
27-12-2025, 06:34 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,158
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس والعشرون
صـــ22 الى صـــ 31
(523)
( ألا ترى ) أن الجاني الذي ليس بمال لا يستحق نفسه باعتبار المالية ، وكذلك إذا كان مدبرا أو أم ولد ، وإنما يستحق نفس القن الذي هو محتمل للتمليك باعتبار المالية ، وكذلك إن كان المولى أذن له في التجارة فلم يلحقه دين حتى جنى جناية ثم لحقه الدين لأن استدامة الإذن بعد الجناية من المولى بمنزلة إنشائه ، وكذلك لو رآه يشتري ويبيع بعد الجناية فلم ينهه فسكوته عن النهي بمنزلة التصريح بالإذن له في التجارة ، وكذلك لو كان الدين لحقه قبل الجناية لم يرجع ولي الجناية على المولى بالقيمة لأنه ما استحقه بالجناية إلا وهو مشغول بالدين ، وإن كان لحقه ألف درهم قبل الجناية على المولى بالقيمة ; لأنه ما استحقه بالجناية إلا ، وهو مشغول بالدين ، وإن كان لحقه ألف درهم قبل الجناية ، وألف درهم بعد الجناية ، وقيمته ألف درهم ثم دفع العبد بالجناية بيع في الدينين جميعا فإن بيع أو فداه أصحاب الجناية بالدينين فإنهم يرجعون على المولى بنصف القيمة ، وهو حصة أصحاب الدين على الآخر اعتبارا لكل واحد من الدينين بما لو كان هو وحده ; وهذا لأن نصف الثمن الذي أخذه صاحب الدين الآخر إنما أخذه باستدامة الإذن من المولى بعد الجناية ; لأنه كان متمكنا من الحجر عليه ، ولو حجر عليه لم يلحقه الدين للآخر في حال رقه فلهذا صار المولى ضامنا لما وصل إلى صاحب الدين الآخر من مالية العبد ، فإن قيل : كيف يستقيم هذا ، ولو لم يلحقه الدين الآخر لم يسلم ; لأولياء الجناية شيء من ماليته أيضا ; لأن الدين الأول محيط بماليته فينبغي أن لا يضمن المولى لهم شيئا قلنا : نعم ، ولكن ما أخذه أصحاب الدين الآخر لا يسلم لهم إلا بعد سقوط حق صاحب الدين الأول عن ذلك .
وباعتبار سقوط حقه عنه هو [ ص: 23 ] سالم لصاحب الجناية لولا استدامة المولى الإذن له حتى لحقه الدين الآخر ، فلهذا ضمن المولى ذلك ; لصاحب الجناية .
وإذا قتل العبد المأذون أو المحجور رجلا خطأ ثم أقر عليه المولى بدين يستغرق رقبته فليس هذا باختيار منه ; لأن إقرار المولى عليه لا يمنعه من الدفع بالجناية فإن هذا الدين لا يكون أقوى من الدين الذي يلحقه بتصرفه فإن دفعه بيع في الدين إلا أن يفديه ولي الجناية ; لأن الدين ثبت عليه بإقرار المولى فاشتغلت ماليته بالدين .
كما لو رهن عبده الجاني ثم يرجع ولي الجناية على المولى بقيمته ; لما بينا أنه أتلف عليه ماليته باكتسابه سبب اشتغاله بحق المقر له بعد ما ثبت فيه حق ولي الجناية ، ولو كان المولى أقر عليه بقتل رجل خطأ ثم أقر عليه بقتل رجل خطأ ، وكذبه في ذلك أولياء الجناية الأولى فإنه يدفعه بالجنايتين أو يفديه ; لأن إقراره عليه بالجناية بمنزلة التصرف منه فيه .
وحق ولي الجناية فيه لا يمنع نفوذ تصرف المولى فما ثبت بإقراره من الجناية بمنزلة الثابت بالبينة أو بالمعاينة في حقه فيدفعه بالجنايتين فإن دفعه إليهما نصفين رجع أولياء الجناية الأولى على المولى بنصف قيمته ; لأنهم كانوا استحقوا جميع العبد بالجناية حين أقر لهم المولى بذلك ، ثم صار المولى متلفا عليهم نصف الرقبة بإقراره بالجناية الأخرى ، وقد تم ذلك الإتلاف بدفع النصف إلى المقر له فلهذا يغرم له نصف قيمته ، ولا يغرم للمقر له الثاني شيئا ; لأنه ما يثبت حقه إلا في النصف ، فإنه حين أقر له بالجناية كانت الجناية الأولى ثابتة ، وهي مزاحمة للأخرى فيمنع ثبوت حق المقر له الثاني فيما زاد على النصف ، وقد سلم نصف العبد ، وإن كان عليه دين يستغرق رقبته فأقر المولى عليه بجناية لم يجز إقراره لأن استغراق رقبته بالدين يمنع المولى من التصرف فيه والإقرار عليه بالجناية تصرف ، فلا يصح إلا أن يفديه من الدين فيزول المانع به ويصير كالمحدود ; لإقراره بعدما سقط الدين فيؤمر بأن يدفعه بالجناية أو يفديه .
ولو قتل العبد رجلا عمدا ، وعليه دين فصالح المولى صاحب الجناية منها على رقبة العبد فإن صلحه لا ينفذ على صاحب الدين ; لأنه يملك رقبته عوضا عما لا يتعلق به حق صاحب الدين ، ولو ملكه عوضا عما يتعلق به حقهم لم ينفذ عليهم كالبيع فهذا أولى .
ولكن ليس لصاحب الدم أن يقتله بعد ذلك ; لأن صلحه كعفوه ، وأكثر ما فيه أن البدل مستحق لصاحب الدين ، ولكن استحقاق البدل في الصلح من دم العمد لا يمنع سقوط القود ، ثم يباع العبد في دينه فإن بقي من ثمنه شيء بعد الدين كان لأصحاب الجناية ; لأن حكم البدل حكم المبدل ، وهم قد استحقوا نفس العبد بالصلح متى سقط صاحب الدين عنه .
( ألا ترى ) أنه لو أبرأه عن الدين كان العبد [ ص: 24 ] سالما لأصحاب الجناية ، فلذلك لم يسلم لهم ما يفرغ من بدله من حق صاحب الدين فإن لم يبق من ثمنه شيء فلا شيء لصاحب الجناية على المولى ولا على العبد في حال رقه ولا بعد العتق لأن المولى ما التزم لصاحب الجناية شيئا في ذمته بالصلح ، وإنما سلم للعبد القصاص بالعقد ، وهو لا يضمن بالمال عند الإتلاف ، فكذلك لا يضمنه العبد باحتباسه عنده أو سلامته له ، ولو لم يصالح ، ولكن عفا أحد أولياء الدم فإن المولى يدفع نصفه إلى الآخر أو يفديه ; لأن حق الذي أسقط لم يظهر في حق الذي لم يعف فهذا ، وما لو كانت الجناية خطأ في الابتداء سواء فيدفع المولى إليه نصيبه أو يفديه ثم يباع جميع العبد في الدين ; لأن حق الغريم لا يسقط عن مالية العبد بدفع جميعه بالجناية فكذلك بدفع نصفه .
ولو أقر العبد أنه قتل رجلا عمدا ، وعليه دين كان مصدقا في ذلك صدقه المولى أو كذبه ; لأن موجب إقراره استحقاقه دمه ، ودمه خالص حقه فإن العبد يبقى فيه على أصل الحرية ، ثم حق الغريم في ماليته لا يكون أقوى من ملك مولاه ، وملك المولى لا يمنع استحقاق دمه بإقراره على نفسه بالقود ، فكذلك حق الغريم ، وإن عفا أحد أولياء الجناية بطلت الجناية كلها ; لأن نصيب العافي قد سقط بالعقر ، ولو بقي نصيب الذي لم يعف لكان موجبه الدفع بمنزلة جناية الخطأ ، وإقرار العبد بالجناية خطأ باطل إذا كذبه المولى فيه ، فيباع في الدين إلا أن يفديه المولى بجميع الدين فإن فداه ، وقد صدق العبد بالجناية قيل له : ادفع النصف إلى الذي لم يعف ، وإن كان كذبه في ذلك كله ، فالعبد كله للمولى إذا فداه بالدين ; لأن حق الذي لم يعف غير ثابت في حق المولى إذا كذب العبد فيه .
وإذا وجد المأذون في دار مولاه قتيلا ، ولا دين عليه فدمه هدر ، وإن كان عليه دين كان على المولى في ماله حالا الأقل من قيمته ومن دينه بمنزلة ما لو قتل المولى القتيل بيده .
( ألا ترى ) أنه لو وجد عند الغير قتيلا في داره جعل كأنه قتله بيده فكذلك إذا وجد عنده قتيلا فيه ولو قتله بيده عمدا أو خطأ كان عليه الأقل من قيمته ، ومن الدين في ماله حالا ; لأن وجوب الضمان عليه باعتبار حق الغريم في المالية ، ولو وجد عبدا من عبيد المأذون قتيلا في دار المولى ، ولا دين على المأذون فدمه هدر لأنه مملوك للمولى بمنزلة رقبة المأذون ولأنه كالقاتل له بيده وإن كان على المأذون دين محيط بقيمته وكسبه فعلى المولى قيمته في ماله ثلاث سنين في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله ، وفي قولهما عليه قيمته حالا ، وإن كان الدين لا يحيط [ ص: 25 ] بجميع ذلك كانت القيمة حالة في قولهم جميعا بمنزلة ما لو قتله المولى بيده ، وهذا بناء على ما تقدم أن الدين إذا لم يكن محيطا فالمولى مالك لكسبه كما هو مالك ; لرقبته فيكون الضمان عليه لحق الغريم في ماليته ، وإن كان الدين محيطا فكذلك عندهما وعند أبي حنيفة هو لا يملك كسبه في هذه الحالة فقتله إياه بمنزلة قتله عند الأجنبي ، فتكون القيمة مؤجلة في ثلاث سنين ; لأن وجوبها باعتبار القتل ، ولكنها عليه في ماله ; لأنه من وجه كالمالك على معنى أنه يتمكن من استخلاصه لنفسه بقضاء الدين من موضع آخر فلا تعقله العاقلة ; لذلك .
وإن قتل المولى مكاتبه أو عبد مكاتبه عمدا أو خطأ أو وجد المكاتب قتيلا في دار مولاه يجب على المولى قيمة القتيل في ماله في ثلاث سنين ; لأن وجوب القيمة هاهنا باعتبار القتل ، فإن كسب المكاتب غير مملوك ، للمولى رقبته من وجه كالزائلة عن ملك المولى على ما عرف أن المكاتب صار بمنزلة الحر يدا فتجب على المولى القيمة بنفس القتل فتكون مؤجلة ، ولكنها تجب في ماله ; لأن رقبته مملوكة له من وجه أن له في كسبه حق الملك على معنى أنه يملكه حقيقة عند عجز المكاتب فلا تعقله العاقلة كذلك .
وهذا إذا كان في القيمة ، وفي تركته وفاء لمكاتبه ; لأنه حينئذ يبقي عقد الكتابة ويؤدي البدل من كسبه وبدل نفسه فيحكم بحريته فإن لم يكن وفاء فيهما فلا شيء على المولى في قتل مكاتبه ; لأن الكتابة انفسخت بموته عاجزا فتبين أنه قتل عبده ، ولا دين عليه .
ولو وجد المولى قتيلا في دار العبد المأذون كانت دية المولى على عاقلته في ثلاث سنين ; لورثته في قياس قول أبي حنيفة وفي قولهما دمه هدر ; لأن هذه الدار في حكم القتيل الموجود فيها بمنزلة دار أخرى للمولى حتى لو وجد فيها أجنبي قتيلا كانت ديته على عاقلة المولى فإذا وجد المولى قتيلا فيها فهذا رجل وجد قتيلا في دار نفسه ، وهذا الخلاف معروف فيما إذا وجد قتيلا في دار نفسه وسنبينه في كتاب الديات .
ولو وجد العبد قتيلا في دار نفسه ، ولا دين عليه فدمه هدر ; لأن داره مملوكة للمولى فكأنه وجد قتيلا في دار المولى ، وإن كان عليه دين فعلى المولى الأقل من قيمته ومن ديته حالا في ماله بمنزلة ما لو وجد قتيلا في دار أخرى للمولى لأن دار العبد في حكم القتيل الموجود فيها بمنزلة دار المولى فكذلك إذا وجد العبد فيها قتيلا ، وذكر في المأذون الصغير أن هذا استحسان سواء كان عليه دين أو لم يكن .
ولو وجد الغريم الذي له الدين قتيلا في دار العبد المأذون كانت ديته على عاقلة مولاه في ثلاث سنين ; لأنه في ملك داره كغيره من الأجانب ، وإنما حقه في دين ذمته متعلق بمالية كسبه .
[ ص: 26 ] وبذلك لا يختلف حكم جنايته عليه ثم لا يبطل دينه على العبد بمنزلة ما لو وجد قتيلا في دار أخرى للمولى وكذلك لو كان القتيل عبدا للغريم كانت قيمته على عاقلة المولى في ثلاث سنين عبده في ذلك كعبد غيره وإذا أذن المكاتب لعبده في التجارة فوجد في دار المأذون قتيل وعليه دين أو لا دين عليه فعلى المكاتب قيمة رقبته لأولياء القتيل في ماله حالة بمنزلة ما لو وجد قتيلا في دار أخرى من كسب المكاتب لأن المكاتب في كسبه بمنزلة الحر في ملكه فيصير كالجاني بيده وجناية المكاتب توجب الأقل من قيمته ومن أرش الجناية فهذا مثله ولو كان الذي وجد قتيلا في دار العبد هو المكاتب كان دمه هدرا كما لو وجد قتيلا في دار أخرى له وهذا لأنه يصير كالجاني على نفسه وأبو حنيفة رحمه الله يفرق بين المكاتب والحر في ذلك لأن موجب جناية الحر على العاقلة وموجب جناية المكاتب على نفسه فلا يستقيم أن يجب له على نفسه وسنقرر هذا الفرق في كتاب الديات إن شاء الله تعالى ولو كان المأذون هو الذي وجد قتيلا في داره كان على المكاتب الأقل من قيمته ومن قيمة المأذون في ماله حالا لغير المأذون لأن هذه الدار في حكم القتيل الموجود فيها كدار أخرى للمكاتب ولو وجد العبد قتيلا في دار أخرى للمكاتب كان المكاتب كالجاني عليه بيده فيلزمه أقل القيمتين في ماله حالا لغرمائه فكذلك إذا وجد في هذه الدار قتيلا والله أعلم بالصواب .
( قال رحمه الله ) : وليس للمأذون أن يكاتب عبده ; لأنه منفك الحجر عنه في التجارة ، والكتابة ليست بتجارة ، ولكنها عقد إرقاق يقصد بها الإعتاق ، والمأذون فيما ليس بتجارة كالمحجور كالتزويج ثم الفك بالكتابة فوق الفك الثابت بالإذن ، ولا يستفاد بالشيء ما هو فوقه في محل فيه حق الغير فإنه كاتبه ، وأجاز مولاه الكتابة جاز إذا لم يكن عليه دين ; لأن هذا عقد له منجز حال وقوعه فيتوقف على الإجازة ، فتكون الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء .
وبيانه أن كسب المأذون خالص ملك المولى يملك فيه مباشرة الكتابة فيملك فيه الإجازة ثم لا سبيل للعبد على قبض البدل بل كل ذلك إلى المولى ; لأن العبد نائب عنه كالوكيل ، والكتابة من العقود التي يكون العاقد فيها معتبرا ، فيكون قبض البدل إلى من نفذ العقد من جهته ، وإن دفعها المكاتب إلى العبد لم يبرأ إلا أن يوكله المولى بقبضها ; لأن العبد في حكم قبض [ ص: 27 ] بدل الكتابة كأجنبي آخر ، وكذلك إن لحقه دين بعد إجازة المولى الكتابة ; لأن بإجازته صار المملوك مكاتبا له ، وخرج من أن يكون كسبا لعبده فالدين الذي يلحق العبد فيه ذلك لا يتعلق برقبته ولا بكسبه كما لو أخذه المولى من يده ، وكاتبه أو لم يكاتبه ، ولو كان عليه دين كثير أو قليل فمكاتبته باطلة ، وإن أجازه المولى ; لأن المولى بالإجازة يخرج المكاتب من أن يكون كسبا للعبد ، وقيام الدين عليه يمنع المولى من ذلك قل الدين أو كثر كما لو أخذه من يده ، وعليه دين فإن لم يرد الكتابة حتى أداها فإن كان المولى لم يجزها لم يعتق ، ورد رقيقا للمأذون فبيع في دينه ، وصرف ما أخذه منه من المكاتبة في دينه . لأن الكتابة بدون إجازة المولى لغو ، وهو موقوف على إجازته فأداء بدل الكتابة في حال توقف العتق لا يوجب العتق له ، والعبد حين قبض البدل منه يصير كالمعتق له ، وإعتاقه لغو ، والمقبوض من إكسابه يصرف إلى دين المأذون مع رقبته بطريق البيع فيه .
وإن كان المولى أجاز المكاتبة وأمر العبد بقبضها ، وعلى العبد دين يحيط برقبته وبما في يده فأدى المكاتب المكاتبة فهذا ، والأول سواء في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأن المولى لا يملك كسبه حتى لا ينفذ منه مباشرة الكتابة والإعتاق فيه فلا يعمل إجازته أيضا ، ولا يعتق بقبض البدل منه كما لو أعتقه قصدا ، وفي قولهما هو حر ; لأن المولى يملك كسبه ، وإن كان دينه محيطا حتى لو أعتقه ينفذ عتقه ، فكذلك إذا أجاز مكاتبته ، وقبض البدل هو أو العبد بأمره يجعل كالمعتق له ، فيكون حرا والمولى ضامن لقيمته للغرماء .
لأن ماليته كانت حقا لهم وقد أتلفها المولى عليهم ، وكذلك المكاتبة التي قبضها المولى تؤخذ منه فتصرف إلى الغرماء ; لأنه أدى المكاتبة من كسبه ، والغرماء أحق بكسبه من المولى فلا يسلم ذلك للمولى ما بقي من دينهم ، ولو كان دين المأذون لا يحيط به ، وبما له عتق عندهم جميعا ; لأن إجازة المولى الكتابة كمباشرته ، ولو كاتبه وقبض البدل عتق فإن الدين إذا لم يكن محيطا لا يمنع ملكه ، ولا إعتاقه ثم يضمن قيمته للغرماء ، ويأخذ الغرماء المكاتبة التي قبضها المولى أو المأذون من دينهم ; لأن حقهم في كسبه ، ومالية رقبته مقدمة على حق المولى وقد أتلف المولى مالية رقبته بالإعتاق
. وليس للمأذون أن يكفل بنفس ولا مال ; لأن الكفالة من عقود التبرعات باعتبار أصل الوضع ، والتبرع ضد التجارة ، وانفكاك الحجر عنه في التجارة خاصة ، وهذا بخلاف التوكيل في الحجر بالشراء ; لأنه ليس بتبرع باعتبار أصل الوضع بل هو من عمل التجارة .
( ألا ترى ) أن التجار لا يتحرزون عن ذلك ، ويتحرزون عن الكفالة غاية التحرز ، وكذلك لا يهب ، ولا [ ص: 28 ] يتصدق بالدرهم والثوب ، وما أشبه ذلك ولا يعوض ما وهب له بغير شرط ; لأن هذا كله تبرع باعتبار أصل الوضع ، ولا يقرض ; لأنه تبرع قال عليه السلام : قرض مرتين صدقة مرة فإن أجاز المولى هذه التبرعات منه ، فإن لم يكن عليه دين فلا بأس به ، وإن كان عليه دين لم يجز شيء من ذلك ; لأن كسبه إذا لم يكن عليه دين فمالية رقبته ، ومنافعه كلها لمولاه فإجازته كمباشرته ، وإن كان عليه دين فحق الغرماء في ذلك مقدم على حق المولى فلهذا لا يجوز شيء من ذلك .
وإذا أهدى العبد المأذون هدية أو دعا رجلا إلى منزله فغذاه أو أعاره دابة يركبها أو ثوبا يلبسه فلا بأس به ، ولا ضمان فيه على الرجل إن هلك شيء من ذلك عنده كان على العبد دين أو لم يكن ، وفي القياس هذا كله باطل ; لأنه تبرع ، والعبد ليس من أهله ، ولكنه استحسن فقال : وهذا مما يصنعه التجار ، ولا يجدون منه بدا في التجارة فإنهم يحتاجون إلى استجلاب قلوب المهاجرين إلى أنفسهم ، وإعارة موضع الجلوس والوسادة ممن يأتيهم ; ليعاملهم فلو لم نجوز ذلك من المأذون لأدى إلى الحرج ، والحرج مدفوع وأيد هذا الاستحسان ما روينا { أن النبي عليه السلام كان يجيب دعوة المملوك وأن سلمان رضي الله عنه أهدى إلى النبي عليه السلام وهو مملوك فقبله وأكل أصحابه رضي الله عنهم وأتاه بصدقة فأمر أصحابه بأكلها ولم يأكل منها } ، وعن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن العبد يتصدق بشيء فقال : بالرغيف ونحوه وبه نأخذ فنقول : يتصدق المأذون بالطعام ، ولا يتصدق بالدراهم والكسوة ونحو ذلك ; لأن أمر الطعام مبني على التوسع ، ولهذا جاز للمرأة أن تتصدق بمثل ذلك من مال الزوج بدون استطلاع رأي الزوج فإن الناس لا يمتنعون من ذلك عادة ، والمكاتب في جميع ذلك كالعبد ; لأن الرق الحاجز له عن التبرعات قائم فيه إلا أن في حق المكاتب لا يجوز ذلك إلا بإذن المولى بخلاف المأذون إذا لم يكن عليه دين ; لأن كسب المأذون خالص كسب المولى والمولى ممنوع من كسب المأذون سواء كان عليه دين أو لم يكن .
ولو أعتق المأذون أمته على مال لم يجز ; لأن هذا التصرف ليس بتجارة فإن أجازه المولى جاز إن لم يكن عليه دين كما لو باشره بنفسه ، والمال دين للمولى عليها ، ولا يجوز قبض المأذون له منها ; لأنه في العقد كان معبرا عن المولى فهو في قبض البدل كأجنبي آخر ، وإن لحقه دين بعد إجازة المولى لم يكن للغريم في ذلك المال حق ; لأنه كسب حر فلا يتعلق به حق غرماء المأذون ، وإن كان على المأذون دين لا يحيط برقبته ، وبما في يده جاز العتق بإجازة المولى أيضا ; لكونه مالكا فيها ، وعليه قيمتها للغرماء . [ ص: 29 ] لأن حقهم في ماليتها ، وقد أتلفها المولى بالإجازة ثم المال عليها للمولى لا حق لغرماء المأذون في ذلك ، بخلاف ما تقدم من الكتابة ; لأن الأمة هاهنا تعتق بنفس القبول ، وما تكتسب بعد ذلك خالص ملكها فإنما يؤدي بدل الكتابة من كسب اكتسبه في حال رقه وحق الغرماء فيه مقدم على حق المولى ، وإن كان الدين يحيط بالمأذون ، وبما في يده فكذلك في قولهما وفي قول أبي حنيفة لا تعتق ; لأنه لا حق للمولى في كسب المأذون في هذه الحالة .
ولو تزوج المأذون امرأة حرة بغير إذن مولاه ودخل بها يفرق بينهما ; لأن النكاح ليس بتجارة فالمأذون فيه كالمحجور ، ولكن يلزمه المهر بالدخول بشبهة العقد إلا أنه لا يؤاخذ بالمهر حتى يعتق ; لأن هذا دين لزمه بسبب عقد هو غير مأذون فيه من جهة المولى ، فيؤخر إلى ما بعد العتق كدين الكفالة وقد بينا في النكاح أن المأذون لا يزوج عبده ، وإن في تزويجه أمته خلافا ، وللمأذون أن يدفع المال مضاربة بالنصف ; لأن له أن يستأجر أجيرا يعمل في ماله بأجر مضمون في ذمته ، والاستئجار للعمل ببعض الربح يكون أنفع له ، وهو من صنيع التجار ، وكذلك يأخذ مالا مضاربة بالنصف ; لأنه يشتري بثمن في ذمته ، ولا يرجع به على غيره ليستفيد الربح ، فلأن يملك الشراء على وجه يرجع فيه بالعهدة على غيره ، ويحصل الربح لنفسه كان أولى .
وإذا اشترك العبدان المأذون لهما في التجارة شركة عنان على أن يشتريا بالنقد والنسيئة بينهما لم يجز من ذلك النسيئة وجاز النقد ; لأن في النسيئة معنى الكفالة عن صاحبه ، والمأذون لا يملك الكفالة فهو بمنزلة ما لو اشتركا شركة مفاوضة ، فإن الشركة بينهما تكون عنانا لا مفاوضة لما فيها من معنى الكفالة ، فإن أذن لهما الموليان في الشركة على الشراء بالنقد والنسيئة ، ولا دين عليهما فهو جائز كما لو أذن لكل واحد منهما مولاه بالكفالة أو التوكيل بالشراء بالنسيئة .
وإذا اشترى المأذون ، وعليه دين أو لا دين عليه ثوبا بعشرة ، وباعه من مولاه بخمسة عشر لم يبعه المولى مرابحة إلا على عشرة ; لتمكن تهمة المسامحة في المعاملة بينه وبين المولى ، ولو كان المولى اشتراه بعشرة ثم باعه من العبد بخمسة عشر أو باعه من أمة لعبد مأذون لها في التجارة فتهمة المسامحة بينهما متمكنة ، وكذلك لو كان المأذون اشتراه ثم باعه من مكاتب للمولى أو عبد آخر له أو من عبد لمكاتب المولى أو من مضارب للمولى أو من مضارب المكاتب لم يبعه مرابحة إلا على أقل الثمنين ، ولو باعه من ابن المولى أو أبيه أو امرأته فكذلك في قول أبي حنيفة ; لتمكن التهمة بينه وبين من لا تجوز شهادته له ، وفي قولهما يبيعه مرابحة على خمسة عشر ; لأنه ليس للمولى [ ص: 30 ] في مال هؤلاء ملك ، ولا حق ملك ، وقد بينا هذا في البيوع ، والله أعلم .
( قال رحمه الله ) : وإذا جاء الرجل بالعبد إلى السوق فقال : هذا عبدي فبايعوه فقد أذنت له في التجارة فبايعوه ، وبايعه أيضا من لم يحضر هذا القول ، ولم يعلم فلحقه دين ثم علم أنه كان حرا أو استحقه رجل فعلى الذي أمرهم بمبايعته الأقل من قيمته ، ومن الدين للذين أمرهم بمبايعته ولسائرهم ; لأنه بما صنع صار غارا لهم فإن أمره إياهم بالمبايعة معه يكون تنصيصا على أنه يصرف ماليته إلى ديونهم إذا لحقه دين ، ويصير الآمر بمنزلة الكفيل لهم بذلك .
( ألا ترى ) أن العبد لو كان مملوكا له كما قاله كان حقهم ثابتا في ماليته ، وكان المولى كالكفيل لهم عن عبده بقدر مالية الرقبة فإذا تحقق معنى الغرور ثبت لهم حق الرجوع عليه بما وجد فيه الغرور أو الكفالة ، وهو الأقل من قيمته ، ومن ديونه ، ومن خاطبه بكلامه ولم يحضر مقالته ، ولم يعلم به في ذلك سواء ; لأن هذا حكم ينبني على ثبوت الإذن ، والإذن إذا كان عاما منتشرا يكون ثابتا في حق من علم به ، وفي حق من لا يعلم فكذلك الإذن ، وما ينبني عليه من الغرور والكفالة ، ويستوي إن كان قال فقد أذنت له في التجارة أو لم يقل ; لأنه لما قال : هذا عبدي فبايعوه فالغرور والكفالة تثبت بإضافته إلى نفسه ، وأمره إياهم بمبايعته فمن ضرورة ذلك الإذن له في التجارة .
ولا يضمن لهم شيئا من مكسوبه ; لأن الكسب لم يكن موجودا عند مقالة المولى ، ولا يدري أيحصل أم لا يحصل فلا يثبت فيه حكم الكفالة والغرور ، وإن شاءوا رجعوا بدينهم على الذي ولي مبايعتهم إن كان حرا ; لأنه باشر سبب التزام الدين وهو من أهله ، وإن كان عبدا لم يرجعوا عليه بشيء حتى يعتق ; لأن مولاه لم يرض بتصرفه وتعلق الدين بماليته ، وإن اختاروا ضمان المولى ثم توى ما عليه اتبعوا العبد بجميع دينهم إذا عتق ; لأن التزامه في ذمته صحيح ، والمولى كان كفيلا عنه بقدر مالية الرقبة فإذا لم يصل إليهم من جهة الكفيل كان لهم أن يرجعوا على الأصيل بجميع دينهم إذا عتق ، ولو لم يكن هذا ولكن العبد أقام البينة أن مولاه الذي أذن له كان دبره قبل أن يأذن أو كاتب أمه فإن قامت البينة أنها أم ولد له فهذا بمنزلة المستحق ; لأنه تعذر عليهم استيفاء ديونهم من مالية الرقبة ; لثبوت حق عتقه لهم عند مقالة المولى فنزل ذلك منزلة حق المستحق أو حقيقة الحرية إذا قامت البينة على حريتهم [ ص: 31 ] وإذا اختاروا أن يضمنوا المولى قيمة المدبر وأم الولد فلا سبيل لهم عليهما فيما بقي من دينهم حتى يعتقا ; لأن كسبهما ملك المولى وقد غرم المولى لهم مالية الرقبة فلا يبقى لهم سبيل على كسب هو مملوك له ، ولو جاء به إلى السوق فقال : عبدي هذا ، وقد أذنت له في التجارة ، ولم يقل بايعوه والمسألة بحالها لم يكن هذا غرورا ولم يلزم هذا الآذن ضمان شيء ; لأنه أخبرهم بخبر ، وما أمرهم بمباشرة عقد الضمان معه ، وحكم الغرور والكفالة لا يثبت بمجرد الخبر .
( ألا ترى ) أنه لو أخبر إنسانا بحرية امرأة فتزوجها فاستولدها ثم استحقت لم يرجع المغرور على المخبر بشيء ، ولو زوجها منه على أنها حرة ثم استحقت رجع على المزوج بما غرم من قيمة أولادها فالأمر بالمبايعة ههنا في حكم الغرور نظير التزويج هناك ، والإخبار بالملك والإذن هاهنا نظير الإخبار بالحرية هناك ، وإن قال : هذا عبدي فبايعوه في البز فإن قال : قد أذنت له في التجارة فبايعوه في غير البز والمسألة بحالها كان الآمر ضامنا للغرماء من دينهم ، ومن قيمة العبد ; لأن التقييد بالبز في الأمر بالمبايعة لغو على ما بينا أن فك الحجر لا يقبل التخصيص بنوع من التجارة فكان هذا ، والأمر بالمبايعة مطلقا سواء بخلاف ما إذا قال لحر : ما بايعت به من البز فلانا فهو علي فبايعه غيره في البز لا يجب على الكفيل منه شيء ; لأن الكفالة تقبل التخصيص ، وفك الحجر الثابت بالأمر بالمبايعة مع العبد لا يقبل التخصيص فلهذا كان ضامنا .
( أرأيت ) لو بايعوه في البز فاستقرض ثمن البز من رجل فقضى به الذين بايعوه أما كان للمقرض أن يرجع بدينه على الذي أمره بالمبايعة وهو مغرور في ذلك بمنزله الذين بايعوه في البز ( أرأيت ) لو اشترى بزا على أن يضمن الثمن عنه رجل فأدى الكفيل الذين بايعوه في البز أما كان للكفيل أن يرجع عليه بذلك .
وإذا أذن لعبده في التجارة ، ولم يأمر بمبايعته ثم إن المولى أمر رجلا بعينه أو قوما بأعيانهم بمبايعته فبايعوه مرة أخرى ، وقد علموا بأمر المولى فلحقه دين ثم استحق أو وجد حرا أو مدبرا فللذين أمرهم المولى عليه بمبايعته الأقل من حصتهم من قيمة العبد ، ومن دينهم ، وأما الآخرون فلا شيء لهم على المولى من ذلك ; لأن الغرور ثبت باعتبار الأمر بالمبايعة دون الإذن في التجارة والأمر بالمبايعة كان لخاص فلا يتعدى حكمه إلى غيره بخلاف الأول ، فالأمر بالمبايعة هناك عام منتشر ، وهذا نظير الحجر بعد الإذن العام فإنه إذا نهى واحدا أو اثنين عن مبايعته لا يثبت حكم ذلك النهي في حق سائر الناس ، وإذا كان النهي عاما منتشرا يثبت حكمه في حق كل من علم به ، وفي حق كل من لم يعلم به .
إذا ثبت هذا [ ص: 32 ] فنقول إنما يغرم الذين أمرهم بمبايعته مقدار ما كان يسلم لهم لو كان ما أخبر به حقا ، وذلك الأقل من حصتهم من القيمة ومن ديونهم فإنما يتحقق الغرور في حقهم في ذلك القدر ، ولو كان أمر قوما بأعيانهم بمبايعته في البز فبايعوه في غيره وفيه فهو سواء والضمان واجب لهم على الغار ; لأن التقييد في حقهم في البز لغو فإن الأمر بالمبايعة في حقهم بمنزلة الأمر العام في حق الجماعة ، وقد بينا أن هناك لا يعتبر التقييد فهذا مثله .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|