
27-12-2025, 08:16 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,854
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس والعشرون
صـــ172 الى صـــ 181
(519)
ولو كان المال إلى سنة فاشترى العبد من الغريم جارية بحصته فللشريك أن يأخذ العبد بنصف حقه من الدراهم ; لأنه صار مستوفيا نصيبه بطريق المقاصة كما هو الأصل في الشراء بالدين فكأنه استوفاه حقيقة وأحد الشريكين إذا استوفى نصيبه قبل حل الأجل كان للآخر أن يشاركه فيه فإن أخذ منه نصف نصيبه من الدراهم ، ثم وجد العبد بالجارية عيبا فردها على البائع بقضاء قاض عاد المال إلى أجله ; لأن الرد بقضاء القاضي فسخ من الأصل وسقوط الأجل كان من حكم البيع ووقوع المقاصة بالثمن وقد بطل ذلك بانفساخ العقد من الأصل فعاد المال إلى أجله واسترد العبد من شريكه ما أخذه منه ; لأنه أخذه باعتبار أنه استوفى نصيبه بالمقاصة وقد بطل ذلك من الأصل بانفساخ البيع فتبين أنه استوفى منه بغير حق فيلزمه رده ، ولو كان ردها بغير قضاء أو بإقالة لم يرجع على الشريك بشيء مما أعطاه ; لأن هذا السبب بمنزلة العقد المبتدأ في حق الشريك فلا يتبين به بطلان المقاصة وحكم الاستيفاء من العبد لنصيبه في حق الشريك ; فلهذا لا يرجع عليه بشيء ويكون للعبد ولشريكه على الغريم الخمسمائة الباقية إلى أجلها وللعبد على الغريم خمسمائة حالة فكان ينبغي أن يكون هذا مؤجلا عليه ; لأن الإقالة والرد بغير قضاء القاضي فسخ في حقهما والأجل في هذا المال من حقهما ولكن هذا بناء على الأصل الذي بينا فيما أمليناه من شرح الزيادات أن الإقالة والرد بغير قضاء القاضي فسخ في حقهما فيما هو من حكم ذلك العقد خاصة ، فأما فيما ليس من حكم ذلك فالعقد يكون [ ص: 173 ] بمنزلة البيع المبتدأ وعود الأجل ليس من حكم ذلك العقد فيجعل في حقه كالبيع المبتدأ فكأنه اشتراها بخمسمائة مطلقة فتكون حالة .
وكذلك لو كان العبد المشتري الجارية من الغريم بجميع الألف إلا أن للشريك أن يأخذه بنصف الألف هاهنا ; لأنه صار مستوفيا جميع الدين بطريق المقاصة وأحد الشريكين إن استوفى الدين كان للآخر أن يرجع عليه بنصف ذلك الدين سواء كان الدين حالا أو مؤجلا فإن كان حين إقالة البيع أو رده بغير قضاء شرط عليه البائع أن الثمن إلى أجله كان إلى أجله ; لأن هذا بمنزلة البيع المبتدأ لكن بثمن مؤجل شرطا ، وهو نظير المشتري بالنسبة إذا ولاه غيره مطلقا يكون الثمن في حق البائع حالا إلا أن يكون اشترط في التولية أن يكون المال إلى أجله فحينئذ يكون مؤجلا كما شرط .
( قال : رحمه الله ) وللمأذون له أن يتوكل لغيره بالشراء بالنقد استحسانا وفي القياس لا يجوز ذلك ; لأنه يلتزم الثمن في ذمته بمقابلة ملك يحصل لغيره فيكون في معنى الكفالة بالمال عن الغير والمأذون ليس من أهله إلا أن يكون بإذن المولى إذا لم يكن عليه دين ولأنه يلتزم العهدة من غير منفعة له في ذلك فيكون تبرعا منه ; ولهذا لا يتوكل بالشراء لغيره بالنسيئة وجه الاستحسان أن الثمن بالشراء كما يجب على المأذون يجب له على الموكل وتكون العين محبوسة في يده إلى أن يصل الثمن إليه فلا يلحقه ضرر في ذلك بل هو بمنزلة ما لو اشتراه لنفسه ، ثم باعه من غيره بمثل ذلك الثمن بخلاف الكفالة فإنه يلتزم المال في ذمته بالكفالة من غير أن تكون بمقابلته في - يده عين محبوسة وبخلاف الشراء بالنسيئة فإنه لا يستوجب حبس العين بالثمن هاهنا كما أن البائع لا يستوجب الحبس عليه فيكون ذلك في معنى الكفالة ، ثم هذا التوكيل منفعة للمأذون ; لأنه يحتاج في بعض التصرفات إلى الاستعانة بغيره ومن لا يعين غيره لا يعان عند حاجته وإذا توكل بالشراء نسيئة صار مشتريا لنفسه ; لأنه لما تعذر تنفيذ شرائه على الموكل ، وهو يملك الشراء لنفسه بهذه الصفة نفذ العقد عليه كالحر إذا اشترى لغيره بغير أمره وأن يتوكل لغيره بالبيع بالنقد والنسيئة ; لأنه في الموضعين جميعا إنما يلتزم تسليم العين ولا يلتزم في ذمته شيئا من البدل ، وهو لا يستغني عن ذلك في التصرفات ولأن التوكيل عن الغير بالشراء أو بالبيع من نوع التجارة فإن أعظم الناس تجارة وهم الباعة يتوكلون بالبيع والشراء [ ص: 174 ] للناس .
وللمأذون أن يوكل بالبيع والشراء غيره كما يفعله الحر ; لأن التوكيل من صنيع التجار ولأنه لا يستغني عن ذلك في تجارته فإن التجارة نوعان حاضرة وغائبة وإذا اشتغل بأحدهما بنفسه يحتاج إلى أن يستعين في الآخر بغيره لكن لا يفوته مقصود النوعين .
وإذا باع المأذون جارية رجل بأمره ، ثم قتلها الآمر قبل التسليم بطل البيع ; لأن البيع من نائبه كبيعه من نفسه والمبيع مضمون على الموكل بالثمن لو هلك فلا يكون مضمونا عليه بالقيمة لما بينهما من المنافاة فإذا لم تجب القيمة بحقوق فوات القبض المستحق بالعقد حين تلف المعقود عليه ولم يخلف بدلا بطل البيع فإن قتلها المأذون قيل لمولاه ادفعه بالجناية أو افده كما لو قتلها قبل البيع وهذا ; لأن بالوكالة لا يثبت للمأذون فيها ملك ولا حق ملك فقتله إياها جناية على ملك الغير وجناية المملوك بهذه الصفة توجب على المولى الدفع أو الفداء فأيهما فعل كان المشتري بالخيار لتغير المعقود عليه قبل التسليم حين تحول البيع إلى البدل فإن شاء نقض البيع وإن شاء أخذ ما قام مقام الجارية وأدى الثمن كما لو كان القاتل عبدا آخر سوى الوكيل ، ولو كان مولى العبد هو الذي قتلها وعلى العبد دين أو لا دين عليه فعلى عاقلته قيمتها إلى ثلاث سنين ; لأنه ليس لمولى العبد فيها ملك ولا حق ملك ثم يتخير المشتري فإن شاء نقض البيع والقيمة للموكل وإن شاء أدى الثمن فاستوفى قيمتها من عاقلة القاتل في ثلاث سنين .
ولو كان المأذون باع جارية مما في يده من رجل بجارية ، ثم قتلها العبد قبل أن يسلمها بطل العقد ; لأن العبد في التصرف في كسبه كالحر في التصرف في ملكه فالمبيع في يده مضمون بما يقابله ويستوي إن كان على العبد دين أو لم يكن فيبطل البيع لفوات القبض المستحق بالعقد ، وكذلك إن قتلها المولى ولا دين على العبد ; لأن كسب العبد خالص ملك المولى والعبد بائع للمولى من وجه .
( ألا ترى ) أنها لو هلكت بطل ملك المولى عما يقابلها فكذلك إذا قتلها المولى وإن كان على العبد دين فالمولى ضامن لقيمتها ; لأن كسبه في هذه الحالة لغرمائه ، ولو قتلها المولى قبل البيع كان ضامنا لقيمتها لغرمائه فبعد البيع أولى وهذه القيمة عليه في ماله ; لأن له حق الملك في كسبه على معنى أنه يسلم له إذا فرغ من دينه والعاقلة لا تتحمل عنه له فتكون القيمة في ماله سواء قتلها عمدا أو خطأ والمشتري بالخيار لتغيير المعقود عليه قبل التسليم فإن شاء نقض البيع وكانت القيمة لغرماء العبد وإن شاء أخذ القيمة وأدى الثمن وتصدق بالفضل إن كان في القيمة على الثمن فضل ; لأن ذلك ربح حصل لا على ضمانه .
ولو كان [ ص: 175 ] المولى دفع إلى عبده جارية له ليست من تجارة العبد وأمره ببيعها فباعها ولم يقبضها المشتري حتى قتلها مولى العبد فالبيع منتقض ; لأن العبد في هذا التصرف كان نائبا عن المولى كالحر وهي مضمونة على المولى بالثمن فينتقض البيع لتفويت القبض المستحق بالعقد فيها وإن كان العبد هو الذي قتلها فإن اختار المولى دفع العبد بالجناية فالمشتري بالخيار ; لأن الجارية صارت مملوكة للمشتري بالعقد والعبد إنما جنى على ملك المشتري ، وذلك يوجب الخيار للمولى بين الدفع والفداء فإن اختار الدفع فهناك لا يجب في ذمته شيء من قيمتها ولكن يلزمه تسليم العبد وإذا اختار الدفع قام العبد مقام الجارية ويخير المشتري للتغيير وإذا اختار الفداء انتقض البيع ; لأنه حين اختار الفداء فقد صار الضمان دينا في ذمته وإذا صار الضمان عليه بطل الشراء ; لأنه مضمون عليه بالثمن قبل التسليم فلا يكون مضمونا بالقيمة كما لو كان هو الذي قتلها بخلاف ما إذا اختار المشتري إمضاء العقد ، ووجوب تسليم العبد عليه كوجوب تسليم الجارية عليه قبل القتل .
وإذا كان بين المأذون وبين حر جارية فأمره الحر ببيعها فباعها العبد بألف درهم ، ثم أقر العبد أن شريكه قد قبض جميع الثمن أو نصفه من المشتري وصدقه المشتري وكذبه الشريك فإقرار العبد صحيح في براءة المشتري من نصف الثمن ; لأنه أقر في النصف بقبض مبرئ ، وهو قبض الموكل فيكون بمنزلة ما لو أقر بأنه هو الذي قبضه وهذا ; لأن الإقرار بالقبض يملكه المأذون كإنشاء القبض فإن ذلك من صنيع التجار ، ثم يحلف العبد بدعوى الشريك ; لأنه يزعم أنه أتلف حقه في الثمن بإقراره بالقبض كاذبا ، ولو أقر العبد لزمه فإذا أنكره يحلف لرجاء نكوله فإن حلف أخذ من المشتري نصف الثمن فيكون بينهما نصفين ; لأن يمينه حجة له في براءته عن ضمان ذلك النصف الذي زعم أن الموكل قبضه وليست بحجة في وصول ذلك إلى الشريك حقيقة ولا في سلامة ما بقي له خالصا فهذا الذي يقبضه جزء من دين مشترك بينهما فيكون بينهما نصفان والنصف الآخر صار كالتاوي وإن نكل عن اليمين غرم نصف الثمن للشريك لإقراره أنه أتلف ذلك عليه ويأخذ من المشتري نصف الثمن فيسلم له ; لأنه وصل إلى الشريك جميع حقه ولا يمين على المشتري في شيء من ذلك ; لأنه لا دعوى لأحد عليه فالمشتري لم يعامله بشيء والعبد بالنكول صار مقرا بأنه لم يقبض شيئا فلا يسمع منه دعوى القبض لتخلفه ، ولو كان الشريك هو الذي أقر أن العبد قبض جميع الثمن وصدقه المشتري وكذبه العبد برئ المشتري من نصف الثمن أيضا ; لأن الموكل في نصيبه من الثمن كما يملك قبضا يوجب براءة المشتري [ ص: 176 ] ويملك الإقرار بقبض مبرئ .
( ألا ترى ) أنه لو أقر أنه قبضه بنفسه كان إقراره مبرئا للمشتري فكذلك إذا أقر أن البائع قبضه ولا يمين على المشتري في ذلك ; لأنه لا دعوى للعبد عليه في ذلك النصف بعد إقرار الموكل عليه بقبض مبرئ كما لا دعوى في ذلك للوكيل بعد إبراء الموكل إياه ويحلف الآمر العبد ; لأنه يدعي عليه أنه قبض الثمن وأنه يمتنع من دفع نصيبه إليه ، ولو أقر به لزمه فإذا أنكر يستحلف لرجاء نكوله فإن نكل لزمه نصف الثمن للآمر وإن حلف برئ من نصيب الآمر وأخذ العبد من المشتري نصف الثمن لا يشاركه فيه الآمر ; لأن الآمر صار متلفا نصيبه بإقراره أن العبد قبضه فهو بمنزلة ما لو أبرأ المشتري عن نصيبه من الثمن فلا يكون له مشاركة العبد فيما يقبض من نصيبه ، ولو أقر الآمر أن العبد قبض نصف الثمن برئ المشتري من ربع الثمن ; لأنه نصف ما أقر بعضه نصيب الآمر ، وهو في نصيبه يملك الإقرار بقبض مبرئ فإذا برئ من ربع الثمن بقي على المشتري سبعمائة وخمسون درهما فما قبض العبد منهما فللآمر ثلثه وللعبد ثلثاه على قدر ما بقي من حقهما في ذمة المشتري فإنه بقي حق العبد في خمسمائة وحق الآمر في مائتين وخمسين ، ولو أقر الآمر أن العبد أبرأ المشتري من جميع الثمن أو أنه وهبه له فإقراره باطل والثمن كله على المشتري ; لأن الثابت بإقراره كالثابت بالمعاينة ، ولو عاينا هبة العبد الثمن من المشتري كان باطلا في الكل ; لأنه تبرع والعبد ليس من أهله فيما باع لنفسه أو لغيره ، وكذلك لو أقر العبد بذلك على الآمر وأنكره الآمر ; لأن إقرار العبد إنما يصح بما يملك إنشاءه ، وهو لا يملك إنشاء الهبة والإبراء فكذلك لا يملك الإقرار به على نفسه أو على غيره بخلاف الإقرار بالقبض فإنه يملك إنشاء القبض فيملك الإقرار به أيضا .
ولو كان شريك العبد هو الذي ولي البيع بأمر العبد ، ثم أقر على العبد بقبض الثمن أو بقبض حصته كان ذلك بمنزلة إقرار العبد عليه لو كان العبد هو الذي ولي البيع ; لأن المأذون والحر في الإقرار بالقبض يستويان كما في إنشاء القبض ، ولو أقر البائع على العبد بالإبراء والهبة كان باطلا كما لو عاينا الإبراء والهبة من العبد ، وكذلك لو أقر العبد على البائع بأنه وهب الثمن أو أبرأ المشتري منه ; لأن العبد لا يملك الإقرار بالهبة والإبراء على نفسه فلا يملكه على غيره بغير دعوى المشتري على البائع الإبراء عن الثمن فيحلف البائع على ذلك فإن حلف أخذ جميع الثمن من المشتري وإن نكل برئ المشتري من جميع الثمن وللعبد أن يضمن البائع نصف الثمن في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وفي قول أبي يوسف رحمه الله يبرأ من حصة البائع من الثمن [ ص: 177 ] خاصة ، وهو بناء على أن الوكيل بالبيع إذا أبرأ المشتري عن الثمن .
وإذا كانت الجارية بين رجلين حرين فباع أحدهما بأمر صاحبه من العبد المأذون بألف درهم ، ثم أقر الآمر أن البائع أبرأ المشتري من الثمن أو وهبه له وادعاه العبد وجحده البائع فقد برئ من حصة الآمر من الثمن في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأنه أقر فيه بإبراء صحيح فإبراء الوكيل عندهما يصح في براءة المشتري ولا يمين على المشتري في شيء من ذلك ; لأن العبد لا دعوى له في ذلك بعد إقرار الآمر بما يبرئ المشتري ويأخذ البائع من المشتري نصف الثمن فيسلم له بعد ما يحلف على ما ادعاه الآمر ; لأن الآمر يدعي أنه ضامن له نصيبه بالإبراء والهبة ، وهو منكر لذلك فيستحلف وإذا حلف صار الآمر هو المتلف لنصيبه من الثمن بإقراره والنصف الآخر يسلم للبائع وعند أبي يوسف رحمه الله إقرار الآمر باطل وجميع الثمن على المشتري بينهما نصفان ; لأن في نصيب البائع لا قول له وفي نصيبه إبراء البائع عنده باطل ، ولو كان البائع أقر أن شريكه أبرأ العبد من حصته أو أنه قبض حصته وجحده الشريك وادعاه العبد فإن العبد برئ من نصف الثمن ; لأن البائع أقر بما يوجب براءة المشتري من نصف الثمن ، وهو القبض أو الإبراء من الآمر ولا يمين عليه ; لأنه لا دعوى لأحد عليه بعد ذلك لكن يرجع الآمر على البائع بحصته من الثمن وهو نصفه فيضمنها إياه ; لأن البائع صار متلفا نصيبه من الثمن بإقراره ويكون للبائع على المشتري نصف الثمن في قول أبي حنيفة ومحمد ، فأما عند أبي يوسف فإقراره على الآمر بالإبراء بمنزلة إبرائه إياه عن نصيبه ، وذلك باطل عنده ولا يمين على البائع في ذلك ولكن العبد يستحلف الآمر على ما يدعي عليه من الإبراء والهبة فإن نكل لزمه ما قال البائع وإن حلف بقي الثمن كله على المشتري .
وإذا دفع المأذون إلى رجل جارية يبيعها فباعها من رجل له على المأذون دين ودفع الجارية إليه فقد صار الثمن قصاصا بدين العبد ; لأن الثمن بالبيع وجب للمأذون حتى إذا قبضه الوكيل يؤمر بالتسليم إليه وللمشتري على المأذون مثل ذلك دينا فيصير قصاصا ; لأنه لا فائدة في القبض وإن كان الدين للمشتري على المأمور دون المأذون فكذلك الجواب في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وفي قول أبي يوسف رحمه الله لا يكون قصاصا بدين الوكيل وهي فرع مسألة الوكيل إذا أبرأ المشتري عن الثمن وقد بيناها في البيوع ، ولو كان للمشتري على العبد ألف وعلى الوكيل ألف كان الثمن قصاصا بدين الموكل دون الوكيل أما عند أبي يوسف فلا إشكال وأما عندهما فلأنه لو جعل قصاصا [ ص: 178 ] بدين الموكل لم يجب ضمانه على أحد ، ولو جعل قصاصا بدين الوكيل كان الوكيل ضامنا مثله للموكل فكانت المقاصة بدين الموكل أقرب إلى انقطاع المنازعة وإلى إظهار فائدة المقاصة ، ثم الثمن ملك الموكل والمطالبة حق الوكيل وعند المعارضة الملك يكون أقوى من الحق ; فلهذا يترجح جانب الموكل فيصير قصاصا بدينه
( قال : رحمه الله ) وإذا باع المأذون جارية بيعا فاسدا من رجل وسلمها إليه جاز للمشتري فيها من العتق وغير ذلك ما يجوز له في شرائه من الحر ; لأن البيع الفاسد من نوع التجارة والمأذون فيه كالحر والمشتري بالقبض صار مالكا المبيع في الوجهين فينفذ تصرفه لمصادفته ملكه ، وكذلك المأذون لو كان هو الذي اشتراه شراء فاسدا وقبضه فإنه ينفذ فيه من تصرفاته ما ينفذ في الشراء الصحيح فيكون ضامنا قيمته للبائع لتعذر رد العين ; لأن التزام ضمان القيمة من العبد بسبب صحيح كالتزام ضمان الثمن فإذا غلت في يد المشتري غلة ثم باعها المأذون من رجل فالغلة تسلم له سواء كان عليه دين أو لم يكن ; لأن الغلة حصلت على ملكه وقد تقرر ملكه حين باعها من غيره وإن لم يبعها ولكن ردها على البائع فالغلة مردودة على البائع ; لأن الرد بفساد العقد يفسخ البيع من الأصل والمشتراة شراء فاسدا كالمغصوبة في أنها ترد بزوائدها المنفصلة والمتصلة فترد الغلة أيضا ، ثم على البائع أن يتصدق بها ; لأن الغلة حصلت لا على ملكه ولا على ضمانه ، ولو كان العبد هو الذي باع الجارية أو الغلام بيعا فاسدا ، ثم أغل غلة عند المشتري ، ثم باعها المشتري فالغلة له لتقرير ملكه في الأصل وعليه أن يتصدق بها ; لأن الغلة حين حصلت كان ملكه فيها بسبب فاسد والمبيع كالمغصوب في يده تسترد بزوائدها المنفصلة والمتصلة فيؤمر بالتصدق بالغلة ، ولو ردهما مع الغلة على المأذون لم يتصدق المأذون بشيء من الغلة ، وكذلك في المسألة الأولى إذا كان المأذون هو المشتري فلا يتصدق بالغلة ; لأن كسبه لا يحتمل الصدقة والغلة صارت من أكسابه فلا يستحق عليه التصدق بها شرعا لكن إن كان على العبد دين أخذ الغرماء الغلة قضاء من دينهم ولم يتصدقوا بشيء منها ; لأنهم أخذوها بدلا عن دينهم فإن لم يكن عليه دين فينبغي للمولى أن يتصدق بها ; لأن كسب العبد خالص حق المولى في هذه الحالة وإنما يملك على سبيل الخلافة عن المأذون ، ولو كان المأذون من أهل أن يتصدق كان [ ص: 179 ] عليه التصدق بهذه الغلة فكذلك من يخلفه ، وهو المولى من أهل التصدق فيحتسب له أن يتصدق بها .
وإذا باع المأذون جارية من رجل بيعا فاسدا وسلمها فباعها المشتري من المأذون أو من وكيل مولاه بيعا صحيحا وسلمها إليه فإن لم يكن على المأذون دين فهو نقض للبيع الفاسد ; لأن بيع المأذون كسبه إذا لم يكن عليه دين يصادف ملك المولى فهو في حكم النائب عنه من وجه بمنزلة الوكيل فالرد لأجل الفساد مستحق في هذه العين على المولى كما هو مستحق على العبد ، ولو باعه من العبد كان ذلك نقضا للبيع الفاسد سواء كان على العبد دين أو لم يكن فإذا باعه من المولى ولا دين عليه يكون نقضا للبيع الفاسد أيضا وبيعه من وكيل المولى كبيعه من المولى وإن كان على المأذون دين فهو بيع جائز ; لأن المولى من كسبه في هذه الحالة كالأجنبي فيكون هذا بمنزلة بيع المشتري إياها من أجنبي آخر فيلزمه القيمة للعبد المأذون ويكون له الثمن على من باعها منه وإن باعها من عبد آخر للمولى بأجر وسلمها إليه فإن لم يكن على واحد منهما دين فهو نقض للبيع الفاسد ; لأن تصرف العبد الآخر للمولى من وجه ; لأن كسبه مملوك للمولى فهو نظير بيعها من وكيل المولى ولا يبرأ من ضمانها إلا بردها على المأذون أو على مولاه ; لأنها صارت مضمونة عليه بالقبض فبقي الضمان بعد انتقاض العقد لبقاء القبض وإن كان على أحدهما دين فهو بيع جائز أما إذا كان الدين على البائع فقد بينا أنه لو باعها في هذه الحالة من المولى كان بيعا جائزا فكذلك من عبده وإن كان الدين على المشتري فهو في هذا الشراء غير متصرف لمولاه بل لغرمائه فبيعها منه كبيعها من أجنبي آخر فيتقرر ضمان القيمة عليه للمأذون وله الثمن على المشتري منه وإذا باعها من مضارب المأذون البائع فهو جائز ; لأن للمضارب فيما يشتري حقا في الربح ، وهو بمنزلة المشتري لنفسه من وجه .
( ألا ترى ) أن رب المال لا يملك نهيه عن بيعه وأن رب المال لو باع شيئا من ماله من المضارب جاز فكذلك هذا المشتري شراء فاسدا إذا باعها من مضارب البائع جاز بمنزلة بيعها من أجنبي آخر ، وكذلك إن باعها من مضارب المولى وعلى العبد دين أو لا دين عليه ، ولو باعها من ابن المولى أو أبيه أو مكاتبه أو باعها من المولى لابن صغير له في عياله فهو كله سواء ; لأن التصرف الحاصل لهؤلاء في حق البائع دون تصرف مضارب البائع وإذا ثبت صحة الشراء الثاني هناك فههنا أولى ، وكذلك لو أن أجنبيا وكل المولى بشرائها فاشترى له أو وكل المأذون بشرائها له فاشتراها له كانت الجارية للآمر وكان الثمن على العبد المشتري ويرجع به العبد على الآمر وللعبد على الآمر قيمة الجارية [ ص: 180 ] فتكون القيمة قصاصا بالثمن ويرجع العبد على الآمر بما أدى عنه من الثمن والحاصل أنه متى كان العقد الثاني موجبا حكما في الملك والضمان غير الحكم الذي كان قبل البيع الفاسد فإنه لا يكون ذلك نقضا للبيع الفاسد وإن كان لا يوجب حكما آخر سوى ما كان قبل البيع في حق الملك والضمان فهو نقض للبيع الفاسد ، ولو كان المأذون البائع هو الذي وكل إنسانا بشرائها من المشتري له ففعل وقبضها فهو نقض للبيع الفاسد فكأنه اشتراها بنفسه ; لأن هذا الشراء في حكم الملك والضمان لا يوجب إلا ما كان قبل العقد الفاسد فإن بشراء الوكيل يقع الملك للموكل وبقبض الوكيل يدخل في ضمان الموكل وإن كان المولى هو الذي أمر رجلا بشرائها له فهذا وشراء المولى بنفسه سواء في الفرق بينهما إذا كان على العبد دين أو لا دين عليه وإذا قتلها المأذون في يد المشتري فهو نقض للبيع ; لأنه بالإتلاف صار مستردا لها وزيادة .
( ألا ترى ) أن المشتري بالإتلاف يصير قابضا للمبيع ، وكذلك لو كان حفر بئرا في الطريق قبل البيع أو بعده فوقعت الجارية فيها أو حدث بها عيب من ذلك ولم يمنعها المشتري منه حتى ماتت من حفره فهو فسخ للبيع ; لأن العبد بالحفر صار جانيا على الواقع في بئره عند الوقوع حكما فكأنه حفر بيده والبائع إذا أتلف المعقود عليه أو عيبه في البيع الفاسد صار مستردا له بمنزلة المشتري في البيع الصحيح ; لأن الاسترداد ههنا مستحق كالقبض هنا إلا أن المشتري لو منعها منه بعد التعييب بطل حكم استرداده في حكم الضمان بمنع المشتري كما يبطل حكم قبض المشتري بمنع البائع بعد ما عيبها المشتري وإن كان المولى هو الذي فعل ذلك ولا دين على العبد فهو كذلك ; لأن المولى متمكن من استردادها لفساد البيع في هذه الحالة كالعبد وكما لو كان هو البائع بنفسه فإن كان عليه دين فالمولى غير متمكن من استردادها في هذه الحالة فيكون هو كأجنبي آخر فيما فعله فعلى عاقلته قيمتها في ثلاث سنين ; لأن جنايته حصلت على ملك المشتري فيجب ضمان القيمة على عاقلته إذا حدث الموت من فعله وإن كان حدث العيب من فعله والموت من غيره ضمن المشتري قيمتها بسبب القبض وتعذر الرد عليه ويرجع على المولى بنقصان العيب في ماله حالا ; لأن النقصان حصل بجناية المولى في ملك المشتري والجناية على المماليك فيما دون النفس حكمه حكم الأموال في أنه يكون في مال الجاني حالا وإن وقعت في بئر حفرها المأذون في دار من تجارته فماتت أو في بئر حفرها المولى في ملكه لا يكون ذلك نقضا للبيع ; لأن الحافر في ملك نفسه لا يكون جانيا فإنه غير متعد في هذا التسبب وإنما يكون الإتلاف مضافا إليه إذا [ ص: 181 ] كان متعديا في التسبب فإذا لم يصر مضافا إليه لانعدام التعدي كان هذا وموتها في يد المشتري سواء يعطي المشتري ضمان قيمتها ولا شيء له على صاحب البئر من ذلك والله أعلم بالصواب
وإذا اشترى المأذون من رجل كر حنطة يساوي مائة درهم بثمانين درهما فصب العبد فيه ماء قبل أن يقبضه فأفسده فصار يساوي ثمانين درهما ، ثم إن البائع بعد ذلك صب فيه ماء فأفسده فصار يساوي ستين درهما فالمأذون بالخيار للتغيير الحاصل فيه بفعل البائع فإنه بما صنع صار مستردا محدثا للعيب فيه ولم يوجد من العبد الرضا بذلك فكان له الخيار فإن اختار أخذ الكر أخذه بأربعة وستين درهما ; لأن البائع صار متلفا خمس المبيع فسقطت حصته من الثمن ، وذلك الخمس وخمس ثمانين ستة عشر فإذا سقط من المشتري ستة عشر درهما بقي عليه أربعة وستون فإن قيل أتلف البائع ربع الباقي ; لأن الثمن حين أفسده البائع كان ثمانين وقد تراجع إلى ستين قلنا إنما يعتبر ما أتلف البائع من المبيع والمبيع قيمته مائة والجزء أتلفه المشتري تقرر البيع فيه ولم ينتقض ; فلهذا سقط بفعل البائع خمس الثمن فإن تركه المشتري فلا ضمان عليه ; لما أفسد ; لأن الكر بعينه قد رجع إلى البائع فإنما بقي الفائت بفعل المشتري مجرد الجودة ولا قيمة للجودة في الأموال الربوية منفردة عن الأصل وقد صار البائع راضيا بذلك حين استرده بالإفساد بعد فعل المشتري ، ولو ضمن له المشتري النقصان عاد إليه الكر تاما مع زيادة دراهم ، وذلك ربا .
( ألا ترى ) أن الغاصب [ ص: 182 ] لو أفسد الكر بصب الماء فيه ، ثم اختار المغصوب منه أخذه لم يكن له أن يضمن الغاصب النقصان فهذا مثله بخلاف ما إذا اختار الأخذ فإنا لو أسقطنا عن المشتري حصة ما أتلفه البائع من الثمن لا يؤدي إلى الربا بل يسلم الكر للمشتري بأربعة وستين درهما ، وذلك صحيح كما لو أبرأه البائع عن خمس الثمن ، ولو كان البائع هو الذي صب فيه الماء أولا ، ثم المشتري صب فيه الماء فإن المشتري يجبر على قبضه ; لأنه صار راضيا بالتعييب الحاصل بفعل البائع حين قبضه بالتعييب بعده ويؤدي أربعة وستين درهما ; لما قلنا ، وكذلك هذا الحكم في كل مكيل أو موزون .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|