون أبلغ مما يكون عاملا بواسطة ، وكذلك من حيث العرف في قصد الناس إلى قتل أعدائهم بإلقاء الأسطوانة ، أو رفع حجر الرحى عليهم يكون أبلغ من القصد إلى ذلك بالجرح في بعض الأعضاء ، فإذا جعل ذلك موجبا للقصاص فهذا أولى ولأبي حنيفة رحمه الله ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { كل شيء خطأ إلا السيف وفي كل خطإ الدية } وفي حديث الحجاج بن أرطاة { أن رجلا قتل رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة فقضى عليه بالدية } ، والمعنى فيه أن هذه الآلة لا تجرح ولا تقطع ، فالقتل بها لا يكون موجبا للقصاص كالقتل بالعصا الصغيرة وتحقيقه من وجهين أحدهما : أن وجوب القصاص يختص بقتل هو عمد [ ص: 123 ] محض .

وصفة التمحض أن يباشر القتل بآلته في محله وآلة القتل هي الآلة الجارحة ; لأن الجرح يعمل في نقض البنية ظاهرا وباطنا وما سواها يدق بنقض البنية باطنا لا ظاهرا وقوام البنية بالظاهر ، والباطن جميعا ، فالقتل الذي هو نقض البنية إذا كان مما يعمل في الظاهر ، والباطن يكون قتلا من كل وجه ، وإن كان مما يعمل في الباطن دون الظاهر يكون قتلا من وجه دون وجه ، والثابت من وجه دون وجه يكون قاصرا في نفسه فيصلح أن يجب به ما يثبت مع الشبهات ولا يصلح أن يجب به ما يندرئ بالشبهات . وما ادعوا من أن الجرح وسيلة يتوسل به إلى إزهاق الروح غلط فإن إزهاق الروح ينقض البنية ، وكمال الجناية مما ينقض البنية من كل وجه ، ونقض البنية بجرح في الروح لا يتأتى ; لأنه لا يحس ويفعل في الجسم ما لا يكون كاملا فإنما الكامل منه ما يكون بفعل في النفس التي بها قوام الآدمي وذلك الفعل الجارح المؤثر في تسييل ، والدليل عليه حكم الذكاة فإن الحل بالذكاة إنما يحصل بفعل جارح مسيل للدم بهذا المعنى ولا يحصل بما يعمل في الجسم فلا يكون ناقضا للبنية ظاهرا ، وهو الفعل الذي يدق ولا فرق بينهما ; لأن الحل مبني على الاحتياط فلا يثبت عند تمكن الشبهة كالقود . ويخرج عليه النار فإنها تعمل في الظاهر ، والباطن جميعا .

وقيل في الذكاة أيضا : إذا قرب النار من مذبح الشاة حتى انقطع بها الأوداج وسال الدم تحل ، وإن لم يسل لا تحل ; لأن ما هو المقصود بالذكاة ، وهو تمييز الطاهر من النجس لم يحصل ، والوجه الأخير أن آلة القتل الحديد قال الله تعالى { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ، والمراد القتل ، وكذلك خزائن أسلحة الملوك تكون من الحديد فأما الخشب ، والأحجار فمعدة للأبنية ، والحديد هو المستعمل في القتال ، وإنما ينصب المنجنيق لتخريب الأبنية .

( ألا ترى ) أن الحديد إذا حصل القتل به وجب القصاص صغيرا كان ، أو كبيرا حتى أنه لو غرزه بمسلة ، أو إبرة في مقتله يلزمه القصاص وما سوى الحديد الصغير منه لا يوجب القصاص ، وإن تحقق به القتل ، والفعل لا يتم إلا بآلته فبقصور في الآلة تتمكن شبهة النقصان في الفعل وذلك يمنع وجوب القصاص فعلى هذا الطريق يقول القتل بمثقل الحديد يوجب القصاص نحو ما إذا ضربه بعمود حديد أو بصنجات الميزان ; لأن الحديد في كونه آلة القتل منصوص عليه وفي المنصوص عليه يعتبر عين النص فأما في غير المنصوص عليه ، فالحكم يتعلق بالمعنى فيعتبر كونه محددا نحو سن العصا ، والمروة وليطة القصب ونحو ذلك وعلى الطريق الأول يقول لا يجب القصاص إلا بما هو محدد ، والحديد وغيره فيه سواء ، وهو رواية الطحاوي [ ص: 124 ] في كتاب الشروط . وتأويل الحديث أنه أمر بذلك على طريق السياسة لكونه ساعيا في الأرض بالفساد معروفا بذلك الفعل بيانه فيما روي أنهم أدركوها وبها رمق فقيل لها أقتلك فلان فأشارت برأسها لا حتى ذكروا اليهودي فأشارت برأسها أن نعم ، وإنما يعد في مثل تلك الحالة من يكون متهما بمثل ذلك معروفا به وعندنا إذا كان بهذه الصفة فللإمام أن يقتله بطريق السياسة فأما الدم . .

العصا الصغيرة إذا ، والى بها في الضربات حتى مات لم يلزمه القصاص عندنا وعلى قول الشافعي رضي الله عنه يجب القصاص ، وكذلك الخلاف فيما إذا ضربه جماعة كل واحد منهم بسوط ، أو عصا ، وهو يقول القصد بالعصا الصغيرة عند الموالاة القتل فيكون الفعل بها عمدا محضا بمنزلة القتل بالسيف بخلاف العصا الصغيرة إذا ضربه بها مرة ، أو مرتين ; لأن القصد هناك التأديب ، والغالب معه السلامة ولا يكون القتل بها إلا نادرا فيكون في معنى الخطأ فأما مع الموالاة ، فالقصد منه القتل .

( ألا ترى ) أن التهديد بالضرب بالسوط مع الموالاة كالتهديد فالقتل في حكم الإكراه بخلاف التهديد بضرب سوط واحد ويستوي في ذلك حصول الضربات من واحد ، أو من جماعة ; لأن شرط القتل كون النفس معمودة لا التيقن بكون فعل كل واحد منهم مزهقا للروح ; لأن ذلك لا طريق إلى معرفته ، والدليل على الفرق بين الضربة ، والضربات أن شرب القليل من المثلث لا يكون موجبا للحد ، فإن استكثر منه حتى سكر لزمه الحد باعتبار أن القليل منه ممرئ للطعام ، والكثير مسكر .

وإذا حصل السكر بالكثير منه لا يميز بعض الفعل عن البعض ، بل يجعل الكل كفعل واحد حتى يتعلق به ما يندرئ بالشبهات ، وهو الحد فهذا مثله وأصحابنا رحمهم الله استدلوا بحديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط ، والعصا ، فيه مائة من الإبل } فيكون نصبا على التفسير وبالرفع قتيل السوط ، والعصا فيكون خبرا للابتداء وفي كليهما بيان أن قتيل السوط ، والعصا يكون قتيل خطإ العمد ، وإن الواجب فيه الدية ، والمعنى فيه أن القتل حصل بمجموع أفعال لو حصل بكل واحد منها على الانفراد لا يتعلق به القصاص فكذلك إذا حصل بمجموعها كما لو جرح رجلا جراحات خطأ ، أو اشترك جماعة في قتل رجل خطأ وهذا ; لأن كل واحد من هذه الأفعال غير موجب للقصاص إذا انفرد فانضمام ما ليس بموجب إلى ما ليس بموجب كيف يكون واجبا لما يندرئ بالشبهات ولو انضم ما هو موجب إلى ما ليس بموجب كالخاطئ مع العامد لا يجب القصاص ، فإذا انضم ما هو موجب [ ص: 125 ] إلى ما ليس بموجب أولى بخلاف الأقداح فهناك لو حصل السكر بالقدح الأول يجب الحد ، وإنما لم يجب الحد إذا لم يسكر به لانعدام السبب الموجب وهنا لو حصل القتل بالضربة الأولى لا يجب القصاص فعرفنا أن هذا الفعل في نفسه غير موجب فلا يدخل على هذا شهادة الشاهدين بالقتل العمد فإنها توجب القصاص وكل واحد منهما بانفراده لا يوجب ; لأن شهادة الشاهدين حجة واحدة وشهادة كل واحد منهما شرط الحجة وشرط الحجة لا يثبت به شيء من الحكم فأما هاهنا فكل فعل صالح لكونه علة تامة ، وهو على أصله أظهر فإن عنده لو حصل من كل واحد من الجماعة ضربة واحدة يجب عليهم القصاص وما لم تتكامل العلة في حق كل واحد منهم لا يلزمه القصاص وقوله بأن الضربة الواحدة يقصد بها التأديب قلنا حقيقة القصد لا يمكن الوقوف عليها ، وإنما ينبني الحكم على السبب الظاهر .

( ألا ترى ) أن قطع اليد لا يقصد به القتل أيضا ; ولهذا كان مشروعا في موضع كان القتل حراما ، وكذلك الجرح اليسير مشروع على قصد الاستشفاء كالفصد ، والحجامة ومع ذلك إذا حصل القتل به وجب القصاص ; لأن حقيقة القصد يتعذر الوقوف عليها فيعتبر السبب الظاهر فكذلك هاهنا كان ينبغي أن يجب القصاص إذا حصل القتل بالضربة ، والضربتين بالسوط وحيث لم يجب بأن كان كل فعل من هذه الأفعال بانفراده غير موجب وحقيقة الفقه فيه ما ذكرنا في المسألة الأولى ويمكن الاستدلال بهذا الحرف أيضا فيقال العصا الكبير مجموع أجزاء لا يتعلق القصاص بكل جزء منها ، وإن حصل القتل فكذلك بمجموعها .

فأما بيان نفي استيفاء القود بغير السيف وبها يقول علماؤنا رحمهم الله فإن القصاص متى وجب فإنه يستوفى بطريق حز الرقبة بالسيف ولا ينظر إلى ما به حصل القتل وقال الشافعي رضي الله عنه ينظر إلى القتل بماذا حصل ، فإن كان بطريق غير مشروع بأن سقاه الخمر حتى قتله أو لاط بصغير حتى قتله فكذلك الجواب يقتل بالسيف ، وإن كان بطريق مشروع يفعل به مثل ذلك الفعل ويمهل مثل تلك المدة ، فإن مات وإلا تحز رقبته نحو ما إذا قطع يد إنسان عمدا فمات من ذلك واستدل بما روينا { أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر برضخ رأس اليهودي بين حجرين } وكان ذلك بطريق القصاص .

( ألا ترى ) أنه روي في بعض الروايات { فاعترف اليهودي فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص وأمر بأن يرضخ رأسه بين حجرين } ولأن المعتبر في القصاص المساواة ; ولهذا سمي قصاصا مأخوذ من قول القائل التقى الدينان فتقاصا أي تساويا أصلا ووصفا وما قلناه أقرب إلى [ ص: 126 ] المساواة لما فيه من اعتبار المساواة في الفعل ، والمقصود بالفعل يجب اعتباره إلا إذا تعذر وتعذره أن يكون صورة الفعل بخلاف المشروع بأن يكون حراما ، أو أن لا يحصل القتل به فحينئذ يجعل ما يكون متمما له فيما هو المقصود ويكون الثاني متمما للأول .

( ألا ترى ) أن من قطع يد إنسان خطأ ، ثم قتله لم يلزمه إلا دية واحدة وجعل الفعل الثاني تتميما للأول وحجتنا في ذلك ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام { لا قود إلا بالسيف } ، وهو تنصيص على نفي استيفاء القود بغير السيف ، والمعنى فيه أنه قتل مستحق شرعا فيستوفى بالسيف كقتل المرتد وهذا ; لأنه إنما يستوفي المستحق بالطريق الذي يتيقن أنه طريق له وحز الرقبة يتيقن بأنه طريق استيفاء القتل فأما قطع اليد فلا يكون طريقا لذلك إلا بشرط ، وهو السراية وذلك لضعف الطبيعة عن دفع أثر الجراحة ولا يعرف ذلك عند القتل وما يتعلق بالشرط لا يكون ثابتا قبل الشرط فقبل السراية هذا الفعل غير القتل فلا يكون مشروعا فضلا عن أن يكون مستحقا وصورة الفعل غير مقصودة ، وإنما المقصود إزهاق الروح عرفا لمعنى الانتقام واستحقاق القتل شرعا فيجب مراعاة ذلك المقصود ولا يقال لا يقمع الناس في الابتداء من أن يكون هذا الفعل مؤثرا في تحصيل المقصود ما لم يبرأ منه ; لأنه ، وإن كان لا يقمع الناس عن ذلك فإنه يؤدي إلى تأخير تحصيل المقصود وكما لا يجوز إبطال مقصود صاحب الحق لا يجوز تأخيره ، ثم هذا اعتبار معادلة توقعنا في الظلم في الانتهاء ; لأنه إذا تراخت يده تحز رقبته ، والفعل الثاني بعد البرء لا يكون إتماما للأول بدليل الخطأ فيؤدي إلى الزيادة على ما كان منه وإلى المثلة وذلك حرام ، فإن قيل بأي طريق تسقط حرمة ذبح القاتل ولم يوجد منه فعل في مذبح المقتول قلنا بالطريق الذي يسقط عندكم حرمة مذبحه إذا تراخت يده ، وهو استحقاق القتل عليه وذلك موجود قبل قطع اليد وتأويل الحديث ما بينا والذي روي أنه قضى بالقصاص شاذ لا يعتمد عليه ، أو قاله الراوي بناء على ما وقع عنده أنه كان بطريق القصاص وفي الحقيقة إنما كان ذلك بطريق السياسة .

، وإن اجتمع رهط على قتل رجل بالسلاح فعليهم فيه القصاص بلغنا عن عمر رضي الله عنه أنه قضى بذلك ، وهو استحسان ، والقياس أن لا يلزمهم القصاص ، وقد ذكر في كتاب الإقرار ; لأن المعتبر في القصاص المساواة لما في الزيادة من الظلم على المتعدي ولما في النقصان من البخس بحق المتعدي عليه ولا مساواة بين العشرة ، والواحد وهذا شيء يعلم ببداهة العقول ، فالواحد من العشرة يكون مثلا للواحد فكيف تكون العشرة مثلا للواحد [ ص: 127 ] وأيد هذا القياس قوله تعالى { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } وذلك ينفي مقابلة النفوس بنفس واحدة ، ولكنا تركنا هذا القياس لما روي أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا فقضى عمر رضي الله عنه بالقصاص عليهم وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به ولأن شرع القصاص لحكمة الحياة وذلك بطريق الزجر كما قررنا ومعلوم أن القتل بغير حق في العادة لا يكون إلا بالتغالب ، والاجتماع ; لأن الواحد يقاوم الواحد فلو لم نوجب القصاص على الجماعة بقتل الواحد لأدى إلى سد باب القصاص وإبطال الحكمة التي وقعت الإشارة إليها بالنص يوضحه أنه لا مقصود في القتل سوى التشفي ، والانتقام وذلك حاصل لكل قاتل بكماله كأنه ليس معه غيره وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله الواحد إذا قتل جماعة فإنه يقتل بهم جميعا على سبيل الكفاءة وقال الشافعي رضي الله عنه إن قتلهم على التعاقب يقتل بأولهم ويقضى بالديات لمن بعد الأول في تركته .

وإن قتلهم معا يقرع بينهم ويقضى بالقود لمن خرجت قرعته وبالدية للباقين واستدل بقوله تعالى { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ، فقد جعل الله تعالى النفس بمقابلة النفس قصاصا فلا يجوز أن يجعل النفس بمقابلة النفوس قصاصا بالرأي ولأنا قد بينا أنه لا مساواة بينهما إلا أنا أوجبنا القصاص على العشرة بقتل الواحد لرد عليه القتل بغير حق وهذا لا يوجد في القتل قصاصا ; لأن ذلك يكون بقوة السلطان فلا تقع الحاجة فيه إلى التعاون ، والتغالب ولأن في إيجاب القصاص هناك تحقيق معنى الزجر وذلك لا يوجد هنا فإنه بعدما قتل الواحد إذا علم أنه ، وإن قتل جميع أعدائه لا يلزمه القصاص أخذ يتجاسر على قتل الأعداء ، وإذا علم أنه يستوفى الديات من تركته يتحرز من ذلك لإبقاء العناء لورثته فكان معنى الزجر فيما قلنا وحقيقة المعنى في الفرق أن العشرة إذا قتلوا واحدا فكل واحد منهم قتل عشرة فوجب عليه القصاص بقدر ما أتلف إلا أنه لا يمكن استيفاء ذلك منه إلا بإسقاط ما بقي من حرمة نفسه فيسقط ذلك لضرورة الحاجة إلى استيفاء القصاص كما إذا غصب ساحة وبنى عليها سقط حرمة بنائه لوجوب رد الساحة ، وكذلك عندي في الساحة فأما هاهنا فكل واحد من المقتولين قد استحق على القاتل نفسا كاملة ، وليس في نفسه وفاء بالنفوس فلا يمكن أن يقتل بهم جميعا ، ولكن يترجح أولهم بالسبق فإن حقه ثبت في محل فارغ ، وإذا قتلهم معا رجح بالقرعة كما هو مذهبي في نظائره .

والدليل على أن كل واحد من القاتلين يستوفي الجزاءات في الخطأ يجب على كل واحد منهم جزء من الدية ، وأنه لو كان بعض الفاعلين مخطئا لم يجب القصاص على واحد منهم بخلاف [ ص: 128 ] ما إذا قتل جماعة بعضهم عمدا وبعضهم خطأ فإنه يلزمه القصاص لمن قتله عمدا ، وإن كان واحدا وحجتنا في ذلك أن العشرة إذا قتلوا واحدا يقتلون به وكانوا مثلا له جزاء لدمه فكذلك إذا قتل واحدا يقتل بهم ويكون مثلا لهم ; لأن المثل اسم مشترك فمن ضرورة كون أحد الشيئين مثلا للآخر أن يكون الآخر مثلا له كأسم الأخ فإن من ضرورة كون أحد الشخصين أخا للآخر أن يكون الآخر أخا له فلا يجوز أن يقال يلزمهم القصاص لرد غلة القتل بغير حق من غير اعتبار المماثلة فإن الزيادة في القدر أبلغ من الزيادة في الوصف ، وإذا كان لا يقتل المسلم بالمستأمن وعلى قوله بالذمي ، والحر بالعبد لانعدام المماثلة مع الحاجة إلى رد القتل عليه بغير حق فلأن لا يقتل العشرة بالواحد أولى ، وكذلك في كل موضع يتعذر اعتبار المماثلة نحو كسر العظام لا يوجب القصاص ، والحاجة إن رد عليه الجناية هاهنا بغير حق يتحقق هنا ومع ذلك يوهم الزيادة بمنع القصاص فتحقق الزيادة ; لأن يمنع من ذلك كان أولى فعرفنا أنه إنما يقتل العشرة بالواحد بطريق المماثلة وبيان ذلك ، وهو أن القتل مما لا يتجزأ .

وإذا اشترك الجماعة فيما لا يحتمل التجزؤ فأما أن ينعدم أصلا أو يتكامل في حق كل واحد منهم ، والدليل عليه أن كل واحد منهم لو حلف أن لا يقتله كان حانثا في يمينه بهذا الفعل ولا يجب إلا بوجوب كمال الشرط وفي الخطأ يجب على كل واحد منهم الكفارة كاملة ولا تجب الكفارة إلا بقتل كامل فأما الدية بمقابلة المحل فلصيانته عن الإهدار لا أن يكون ذلك جزاء الفعل ، والمحل واحد فلا يجب بمقابلته إلا دية واحدة ، والدليل عليه أن القتل يخرج ببعضه زهوق الروح ; لأن الروح لا يمكن أخذه حسا فطريق أثرها فيه قصدا هذا وقد تحقق من كل واحد منهم ، والحكم إذا حصل عقيب علل يضاف جميعه إلى كل علة فيجعل زهوق الروح محالا به على فعل كل واحد منهم فكان كل واحد منهم قاتلا على سبيل الكمال بمنزلة الأولياء في التزويج بتكامل الولاية لكل واحد منهم وفي هذا المعنى القتل الذي هو عدوان ، والقتل الذي هو جزاء سواء فإن الأولياء إذا اجتمعوا وقتلوا كان كل واحد منهم قاتلا بكماله .

والدليل عليه أن فيما هو المقصود بالقتل ، وهو التشفي ، والانتقام لا فرق بين الجزاء ، والعدوان ، وهو يتكامل لكل واحد من الأولياء كما يتكامل لكل واحد من العبدين فعرفنا أن كل واحد منهم مستوف حقه بكماله فلا حاجة إلى المصير إلى الدية وبه فارق النكاح فإن المرأة لو زوجت نفسها من جماعة لا يثبت النكاح لكل واحد منهم على هذه المرأة ; لأن المقصود الفراش ، والنسل وذلك ينعدم بالاشتراك فلا يتكامل لكل واحد منهم [ ص: 129 ] ثم هناك لما لم يحتمل التجزؤ في المحل انعدم أصلا عند الاشتراك وهاهنا لم ينعدم القتل فعرفنا أنه تكامل في حق كل واحد منهم وما قال بأن الواجب على كل منهم عشر القتيل كلام غير معقول ; لأن القصاص في نفس واحدة كما لا يحتمل التجزؤ استيفاء لا يحتمل التجزؤ وجوبا فلا يجوز أن يستحق بعض نفسه قصاصا وكيف يستقيم هذا ولو عفى أحد الأولياء حتى حيي جزء من المقتول سقط القصاص كله ، فإذا كان القصاص الواجب يسقط إذا لم يبق مستحقا في بعض النفس بعد العفو فلأن لا يجب ابتداء في بعض النفوس دون البعض أولى وتبين بهذا التحقيق أنه لا طريق سوى ما قلنا إن العشرة إذا قتلوا واحدا فكل واحد منهم قاتل له على الكمال ، وكذلك الأولياء إذا اجتمعوا واستوفوا القصاص كان كل واحد منهم قاتلا له على الكمال مقدار حقه ليحيوه بدفع شر قاتل أبيه عن نفسه وكان ليس معه غيره فلا حاجة إلى - القضاء بالدية ولا إلى الترجيح بالسبق ، أو إلى القرعة .
قال : وإذا قتل الحر المملوك عمدا فعليه القصاص عندنا وقال الشافعي لا قصاص عليه لقوله تعالى { الحر بالحر ، والعبد بالعبد } ومقابلة الحر بالحر يقتضي نفي مقابلة الحر بالعبد وهذا على وجه التفسير للقصاص المذكور في قوله تعالى { كتب عليكم القصاص في القتلى } فيكون بيان أن المساواة التي هي معتبرة إنما تكون عند مقابلة الحر بالحر لا عند مقابلة الحر بالعبد ، وعن ابن عمر وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم قالا : السنة أن لا يقتل العبد بالحر ، والمعنى فيه أن هذا أحد نوعي القصاص فلا يجب على الحر بسبب المملوك كالقصاص في الأطراف ، بل أولى ; لأن حرمة الطرف دون حرمة النفس ، فالأطراف تابعة للنفس ، وإذا كان طرف الحر لا يقطع بطرف العبد مع خفة حرمة الطرف فلأن لا يقتل الحر بالعبد مع عظم حرمة النفس كان ذلك أولى وتأثيره أن القصاص ينبني على المساواة ولا مساواة بين الأحرار ، والعبيد فإن العبد مملوك مالا ، والحر مالك ، والمالكية في نهاية من العز ، والكمال ، والمملوكية في نهاية من الذل ، والنقصان ، والدليل عليه أن المملوك قائم من وجه هالك من وجه فإن الحرية حياة ، والرق تلف ; ولهذا كان المعتق منسوبا بالولاء إلى المعتق ; لأنه أحياه بالإعتاق حكما ولا مساواة بين القائم من كل وجه وبين القائم من وجه ، والهالك من وجه ، والدليل عليه أن التفاوت ظاهر بينهما في بدل النفس ، وهو المال وبه تبين أن الرق أثر في النفسية ; ولهذا المعنى لا يجب القصاص على المولى بقتل عبده ولو لم يؤثر الرق في النفسية لكان المولى كالأجنبي في قتل العبد فيلزمه القصاص ولأن المقتول كان بعرض أن يصير من خول القاتل [ ص: 130 ] بأن يشتريه فيمنع ذلك القصاص المساواة بينهما في حكم القصاص كالمسلم مع المستأمن وحجتنا في ذلك قوله تعالى { كتب عليكم القصاص في القتلى } فهذا يقتضي وجوب القصاص بسبب كل قتل إلا ما قام عليه الدليل فأما قوله الحر بالحر ، فهو ذكر بعض ما شمله العموم على موافقة حكمه فلا يجب تخصيص ما بقي .

( ألا ترى ) أنه كما قابل العبد بالعبد قابل الأنثى بالأنثى ، ثم لا يمنع ذلك مقابلة الذكر بالأنثى وفي مقابلة الأنثى بالأنثى دليل على وجوب القصاص على الحرة بقتل الأمة وفائدة هذه المقابلة ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كانت المقابلة بين بني النضير وبين بني قريظة وكانت بنو النضير أشرف وكانوا يعدون بني قريظة على النصف منهم فتواضعوا على أن العبد من بني النضير بمقابلة الحر من بني قريظة ، والأنثى منهم بمقابلة الذكر من بني قريظة فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم وبيانا أن الحر بمقابلة الحر ، والعبد بمقابلة العبد ، والأنثى بمقابلة الأنثى من القبيلتين جميعا ، وعن علي بن أبي طالب قال : يقتل الحر بالعبد وما روي عن ابن عمر وابن الزبير محمول على السيد إذا قتل عبده ، فقد كانوا مختلفين في ذلك فمنهم من كان يوجب القصاص ويستدل بقوله عليه السلام { من قتل عبده قتلناه } فإنما قال ذلك ردا على من يقول منهم لا يقتل السيد بعبده ، والمعنى فيه أن دم العمد مضمون بالقصاص فيستوي أن يكون قاتله حرا ، أو عبدا كدم الحر وبيان الوصف أن العبد إذا قتل عبدا يلزمه القصاص ، والقصاص عقوبة تندرئ بالشبهات فيستدعي وجوبها انتفاء الشبهة المبيحة عن الدم وبعد انتفاء الشبهة الحر ، والعبد فيه سواء وسنقرر هذا الكلام في مسألة قتل المسلم الذمي والذي يختص بهذه المسألة حرفان أحدهما أن وجوب القصاص يعتمد المساواة في الذمي ، وقد تحقق ذلك ، فالرق ، والمملوكية لا يؤثر في الدم ; لأن الرق إنما يؤثر فيما يتصور ورود القهر عليه وذلك أجزاء الجسم فأما الحياة فلا تدخل تحت القهر .

والدليل عليه أن العبد فيه يبقى على أصل الحرية حتى لا يملك المولى التصرف فيه إقرارا عليه به ولا استيفاء منه إلا أن المولى إذا قتله لا يلزمه القصاص لانعدام المستوفي ; لأنه لو كان القاتل غيره كان هو المستوفي بولاية الملك ، والقتل لا يحرمه ذلك ولا يكون هو مستوفيا العقوبة من نفسه ونقصان بدل الدم كنقصان صفة المملوكية في محله لا في غيره كنقصان بدل الدم بسبب الأنوثة إنما يكون للملوكية في محله فأما الحياة فلا تحلها الأنوثة ، والثاني أن وجوب القصاص يعتمد المساواة في الإحراز ، والإحراز إنما يكون بالدار ، أو بالدين ، والمملوك في ذلك مساو للحر ، والحكمة في شرع القصاص الحياة [ ص: 131 ] وفي ذلك المعنى الحر ، والمملوك سواء ، وليست النفوس قياس الأطراف ; لأن وجوب القصاص هناك يعتمد المساواة في الجزء المبان ; ولهذا لا تقطع الصحيحة بالشلاء ، والرق ثابت في أجزاء الجسم فتنعدم بسببه المساواة بينهما في الأطراف مع أن طرف العبد في حكم المال عندنا ; ولهذا لا يكون مضمونا بالقصاص على أحد عبدا كان ، أو حرا بخلاف النفس ، فالمعتبر فيه المساواة في الحياة ; ولهذا لا نقتل النفس الصحيحة بالنفس الزمنة ، وقد تحققت المساواة هاهنا .

وعلى هذا لو قتل رجل صبيا فعليه القصاص لوجود المساواة بينهما في الحياة ، وكذلك لو قتل رجل امرأة وروي عن علي رضي الله عنه يتخير أولياؤها بين أن يستوفوا ديتها وبين أن يعطوا القاتل نصف ديته ، ثم يقتلونه قصاصا وهذا بعيد لا يصح عن علي رضي الله عنه ، وقد كان أفقه من أن يقول القصاص لم يكن واجبا ، ثم يجب بإعطاء المال وعلى هذا لو قتل العبد الحر عمدا ، والمرأة الرجل فعليهما القصاص لوجود المساواة بينهما في الحياة والشافعي لا يخالفنا في هذا فإنه يرى استيفاء الأنقص بالأكمل قصاصا ، وإنما يأبى استيفاء الأكمل بالأنقص ، فإذا تبين هذا في حالة الانفراد فكذلك عند الاشتراك حتى إذا اشترك جماعة من الرجال في قتل حرة ، أو أمة فعليهم القصاص كما لو اشتركوا في قتل رجل حر .

، وكذلك لو قتل المسلم الذمي عمدا فعليه القصاص عندنا وعند الشافعي لا قصاص عليه وأما الذمي إذا قتل ذميا ، ثم أسلم القاتل فعليه القصاص بالاتفاق ويحكي أن أبا يوسف رحمه الله قضى بالقصاص على هاشمي بقتل ذمي فجعل أولياء القاتل يؤذونه بألسنتهم ويقولون يا جائر يا قاتل مؤمن بكافر فشكاهم إلى الخليفة فقال ارفق بهم فلما علم مراد الخليفة خرج وأمر بإعادتهم إليه ، ثم قال : لأولياء القتيل هاتوا بينة من المسلمين أن صاحبكم كان يؤدي الجزية طوعا فإن هؤلاء يدعون أنه كان ممتنعا من أداء الجزية ; فلهذا قتله ولا قتل عليهم إلا ببينة من المسلمين فعجزوا عن ذلك فدرأ القود به ودخل على الخليفة فأخبره بذلك فضحك وقال من يقاومكم يا أصحاب أبي حنيفة واستدل الشافعي بقوله تعالى { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ، فالقصاص يبني على المساواة وبعد ما انتفت المساواة بينهما بالنصوص الظاهرة لا يجب عليه القصاص وقال عليه السلام { المسلمون تتكافأ دماؤهم } فهذا دليل على أن دماء غيرهم لا يكافئ دماءهم ، ثم قال في آخر الحديث { لا يقتل مؤمن بكافر } وبالإجماع ليس المراد نفي الاستيفاء فعرفنا أن المراد نفي الوجوب .

والمعنى فيه أن المقتول منقوص بنقص الكفر فلا يجب القصاص على المسلم بقتله كالمستأمن وهذا لأن الكفر من أعظم النقائص ، فالكافر كالميت من [ ص: 132 ] وجه قال الله تعالى { أومن كان ميتا فأحييناه } أي كافرا فرزقناه الهدى فلا مساواة بين من هو ميت من وجه وبين من هو حي من كل وجه بخلاف الذمي إذا قتل ذميا ، فقد وجدت المساواة هناك فوجب القصاص ، ثم الإسلام بعد ذلك زيادة حصلت على حق الأولياء فلا يمنعهم من الاستيفاء كالمستأمن إذا قتل مستأمنا يلزمه القصاص منصوص عليه في السير الكبير في النفس ، والطرف جميعا ، ثم لو أسلم القاتل بعد ذلك لا يسقط عنه القصاص ولأن الكفر مهدر للدم مؤثر في الإباحة ، فإذا وجد ولم يبح يصير شبهة كالملك فإنه مبيح ، فإذا وجد في الأخت من الرضاعة ولم يبح فيصير شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات ، والدليل على أن الكفر مهدر للدم أن من لا يحل قتله من أهل الحرب كالنساء ، والذراري إذا قتلهم إنسان لا يغرم شيئا لوجود المهدر وما ذلك إلا الكفر ، والدليل عليه أنا أمرنا بقتل الكفار لكفرهم قال الله تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } يعني فتنة الكفر وقال عليه الصلاة والسلام { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله } وهذا الكفر قائم بعد عقد الذمة إلا أنه غير عامل في إباحة الدم بمعنى الدعاء إلى الدين بأحسن الوجوه على ما أشار الله تعالى إليه في قوله تعالى { فأجره حتى يسمع كلام الله } فبقي باعتباره شبهة ينتفي بها المساواة بينه وبين المسلم بمنزلة طهارة المستحاضة مع طهارة الأصحاء فإن سيلان الدم الذي هو ناقض للطهارة موجود مع طهارة المستحاضة ، ولكنه غير عامل في الوقت ومع هذا لا تكون طهارتها طهارة الأصحاء حتى لا تصلح لإمامة الأصحاء وهذا بخلاف المال فإنه يجب القطع بسرقة مال الذمي ; لأن المبيح ، وهو الكفر ليس في المال ، وإنما هو في النفس ، فهو نظير حقيقة الإباحة بسبب القضاء بالرجم فإنه لا يكون مؤثرا في المال حتى يجب القطع بسرقة ماله ولا يجب القصاص على أحد بقتله ; ولهذا أوجب القطع بسرقة مال المستأمن أيضا .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.27 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.64 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]