
27-12-2025, 08:24 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,794
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس والعشرون
صـــ72 الى صـــ 81
(528)
وحجتنا في ذلك حديث علي رضي الله عنه فإن ما نقل عنه في هذا الباب كالمرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأن ذلك لا يستدرك بالرأي ، والمعنى فيه أنه فوت عليه جمالا كاملا فيلزمه كمال الدية كما لو قطع الأذنين الشاخصتين ، وبيان ذلك أن في اللحية جمالا كاملا في أوانه ، وكذلك في شعر الرأس جمال كامل .
( ألا ترى ) أن من عدم ذلك خلقة تكلف لستره ، وإخفائه ، ولا شك أن في شعر الرأس جمالا كاملا ، وبعض المنفعة أيضا فما يحصل لها بالجمال من المنفعة أعظم وجوه المنفعة ، وكذلك في اللحية ، والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : إن لله تعالى ملائكة تسبيحهم سبحان من زين الرجال باللحى والنساء بالقرون والذوائب } ثم تفويت المنفعة يوجب كمال الدية كما إذا ضرب على ظهره حتى انقطع ماؤه فكذلك تفويت الجمال الكامل يوجب كمال الدية ; لأن الغرض للعقلاء في الجمال أكثر مما هو في المنفعة بخلاف شعر الصدر ، والساق فليس في حلقه تفويت جمال كامل فلهذا لم يؤثر ذلك في النقصان فلا يجب شيء .
فأما في لحية العبد فروايتان روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب كمال القيمة ، وفي ظاهر الرواية يجب نقصان القيمة ، وهو نظير الروايتين في قطع الأذنين الشاخصتين من العبد ففي رواية الحسن قال : القيمة في العبد كالدية في الحر فما يجب بتفويته كمال الدية في الحر يجب بتفويته كمال القيمة في العبد ، وفي ظاهر الرواية قال : الجمال غير مقصود للمولى من عبده ، وإنما المقصود منفعة الاستخدام وبحلق لحيته أو قطع الأذنين الشاخصتين منه لا يفوت هذا المقصود ; فلهذا لا يجب به كمال القيمة فأما الجمال فمقصود في الأحرار وبتفويته يجب كمال الدية ، وتكلموا في حلق لحية الكوسج ، والأصح في ذلك ما فصلهأبو جعفر الهندواني رحمه الله إن كان الثابت على ذقنه شعرات معدودة فليس في حلق ذلك شيء ; لأن وجود ذلك لا يزينه ، وربما يشينه ، وإن [ ص: 73 ] كان أكثر من ذلك فكان على الذقن ، والخد جميعا ، ولكنه غير متصل ففيه حكومة عدل ; لأن في هذا بعض الجمال ، ولكنه ليس بكامل فيجب بتفويته حكومة عدل ، وإن كان متصلا ففيه كمال الدية ; لأنه ليس بكوسج ، وفي لحيته معنى الجمال الكامل ، وهذا كله إذا فسد المنبت فإن نبت حتى استوى كما كان لا يجب فيه شيء ; لأنه لم يبق لفعل الجاني أثر فهو بمنزلة الضربة التي لا يبقى أثرها في البدن ، ولكنه يؤدب على ذلك ; لارتكاب ما لا يحل له ، وإن نبتت بيضاء فقد ذكر في النوادر أن عند أبي حنيفة لا يلزمه شيء ; لأن الجمال يزداد ببياض شعر اللحية ، وعندهما يجب حكومة عدل ; لأن بياض الشعر جمال في أوانه ، فأما في غير أوانه فيشينه فيجب حكومة العدل باعتباره ، وقد بينا أن في أحد العينين نصف الدية ، ويستوي الجواب إن انخسفت أو ذهب بصرها ، وهي قائمة أو ابيضت حتى ذهب البصر ; لأن المنفعة المقصودة من العين تفوت في هذا كله ، وقيل : ذهاب البصر بمنزلة فوات العين فلا معتبر ببقائها بعدما ذهب البصر .
( ألا ترى ) أن من خنق إنسانا حتى مات عليه كمال الدية ، وإن كانت النفس باقية على حالها ، وكذلك اليد إذا شلت حتى لا ينتفع بها ففيها أرشها كاملا إما ; لأن الشلل دليل موتها أو لأن ما هو المقصود ، وهو منفعة البطش تحقق فواته بصفة الكمال فهو ، وما لو قطعت اليد سواء في إيجاب الأرش .
قال : وفي الموضحة نصف عشر الدية ، والكلام في معرفة الشجاج أن يقول : الشجاج الحارصة ، وهي التي تشق الجلد ومنه يقال : حرص القصار الثوب ثم الدامعة ، وهي التي يخرج منها قدر الدمع من الدم ثم الدامية ، وهي التي يخرج منها قدر الدمع من الدم ثم الباضعة ، وهي التي تبضع بعض اللحم ثم المتلاحمة ، وهي التي تقطع أكثر اللحم .
وروي عن محمد رحمه الله أن المتلاحمة قبل الباضعة ، وهو اختلاف في مأخذ الكلم لا في الحكم فمحمد رحمه الله ذهب إلى أن المتلاحمة مأخوذة من قولك التحم الشيئان إذا اتصل أحدهما بالآخر ، والمتلاحمة ما تظهر اللحم ، ولا تقطعه ، والباضعة بعدها ، وفي ظاهر الرواية المتلاحمة : ما تعمل في قطع أكثر اللحم فهي بعد الباضعة ثم السمحاق : وهي التي تقطع اللحم وتظهر الجلدة الرقيقة بين اللحم ، والعظم فتلك الجلدة تسمى سمحاقا ، ومنه سمي العظم الرقيق سماحيق ثم الموضحة ، وهي التي توضح العظم حتى يبدو ثم الهاشمة : وهي التي تكسر العظم ثم المنقلة ، وهي التي يخرج منها العظم أو تجعل العظم كالنقلة ، وهي كالحصى ثم الآمة ، وهي التي تظهر الجلد بين العظم ، والدماغ ، وتسمى تلك الجلدة أم الرأس ثم الدامغة ، وهي التي تجرح الدماغ إلا أن محمدا رحمه الله لم يذكر الدامغة ; لأن النفس لا تبقى [ ص: 74 ] بعدها عادة فيكون ذلك قتلا لا شجة ، ولم يذكر الحارصة ، والدامية ; لأن الظاهر أنه لا يبقى لهما أثر ، وبدون بقاء الأثر لا يجب شيء .
فأما بيان الأحكام فنقول : أما في الموضحة : فيجب نصف عشر الدية هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : في الموضحة خمس من الإبل ، وهكذا روي في حديث عمرو بن حزم ، وفيما يرويه سعيد بن المسيب ، وهذا إذا كانت الموضحة خطأ فإن كانت عمدا ففيها القصاص ; لأن اعتبار المساواة فيها ممكن فإن عملها في اللحم دون العظم ، والجنايات فيما دون النفس توجب القصاص إذا أمكن اعتبار المساواة فيها ، فأما قبل الموضحة من الشجاج ففيها حكومة عدل إذا كانت خطأ ، وكذلك إن كانت عمدا في رواية الحسن عن أبي حنيفة فإنه لا قصاص فيما دون الموضحة ; لأنه يتعذر اعتبار المساواة فيها من حيث المقدار فربما يبقى من أثر فعل الثاني فوق ما يبقى من أثر فعل الأول ، وفي ظاهر الرواية يقول : فيها القصاص ; لأن عملها في الجلد أعظم ، والمساواة فيها ممكنة بأن يسبر غورها بالمسبار ثم يتخذ حديدة بقدر ذلك فيقطع بها مقدار ما قطع ، وإيجاب حكومة العدل في هذه الشجاج مروي عن إبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز رحمهما الله قالا ما دون الموضحة من الشجاج بمنزلة الخدوش ففيها حكومة عدل .
وقد جاء في الحديث أن عليا رضي الله عنه قضى في السمحاق بأربع من الإبل ، وإنما يحمل على أن ذلك كان مقدار حكومة عدل ثم اختلف المتأخرون من مشايخنا رحمهم الله في معرفة حكومة العدل فقال الطحاوي السبيل في ذلك أن يقوم لو كان مملوكا بدون هذا الأثر ويقوم مع هذا الأثر ثم ينظر إلى تفاوت ما بين القيمتين كم هو ؟ فإن كان بقدر نصف العشر يجب نصف عشر الدية ، وإن كان بقدر ربع العشر يجب ربع عشر الدية ، وكان الكرخي يقول : هذا غير صحيح فربما يكون نقصان القيمة بالشجاج التي قبل الموضحة أكثر من نصف العشر ، فيؤدي هذا القول إلى أن يوجب في هذه الشجاج من الدية فوق ما أوجبه الشرع في الموضحة ، وذلك لا يجوز ، ولكن الصحيح أن ينظر كم مقدار هذه الشجة من نصف عشر الدية ؟ لأن وجوب نصف عشر الدية ثابت بالنص وما لا نص فيه يرد إلى المنصوص عليه باعتبار المعنى فيه .
فأما في الهاشمة عشر الدية ، وفي المنقلة عشر ونصف عشر الدية ، وفي الآمة ثلث الدية وتسمى المأمومة أيضا ، وذلك فيما كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم قال { في الهاشمة عشر من الإبل ، وفي المنقلة خمسة عشر ، وفي الآمة ثلث الدية } ، والجائفة كالآمة يجب فيها ثلث الدية ; لأن الجائفة واصلة إلى أحد الجوفين ، وهو جوف البطن فتكون كالواصلة [ ص: 75 ] إلى جوف الرأس ، وهي الدماغ ، وإن نفذت الجائفة ففيها ثلث الدية ; لأنها بمنزلة الجائفتين أحدهما من جانب البطن ، والأخرى من جانب الظهر فيجب في كل واحدة منهما ثلث الدية ، وفي كل مفصل من الأصابع ثلث دية الأصبع إذا كان فيها ثلاثة مفاصل وإن كان فيها مفصلان ففي كل مفصل نصف دية الأصبع ; لأن المفاصل للأصبع كالأصابع لليد فكما أن دية اليد تتوزع على الأصابع على التساوي فكذلك دية الأصبع تتوزع على المفاصل على التساوي ، فالأصبع إذا كانت ذات مفصلين كالإبهام فإنه يجب في كل مفصل نصف دية الأصبع ، وإذا كانت ذات ثلاثة مفاصل ففي كل مفصل ثلث دية الأصبع ، وذلك مروي عن علي وابن عباس قالا لا يفضل شيء منها على شيء وابن مسعود قال في دية الخطأ أخماسا عشرون جذعة وعشرون حقة وعشرون بنت لبون وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض .
والكلام هاهنا في فصول : أحدها : أنه لا خلاف أن الدية من الإبل مائة على ما قال رسول الله عليه السلام { في النفس المؤمنة مائة من الإبل } ، واختلفوا في أن الدراهم ، والدنانير في الدية أصل أم باعتبار قيمة الإبل ، فالمذهب عندنا أنهما أصل ، وفي قول الشافعي يدخلان على وجه قيمة الإبل وتتفاوت بتفاوت قيمة الإبل ويحكى عن أبي بكر الرازي أنه كان يقول : أولا وجوبهما على سبيل قيمة الإبل ، ولكنهما قيمة مقدرة شرعا بالنص فلا يزاد عليها ، ولا ينقص عنها ثم رجع عن ذلك ، وقال : هما أصلان في الدية ، واحتج الشافعي رضي الله عنه بحديث الزهري قال : { كانت الدية على عهد رسول الله عليه السلام مائة من الإبل قيمة كل بعير أوقية ثم غلب الإبل فصارت قيمة كل بعير أوقية ونصفا ثم غلبت فصارت قيمة كل بعير أوقيتين فما زالت تعلو حتى جعلها عمر عشرة آلاف درهم أو ألف دينار } ، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن { النبي عليه السلام قضى في الدية بمائة من الإبل قيمتها أربعة آلاف درهم أو أربعمائة دينار . }
وحجتنا في ذلك حديث سعيد بن المسيب أن النبي عليه السلام قال : { دية كل ذي عمد في عمده ألف دينار } وذكر الشعبي عن عبيدة السلماني أن عمر بن الخطاب لما دون الدواوين جعل الدية على أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم وقضاؤه ذلك كان بمحضر من الصحابة ، ولم ينكر عليه أحد فحل محل الإجماع منهم .
والمعنى فيه : أن للقاضي أن يقضي بالدية من الدراهم أو الدنانير مؤجلا في ثلاث سنين فلو كان الأصل في الدية الإبل ، وهي دين ، والدراهم ، والدنانير بدل عنها كان هذا دينا بدين ونسيئة بنسيئة ، وذلك حرام شرعا [ ص: 76 ] يوضحه : أن الآدمي حيوان مضمون بالقيمة كسائر الحيوانات ، والأصل في القيمة الدراهم ، والدنانير إلا أن القضاء بالإبل كان بطريق التيسير عليهم ; لأنهم كانوا أرباب الإبل ، وكانت النقود تتعسر منهم ; ولأنهم كانوا يستوفون الدية على أظهر الوجوه ; ليندفع بها بعض الشر عنهم ، وذلك في الإبل أظهر منه في النقود فكانت بخلاف القياس بهذا المعنى ، ولكن لا يسقط بها ما هو الأصل في قيمة المتلفات .
ثم لا خلاف أن الدية في الخطأ من الإبل تجب أخماسا كما ذكره ابن مسعود ، والسن الخامس عندنا ابن مخاض وعند الشافعي ابن لبون فمذهبنا مروي عن عمر وزيد وابن مسعود رضي الله عنهم ، واحتج الشافعي بما روي { أن النبي عليه السلام قضى في الدية بمائة من إبل الصدقة } يعني من الأسنان التي تؤخذ في الصدقة ، وابن مخاض لا مدخل له في الصدقة ، ولابن اللبون مدخل قال عليه السلام { في خمس وعشرين بنت مخاض فإن لم يكن فابن لبون } .
وحجتنا في ذلك حديث حذيفة بن مالك الطائي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { دية الخطأ أخماس عشرون جذعة وعشرون بنت لبون وعشرون بنت مخاض ، عشرون ابن مخاض } وقال عليه السلام : { في النفس المؤمنة مائة من الإبل } ، واسم الإبل مطلقا يتناول أدنى ما يكون منه وابن المخاض أدنى من ابن اللبون ; ولأن الشرع جعل ابن اللبون بمنزلة بنت المخاض في الزكاة فإيجاب ابن اللبون هاهنا في معنى إيجاب أربعين من بنت المخاض ، وذلك لا يجوز بالإجماع فأما الحديث الذي رواه فالمراد إعطاء الدية من إبل الصدقة على وجه التبرع عن عاقلة القاتل لحاجتهم لا أن يكون المراد من الأسنان التي توجد في الصدقة ثم ابن المخاض يدخل في الصدقة عندنا على الوجه الذي يدخل ابن اللبون ; لأن ابن اللبون عندنا يستوفى باعتبار القيمة فكذلك ابن المخاض ، وأما في شبه العمد فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف تجب مائة من الإبل أرباعا خمسة وعشرون ابنة مخاض وخمس وعشرون بنت ابن لبون وخمسة وعشرون حقة وخمسة وعشرون جذعة ، وهو قول ابن مسعود وقال الشافعي ومحمد : تجب أثلاثا ثلاثون حقة وثلاثون جذعة ، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل وكلها خلفة ، والخلفة هي الحامل وهو قول عمر وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري وقال علي رضي الله عنه : تجب أثلاثا ثلاثة وثلاثون حقة وثلاثة وثلاثون جذعة ، وأربعة وثلاثون خلفة .
وقال عثمان رضي الله عنه تجب أثلاثا من هذه الأسنان من كل سن ثلاثة وثلاثون واحتج محمد والشافعي لحديث النعمان بن بشير أن النبي عليه السلام قال في خطبة عام حجة الوداع [ ص: 77 ] { ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط ، والعصا فيه مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها } ، وعن عمر أنه قضى بذلك في شبه العمد وقضاؤه كان بمحضر من الصحابة وأبو حنيفة ، وأبو يوسف احتجا بحديث السائب بن يزيد { أن النبي عليه السلام قضى في الدية بمائة من الإبل أرباعا } ، ومعلوم أنه لم يرد به الخطأ ; لأنها في الخطأ تجب أخماسا فعرفنا أن المراد به شبه العمد ، وقال : { في النفس المؤمنة مائة من الإبل } ، والمراد به أدنى ما يكون منه وما قلناه أدنى ، والمعنى فيه أنه إنما تجب الدية عوضا عن المقتول ، والحامل لا يجوز أن تستحق في شيء من المعاوضات فكذلك لا تستحق في الدية لوجهين أحدهما : أن صفة الحمل لا يمكن الوقوف على حقيقتها ، والثاني : أن الجنين من وجه كالمنفصل فيكون هذا في معنى إيجاب الزيادة على المائة عددا ، وبالاتفاق صفة التغليظ ليست من حيث العدد بل من حيث السن ثم الديات تعتبر بالصدقات .
والشرع نهى عن أخذ الحوامل في الصدقات ; لأنها كرائم أموال الناس فكذلك في الديات ، وهذا ; لأن شبه العمد يجب على العاقلة بطريق الصلة منهم للقاتل بمنزلة الصدقات فأما الحديث الذي روي فلا يكاد يصح ; لأن ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع كان بمحضر من جماعة من الصحابة ولم يرو هذا الحديث إلا النعمان بن بشير وهو في ذلك الوقت كان في عداد الصبيان ، وقد خفي الحديث على كبار الصحابة حتى اختلفوا بينهم على أقاويل كما بينا ، ولم تجر المحاجة بينهم بالحديث فلو كان صحيحا لما اختلفوا مع هذا النص ، ولا احتج به بعضهم على بعض ، ومن أصل أبي حنيفة أن العام المتفق على قبوله أولى بالأخذ به من مثل هذا الخاص ، ولا خلاف أن صفة التغليظ في الدية لا تثبت إلا في أسنان الإبل ، وبه يستدل الشافعي على أن الأصل في الدية الإبل فقط ، ولكنا نقول : ما عرفنا صفة التغليظ إلا بالنص فإن الدية بدل عن المتلف ، ولا يختلف التلف بالخطأ وشبه العمد ، وإنما تثبت صفة التغليظ بما ورد به الشرع خاصة قال : وبلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جعل الدية على أهل الإبل مائة ، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم ، وعلى أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الشاة ألفي شاة ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة ، والحلة : اسم لثوبين ، وبه نأخذ فنقول : الدية من الدراهم تتقدر بعشرة آلاف درهم مما تكون الفضة فيها غالبة على الغش ، وقد بينا ذلك في كتاب السرقة وقال مالك والشافعي : من الدراهم اثنا عشر ألف درهم ; لحديث أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال { : من سبح في كل يوم وليلة مثل ديته اثني عشر ألف تسبيحة [ ص: 78 ] فكأنما حرر رقبة من ولد إسماعيل . }
وفي كتاب عمرو بن حزم { أن النبي عليه السلام جعل الدية من الدراهم اثني عشر ألفا } ولأنه لا خلاف أنها من الدنانير ألف دينار ، وكانت قيمة كل دينار على عهد رسول الله عليه السلام اثني عشر درهما بيانه في حديث السرقة فإنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم بعدما قال : القطع في ربع دينار ، وإنما يكون ثلاثة دراهم ربع دينار إذا كانت قيمة كل درهم اثني عشر درهما .
وحجتنا في ذلك حديث دحيم { أن رجلا قطع يد رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى عليه بنصف الدية خمسة آلاف درهم } ، وقضى عمر رضي الله عنه في تقدير الدية بعشرة آلاف وقد كان بمحضر من الصحابة ولم يحتج عليه أحد منهم بحديث بخلاف ذلك فلو كان فيه حديث صحيح خلاف ما قضى به عمر لما خفي عليهم ، ولما تركوا المحاجة به ثم المقادير لا تعرف بالرأي فما نقل عن عمر من التقدير بعشرة آلاف درهم ، ومساعدة الصحابة معه على ذلك بمنزلة اتفاق جماعتهم على رواية هذا المقدار عن صاحب الشرع عليه السلام ; ولأن الدية من الدنانير ألف دينار ، وقد كانت قيمة كل دينار على عهد رسول الله عليه السلام عشرة دراهم بدليل النص المروي في نصاب السرقة حيث قال : { لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم } وقال علي رضي الله عنه حين ضجر من أصحابه : ليت لي بكل عشرة من أهل العراق واحدا من أهل الشام صرف الدنانير بالدراهم ، ونصاب الزكاة منهما على أن قيمة كل دينار كانت عشرة دراهم ثم أبو يوسف ومحمد رحمهما الله أخذا بظاهر حديث عمر وقالا : الدية من الأصناف الستة فإن عمر رضي الله عنه جعلها من هذه الأصناف ، وقدر كل صنف منه بمقدار ومعلوم أنه ما كان يتفق القضاء بذلك كله في وقت واحد فعرفنا أن المراد بيان المقدار من كل صنف .
وأبو حنيفة قال : الدية من الإبل ، والدراهم ، والدنانير وقد اشتهرت الآثار بذلك عن رسول الله عليه السلام ، وإنما أخذ عمر من البقر ، والغنم ، والحلل في الابتداء ; لأنها كانت أموالهم فكان الأداء منها أيسر عليهم ، وأخذها بطريق التيسير عليهم فظن الراوي أن ذلك كان منه على وجه بيان التقدير للدية في هذه الأصناف فلما صارت الدواوين ، والإعطاءات جل أموالهم الدراهم ، والدنانير ، والإبل فقضى بالدية منها ثم لا مدخل للبقر ، والغنم في قيمة المتلفات أصلا فهي بمنزلة الدور ، والعبيد ، والجواري ، وهكذا كان ينبغي أن لا تدخل الإبل إلا أن الآثار اشتهرت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركنا القياس بذلك في الإبل خاصة ، وقد ذكرنا في كتاب المعاقل ما يدل على أن قول أبي حنيفة كقولهما فإنه قال : لو صالح [ ص: 79 ] الولي من الدية على أكثر من ألفي شاة أو على أكثر من مائتي بقرة أو على أكثر من مائتي حلة لا يجوز الصلح فهذا دليل على أن هذه الأصناف في الدية أصول مقدرة عنده كما هي عندهما .
قال وبلغنا عن علي أنه قال في دية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس ، وما دونها وبه نأخذ وقال ابن مسعود هكذا إلا في أرش الموضحة ، وأرش السن فإنها تستوي في ذلك بالرجل ، وكان زيد بن ثابت يقول : إنها تعادل الرجل إلى ثلث ديتها يعني إذا كان الأرش بقدر ثلث الدية أو دون ذلك فالرجل ، والمرأة فيه سواء ، فإن زاد على الثلث فحينئذ حالها فيه على النصف من حال الرجل ، وبيانه فيما حكي عن ربيعة قال : قلت لسعيد بن المسيب ما تقول فيمن قطع أصبع امرأة ؟ قال عليه عشر من الإبل قلت فإن قطع أصبعين منها ؟ قال : عليه عشرون من الإبل قلت فإن قطع ثلاثة أصابع ؟ قال : عليه ثلاثون من الإبل قلت فإن قطع أربعة أصابع منه ؟ قال : عليه عشرون من الإبل قلت سبحان الله لما كثر ألمها واشتد مصابها قل أرشها قال : أأعرابي أنت فقلت لا بل جاهل مسترشد أو عاقل مستفت فقال : إنه السنة .
فبهذا أخذ الشافعي ، وقال : السنة إذا أطلقت فالمراد بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروون حديثا أن النبي عليه السلام قال { : تعادل المرأة الرجل إلى ثلث الدية } وحجتنا في ذلك ما ذكره ربيعة فإنه لو وجب بقطع ثلاثة أصابع منها ثلاثون من الإبل ما سقط بقطع الأصبع الرابع عشر من الواجب ; لأن تأثير القطع في إيجاب الأرش لا في إسقاطه فهذا معنى يحيله العقل ثم بالإجماع بدل نصفها على النصف من بدل نفس الرجل ، والأطراف تابعة للنفس ، وإنما تكون تابعة إذا أخذنا حكمها من حكم النفس إلا إذا أفردناها بحكم آخر ، وقول سعيد : إنه السنة يعني سنة زيد ، وقد أفتى كبار الصحابة بخلافه ، والحديث الذي رووا نادر ، ومثل هذا الحكم الذي يحيله عقل كل عاقل لا يمكن إثباته بالشاذ النادر .
وأما ابن مسعود فكان يقول : في التسوية بينهما في أرش السن ، والموضحة استدلالا بما { قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين فإنه قضى بغرة عبد أو أمة قيمتها خمسمائة } ويسوي بين الذكر ، والأنثى في ذلك ، وبدل الجنين نصف عشر الدية فلهذا سوى بينهما في مقدار نصف عشر الدية ، وذلك أرش السن ، والموضحة ، ولكنا نقول في الجنين : إنما قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنه يتعذر الوقوف على صفة الذكورة ، والأنوثة في الجنين خصوصا إذا لم يتم خلقه ; ولأن الوجوب هناك باعتبار قطع السر فقط ، والذكر ، والأنثى في ذلك سواء ، وهاهنا الوجوب باعتبار صفة المالكية ، وحال [ ص: 80 ] الأنثى فيه على النصف من حال الذكر فالذكر أهل لمالكية النكاح ، والمال جميعا ، والأنثى أهل لمالكية المال دون النكاح على ما نبينه ، وفي هذا أرش الموضحة ، وما زاد على ذلك سواء .
قال : وفي ذكر الخصي ولسان الأخرس ، واليد الشلاء ، والرجل العرجاء ، والعين القائمة العور ، والسن السوداء وذكر العنين حكم عدل بلغنا ذلك عن إبراهيم ; وهذا لأن إيجاب كمال الأرش في هذه الأعضاء باعتبار تفويت المنفعة الكاملة ، وذلك لا يوجد ; لأن منافع هذه الأعضاء كانت فائتة قبل جنايته .
( ألا ترى ) أن من ضرب على يد إنسان حتى شلت أو على عينه حتى ذهب بصره يجب عليه الأرش فلولا تفويت المنفعة لما حل بها لما لزمه كمال الأرش ، فلو أوجبنا بالقطع بعد ذلك أرشا كاملا مرة أخرى أدى إلى إيجاب أرشين كاملين عن عضو واحد وقال مالك رضي الله عنه يجب في هذه المواضع الأرش كاملا ، ونقول : في قطعها تفويت الجمال الكامل ، والجمال مطلوب من الآدمي كالمنفعة بل الجمال يرغب فيه العقلاء فوق رغبتهم في المنفعة ، ولكنا نقول : في الأعضاء التي يكون فيها المقصود المنفعة ، والجمال تبع فباعتباره لا تتكامل الجناية في الأرش .
ثم في العين القائمة العوراء جمال عند من لا يعرف حقيقة الحال فأما عند من يعرف ذلك فلا ، فعرفنا أن معنى الحال في هذه الأعضاء غير كاملة بعد فوات المنفعة فلوجود بعض الجمال فيها أوجبنا حكم عدل فلانعدام الكمال فيها لا يوجب كمال الأرش ، وفي الضلع حكم عدل ، وفي الساعد إذا كسر أو كسر أحد الزندين حكم عدل ، وفي الساق إذا انكسرت حكم عدل ، وفي الترقوة حكم عدل على قدر الجراحة .
والحاصل أنه لا قصاص في شيء من العظام إذا كسرت إلا في السن خاصة لقوله صلى الله عليه وسلم { لا قصاص في العظم } ; لأن القصاص ينبني على المساواة ، ولا تتحقق المساواة في كسر العظم ; لأنه لا ينكسر من الموضع الذي يراد كسره ، وبدون اعتبار المماثلة لا يجب القصاص فإذا تعذر إيجاب القصاص ، وليس فيها أرش مقدر كان الواجب فيها حكم عدل فأما في السن فيجب القصاص ، وهو مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى في القصاص في السن وبين الأطباء كلاما في السن أنه عظم أو طرف عصب يابس فمنهم من ينكر كون السن عظما ; لأنه يحدث وينمو بعد تمام الخلقة ويلين بالحل فعلى هذا لا حاجة إلى الفرق بينه وبين سائر العظام متى ثبت أنه ليس بعظم ولئن قلنا : إنه عظم ، وفي سائر العظام لتعذر اعتبار المساواة لا يجب القصاص ، وذلك لا يوجد هاهنا ; لأنه يمكن أن يبرد بالمبرد بقدر ما كسر منه ، وكذلك إن كان قلع السن فإنه لا يقلع منه قصاصا لتعذر اعتبار المماثلة فيه فربما تفسد [ ص: 81 ] به لهاته ولكن يبرد بالمبرد إلى موضع أصل السن فأما إذا كان خطأ فالواجب فيه الأرش كما بينا ، وهو المعنى في الفرق بينه وبين سائر العظام ; لأنه ليس لسائر العظام أرش مقدر ، وإنما يجب القصاص فيما يكون له أرش مقدر شرعا ولهذا قلنا في أصح الروايتين على ما ذكره الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله : أنه لا قصاص فيما دون الموضحة ; لأنه ليس فيه أرش مقدر شرعا ثم إن - ضرب على سنه حتى اسودت أو احمرت أو اخضرت فعليه أرش السن كاملا ; لأن الجمال ، والمنفعة يفوت بذلك .
وقال : السواد في السن دليل موتها فإذا اصفرت فقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله أن فيها حكم عدل وذكر هشام في نوادره عن محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله أن فيها حكم عدل ، وفي الحر لا شيء ، وفي المملوك حكم عدل وعن محمد رحمه الله فيها حكم عدل ، وهو قول أبي يوسف ; لأن الجمال على الكمال في بياض السن فبالصفرة ينقص معنى الجمال فيها ، ولهذا يجب في المملوك حكم عدل فكذلك في الحر وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الصفرة من ألوان السن فلا يكون دليل موت السن ، والمطلوب بالسن في الإحراز المنفعة ، وهي قائمة بعدما اصفرت فأما حق المولى في المملوك فالمالية وقد تنتقص باصفرار السن وعلى هذا لو قلع سن فنبتت صفراء أو نبتت كما كانت فلا شيء عليه في ظاهر الرواية ; لأن وجوب الأرش باعتبار فساد المنبت ، وحين نبتت كما كانت عرفنا أنه ما فسد المنبت ثم وجوب الأرش باعتبار بقاء الأثر ، ولم يبق أثر حين نبتت كما كانت ، وقد روي عن محمد في الجراحات التي تندمل على وجه لا يبقى لها أثر تجب حكومة بقدر ما لحقه من الألم ، وعن أبي يوسف رحمه الله يرجع على الجاني بقدر ما احتاج إليه من ثمن الدواء وأجرة الأطباء حتى اندملت وأبو حنيفة رحمه الله قال : لا يجب شيء ; لأنه لا قيمة لمجرد الألم .
( ألا ترى ) أن من ضرب ضربة تألم بها ، ولم يؤثر فيه شيء لا يجب شيء أرأيت لو شتمه شتيمة أكان عليه أرش باعتبار إيلام حل فيه .
قال : وفي اليد إذا قطعت من نصف الساعد دية اليد وحكم عدل فيما بين الكف إلى الساعد ، وإن كان من المرفق كان في الذراع بعد دية اليد حكم عدل أكثر من ذلك ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يجب فيه إلا أرش اليد إذا قطعها من نصف الساعد ، وكذلك روى ابن سماعة عن أبي يوسف فيما إذا قطعها من المنكب أنه لا يجب إلا أرش اليد ، واحتج في ذلك بقوله عليه السلام { : وفي اليدين الدية وفي أحدهما نصف الدية } ، واليد : اسم للجارحة من رءوس الأصابع إلى الآباط وقد روينا في حديث عمران بن حارثة { أن النبي عليه السلام قضى [ ص: 82 ] على قاطع اليد بنصف الدية خمسة آلاف من غير تفصيل } .
وقد روي في بعض الروايات أنه قطعها من نصف الساعد ; ولأن الساعد ليس له أرش مقدر فيكون تبعا لما له أرش مقدر كالكف فإن بالإجماع يجب نصف الدية بقطع الأصابع ثم لو قطع الكف مع الأصابع لا يلزمه إلا نصف الدية ، وتجعل الكف تبعا للأصابع لهذا المعنى فكذلك إذا قطع من نصف الساعد أو المرفق أو المنكب ; لأنه ليس من هذه الأعضاء بدل مقدر سوى الأصابع .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|