
27-12-2025, 08:48 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,619
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس والعشرون
صـــ142 الى صـــ 151
(516)
وإن كان على المأذون ديون إلى آجال مختلفة فباعه المولى قبل أن يحل شيء منها ، ثم حل الدين الأول فإن قيمة العبد تقسم على الدين ما حل منه وما لم يحل فما أصاب الذي حل منها من القيمة أخذه ، وكذلك كل من حل دينه من غرمائه ; لما بينا أن المولى ضامن قيمته بتفويته محل حق الغرماء ولكل واحد منهم حصته من ذلك ولكن لا يطالبه به إلا بعد حل دينه فإن كان الدين ثلاثة آلاف فحل ألف منها فطلب صاحبها من القاضي بيع العبد فإنه يبيعه ويعطيه ثلث ثمنه ويضع الثلثين الذي هو حق الآخرين في يد المولى حتى يحل دينهما فإذا حل دين آخر أعطى صاحبه حصته من ذلك وذلك ثلث الثمن فإذا حل الثالث أعطاه الثلث الباقي فإن توي الثلث الباقي على المولى رجع الثالث على الأولين فيأخذ منهما ثلث ما في أيديهما ; لأن الثمن كان مشتركا بينهم أثلاثا حين كان البيع من القاضي وكان شرط سلامة الثلثين للأولين أن يسلم الثلث للثالث فإذا لم يسلم كان التاوي من حقوقهم والباقي مقسوم بينهم على قدر حقهم فرجع على الأولين بثلث ما في أيديهما ليسوي بينهم في ثمنه فإن لقي أحدهما أخذ منه نصف ما في يده ; لأن حقهما في الثمن سواء ثم يرجعان جميعا على الآخر بثلث ما في يده فيقتسمانه نصفين ليسلم لكل واحد منهما ثلث الثلثين ويستووا في الضرر [ ص: 143 ] الحاصل بالتوى فإن لقي أحدهما الآخر وحده أخذ منه ربع ما في يده ; لأن الباقي في يده نصف الثلث وفي يد من لقيه نصف الثلث وفي يد من لقيه الثلث فيضم ما في يده حتى يكون الباقي في يده ثلاثة أرباع الثلث وفي يد هذا الآخر ثلاثة أرباع الثلث أيضا فإن لقيهما بعد ذلك الآخر أخذ منهما تسع ما في أيديهما ; لأن المساواة بينهم بذلك تحصل وإذا أردت معرفة ذلك جعلت الثمن كله على اثني عشر فسهام الثلثين ثابتة بينهم أثلاثا لكل واحد منهم سهمان وثلثا سهم والذي في يد هذا الذي لقيهما نصف الثلث سهمان وفي يد الآخر ستة فيأخذ منهما ثلثي سهم وثلثا سهم من ستة يكون تسعها فيحصل له سهمان وثلثا سهم وبقي في يد كل واحد منهما سهمان وثلثا سهم .
وإذا قال المأذون بأمر مولاه ولا دين عليه لرجل إن مات فلان ولم يعطك ألفك التي عليه فأنا ضامن لها حتى أدفعها إليك ، ثم لحق العبد دين ألف درهم فباعه القاضي في دينهم بألف فإنه - يدفعها كلها إلى الغريم ; لأنه لا مزاحم له في الثمن فإن المزاحمة باعتبار وجوب الدين على العبد ولم يجب للمكفول له شيء بعد وجود سببه قبل شرطه وبه فارق الدين المؤجل وتأثير الأجل في المنع في المطالبة لا في نفي أصل الوجوب والمتعلق بالشرط لا يكون موجودا قبل الشرط فإذا دفع الثمن إلى الغريم استوثق منه بكفيل ; لأن حق المكفول له بعرض اللزوم فإن سببه وهو الكفالة مقرر فلتقرر السبب يجب النظر له بالاستيثاق فإذا لزم العبد ضمان ما كفل به أخذ المكفول من الغريم نصف الثمن الذي أخذه ; لأن الوجوب إذا ثبت عند وجود شرطه فإنما يحال به على سببه وهو الكفالة ; ولهذا لو كانت الكفالة في الصحة كان هذا من جملة ديون الصحة بقدره وهو أن حق المكفول بقدره وهو أن حق المكفول له أخذ سببها من الدين الحادث بعد البيع باعتبار أن الوجوب يكون عند وجود الشرط ومن الدين المؤجل باعتبار أن السبب كان متقررا قبل وجود الشرط فيتوفر حظه عليهما فيقول لشبهه بالدين الحال يدفع الثمن كله إلى الغريم الأول قبل أن يجب دين الكفالة بالدين ولشبهه بالدين المؤجل قلنا إذا تحقق لزوم دين الكفالة رجع المكفول له على الغريم بنصف الثمن الذي أخذه .
وإذا كان على المأذون دين حال فوهبه مولاه لرجل وسلمه إليه فالهبة باطلة إلا أن يجيزها الغرماء ; لأنهم أحق بمالية العبد من المولى وفي الهبة تفويت محل حقهم فلا ينفذ إلا بإجازتهم فإن أجازوها بطل دينهم لا على معنى أنه سقط عن ذمة العبد ولكن على معنى أنه لا شيء لهم [ ص: 144 ] على المولى ولا على العبد حتى يعتق ; لأنهم رضوا بصنع المولى والملك للموهوب له حادث بعد الدين فلا يستحق بذلك الدين ولكن يتأخر حقهم في المطالبة إلى ما بعد العتق لانعدام محل الاستيفاء فإذا عتق اتبعوه بجميع دينهم ، ولو كان الدين كله إلى أجل جازت الهبة ; لأنه لا حق للغرماء في المطالبة بشيء قبل حلول الأجل فينفذ تصرف المولى باعتبار ملكه وللغرماء على المولى قيمته إذا حل دينهم ; لأنه فوت عليهم محل حقهم بتصرفه فإذا أخذوا القيمة منه أو قضى بها - القاضي عليه ، ثم رجع في هبته فلا سبيل لهم على العبد ; لأن حقهم تحول إلى القيمة بقضاء القاضي وقد كان السبب قائما عند القضاء فلا يتحول إلى العبد بعد ذلك وإن عاد إليه قديم ملكه بالرجوع في الهبة فإن أذن له المولى بعد ذلك في التجارة فلحقه دين بيع في الدين الآخر خاصة لوجود الرضا من المولى بتعلق هذا الدين بمالية رقبته ولا سبيل للأولين على هذا الثمن ; لأن حقهم تحول إلى القيمة دينا في ذمة المولى فكما لا سبيل للآخرين على القيمة إذا أخذها الأولون فكذلك لا سبيل للأولين على الثمن وإن مات المولى قبل أن يباع ولا مال له غيره بيع فبدئ بدين الآخرين ; لأن حق الأولين أيضا في ذمة العبد حتى يتبعوه بعد العتق ; لأنا بينا أن حقهم تحول إلى القيمة فلا يبقى على العبد في حال رقه فإن بقي من ثمنه شيء بعد قضاء دين الآخرين كان للأولين باعتبار أنه ملك المولى ودينه بعد موته يقضى من ملكه فإن كان على المولى دين سوى ذلك اقتسم هذا الباقي الأولون وأصحاب دين المولى تصرف فيه أصحاب دين المولى بديونهم الأولون بقيمة العبد ; لأن حقهم في ذمة المولى بقدر قيمة العبد .
وإذا كان على المأذون ألف درهم حالة وألف درهم إلى أجل فوهبه مولاه لرجل وسلمه فلصاحب الدين الحال أن يرد الهبة ; لأن توجه المطالبة له علة تامة تمنع نفوذ تصرف المولى فإن أجازها جازت لوجود الرضا منه ولا سبيل لصاحب الدين على العبد حتى يحل دينه .
( ألا ترى ) أنه لو لم يكن سوى دينه على العبد كانت الهبة صحيحة فإن حل دين الآخر ضمن المولى قدر القيمة له حتى يستوفي دينه ولا شيء منه للغريم الأول ; لأن الأول بإجازة الهبة أبطل حقه في حال رق العبد فهو بمنزلة ما لو أبرأه عن دينه وقد فوت المولى على الآخر محل حقه فيضمن له جميع القيمة ، ولو أن صاحب الدين الحال لم يجز الهبة ولم يقدر على العبد فله أن يضمن المولى نصف قيمته ; لأن الدين المؤجل ثابت عليه وإن كانت المطالبة به متأخرة والقيمة عند تعذر الوصول إلى العبد كالثمن عند بيع القاضي إياه وقد بينا هناك أنه لا يسلم .
[ ص: 145 ] لصاحب الدين الحال إلا حصته من الثمن فههنا أيضا لا يسلم لصاحب الدين الحال إلا حصته من القيمة ، وذلك النصف فإن ضمنه ، ثم حضر العبد فالهبة جائزة ; لأن حقه سقط عن العبد بوصول حصته من الضمان إليه والدين الآخر مؤجل لا يمنع الهبة فإذا حل دين الآخر كان له أن يتبع المولى بنصف القيمة ; لأنه فوت محل حقه بتصرفه فإن شارك الأول فيما أخذ ; لأن القيمة وجبت لهما في ذمة المولى مشتركة بسبب واحد وإنما - يسلم المقبوض للأول بشرط أن يسلم النصف الباقي للآخر فإذا لم يسلم كان له أن يشارك الأول فيما أخذ ، ثم يتبعان المولى بنصف القيمة ; لأن المقبوض لما صار مشتركا بينهما كان الباقي مشتركا أيضا .
ولو لم يحل الدين الثاني حتى رجع المولى في هبته ، ثم حل كان لصاحبه أن يتبع نصف العبد بدينه حتى يباع له ; لأن تحول حقه إلى نصف القيمة لا يتم إلا بالقبض أو - بقضاء القاضي له بها ولم يوجد فقد عاد العبد بالرجوع إلى قديم ملك المولى فكان له أن يطالب ببيع حصته منه في الدين ، وذلك نصفه وإن شاء شارك الأول فيما أخذ ; لما بينا أن وجوب القيمة لهما بسبب واحد فهو بمنزلة العبد المشترك إذا غصبه غاصب فأبق ، ثم إن كان أحدهما خاصم الغاصب وضمنه نصف القيمة ، ثم رجع العبد كان للآخر الخيار إن شاء أخذ نصف العبد وإن شاء شارك الأول فيما أخذ من نصف القيمة فإن شاركه في ذلك يباع نصف العبد في دينهما ; لأن المقبوض لما صار مشتركا بينهما كان الباقي كذلك فيباع نصفه في دينهما ; لأن في هذا النصف الحق باق في العبد .
وإن كان العبد اعور في يد الموهوب له قبل أن يرجع فيه الواهب ضمن المولى ربع قيمته وبيع نصفه في دينه ; لأن العين من الآدمي نصفه ، ولو عاد الكل إليه بالرجوع في الهبة كان يباع نصفه في الدين ، ولو هلك الكل في يد الموهوب له كان المولى ضامنا نصف قيمته فالجزء يعتبر بالكل ولفوات النصف ضمن المولى ربع قيمته وبعود النصف إلى قديم ملكه بالرجوع يباع نصفه في دينه ، ولو اعور بعد ما رجع إلى المولى لم يضمن من عوره شيئا ; لأنه لو هلك العبد بعد الرجوع في الهبة لم يضمن شيئا فإنه بالرجوع عاد إلى قديم ملكه فعوره في هذه الحالة كهلاكه قبل الهبة فكذلك إذا اعور قلنا لا يضمن المولى شيئا ولكن يباع نصفه أعور في دينه .
وإذا كفل المأذون عن رجل بألف درهم بأمر مولاه ولا دين عليهم باعه المولى فللمكفول له أن ينقض البيع ; لأنه صار أحق بماليته من المولى .
( ألا ترى ) أنه يطالبه بقضاء دين الكفالة ويباع له فيه كما يباع في سائر ديونه ، ولو كانت الكفالة بنفس رجل لم يكن [ ص: 146 ] للمكفول له أن ينقض البيع ; لأنه صار أحق بماليته بهذه الكفالة ( ألا ترى ) أنه لا يطالب ببيعه في هذه الكفالة فكانت المالية خالص حق المولى ; فلهذا نفذ بيعه وهذا ; لأن صاحب الدين إنما ينقض بيع المولى ليستسعيه في دينه ولا حق لصاحب الكفالة بالنفس في استسعائه في شيء ولكن يبيع العبد بكفالته حيث كان ; لأنه استحق عليه المطالبة بتسليم النفس فلا يسقط ذلك ببيع المولى إياه وهذا عيب فيه للمشتري أن يرده به إن شاء ; لأنه يحبس به ويؤمر بطلب المكفول بنفسه ليسلمه وفيه حيلولة بين المشتري وبين مقصوده من الخدمة فيثبت له حق الرد لأجله كما يثبت له حق رد الجارية بعيب النكاح إن شاء فإن كانت الكفالة على أنه كفيل بنفس المطلوب إن لم يعط المطلوب ما عليه إلى كذا ، وكذا لم يكن للمشتري أن يرده بعيب هذه الكفالة قبل وجود الشرط ; لأنه لا مطالبة بشيء على العبد في الحال فالتزام تسلم النفس منه كان معلقا بالشرط والمعلق بالشرط معدوم قبله فإذا وجب على العبد لوجود شرطه رده المشتري إن لم يكن علم بها حين اشتراه ; لأن الحيلولة وقعت بينه وبين الخدمة بسبب كان سابقا على بيعه فإن ثبوت الحكم عند وجود الشرط يكون محالا به على السبب وإن كأن علم بها حين اشتراه فليس له أن يرده بهذا العيب أبدا ; لأن تمكنه من الرد بالعيب لدفع ضرر لم يرض بالتزامه .
قال : والحكم في بيع المولى شيئا من رقيق المأذون أو هبته وعليه دين حال أو مؤجل على ما وصفنا في المأذون بنفسه ; لأن مطالبة صاحب الدين بإيفاء الدين من الكسب والرقبة فكما أن في الرقبة إذا انعدمت المطالبة للتأجيل في الدين جعل في حق تصرف المولى كأنه لا دين عليه فكذلك في تصرفه في كسبه بالبيع والهبة في حكم النفوذ وحكم تضمين المولى عند حل الدين وفي الأصل إشارة إلى مخالف له في هذا الجواب واستشهد عليه بشواهد قال : أرأيت لو أعتق رقيق العبد قبل أن يحل دين العبد لم يجز عتقه في قول أبي حنيفة رحمه الله ينبغي لمن زعم أن البيع لا يجوز أن لا يجوز عتقه في الرقيق بمنزلة ما لو كان الدين حالا وكان محيطا برقبته وما في يده ( أرأيت ) لو أن المولى لو حجر عليه والدين عليه مؤجل لم يكن له أن يبيع الرقيق فإذا لم يكن له أن يبيعهم فمن ذا الذي ينفق عليهم فبيع المولى في هذا كله جائز وهو ضامن للقيمة إذا حل الدين وقيل المخالف أبو يوسف رحمه الله فقد روي عنه أنه لا يجوز بيع المولى كسب العبد وإن كان الدين مؤجلا عليه ; لأن بالتأجيل لا ينعدم وجوب أصل الدين وحاجة المأذون إلى قضائه وحاجته في كسبه مقدمة على حق المولى [ ص: 147 ] فكان المولى ممنوعا من إثبات يده عليه ولا يجوز بيعه ولا هبته فيه ويجوز العتق ; لأن تقرر العتق لا يستدعي اليد ، فأما إذا كان الدين حالا على العبد فإن لم يكن محيطا بكسبه ورقبته لا يمنع نفوذ عتق المولى في رقبته ; لأن المولى يخلف عبده في كسبه خلافة الوارث المورث والدين على المورث إذا لم يكن محيطا بالتركة لا يمنع ملك الوارث في التركة ونفوذ عتقه في قول أبي حنيفة رحمه الله الأخير وفي قوله الأول يمنع ذلك وقد بينا هذا في أول الزيادات فكذلك الدين على العبد .
فأما إذا كان الدين محيطا بكسبه ورقبته فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله المولى لا يملك شيئا من كسبه ، ولو أعتقه لا ينفذ عتقه في كسبه وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله المولى يملك كسبه حتى ينفذ عتقه في رقبته كما يملك عتقه ; لأن الكسب بمنزلة الرقبة من حيث إن حق الغريم فيه مقدم على حق المولى وإنه لا يسلم للمولى إلا بشرط الفراغ من دين العبد فكما أن قيام الدين عليه لا ينافي ملك المولى في رقبته فكذلك لا ينافي ملكه في كسبه وهذا ; لأن الكسب يملك بملك الرقبة وله ملك مطلق في رقبته فيملك كسبه وهذا بخلاف المكاتب فرقبته مملوكة للمولى من وجه دون وجه ; لأنه بعقد الكتابة صار بمنزلة الحر يدا وقد ملك بدل الرقبة وهو دين الكتابة من وجه فكذلك يمنع بقاء ملكه في رقبته من هذا الوجه ; فلهذا لا يكون مالكا كسبه ، فأما رقبة العبد بعد لحوق الدين إياه فمملوكة للمولى من كل وجه .
( ألا ترى ) أنه يملك استخلاصه لنفسه بقضاء الدين من موضع آخر ولا يملك إبطال حق المكاتب بفسخ الكتابة وهذا بخلاف الدين في التركة ، وذلك ; لأن الوارث إنما يملك الفاضل عن حاجة الميت .
( ألا ترى ) أن المشغول بالجهاز والكفن لا يكون مملوكا للوارث فكذلك المشغول بالدين وههنا ملك المولى كسب العبد لا يتعلق بفراغه من حاجة العبد وإن كانت سلامته له تتعلق بذلك .
( ألا ترى ) أن حاجته إلى النفقة والكسوة لا يمنع ملك المولى في كسبه فكذلك حاجته إلى الدين ولأن الشرع جعل الميراث بعد الدين فحال قيام الدين كحال حياة المورث في أنه لا يكون أو أن الميراث والحكم لا يسبق أوانه ، فأما خلافة المولى عبده في ملك الكسب واعتبار الرق ينافي الأهلية لملك المال والكسب موجب الملك في المكسوب فإذا لم يكن المكتسب من أهله وقع الملك لمن يخلفه وهذا المعنى قائم حال قيام الدين عليه وأبو حنيفة رحمه الله يقول المولى يخلف عبده في ملك الكسب خلاف الوارث المورث على معنى أنه يملكه بإكسابه وسلامته له متعلقة بفراغه عن حاجة العبد فكما أن [ ص: 148 ] الدين المحيط بالتركة يمنع ملك الوارث في التركة فكذلك الدين المحيط بالكسب والرقبة يمنع ملك المولى وهذا ; لأن الخلافة في الموضعين جميعا باعتبار انعدام الأهلية للملك في المكتسب فالميت ليس بأهل للمالكية كالرقيق ; لأن المالكية عبارة عن القدرة والاستيلاء والموت ينافي ذلك كالرق بل أظهر فالرق ينافي مالكية المال دون النكاح والموت ينافيهما جميعا ، ثم لقيام حاجة الميت إلى قضاء ديونه يجعل كالمالك حكما حتى لا يملك الوارث كسبه فكذلك العبد لقيام حاجته يجعل كالمالك حكما وهذه الحاجة ليست كالحاجة إلى الطعام والكسوة فإن الرقيق لا يحتاج إلى ذلك ; لأنه يستوجب النفقة على المولى إذا لم يكن له كسب وليس الكسب نظير الرقبة ; لأن المولى ليس يخلفه في ملك الرقبة بل كان مالكا للرقبة لا بالاكتساب من العبد فبقي ملكه في الرقبة بعد لحوق الدين وهو نظير المكاتب فالمولى مالك رقبته حتى ينفذ منه العتق في - رقبته وتؤدى به كفارته وبه يتبين أن ملكه في الرقبة مطلق ومع ذلك لقيام حاجته لا يملك المولى كسبه فكذلك في العبد المديون لا يملك كسبه وإن كان يملك رقبته ولا عتق فيما لا يملك ابن آدم .
وإذا أقر العبد المحجور عليه باستهلاك ألف درهم لرجل لم يؤخذ به حتى يعتق فإذا عتق أخذ بذلك ; لأنه محجور عن الإقرار لحق المولى فبإقراره لا يظهر وجوب الدين في حق المولى ولكن يظهر في حق العبد ; لأنه مخاطب لا تهمة في إقراره في حقه فيؤاخذ به بعد العتق وإن ضمن عنه رجل هذا الدين قبل أن يعتق أخذ به الكفيل حالا ; لأن أصل الدين واجب على العبد وإنما تأخرت المطالبة في حقه لانعدام المحل فإذا ضمنه عنه رجل فقد ضمن دينا واجبا فيؤاخذ به في الحال بمنزلة الدين على مفلس إذا ضمنه إنسان أخذ به في الحال لهذا المعنى فإذا اشتراه صاحب الدين فأعتقه أو أمسكه بطل دينه عن العبد ; لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا ولكنه يأخذ الكفيل بالأقل من الثمن ومما ضمنه ; لأن الدين لو كان معروفا على العبد تحول بالبيع إلى الثمن سواء بيع من صاحب الدين أو من أجنبي وهذا الدين بمنزلة المعروف في حق الكفيل فيحول إلى الثمن ; لأنه إنما يتحول إلى الثمن بقدر ما يسع من الثمن لقضاء الدين منه فبقدر ذلك يكون الكفيل مطالبا وما زاد على ذلك سقط عن الكفيل بسقوطه عن الأصيل من كل وجه ، ولو لم يشتره ولكن صاحبه وهبه منه وسلمه إليه بطل دينه عن العبد وعن الكفيل ; لأن الدين ههنا سقط عن الأصيل والمولى لا يستوجب على عبده دينا ولم يخلف العبد محلا آخر يمكن تحويل الدين إليه وبراءة الأصيل بأي سبب كأن توجب براءة [ ص: 149 ] الكفيل فإن رجع في هبته لم يعد الدين أبدا وهذا قول محمد رحمه الله .
وعند أبي يوسف رحمه الله يعود الدين برجوعه في الهبة وأصل الخلاف في الدين المعروف على العبد ولم يذكر قول أبي يوسف ههنا إنما ذكره في أول الزيادات وجه قول محمد رحمه الله أن الدين بالهبة سقط عن العبد لا إلى بدل فكان كالساقط عنه بالإبراء وبعد الإبراء لا يتصور عود الدين إذا تم السقوط بالقبول وهذا ; لأن الساقط يكون متلاشيا والعود يتصور في القائم دون المتلاشي بخلاف ما إذا اشترى بالدين شيئا أو صالح على عين فهلك قبل القبض ; لأن الدين هناك لم يسقط وإنما تحولت المطالبة إلى المشتري وإلى ما وقع عليه الصلح ، وكذلك الحوالة فإن الدين لا يسقط بها ولكن يتحول إلى ذمة المحتال عليه بالتوى إلى المحيل وأبو يوسف رحمه الله يقول بالرجوع في الهبة بفسخ العقد من الأصل وتعود العين إلى قديم ملكه وسقوط الدين كان بحكم الهبة فإذا انفسخ عاد الدين كما إذا سقط الدين بالشراء أو الصلح بخلاف الإبراء فالسبب هناك غير محتمل للفسخ بعد تمامه والدليل عليه أن الدين لو كان لصبي فوهبه صاحب الدين منه وقبضه هو أو وصيه سقط الدين ، ثم إذا رجع الواهب لو قلنا بأنه لا يعود الدين كان فيه إلحاق الضرر بالصبي وإسقاط دينه مجانا ، وذلك مملوك للصبي فلا بد من القول بعود الدين لدفع الضرر وقد روى ابن سماعة عن محمد والحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهم أنه ليس للواهب أن يرجع في الهبة بعد سقوط الدين ; لأن ذلك في معنى زيادة حادثة في ملك الموهوب له والزيادة المتصلة تمنع الواهب من الرجوع ولكن في ظاهر الرواية هذه زيادة لا تغير صفة العين فتكون كزيادة السعر فلا يمنع الواهب من الرجوع ( ألا ترى ) أن المشتري إذا أقر على العبد بالدين قبل القبض لم يصر قابضا ، وإن كان الدين عينا والمشتري بالتعيب يصير قابضا ولكن هذا التعييب لما لم يؤثر في العين لم يجعل به قابضا فهذا مثله وقد أملينا في أول شرح الزيادات هذه الفصول بفروعها .
ولو كان الدين على العبد لشريكين وبعضه حال وبعضه مؤجل فوهبه المولى لأحدهما وسلمه إليه فلشريكه أن ينقض الهبة لمكان حقه في المطالبة بالدين الحال كما لو وهبه لأجنبي آخر فإن نقضها بيع العبد فاستوفى الهبة حقه من الثمن وما بقي فهو للمولى ولا شيء للموهوب له على المولى ولا على العبد ولا على الشريك ; لأن الموهوب له حين قبض العبد بحكم الهبة فقد ملكه وإن كان النقض مستحقا لحق الآخر كالمريض إذا وهب عبده وسلمه صار ملكا للموهوب له وإذا ملكه [ ص: 150 ] سقط دينه ولا يعود بعد ذلك إذن فعلى قول أبي يوسف إذا نقض الآخر الهبة عاد الدين كله إلى العبد كما في الأول .
ولو باعه المولى من أحدهما بألف درهم وقيمته ألفا درهم فأبطل الآخر البيع بعد القبض أو قبله بيع لهما فاقتسما ثمنه ولم يبطل من دين المشتري شيء ; لأن بالبيع تحول حقه إلى الثمن كما لو باعه من أجنبي آخر لا يسقط به دينه ولكن يتحول إلى الثمن بخلاف الهبة ; فلهذا يباع العبد ههنا في دينهما بعد نقض البيع .
وإذا كان على المأذون دين مؤجل فباعه المولى من صاحب الدين بأقل من قيمته أو بأكثر فالثمن للمولى وهو أحق به حتى يحل الدين فيدفع الثمن إلى الغريم وفي قياس قول زفر رحمه الله يحل عليه الدين بالبيع فيكون الثمن للغريم وقد بينا هذا في البيع من أجنبي آخر إذا كان القاضي هو الذي باشره حتى يحول به الدين إلى الثمن ، وكذلك إذا باعه المولى من صاحب الدين ; لأنه في البيع من صاحب الدين لا يكون جانيا في حقه ضامنا له شيئا فإن توي الثمن في يد المولى لم يكن للغريم على المولى سبيل ; لأنه في البيع وقبض الثمن منه لم يكن جانيا في حق الغريم فهلاك الثمن في يده كهلاك العبد قبل البيع .
وإن كان على العبد دين لآخر مثل دين المشتري فحل ضمن نصف القيمة لصاحب الدين الذي لم يشتر العبد ; لأنه في حقه جان بتفويت محل حقه بالبيع فيضمن له نصف القيمة ثم يسلم له ذلك ولا يشاركه المشتري فيه كان شريكا في الدين الذي على العبد أو لم يكن شريكا ; لأن وجوب ضمان القيمة على المولى باعتبار جنايته وهو غير جان في حق المشتري حين ساعده على الشراء منه فلا يثبت له حق في قيمته ، ولو شارك الآخر فيما قبض من القيمة لم يسلم له ولكن يأخذه المولى منه ، ثم يأتي الشريك الآخر فيأخذ ذلك من المولى فعرفنا أنه لا فائدة في إثبات المشاركة له في المقبوض .
ولو أمر المولى عبده المأذون فكفل لرجل بألف درهم عن رجل على أن الغريم إن مات ولم يدفع المال إلى رب المال فالعبد ضامن للمال فهو جائز ; لأن كفالته بإذن المولى إذا لم يكن عليه دين ككفالة الحر فإن باعه المولى من رب المال بألف أو بأقل فبيعه جائز ويقبض الثمن فيصنع به ما بدا له ; لأن وجوب دين الكفالة متعلق بالشرط فلا يكون ثابتا قبله فإن مات المكفول عنه قبل أن يؤدي المال كان للذي اشترى العبد من المولى أن يرجع بالثمن على المولى فيأخذه منه قضاء من دينه ; لأن عند وجود الشرط يثبت المال على العبد مضافا إلى سببه ويكون هذا في معنى الدين المؤجل فيتحول إلى الثمن ببيعه إياه من الطالب وإن كان الثمن هلك من المولى [ ص: 151 ] لم يضمن المولى شيئا ; لأنه غير جان في حق المكفول له حين اشترى منه العبد فإقدامه على الشراء يكون رضا ببيعه محالة وإن هلك بعضه أخذ الباقي بدينه والهالك صار كأن لم يكن فإن هلك الثمن من المولى ، ثم وجد المشتري بالعبد عيبا رده إن شاء ولم يكن له من الثمن شيء على المولى ; لأن المولى كان عاملا له في بيعه وقبض ثمنه ( ألا ترى ) أن حقه تحول إلى الثمن وكان هو أحق له عند وجوب دينه على العبد بوجود شرطه فلو رجع على المولى بشيء كان للمولى أن يرجع عليه بذلك أيضا وهذا لا يكون مفسدا ولكن يباع له العبد المردود حتى يستوفي من ثمنه الثمن الذي نقد البائع فإن فضل شيء أخذ هذا الفضل من دينه الأول وإن نقص الآخر عن الثمن الأول لم يكن له على البائع شيء من النقصان ; لما بينا والله أعلم
( قال : رحمه الله ) توكيل المأذون بالخصومة له وعنه جائز مثل الحر ; لأنه من صنيع التجار ومما لا يجد التاجر منه بدا وانفكاك الحجر فيه بالإذن كانفكاك الحجر عنه بالعتق فكل ما يصح منه من هذا الباب بعد العتق فهو صحيح بعد الإذن ، وكذلك إن كان الوكيل مولاه أو بعض غرمائه أو ابنه أو ابن المدعي أو مكاتبه أو عبدا مأذونا له ; لأنه صالح للنيابة عنه في تجاراته واستيفاء حقوقه فيصلح نائبا عنه في المطالبة بحقوقه والخصومة فيها وإقرار وكيله عليه عند القاضي جائز وإن أنكر مولاه أو غرماؤه ; لأن الوكيل فيما هو من جواب الخصم قائم مقام الموكل كما في الحر وقد بينا اختلاف العلماء فيه في كتاب الوكالة فإقرار وكيل العبد ههنا في مجلس القاضي كإقرار العبد وإقرار العبد صحيح وإن كذبه مولاه وغرماؤه فكذلك إقرار وكيله وإن أقر عند غير القاضي فقدمه خصمه إلى القاضي وادعى إقراره عند غيره سأله عن ذلك فإن أقر له بذلك قبل أن يتقدم إليه ألزمه ذلك ; لأن كلامه هذا إقرار مستأنف منه في مجلس القاضي مع حكايته ما كان منه من الإقرارين في غير مجلسه فإقراره المستأنف ملزم لموكله وما كان منه من الحكاية ساقط الاعتبار .
وإن قال : أقررت به قبل أن توكلني وقال الخصم أقر به في الوكالة ألزمه القاضي ذلك باعتبار أنه إقرار مستأنف منه وسواء كان إقراره السابق قبل التوكيل أو بعده فإنما يلزمه باعتبار إقراره المستأنف في مجلسه ثم يدعي هو تاريخا سابقا في إقراره حين أسنده إلى ما قبل التوكيل وخصمه ينكر هذا التاريخ وحقيقة المعنى [ ص: 152 ] فيه أنه ينكر صحة التوكيل ; لأنه حين كان مقرا قبل التوكيل لا يصلح نائبا في الخصومة في هذه الحالة وقبوله الوكالة إقرار منه بصحتها فإذا ادعى بعد ذلك أنها لم تكن صحيحة كان مناقضا وإن صدقه خصمه في أنه أقر قبل الوكالة أخرجه القاضي من الوكالة ولم يقض بذلك الإقرار على الموكل ; لأن المناقض إذا صدقه خصمه كان قوله مقبولا منه ، وقد تصادقا على أنه لم يصر وكيلا ، وإنشاء الإقرار في مجلس القاضي ممن هو وكيل يكون ملزما للموكل وإذا تصادقا أنه لم يصر وكيلا لا يقضي القاضي على الموكل بإقراره بشيء وإن كان كلامه إنشاء الإقرار ، ولو جحد الوكيل الإقرار لم يستحلف عليه ; لأن الخصم لا يدعي لنفسه بهذا الإقرار شيئا على الوكيل إنما يزعم أنه ليس بخصم له لأنه أقر في غير مجلسه وكيف يستحلفه وهو يزعم أنه ليس بخصم له فإن أقام الخصم البينة على إقراره قبل الوكالة أو بعدما أخرجه القاضي عن الوكالة لم يجز إقراره على موكله ; لأنه يثبت إقرار من ليس بوكيل وهو بهذه البينة ثبت أنه ليس بخصم له وأن له المطالبة بإحضار الوكيل للخصومة معه فتقبل بينته عليه فيكون الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة وإنما لا يستحلف على ذلك ; لأنه لو استحلف كان في معنى النيابة عن الموكل والنيابة لا تجزئ في الاستحلاف وتجزئ في قبول البينة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|