
27-12-2025, 07:39 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,891
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس والعشرون
صـــ132 الى صـــ 141
(515)
ولو باع القاضي المأذون للغرماء في دينهم أو باعه أمينه فضاع الثمن في يد الأمين الذي باعه ، ثم وجد المشتري بالعبد عيبا فرده على الأمين فإن القاضي يأمر الأمين بأن يبيعه مرة أخرى ويبين عيبه أما لا خصومة بين الأمين وبين المشتري بحكم ذلك البيع ; لأن أمين القاضي بمنزلة القاضي فلا تلحقه العهدة ولكن القاضي يأمر ذلك الأمين أو غيره بأن يخاصم المشتري نظرا منه للمشتري فإذا رده بالعيب أمره ببيعه مع بيان عيبه ولأنه يحتاج إلى إيفاء حق المشتري في الثمن وطريقه بيع الرقبة وإنما يبين عيبه لكي لا يرد عليه مرة أخرى فإذا أخذ الثمن بدأ بالمشتري الأول فأوفاه الثمن ; لأن الثمن الثاني بدل مالية الرقبة والثمن المقبوض من المشتري الأول بدل مالية - الرقبة أيضا فكان هو مقدما فيه على سائر الغرماء فإن كان الثمن الآخر أكثر من الثمن الأول فالفضل للغرماء وإن كان أقل غرم الغرماء للمشتري الأول تمام حقه ولا غرم على الأمين في ذلك لانتفاء العهدة ولكن بيعه كان بطلب الغرماء لمنفعتهم فما يلحق من العهدة يكون عليهم ، ولو فضل شيء كان الفضل لهم فكذلك النقصان يكون عليهم فإن كان المولى هو الذي باعه للغرماء بأمرهم وقبض الثمن فضاع في يده ، ثم وجد المشتري به عيبا فرده على البائع ببينة أو إباء يمين أو بعيب لا يحدث مثله فإن القاضي يبيعه ويوفي المشتري ثمنه ; لما قلنا فإن نقص عن الثمن الأول غرم البائع نقصانه للمشتري ; لأنه بمنزلة الوكيل في البيع فالرجوع بالثمن عند الرد يكون عليه ولكنه باعه لمنفعة الغرماء فيكون [ ص: 133 ] إقرار العهدة عليهم ; فلهذا رجع هو بما لحقه على الغرماء ، ولو كان رد عليه بإقراره بعيب يحدث مثله بيع العبد - ودفع ثمنه إلى المشتري فإن نقص عنه ضمن البائع النقصان ولم يرجع به على الغرماء ; لأن إقراره لا يكون حجة عليهم إلا أن تقوم له بينة أن العيب كان بالعبد قبل أن يقبضه المشتري الأول فحينئذ يرجع على الغرماء بما غرم من الثمن ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بتصديق الغرماء وإن لم يكن له بينة يستحلف الغرماء على علمهم ; لأنه يدعي عليهم ما لو أقروا به لزمهم .
وإن كان العبد حين رد على أمين القاضي أو المولى البائع بالعيب في جميع هذه الوجوه مات قبل أن يباع البيع الثاني رجع المشتري بالثمن على الغرماء إن كان أمين القاضي باعه ; لأنه لا ضمان على الأمين فيه ولا عهدة وإن كان المولى هو البائع ضمن الثمن للمشتري ورجع به على الغرماء ; لأنه باعه لمنفعتهم فيرجع عليهم بما يلحقه من العهدة إلا أن يكون القاضي رده عليه بإقراره بعيب يحدث مثله فلا يرجع حينئذ بالثمن على الغرماء إلا أن تقوم له بينة على العيب أو يأبى اليمين وصار جميع الثمن في هذا الفصل كالنقصان في الفصل الأول ، ولو أن أمين القاضي أو المولى البائع قبل العبد بعيب بغير قضاء القاضي فمات في يده غرم الثمن للمشتري ولم يرجع به على الغرماء إن كان العيب يحدث مثله أو لا يحدث ; لأن قبوله بغير قضاء القاضي بمنزلة شرائه ابتداء في حق الغرماء ; ولهذا لو لم يمت العبد فهو لازم للمردود عليه وإن أراد الغرماء بيعه وفيه فضل على الثمن الأول لم يكن لهم ذلك بمنزلة ما لو اشتراه .
ولو كان على المأذون دين فباعه المولى بألف درهم وقبض الثمن وسلمه إلى المشتري بعينه فالغرماء بالخيار إن شاءوا ضمنوا المشتري قيمة العبد وإن شاءوا البائع ; لأن كل واحد منهما جان في حق الغرماء البائع بالبيع والمشتري بالقبض فإن ضمنوا المشتري رجع بالثمن على البائع ; لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العبد إن لو ظفروا به ولم يسلم العبد للمشتري بالثمن الذي أداه إلى البائع ، وإن ضمنوا البائع قيمته سلم المبيع فيما بين البائع والمشتري لزوال المانع وأيهما اختار الغرماء ضمانه برئ الآخر حتى لو توت القيمة على الذي اختاره لم يرجعوا على الآخر بشيء ; لأن حقهم قبل أحدهما وكان الخيار إليهم في التعيين والمخير بين الشيئين إذا اختار أحدهما تعين ذلك عليه فإن ظهر العبد بعد ما اختاروا ضمان أحدهما فلا سبيل لهم عليه ; لأن القاضي لما قضى لهم بقيمة العبد على الذي اختاروا ضمانه ببينة أو بإباء يمين تحول حقهم إلى القيمة بقضاء القاضي وإن كان قضى عليه بقوله وقد ادعى الغرماء أكثر منه فهم بالخيار إن شاءوا رضوا بالقيمة وإن شاءوا [ ص: 134 ] ردوها وأخذوا العبد فبيع لهم ; لأنه لم يصل إليهم كمال حقهم بزعمهم وهو نظير المغصوب في ذلك وقد بيناه في الغصب .
وإن اختاروا البائع فضمنوه قيمته فاقتسموها بينهم ، ثم ظهر العبد في يد المشتري ووجد به عيبا فرده على البائع بقضاء القاضي فالبائع بالخيار إن شاء كان العبد له - وسلمت القيمة إلى الغرماء وإن شاء استرد من الغرماء ما أعطاهم وبيع العبد لهم ; لأن الرد - بقضاء القاضي فسخ من الأصل فعاد إلى قديم ملك المولى والغرماء ضمنوه القيمة على صفة السلامة عن العيب فإذا ظهر العيب يخير المولى لما يلحقه من الضرر فإن شاء رضي به وإن شاء رده على الغرماء واسترد منهم ما أعطاهم بمنزلة المشتري الأول مع بائعه إذا رد عليه فإن رده عليهم عاد حقهم في العبد كما كان فيباع في دينهم .
وإن كان البائع قد علم بالعيب قبل أن يبيعه ، ثم رده على المشتري بذلك العيب فإن كان الغرماء ضمنوه قيمته صحيحا كان للبائع أن يأخذ منهم القيمة ويسلم لهم العبد فيباع في دينهم وإن شاء سلم لهم وأمسك العبد وإن ضمنوه قيمته وبه العيب سلم العبد للغرماء ; لأن الضرر مندفع عن المولى وقد كان عالما بالعيب فاندفع به ضرر جهله وإنما ضمن لهم القيمة معيبا ; فلهذا لا يرجع عليهم بشيء ، ولو كانوا ضمنوا المشتري قيمته واقتسموها بينهم ورجع المشتري على البائع بالثمن ، ثم ظهر العبد فوجد المشتري به عيبا رده على الغرماء ; لأنه تملكه من جهتهم بضمان القيمة والبيع الذي كان بينه وبين المولى قد انفسخ وإنما ضمنه قيمته صحيحا فإذا ظهر أنه كان معيبا رده عليهم وأخذ القيمة منهم ، ثم يباع لهم .
وإن كانوا ضمنوا البائع القيمة ، ثم وجد به المشتري عيبا فرده القاضي على البائع بإقراره والعيب مما يحدث مثله فلا سبيل للبائع على الغرماء في القيمة ; لأن إقراره ليس بحجة عليهم إلا أن يقيم البينة على العيب أو يأبوا اليمين وإن رده بغير قضاء القاضي والعيب مما يحدث مثله أو لا يحدث فلا سبيل للبائع على الغرماء في القيمة ; لأن الرد بغير قضاء القاضي بمنزلة الشراء المستقبل في حق الغرماء ، وكذلك لو كان الشراء بالخيار ثلاثة أيام في العبد فرده بالخيار بعد ما ضمن الغرماء البائع القيمة لم يكن للبائع أن يرجع عليهم بالقيمة ; لأن المشتري إنما رده بتسليط البائع بشرط الخيار له ، وذلك غير عامل في حق الغرماء ، وكذلك المشتري لو كان المشتري أرسل رسولا فقبض العبد من البائع ولم يرده فضمن الغرماء البائع القيمة ، ثم رأى المشتري العيب فلم يرضه فرده على البائع لم يكن للبائع أن يرجع بالقيمة على الغرماء ; لأنه وإن عاد إليه بسبب هو فسخ من الأصل فلم يتبين به أن سبب - القضاء بالقيمة للغرماء ما لم يكن موجودا [ ص: 135 ] يومئذ ، وكذلك لو كان البائع بالخيار وقد دفع العبد إلى المشتري فضمن الغرماء البائع القيمة ، ثم اختار البائع رد العيب واستوضح بالمغصوب قال : ( ألا ترى ) أن للغاصب لو باع المغصوب ودفعه إلى المشتري ، ثم إن رب العبد ضمن الغاصب قيمته بقضاء القاضي وقد كان الغاصب فيه خيار الشرط أو للمشتري أو كان فيه خيار رؤية ففسخ البيع أو أجاز سلمت القيمة للمغصوب منه على كل حال ، وكذلك ما سبق في فصل المأذون .
ولو باع المولى المأذون بغير أمر الغرماء فأعتقه المشتري قبل أن يقبضه فعتقه موقوف ; لأن المشتري بنفس العقد لا يتملك العبد ملكا تاما فإن السبب موقوف على إجازة الغرماء وبالسبب الموقوف إنما يثبت الملك الموقوف ; لأن الحكم بحسب السبب والسبب الضعيف لا يوجب حكما قويا والعتق منهي للملك فإذا كان موقوفا فما ينهيه يوقف بتوقفه فإذا تم البيع بإجازته أو قضاء دين أو كان في الثمن وفاء فأخذوه بعد العتق وإن لم يتم البيع أبطله القاضي وباع العبد في دينهم نظرا منه للغرماء وعلل فقال : لأن البيع كان فاسدا لا يجوز إلا بالإجازة أو ما يقوم مقامها وفي هذا التعليل نظر فإن في البيع الفاسد إن أعتقه المشتري قبل القبض ، ثم نفذ البيع لا ينفذ ذلك العتق وههنا ينفذ فعرفنا أن مراده أنه بمنزلة الفاسد في الضعف لأجل التوقف ، ولو كان أعتقه بعد القبض جاز عتقه ; لأن السبب الضعيف بالقبض يقوى كما في البيع الفاسد وهذا أقوى من الفاسد يوضحه أن البيع تسليط على التصرف وتمام هذا التسليط بالتسليم فإن أعتقه بعد القبض فقد أعتقه بعد تمام هذا التسليط والمسلط لو أعتقه بنفسه نفذ عتقه وأما قبل القبض فالتسليط غير تام ولكن تمامه موقوف على القبض فيتوقف العتق أيضا وهو نظير الراهن يبيع المرهون ، ثم يعتقه المشتري ، ولو لم يعتقه المشتري ولكنه باعه أو وهبه وسلمه فإن تم البيع الأول ببعض ما وصفنا جاز ما فعل المشتري فيه ; لأنه باع ملكه وحق الغرماء الذي كان مانعا من نفوذه قد زال وهو نظير المشتري من المكره إذا تصرف ثم أجاز المكره البيع ، ولو لم يبعه المولى ولكنه وهبه لرجل وسلمه ، ثم ضمنه الغرماء القيمة نفذت الهبة فإن رجع في الهبة بحكم أو غير حكم سلم العبد له ولم يكن له على القيمة ولا للغرماء على العبد سبيل ; لأن حقهم تحول إلى القيمة بقضاء القاضي فإن وجد به عيبا ينقص من القيمة التي غرمها كان له أن يرده ويأخذ القيمة ; لأنهم ضمنوه القيمة على صفة السلامة وبالرجوع عاد إلى قديم ملكه فإن كان أعتقه بعد الرجوع في الهبة قبل أن يعلم بالعيب أو دبره أو حدث به عيب رجع بما بين العيب والصحة من القيمة ; لأنه تعذر [ ص: 136 ] الرد على وجه لم يصر هو راضيا فيرجع بالتفاوت وللغرماء أن يردوا القيمة ويتبع العبد في الدين في غير العتق والتدبير ; لأن تعذر الرد لمراعاة حقهم بسبب العيب الحادث وإذا رضوا به فقد زال المانع إلا أن يشاء المولى أن لا يطالبهم بالنقصان ويرضى به معيبا وإن كان هذا في جارية قد وطئت بشبهة فوجب لها العقد لم يكن للغرماء عليها سبيل من أجل الزيادة المنفصلة ; لأنها تمنع الرد لحق الشرع وردوا نقصان العيب من القيمة ; لأنه تبين أنهم أخذوا ذلك زيادة على حقهم .ولو كان المولى باعه وعيبه المشتري فضمن الغرماء المولى ، ثم وجد المشتري بالعبد عيبا لا يحدث مثله وحدث به عيب آخر فرجع بنقصان القيمة على البائع لم يكن للبائع أن يرجع على الغرماء بالقيمة ولكنه يرجع بحصة العيب من القيمة التي غرمها للغرماء ; لأنه ظهر أن ما بين قيمته معيبا إلى قيمته سليما أخذوه منه بغير حق فعليهم رد ذلك عليه
( قال : رحمه الله ) وإذا كان الدين على المأذون إلى أجل فباعه المولى بأكثر من قيمته أو بأقل فبيعه جائز ; لأنه باع ملكه وهو قادر على تسليمه وتحقيقه أن بسبب التأجيل يتأخر حق الغرماء في المطالبة بقضاء الدين إلى حلول الأجل وامتناع نفوذ تصرف المولى في كسبه ورقبته لكونه مشغولا بحق الغرماء وحقهم في المال استيفاء الدين منه وبسبب التأجيل سقط هذا الحق إلى حلول الأجل فلانعدام المانع من نفوذ تصرف المولى فيه ينفذ بيعه فإن قيل حق الغرماء في العبد المديون كحق المرتهن في المرهون ، وذلك يمنع الراهن من البيع سواء كان الدين حالا أو مؤجلا كحق الغرماء في مال المرتهن ، وذلك يمنع التصرف المبطل لحقهم سواء كان الدين حالا أو مؤجلا أو هو لحق الغرماء في مال المريض ، وذلك يمنع التصرف المبطل لحقهم سواء كان الدين حالا أو مؤجلا فهذا مثله قلنا لا كذلك فللمرتهن في المرهون ملك اليد ، وذلك قائم مع التأجيل في الدين وبه يعجز الراهن عن التسليم وليس للغرماء ملك اليد في المأذون ولا في كسبه وإنما لهم حق المطالبة بقضاء الدين ، وذلك يتأخر إلى ما بعد حلول الأجل وتصرف المريض في ماله نافد ما دام حيا وبعد موته لا يبقى الأجل ; ولهذا لا يتصرف الوارث في تركته ويؤمر بقضاء الدين في الحال فلما لم يبق الأجل بعد موته كان الدين الحال والمؤجل في الحكم سواء وإنما لم يبق الأجل ; لأن ذمته لم تبق محلا صالحا لوجوب [ ص: 137 ] الدين منه .
فأما ذمة العبد فمحل صالح لذلك فالدين ثابت في ذمته والأجل فيه صحيح فلا سبيل للغرماء على منع المولى من التصرف أو مطالبته بشيء حتى يحل دينهم فإذا حل ضمنوه قيمته ; لأنه أتلف عليهم محل حقهم وهو المالية ولأن المولى كالمحتمل عن العبد لغرمائه مقدار مالية رقبته والدين إذا حل على الأصيل بمضي الأجل حل على الكفيل فكان لهم أن يضمنوه قيمته بعد حل المال ولا سبيل لهم على الثمن أجازوا البيع أو لم يجيزوا ; لأنه كان جائزا بدون إجازتهم وكان الثمن للمولى سالما كسائر أملاكه فلا يتغير ذلك بإجازتهم ولأن ضمان القيمة دين لهم في ذمة المولى ويعتبر محل قضاء الدين إلى المديون فلا سبيل للغرماء على الثمن كما لا سبيل لهم على سائر أملاك المولى بخلاف ما إذا كان البيع بعد حل المال فأجازوه ; لأن نفوذ البيع هناك يكون بإجازتهم فيتحول حقهم عن مالية العبد إلى بدله وههنا نفوذ البيع كان بدون إجازتهم وكان الثمن سالما للمولى كسائر أملاكه قبل حلول المال فكذلك بعد حله .
وكذلك لو وهبه لرجل وسلمه فإن توي ما على المولى من القيمة لم يكن لهم على العبد ولا على الموهوب له سبيل ; لأن الملك تجدد للموهوب له في العبد بتجدد سببه ولا حق لهم في هذا الملك ولا سبيل لهم إلى نقض سببه ; لأن المولى باشره لم يكن لهم حق المنع فلا يثبت لهم حق الإبطال بعد ذلك ولكن دينهم على العبد يتأخر إلى عتقه بمنزلة مريض وهب عبدا لا مال له غيره وعليه دين كثير فباعه الموهوب له أو وهبه وسلمه ، ثم مات الواهب الأول فلا سبيل لغرمائه على العبد ولا على من في يده وإنما لهم القيمة على الموهوب له الأول ; لأنه صار متلفا محل حقهم بتصرفه فإن توت تلك القيمة عليه لم يكن لهم على العبد ولا على من هو في يده سبيل .
وللمولى أن يستخدم العبد المأذون إذا كان دينه إلى أجل ; لأنه مالك رقبته والمنفعة تملك بملك الرقبة ولا سبيل للغرماء عليه في مطالبته بشيء في الحال فيتعذر على المولى استخدامه مراعاة لحقهم ، ولو كان الدين حالا كان لهم أن يمنعوه من ذلك ; لأن لهم حق المطالبة بقضاء الدين والاستسعاء فيه وباستخدام المولى إياه يفوت عليهم ذلك أو يتمكن فيه نقصان لهم أن يمنعوه من ذلك ، وكذلك لو أراد أن يسافر به لم يكن لهم أن يمنعوه إذا كان الدين مؤجلا ; لأنه لا سبيل لهم على العبد في مطالبته بشيء فكيف يثبت لهم السبيل على المولى في منعه من السفر به ، ولو كان الدين حالا كان لهم أن يمنعوه من ذلك ; لأنه يحول بينهم وبين حق ثابت لهم وهو المطالبة ببيع الرقبة وقضاء الدين من ثمنه ، وكذلك له أن يؤاجره [ ص: 138 ] ويرهنه إذا كان الدين مؤجلا ; لما قلنا فإن حل الدين قبل انقضاء مدة الإجارة كان عذرا وللغرماء أن ينقضوا الإجارة ; لأن الإجارة وإن كانت من لوازم العقود فإنها تنتقض بالعذر ، والحاجة إلى دفع الضرر .
( ألا ترى ) أنها تنتقض لدفع الضرر عن المباشر للعقد فلأن تنقض لدفع الضرر عن غير المباشر أولى وتنقض للرد بسبب فساد البيع والرد بسبب العيب في البيع فينقض أيضا لحق الغرماء في المطالبة ببيع الرقبة بعد حل المال .
فأما الرهن فهو لازم من جهة الراهن ولا يثبت للغرماء بعد حل الأجل نقض الرهن كما لا يثبت لهم حق نقض البيع الذي نفذ من المولى ولكنهم يضمنون المولى قيمته ; لأنه حال بينهم وبين حقهم في المطالبة بإيفاء الدين من مالية الرقبة وبالبيع فيضمن لهم القيمة كما لو أتلف عليهم ذلك بإبطال المالية فيه وبالإعتاق فإذا أرادوا تضمينه فافتكه من المرتهن ودفعه إليهم برئ من الضمان ; لأن الحيلولة قد ارتفعت وإن افتكه بعد ما قضى عليه القاضي بضمان القيمة فالقيمة عليه والعبد له ولا سبيل للغرماء على العبد ; لأن حقهم تحول - بقضاء القاضي إلى القيمة والسبب الموجب له كان قائما وقت القضاء فلا يعود حقهم بعد ذلك بانعدام الحيلولة بالفكاك كالمغصوب إذا عاد من إباقه بعد ما قضى القاضي على الغاصب بقيمته ، ولو أبى المولى أن يفتكه فقضى الغرماء الدين ليبيعوه في دينهم كان لهم ذلك ; لأن المانع حق المرتهن وحقه يسقط بوصول دينه إليه وإنما يقصدون بهذا تخليص محل حقهم فلا يكون للمرتهن أن يأبى ذلك عليهم .
وإذا لم يكن على المأذون دين فأمره مولاه أن يكفل عن رجل بألف فقال العبد للمكفول له : إن لم يعطك فلان ما لك عليه وهو ألف فهو علي فالضمان جائز ; لأن العبد إنما كان محجورا عن الكفالة لحق المولى فإذا رضي المولى بكفالته كان هو والحر سواء ، وكذلك لو قال إن مات فلان ولم يعطك هذا المال الذي لك عليه فهو جائز على ما قال وقد بينا في كتاب الكفالة معنى صحة تعليق الكفالة بهذه الأسباب فإن أخرجه المولى عن ملكه ببيع أو هبة ، ثم مات المكفول عنه قبل أن يعطي المكفول له حقه فإن المكفول له يضمن المولى الأقل من دينه ومن قيمته ولا يبطل بيع المولى في العبد ولا هبته ; لأن هذا في معنى الدين المؤجل على العبد حين تصرف المولى من حيث إنه لم يكن للموهوب له سبيل على مطالبته بشيء يومئذ وهو دونه ; لأن أصل الوجوب لم يكن ثابتا قبل وجود شرطه وإن وجد سببه وهو الكفالة ، ثم قد بينا أن هناك الغريم لا يبطل تصرف المولى فههنا أولى وأما تضمين المكفول له المولى قيمته فلأنه [ ص: 139 ] فوت عليه محل حقه بتصرفه وقد كان سبب وجوب المال منعقدا وإن كانت المطالبة به متأخرة فيكون المولى ضامنا له قيمته بتفويت المال عليه ، وكذلك هذا في ضمان الدرك لو أمر عبده أن يضمن الدرك في دار باعها المولى ، ثم إن المولى باعه ، ثم استحقت الدار فللمشتري أن يضمن المولى الأقل من قيمته ومن الثمن باعتبار أنه فوت عليه محل حقه فإن لم يخرجه المولى من ملكه حتى لحق العبد دين يحيط برقبته ، ثم استحقت الدار من يد المشتري فإن العبد يلزمه ما ضمن مع الدين الذي في عنقه ; لأن سبب وجوب الضمان للدرك كان صحيحا لكون العبد فارغا عن حق الغرماء عند ذلك وقد تعذر الوجوب بالاستحقاق فيكون هذا دينا ; لأن ما على العبد كسائر ديونه في جميع ذلك .
ولو حفر العبد التاجر بئرا في الطريق ، ثم أخرجه المولى من ملكه ثم وقع في البئر دابة تساوي ألف درهم فعطبت فلا سبيل لصاحبها على العبد ولا على الذي هو في يده ; لأنه حين أخرجه المولى من ملكه لم يكن العبد مطالبا بشيء ولم يوجد من العبد صنع هو جناية في الملك الذي تجدد للمشتري فلا سبيل له على المشتري ولكنه يضمن مولاه الأقل من قيمته ومن قيمة الدابة ; لأن عند وقوع الدابة في البئر يصير العبد متلفا له بالحفر السابق ، وذلك الحفر جناية منه في ملك المولى يستحق به صاحب الدابة مالية رقبته لو لم يخرجه المولى عن ملكه فبإخراجه يكون مفوتا عليه محل حقه ; فلهذا يضمن له المولى الأقل من قيمته ومن قيمة الدابة فإن تويت القيمة عليه لم يتبع عبده بشيء حتى يعتق فيؤخذ بقيمة الدابة حينئذ ; لأن الدين كان واجبا في ذمته باعتبار جنايته وكان لا يطالب به لحق مولاه الذي حدث له فإذا سقط حقه بالعتق كان مطالبا بقضاء دينه .
وإذا كان على العبد التاجر دين إلى أجل فباعه مولاه ، ثم اشتراه أو رجع إليه بإقالة أو عيب بعد القبض بغير حكم ، ثم حل الدين فلا سبيل للغرماء أما في الشراء فلا إشكال أن الملك متجدد له بتجدد السبب ، وكذلك في الإقالة والرد بالعيب بعد القبض بغير حكم فإنه في معنى بيع متجدد في حق غيرهما فكان وجود هذا العود إليه كعدمه وعود هذا العبد إليه كعود عبد آخر فإن اختلاف سبب الملك بمنزلة اختلاف العين ; فلهذا ضمنوا المولى قيمته ، ولو رجع العبد إليه بعيب بقضاء قاض أو خيار رؤية أو شرط في أصل البيع ، ثم حل الدين أخذوا العبد به ولا سبيل لهم على المولى ; لأنه عاد إليه بسبب هو فسخ من الأصل فإنما يعود إلى قديم ملكه الذي كان مشغولا بحق غرمائه وينعدم به السبب الموجب للضمان على المولى وهو تفويت محل حقهم .
وإن مات في يد المولى [ ص: 140 ] بعد ما رجع إليه على هذا الوجه قبل أن يحل دينهم ، ثم حل الدين فلا ضمان لهم على المولى ; لأن البيع حين انفسخ من الأصل صار كأن لم يكن ، ولو مات قبل البيع لم يكن لهم على المولى ضمان إذا حل دينهم ، وكذلك المولى لو وهبه وسلمه ، ثم رجع في الهبة بحكم أو بغير حكم فإن المولى يبرأ من القيمة ; لأن الرجوع في الهبة فسخ من الأصل وإعادة إلى قديم ملكه سواء كان بقضاء أو بغير قضاء عندنا وقد بيناه في الهبة فإذا عاد محل حقهم صارت الإزالة كأن لم تكن ، ولو باعه فمات قبل أن يقبضه المشتري برئ المولى من القيمة ; لأن بمجرد البيع لا يتقرر السبب الموجب للضمان على المولى وإنما يكون بالتسليم ، ولو تقرر السبب بالبيع فبالموت قبل التسليم ينتقض البيع من الأصل ويعود إلى ملك المولى مشغولا بحق الغرماء كما كان فهو كما لو انتقض البيع بالرد بخيار الشرط ثم مات وإن مات بعد ما قبضه المشتري قبل أن يحل الدين فقد حل عليه بموته ; لأن الأجل حق العبد وقد استغني عنه بموته ووجوب الدين كان في ذمته وقد خرجت ذمته من أن تكون محلا صالحا لوجوب الدين فيه فهو وموت الحر سواء وعلى المولى قيمته إلى أجل الدين ; لأن الأجل كان ثابتا في حق المولى ولم يقع له فيه الاستغناء عنه وهو بمنزلة الكفيل فيما لزمه من القيمة والدين المؤجل إذا حل على الأصيل بموته يبقى الأجل في حق الكفيل ، وكذلك لو أعتقه المولى ، ثم مات العبد حل عليه ولم يوجد المولى القيمة إلا إلى الأجل في حق المولى لحاجته إلى ذلك وقيام ذمته محلا صالحا لوجوب الحق فيها .
ولو كان الدين على العبد ألفي درهم ألف حالة وألف إلى أجل فباعه المولى أو وهبه وسلمه فلصاحب الدين الحال أن ينقضه إلا أن يقضي المولى دينه ; لأن الدين المؤجل في حكم نقض تصرف المولى كالمعدوم وقيام صاحب الدين الحال كاف في نقض تصرف المولى فإن قضاه جاز ما صنع المولى من ذلك به ; لأنه وصل إليه جميع حقه ولا سبيل لصاحب الدين المؤجل على العبد في الحال فينفذ تصرفه فيه فإذا حل الدين الآخر لم يشارك الأقل فيما أخذ من المولى ; لأن أصل الدين لم يكن مشتركا بينهما والمقبوض من محل لا شركة بينهما فيه وهو ملك المولى ولكنه يتبع المولى بالأقل من دينه ومن جميع قيمته ; لأن حق الآخر سقط بوصول دينه إليه وكان المولى متطوعا فيما قضاه كأجنبي آخر وصار كان لم يكن عليه إلا الدين المؤجل فباعه المولى ( ألا ترى ) أنه لو لم يبعه حتى حل الدين فإن العبد كله يباع للغريم الآخر في دينه إلا أن يفديه المولى فكذلك إذا باعه كان ضامنا بجميع قيمته إلا أن يكون الدين أقل منه ، ولو لم يقض المولى صاحب الدين الحال حقه [ ص: 141 ] فنقض البيع وطلب من القاضي ببيعه فإن القاضي يبيعه بمطالبته ، ثم يدفع إليه نصف الثمن ; لأن ببيع القاضي يتحول حق الغرماء إلى العبد من الثمن وأصل الاستحقاق لصاحب الدين المؤجل ثابت وإن كانت المطالبة متأخرة إلى حلول الأجل واستحقاق الثمن بثبوت حقه من الدين في ذمته فكان ذلك بائعا سلامة جميع الثمن لصاحب الدين الحال فيدفع إليه نصف الثمن ويدفع النصف إلى المولى ; لأنه حق صاحب الدين المؤجل ولكن مطالبته به تتأخر إلى حلول الدين .
( ألا ترى ) أن قبل حلول المال لم يكن له سبيل على رقبته وكسبه فكذلك على بدل الرقبة .
وإذا لم يكن له سبيل كان المولى أحق به ; لأنه بدل ملكه وعلى قول زفر رحمه الله لا يتبع القاضي بحل الدين الآخر على العبد ويكون الثمن بينهما نصفين ; لأن الدين يتحول ببيع القاضي إلى الثمن والثمن عين لا يقبل الأجل فهو بمنزلة موت الحر ولكنا نقول الدين باق في ذمة العبد حتى إذا عتق كان للغريم أن يطالبه بجميع الدين إن شاء فيبقى الدين ببقاء الأجل في ذمته فإذا حل الدين الآخر أعطاه المولى ما في يده وإن هلك ذلك في يد المولى فلا ضمان عليه ; لأن حكم البدل حكم المبدل ، ولو هلك العبد في يد المولى لم يكن على المولى فيه ضمان ويتبع صاحب الدين الغريم الأول فيأخذ منه نصف ما أخذه ; لأن ثمن العبد كان مشتركا بينهما فإنما يسلم له المقبوض بشرط سلامة الباقي للغريم الآخر ولم يسلم له ذلك ; فلهذا يأخذ منه نصف ما أخذ فإن لم يهلك ذلك ولكن هذا الغريم أبرأ من دينه أو وهبه فإن الأول يأخذ هذه الخمسمائة من المولى لتمام حقه ; لأنه كان مستحقا لجميع العين بدينه وإنما امتنع سلامة النصف له لمزاحمة الآخر وقد زالت مزاحمته بالإبراء ولأن نصف دين الأول باق على العبد فلا يجوز أن يسلم للمولى شيء من ثمن العبد مع قيام الدين عليه ، ولو لم يبرئه ولكن المولى نقد غريما له تلك الخمسمائة التي في يده فهو جائز ; لأنها مملوكة له وتصرفه فيها قبل حل الأجل كتصرفه في الرقبة فلا يمتنع نفوذه لحق صاحب الدين المؤجل ولكن إذا حل دينه ضمن المولى له تلك الخمسمائة ; لأنه فوت عليه محل حقه بتصرفه فإن تويت عليه رجع على الأول فيما قبض فيشاركه فيه ، ثم رجعا على الغريم الذي قضاه المولى بالخمسمائة التي اقتضاها ; لأنه حين رجع على الأول بنصف ما قبض ثبت للأول حق الرجوع في نصف ما بقي في يد المولى ونقض تصرف المولى فيه ، ثم يشارك فيه الغريم الآخر فلا يزال هكذا حتى يأتي على جميعه ; فلهذا كان لهما حق نقض تصرف المولى والرجوع على القابض بالخمسمائة التي قبضها من المولى [ ص: 142 ]
ولو لم يبع القاضي العبد للغريم ولكن المولى باعه برضى صاحب الدين الحال فبيعه جائز ; لأن الراضي مسقط حقه في إبطال البيع ولا حق لصاحب الدين المؤجل في إبطال البيع ثم يعطي نصف الثمن صاحب الدين الحال ويسلم للمولى نصف الثمن فإذا حل الدين الآخر أخذ صاحبه من المولى نصف القيمة ولا سبيل له على الثمن ; لأن المولى مفوت عليه محل حقه وليس بمحول حقه إلى الثمن إذ ليس له ولاية تحويل حقه من محل إلى محل بخلاف الأول فهناك إنما باعه القاضي وللقاضي ولاية تحويل ولاية الحق من الرقبة إلى الثمن ; فلهذا كان المولى ضامنا نصف القيمة للثاني ههنا وما قبض من نصف الثمن فهو مال سالم له فإن توي ما على المولى من نصف القيمة لم يرجع على الذي أخذ نصف الثمن بشيء ; لأن أصل الثمن ههنا ما كان مشتركا بينهما ولا شركة بينهما في أصل الدين فإن قيل لماذا لا يأخذ الأول جميع الثمن من المولى ؟ لم لم يكن للثاني شركة من الأول في الثمن ؟ قلنا ; لأن المولى ضامن للثاني نصف القيمة ولا بد من أن - يسلم ما هو عوض من ذلك النصف من الثمن للمولى ; فلهذا يعطي للأول نصف الثمن ولا يضمن للثاني إلا نصف القيمة ; لأن الأول استحق عليه نصف بدل المالية فمنع ذلك ثبوت حق الثاني في تضمين المولى جميع القيمة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|