
27-12-2025, 08:32 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس والعشرون
صـــ122 الى صـــ 131
(514)
وإذا أذن المأذون لعبده في التجارة فلحق كل واحد منهما دين فوكل بعض غرماء الأول العبد الآخر بقبض دينه فأقر بقبضه جاز إقراره ; لأن الأول في حق الآخر بمنزلة المولى في حق عبده والدين المستحق على المولى لا يكون مستحقا عبده بحال فيصلح أن يكون وكيلا في قبضه ، ولو أن بعض غرماء الآخر وكل الأول أو مولاه بقبض دينه من الآخر لم يكن وكيلا في ذلك ولم يجز قبضه ; لأن الأول في معنى المولى للآخر فالدين الذي على الآخر من وجه كأنه مستحق على الأول فلا يصلح أن يكون وكيلا في قبضه فكذلك المولى فإنه يملك كسب العبد الأول كما يملك رقبته ويسلم له إذا فرغ من دينه كما يسلم له الأول فكما لا يكون وكيلا للأجنبي في قبض دينه من الأول فكذلك من مولاه ، ولو رهن كل واحد منهما رهنا بدينه ووضعه على يد الآخر فضاع الرهنان فرهن الأول يذهب بما فيه ورهن الثاني يذهب من مال الثاني ; لأن الثاني يصلح أن يكون عدلا [ ص: 123 ] في الرهن بالدين الذي على الأول كما يصلح أن يكون وكيلا بقبضه والأول لا يصلح أن يكون عدلا في الرهن بالدين الذي على الثاني ولا يصير صاحب الدين مستوفيا دينه بهلاكه ، ولو أن العبد المأذون المديون أحال أحد غرمائه بدينه على رجل فإن كان أحاله بما كان للعبد على المحال عليه فالحوالة باطلة ; لأن ما على المحال عليه للعبد كسبه وهو حق جميع غرمائه فهو بهذه الحوالة يخص المحال بذلك المال ويبطل حق سائر الغرماء عنه ، وذلك لا يكون صحيحا من العبد كما لو خص بعض الغرماء بقضاء دينه .
وبيان هذا أن الحوالة لو صحت لم يكن للعبد ولا لسائر الغرماء مطالبة للمحتال عليه بعد ذلك بشيء مما كان عليه ; لأنه إنما التزم دين المحتال بالحوالة ليقضيه من ذلك المال وإن لم يكن للعبد مال على المحتال عليه فالحوالة جائزة ; لأن المحتال عليه تبرع على العبد بإقراض دينه منه لالتزام الدين فيها للمحتال والتبرع على العبد صحيح والعبد مالك للاستقراض وإنما لا يملك الإقراض وليس في هذه الحوالة إبطال حق سائر الغرماء عن شيء مما تعلق حقهم به فإن وكل الطالب بقبض الدين منه العبد أي كان عليه أصل الدين أو مولاه لم يجز قبضه ; لأن الثابت في ذمة المحتال عليه عين ما كان في ذمة العبد فإن الحوالة لتحويل الحق من ذمة إلى ذمة وحين كان في ذمة العبد ما كان لا يصلح هو ولا مولاه وكيلا في قبضه فكذلك بعد التحول إلى ذمة المحتال عليه ولأن العبد بهذه الحوالة لم يستفد البراءة الثانية ( ألا ترى ) أن المحتال عليه إذا مات مفلسا عاد الدين إلى ذمته فلو صح التوكيل لكان يثبت له البراءة بقبضه ومولاه لا يصلح أن يكون وكيلا في قبض يوجب براءة عبده عن الدين فإن قبض بحكم هذه الوكالة فعليه رد المقبوض على صاحبه ; لأنه قبضه بسبب باطل شرعا وإن ضاع في يده فلا ضمان عليه ; لأنه قبضه بتسليم صحيح من صاحب المال إليه فيكون أمينا في المقبوض وإن كان وكل بقبضه عبدا آخر للمولى أو مكاتبه أو ابنا للمولى أو عبدا للعبد المأذون الذي كان عليه الدين فأقر بقبضه من المحتال عليه جاز إقراره ; لأنه حين كان هذا الدين في ذمة المحيل كان هذا الوكيل صالحا للتوكيل في قبضه منه واستفاد البراءة بإقراره بالقبض منه فكذلك بعد ما تحول إلى ذمة المحتال عليه فإن كان الدين على المولى فأحال به على رجل ، ثم إن الغريم وكل عبدا للمولى يقبضه فأقر بقبضه من المحال عليه جاز ; لأنه لو وكله بالقبض من المولى حين كان الدين في ذمته جاز التوكيل فكذلك إذا وكله بقبضه من المحال عليه ، وكذلك لو وكل عبدا للمولى بقبضه فأقر بقبضه جاز ; لما بينا .
وإذا وكل الأجنبي بقبض دين له على عبد مأذون [ ص: 124 ] ابن العبد والابن حر أو وكل به مكاتب ابنه أو عبدا لابنه مأذونا له في التجارة أو محجورا عليه فأقر بقبضه جاز في قولهم جميعا ; لأن ابن العبد أجنبي من الدين الذي على العبد وهو غير مستحق عليه في وجه من الوجوه فيجوز أن يكون وكيلا في قبضه منه ويصح إقراره بقبضه كأجنبي آخر فإن قيل هو بهذا الإقرار ينفع أباه ويبرئ ذمته عن الدين ومن - أصل أبي حنيفة رحمه الله أن الابن غير مقبول الإقرار فيما يرجع إلى منفعة أبيه قلنا هذا إذا لم يوجد التسليط من صاحب الحق له على ذلك بعينه وههنا لما وكله بالقبض فقد سلطه فالإقرار بالقبض رضا ; فلهذا صح إقراره به .
وإذا غصب المأذون من رجل ألف درهم فقبضها منه رجل فهلكت عنده ، ثم حضر صاحبها فاختار ضمان الأجنبي برئ العبد منها ; لأنه كان مخيرا بين تضمين الغاصب الأول أو الثاني والمخير بين شيئين إذا اختار أحدهما تعين ذلك باختياره وكأنه ما كان الواجب إلا ما اختاره وهذا لأن اختياره تضمين أحدهما تمليك للمضمون منه وبعد ما صح التمليك لا يمكنه أن يرجع فيطالب الآخر به بحال فإن وكل العبد أو مولاه بالقبض من الأجنبي جاز إقرار الوكيل بقبضه ; لأن العبد استفاد البراءة على الإطلاق بهذا الاختيار ( ألا ترى ) أنه لا يتصور عود ذلك الدين إليه بحال فيكون هو ومولاه كأجنبي آخر في التوكيل بالقبض بعد ذلك ، وكذلك إذا اختار ضمان العبد ، ثم وكل الأجنبي بقبضه منه جاز ; لأن الأجنبي استفاد البراءة بعد فالاختيار على الإطلاق ، ولو وكل الموكل بقبضه منه لم يجز توكيل المولى ولا إقراره بالقبض ; لأن بهذا الاختيار تعين الدين في ذمة العبد والمولى لا يصلح أن يكون وكيلا للأجنبي في قبض ما على عبده .
ولو دبر المولى عبده المديون فاختار الغرماء تضمينه القيمة ، ثم وكلوا المدبر بقبضها منه لم يجز توكيله ولا إقرار المدبر بالقبض ; لأن جميع الدين باق على المدبر حتى كان مطالبا به بعد العتق فهو بالقبض والإقرار به يبرئ نفسه عن الدين والإنسان لا يكون وكيلا في قبض دين على نفسه ، وكذلك إناختاروا اتباع المدبر ووكلوا المولى بقبضه منه لم يجز ; لأن المدبر باق على ملكه وكسبه مملوك للمولى وقد بينا أن المولى لا يكون وكيلا في قبض ما على مملوكه ; لأن بالقبض يستخلص الكسب ، لنفسه فإن أعتقه بعد التدبير لم يلزمه ضمانه مستأنفا ; لأنه بهذا الإعتاق ما أتلف عليهم شيئا فإنه لم يبق لهم حق في مالية الرقبة بعد التدبير إذ المدبر لا يحتمل البيع في الدين وكسبه كان حق الغرماء وبالإعتاق لا يبطل حقهم عن الكسب بل يتقرر حقهم به ; فلهذا لا يجب عليه ضمان لهم ، فإن قبض شيئا من [ ص: 125 ] المدبر عن الوكالة الأولى لم يجز قبضه ; لأن تلك الوكالة باطلة ولم ينتصب هو وكيلا بها فلا تنقلب وكالة صحيحة بإعتاقه إياه ، وإن وكلوه بعد العتق جاز ; لأن بعد العتق المولى أجنبي من الدين الذي عليه وقد استفاد البراءة باختيار الغرماء اتباع العبد ولا حق له في كسبه بعد العتق فيجوز أن يكون وكيلا في قبضه كأجنبي آخر .
ولو أعتق المولى عبده المديون فللغرماء أن يتبعوا العبد بدينهم كله ويتبعوا المولى بقيمة العبد ; لأنه أتلف مالية الرقبة عليهم بالإعتاق ولا يكون اتباع واحد منهم إبراء للآخر ; لأن المولى كان متحملا من ديون العبد بقدر مالية رقبته بمنزلة الكفيل ومطالبة الكفيل بالدين لا توجب براءة الأصيل ، وكذلك مطالبة الأصيل لا توجب براءة الكفيل فإن أبرءوا العبد عن دينهم برئ المولى من القيمة ; لأن العبد أصيل في هذا الدين وبراءة الأصيل بالإبراء توجب براءة الكفيل ، ولو أبرءوا المولى من القيمة كان لهم أن يتبعوا العبد بجميع دينهم ; لأن براءة الكفيل بالإبراء لا توجب براءة الأصيل فإن إبراء الكفيل فسخ للكفالة ولا ينعدم به سبب وجوب الدين على الأصيل فيبقى جميع الدين على العبد ببقاء سببه كما لو كان المولى أعتقه برضاهم فإن وكلوا المولى بعد ما أبرءوه بقبض دينهم من العبد فأقر بقبضه جاز إقرارهم عليه ; لأن المولى استفاد البراءة على الإطلاق بإبرائهم إياه ولا حق له في كسب معتقه ، ولو كانوا وكلوه بذلك قبل الإبراء لم يجز توكيله ; لأنه في القبض والإقرار به يبرئ نفسه مما عليه فإن أبرءوه بعد الوكالة لم يكن وكيلا في قبضه أيضا ; لأن ذلك التوكيل كان باطلا فالإبراء لا ينقلب صحيحا إلا أن يوكلوه بعد البراءة فيصح إنشاء التوكيل الآن ، ولو كانوا أبرءوا العبدين من دينهم على أن يتبعوا المولى بقدر القيمة من دينهم وتراضوا على ذلك جميعا كان جائزا ويبرأ العبد من الديون ويتبعون المولى بالقيمة ; لأنهم بهذا الشرط حولوا ما كان واجبا على المولى بجهة الكفالة كالواجب بطريق الحوالة فكان المولى قبل الحوالة لهم في مقدار القيمة والحوالة توجب براءة الأصيل ولا توجب براءة المحال عليه فإن توت القيمة على المولى رجعوا على العبد من دينهم بقدر القيمة ; لأن ذلك كان على المولى بطريق الحوالة ومتى توي الدين على المحتال عليه بموته مفلسا أو بجحوده عاد الدين إلى ذمة المحيل فإن لم يتو ما على المولى حتى وكلوا العبد بقبضه من المولى لم يجز توكيله ولا قبضه ; لأن العبد لم يستفد البراءة عن هذا القدر مطلقا حتى يعود إليه بالتوى فلا يصلح أن يكون وكيلا في قبضه وقد قررنا هذا المعنى في الحوالة .
وإذا مات الرجل وعليه دين أو لا دين عليه وله عبد [ ص: 126 ] مديون فوكل غرماء العبد الوارث بقبض دينهم من العبد لم يكن وكيلا في ذلك ; لأن الورثة قائمون مقام المورث في ملك رقبة العبد وكسبه وقد بينا أن المولى لا يكون وكيلا في قبض ما على عبده فكذلك وارثه بعده ، وكذلك لو وكلوا بعض غرماء المولى ; لأن حقهم في رقبته وكسبه مقدم على حق الوارث ، ولو لم يكن على المولى دين وقد ترك ثلثمائة درهم سوى العبد وقد أوصى بنصفها أو ثلثها لرجل فوكل غرماء العبد الموصى له بقبض دينهم من العبد لم يكن وكيلا في ذلك ; لأن الموصى له شريك الوارث في تركة الميت والوارث لا يكون وكيلا في ذلك فكذلك الموصى له وهذا لأن العبد من مال الميت وفي فراغه عن الدين منفعة للموصى له .
( ألا ترى ) أنه لو صح التوكيل وأقر بالقبض ، ثم لحق الميت دين كان يقضي ذلك الدين من مالية الرقبة ويسلم للموصى له جميع وصيته ; فلهذا لا يصلح وكيلا فيه .
( ألا ترى ) أن الموصى له لو شهد على رجل آخر بدين للميت على إنسان لا تقبل شهادته ; لأنه شريك الوارث في مال الميت فكذلك في حكم الوكالة .
ولو أعتق الوارث العبد ولا دين على الميت جاز عتقه عندنا وعلى قول الحسن بن زياد لا يجوز عتقه قال : لأن دين العبد أقوى من دين المولى .
( ألا ترى ) أن دين العبد في القصاص من مالية الرقبة مقدم على دين المولى ، ثم استغراق رقبته بدين المولى يمنع ملك الوارث فاستغراقه بدين نفسه أولى أن يمنع ملك الوارث ولكنا نقول الوارث يخلف ملك المورث بعد موته وقد كان المورث مالكا رقبة العبد مع كونه مستغرقا بدينه فكذلك وارثه بخلاف دين المولى فإن المولى كان مالكا رقبته في حياته باعتبار أن الدين في ذمته لا تعلق له بماله وبموته قد تعلق حق الغرماء بتركته ; ولهذا حل الأجل ; لأنه صار في حكم العين والعين لا تقبل الأجل وحق الغرماء مقدم على حق الورثة فمن هذا الوجه منع دين المولى ملك الوارث ، فأما دين العبد فعلى صفة واحدة في التعلق بمالية الرقبة بعد موت المولى كما كان قبله وإذا نفذ العتق من الوارث كان ضامنا قيمته للغرماء ; لأنه أتلف عليهم مالية الرقبة فإن اختار الغرماء اتباع العبد وأبرءوا الوارث من القيمة ، ثم وكلوا الموصى له بقبض دينهم من العبد فأقر بقبضه جاز إقراره ; لأن الموصى له في التركة شريك الوارث ، ولو وكلوا الوارث في هذه الحالة بالقبض جاز التوكيل ; لأن الوارث استفاد البراءة مطلقا ولا حق له في كسب المعتق فكذلك إذا وكلوا الموصى له بقبضه ، ولو وكلوا الموصى له بقبضه قبل إبراء الوارث من القيمة لم يجز التوكيل ; لأنهم لو وكلوا الوارث في هذه الحالة لم يجز التوكيل فكذلك إذا وكلوا [ ص: 127 ] الموصى له ، وكذلك لو وكلوه بقبض القيمة من الوارث لم يجز التوكيل ; لأن القيمة التي على الوارث مال الميت ( ألا ترى ) أنه لو أبرأ الغرماء العبد وظهر على المولى دين وجب قضاؤه من تلك القيمة والموصى له شريك الوارث في مال الميت فلا يجوز أن يكون وكيلا في قبضه من الوارث .
ولو باع المولى العبد المديون للغرماء برضاهم وقبض الثمن فاستهلكه فلا شيء للغرماء على العبد حتى يعتق ; لأن العبد صار خالصا للمشتري وحق الغرماء في المطالبة تحول من مالية العبد إلى بدله وهو الثمن فباستهلاك المولى الثمن يجب عليه ضمان مثله ولا يعود حق الغرماء في مالية الرقبة ; فلهذا لا يطالبونه بشيء حتى يعتق فإن وكل الغرماء العبد وهو مأذون له أو محجور عليه بقبض الثمن الذي استهلكه المولى منه لم يجز توكيله ولا قبضه ; لأن أصل الدين باق على العبد بدليل أنه إذا عتق كان مطالبا بجميعه خصوصا إذا توي الثمن على المستهلك فلهذا لا يكون وكيلا في قبضه .
ولو دفع العبد المديون ألف درهم مضاربة إلى رجل بالنصف فاشترى المضارب بالألف عبدا وقبضه ولم ينقد الثمن حتى وكل البائع المأذون أو مولاه أو بعض غرمائه بقبض ذلك الثمن لم يجز التوكيل ولا القبض ; لأن المضارب متصرف للعبد وما يستحق عليه من الدين بتصرفه مستحق على العبد حقيقة .
( ألا ترى ) أن المضارب يرجع بما يلحقه من العهدة على رب المال فكان هذا في معنى الدين الواجب على العبد حتى لو وكل بعض هؤلاء بقبضه فأقر بقبضه جاز إقراره بمنزلة ما لو كان العبد هو المشتري بنفسه ، ثم وكل مولاه أو غريمه بقبض المشترى فهناك التوكيل صحيح ; لأنه لا تهمة في إقراره بالقبض .
ولو وجب للعبد المأذون ولرجل حر على رجل ألف درهم هما فيه شريكان ، ثم إن الشريك وكل العبد بقبض نصيبه فقبضه بمعاينة الشهود فهلك في يده فإنه يهلك من ماليهما جميعا ; لأن العبد لا يجوز أن يجعل قابضا لنصيب الأجنبي خاصة فإن ذلك لا يكون إلا بعد القسمة والإنسان لا يجوز أن يكون وكيلا في المقاسمة مع نفسه عن غيره وبدون القسمة المقبوض مشترك بينهما كما كان قبل القبض مشتركا والعبد في حصة الأجنبي أمين بحكم التوكيل ; فلهذا كان الهلاك من ماليهما جميعا والباقي بينهما نصفان ، وإن كان العبد قبض من الغريم شيئا لنفسه فهلك كان هالكا من ماله خاصة به ; لأن قبل التوكيل كان يملك قبض نصيبه فبقي مالكا له بعد التوكيل ; لأن بقبول الوكالة لا يتعذر عليه التصرف في نصيبه وإذا كان المقبوض من نصيبه فإن هلك كان من ماله خاصة وإن لم يهلك كان للأجنبي أن يأخذ منه نصفه كما لو قبضه قبل التوكيل وهذا ; لأن المقبوض جزء [ ص: 128 ] من الدين المشترك فلشريكه أن يشاركه فيه .
ولو كان الشريك وكل مولى العبد بقبض نصيبه من الدين فإن كان العبد لا دين عليه فهذا ووكالة العبد سواء ; لأن كسب العبد ملك المولى في هذه الحالة فلو جعلنا المقبوض من نصيب الأجنبي خاصة كان المولى وكيلا عن الأجنبي في المقاسمة مع نفسه ، وذلك لا يجوز ; فلهذا كان المقبوض من نصيبهما وإن كان على العبد دين كان قبض المولى على الأجنبي جائزا ; لأنه من كسب عبده المديون بمنزلة الأجنبي فتوكيل الأجنبي إياه بقبض نصيبه بمنزلة توكيل غيره به وإن توي المقبوض في يد المولى توي من مال الأجنبي ; لأن قبض وكيله له كقبضه بنفسه ، وكذلك لو أقر المولى بالقبض كان إقراره على الأجنبي جائزا ; لأنه بالتوكيل سلطه على الإقرار فيجعل إقراره بذلك كإقرار الأجنبي بنفسه وقد طعن عيسى رحمه الله في هذه المسألة فقال : ينبغي أن لا يجوز إقرار المولى بالقبض ههنا ; لأن فيه منفعة فإن ما بقي في ذمة المديون يخلص للعبد إذا صح إقرار المولى على الأجنبي بالقبض وفي منفعة العبد منفعة المولى فلا يجوز إقراره واستشهد على ذلك بالمسألة المذكورة بعد هذا في باب خصومة المأذون إذا مات الغريم فادعى أن شريكه قد قبض حصته فجحده الشريك ووكل الشريك مولى العبد في خصومة العبد فأقر المولى على الشريك بالاستيفاء لم يجز إقراره ولم يكن وكيلا له ; لما فيه من منفعة عبده وقد قيل في الفرق بينهما على جواب الكتاب إن المولى لا يخاصم عبده لنفسه فكذلك لا يخاصمه لغيره ، ولو جعلناه وكيلا هنا لكان يخاصم العبد لغيره وهو الموكل ، فأما فيما نحن فيه فهو يخاصم الأجنبي لغيره وهو يجوز أن يخاصم الأجنبي لنفسه فكذلك لغيره ، وإذا صح التوكيل جاز إقراره على الأجنبي ; لأنه سلطه على الإقرار عليه لما وكله به .
وإذا وكل رجل رجلا ببيع متاعه فباعه من عبد الوكيل وعليه دين أو لا دين عليه فبيعه باطل ; لأن بيعه من عبده كبيعه من نفسه فإن كسب العبد ملكه وله حق استخلاصه لنفسه بقضاء دينه فيكون متهما في ذلك فإن كان الموكل أمره أن يبيعه من عبد الوكيل فباعه ولا دين عليه فالبيع باطل كما لو أمره بالبيع من نفسه وإن كان عليه دين فهو جائز ; لأنه من كسبه الآن كالأجنبي وإنما لا يجوز بيعه منه بمطلق التوكيل لتمكن تهمة الميل إليه باعتبار ماله من الحق في كسبه وقد انعدم ذلك بالتنصيص على البيع منه والعهدة على الآمر دون المولى ; لأن المولى لا يستوجب على عبده الثمن ( ألا ترى ) أنه لو باع ماله من عبده المديون لا يستوجب عليه الثمن فكذلك إذا باعه مال الغير منه ; لأن في حقوق العقد والعهدة البائع لغيره [ ص: 129 ] كالبائع لنفسه وإذا تعذر إيجاب حقوق العقد على المولى تعلق بمن انتفع به وهو الآمر فهو الذي يلي التسليم والتسلم والدليل عليه أنا لو جعلنا حق قبض الثمن إلى المولى لم يكن بد من صحة الإقرار بقبضه وقد بينا أن في الدين الواجب على العبد للأجنبي المولى لا يكون وكيلا بالقبض ولا مقبول الإقرار فيه ، وكذلك لو وكله أجنبي بشراء شيء منه فهو كالوكيل بالبيع في جميع ما ذكرنا .
وإن كان المأذون هو الوكيل للأجنبي ببيع شيء أو شرائه من مولاه جاز ; لأنه لا حق للعبد في مال مولاه وكانت العهدة عليه مديونا كان أو غير مديون وإن أقر بالقبض جاز إقراره ; لأنه يصلح وكيلا للأجنبي في قبض الدين من المولى ويصلح مطالبا للمولى بالثمن إذا باع منه شيئا من أكسابه وعليه دين لمراعاة حق غرمائه فكذلك لمراعاة حق الموكل ، وكذلك لو لم يدفع الآمر إلى العبد شيئا من الثمن ووكله بأن يشتري له من مولاه جاز شراؤه وأخذ الثمن من الآمر ودفعه إلى المولى ; لأنه في التوكيل بالمعاملة مع المولى كهو في التوكيل بالمعاملة مع أجنبي آخر .
ولو دفع العبد المأذون لرجل ألف درهم مضاربة بالنصف فربح فيه أو لم يربح حتى وكل العبد أو مولاه أو بعض غرمائه أجنبيا ببيع شيء فباعه من المضارب بمال المضاربة لم يجز ; لأن المضارب مشتر لرب المال ورب المال هو العبد فإذا كان هو الوكيل بالبيع فكأنه يبيعه من نفسه فكذلك مولاه أو غريمه يكون متهما في البيع من مضاربه لما له من الحق في كسبه وإن كان الموكل أمره ببيعه منه جاز ; لأن التهمة قد انتفت بقبض الموكل على البيع منه ولكن العهدة على الآمر ; لما بينا أن العبد لا يصلح وكيلا في قبض ما على مضاربه لأجنبي ، وكذلك مولاه وغريمه وأصله أن العاقد متى لم يكن أهلا لعهدة العقد فالعهدة تكون على الآمر ، وكذلك هذا في التوكيل بالشراء منه ، وكل من وصفنا في هذه المسائل أنه لا يكون وكيلا في القبض فإنه لا يكون عدلا ولا يجوز أن يوضع الرهن على يده وكل من جاز أن يكون وكيلا في قبضه جاز أن يكون وكيلا في وضع الرهن على يده ; لأن الرهن مقبوض للاستيفاء فيعتبر تحقيقه للاستيفاء
( قال : رحمه الله ) وإذا دفع الغرماء المأذون إلى القاضي وأرادوا بيعه في ديونهم فإن القاضي يتأنى في ذلك وينظر هل له مال حاضر أو غائب يرجو وصوله ; لأن البداءة في قضاء دين العبد [ ص: 130 ] من كسبه وهو الحاصل بتجارته كما أن وجوب الدين بتجارته ، ومقصود المولى استدامة الملك في رقبته فلا يجوز تفويت هذا المقصود عليه بدون الحاجة والحاجة ههنا إلى قضاء دين الغرماء والمال الحاضر أو الغائب الذي يرجى وصوله عاجلا ، ولو انتظر القاضي وصوله لم يكن فيه كثير ضرر على الغرماء ; فلهذا يتأنى القاضي كما يتأنى في القضاء بقيمة المغصوب بعدما أبق من يد الغاصب فإن لم يكن شيء من ذلك باعه ; لأن المولى ضمن للغرماء قضاء الدين من مالية رقبته عند تعذر إيفائه من محل آخر وقد تعذر ذلك إذا لم يكن له كسب أو كان له دين مؤجل أو غائب لا يرجى وصوله ; لأن في انتظار ذلك تأخر حق الغرماء وضرر التأخير كضرر الإبطال من وجه ، ثم لا يبيعه إلا بمحضر من المولى ; لأن في بيعه قضاء على المولى باستحقاق مالية الرقبة وإزالة ملكه والعبد ليس بخصم عنه في ذلك ولأن للمولى حق استخلاص - الرقبة لنفسه بقضاء الدين من موضع آخر فليس للقاضي أن يبطل عليه هذا الحق ببيعه بغير محضر منه فإذا باعه ضرب كل غريم في الثمن بجميع دينه سواء كان أكثر من الثمن أو أقل وإذا قسم الثمن بينهم على ذلك فلا سبيل لهم على العبد حتى يعتق ; لأنه لم يبق لقضاء حقهم محلا في حال رقه وكسبه بعد البيع ملك المشتري ولم يرض بصرفه إلى ديونه .
وكذلك إن اشتراه مولاه الذي باعه القاضي عليه بعد ذلك لم يتبع بشيء بما بقي من الدين ; لأنه تجدد له فيه ملك بتجدد سببه فهو في ذلك كغيره فإذا أذن له هذا المولى بعد ما اشتراه فلحقه دين فبيع لغرمائه لم يشارك الأولون بما بقي من دينهم الآخرين ; لأن الأولين قد استوفوا مالية الرقبة مرة فلا حق لهم في مالية الرقبة بعد ذلك فهو في هذا الملك المتجدد كعبد آخر فالمولى بالإذن إنما رضي بتعلق حق الآخرين بملكه ; فلهذا يباع لهم ولا سبيل للأولين على الثمن حتى يعتق فإذا عتق بيع بجميع ديونه ; لأن الديون كلها ثابتة في ذمته والذمة بالعتق تزداد قوة فيؤمر بقضائها من كسب هو خالص حقه .
وإذا باعه المولى بغير أمر القاضي والغرماء فبيعه باطل ; لأن حق الغرماء يتعلق بمالية الرقبة وهو مقدم على حق المولى فكان المولى في بيعه بغير رضاهم كأجنبي آخر بمنزلة الراهن يبيع المرهون وهذا لأن للغرماء حق استسعاء العبد في دينهم فربما يكون ذلك أنفع لهم فإنهم يتوصلون به إلى جميع دينهم فلا يكون للمولى أن يبطل عليهم هذا الحق بغير رضاهم فإن أجازوا البيع أو قضاهم المولى الدين أو كان في الثمن وفاء بدينهم فأعطاهم نفذ البيع لزوال المانع بوصول حق الغرماء إليهم كالراهن إذا قضى دين المرتهن بعد البيع وأجاز المرتهن البيع ، [ ص: 131 ] فإن لم يبق شيء من ذلك ولكن الغرماء وجدوا المشتري والعبد في يده ولم يجدوا البائع لم يكن المشتري خصما لهم في نقض البيع في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله هو خصم ; لأن المشتري مالك الرقبة وهم يدعون استحقاق مالية الرقبة فكان هو خصما له كما لو ادعوا ملك العبد لأنفسهم ، وهما يقولان الغرماء لا يدعون على المشتري ولا في ملكه حقا ; لأنهم إنما يستحقون مالية الرقبة على البائع والمشتري ليس بخصم عن البائع في إثبات حقهم عليه ونقض البيع ينبني على ذلك يوضحه أن البيع يحول حق الغرماء في مالية - الرقبة إلى الثمن بدليل أنه لو باشره القاضي أو المولى فأجازه الغرماء كان حقهم في الثمن لا في مالية الرقبة وبعد ما صار ملكا للمشتري لا طريق لإثبات حقهم في مالية الرقبة سوى نقض البيع وإنما جرى البيع بين البائع والمشتري فلا يجوز نقضه بغير محضر من البائع وبدون نقض البيع لا حق لهم في مالية الرقبة بخلاف ما إذا ادعوا ملك العبد لأنفسهم فهناك إنما يدعون عين ما يزعم المشتري أنه ملكه وقد تقدم نظير هذه المسألة في الشفعة .
يوضحه أن حق المشتري لا يسقط عن العبد ما لم يعد إليه الثمن ، وذلك لا يكون إلا بمحضر من البائع فينتظر حضوره ليأخذ الغرماء العبد ويرجع المشتري على البائع بالثمن ، ولو حضر البائع وغاب المشتري وقد قبض العبد فلا خصومة بين البائع والغرماء في رقبة العبد حتى يحضر المشتري ; لأن الملك واليد للمشتري وإبطال ذلك بدون حضوره لا يمكن فما لم يبطل ملك المشتري لا تكون الرقبة محلا لحق الغرماء إلا أن لهم أن يضمنوا البائع قيمته ; لأنه بالبيع والتسليم صار مفوتا محل حقهم فإذا ضمنوه القيمة جاز البيع فيه وكان الثمن للبائع ; لأن القيمة دين في ذمته وهو الخصم في ذلك وبتضمين القيمة يسقط حق الغرماء عن مالية الرقبة فينفذ بيعه فيه وإن أجازوا البيع وأخذوا الثمن واقتسموه لأن الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء .
فإن هلك الثمن في يد البائع قبل أن يقبضه هلك من مال الغرماء على معنى أنه لا شيء لهم على المبيع حتى يعتق لفوات محل حقهم وهو الثمن فالمولى بإجازتهم يخرج من أن يكون جانيا ضامنا لهم ، ولا حق لهم في ملك المشتري فتتأخر ديونهم إلى ما بعد العتق وليس المراد من قوله هلك من مال الغرماء أنهم في حكم القابض له حتى يسقط شيء من دينهم به فكيف يكون كذلك والمولى في البيع عامل لنفسه ; لأنه متصرف في ملكه ; ولهذا إذا أعتق العبد اتبعه الغرماء بجميع دينهم ، وكذلك لو أجازوا البيع بعد ما هلك الثمن ; لأن الثمن معقود به ومحل العقد هو المعقود عليه فإذا كان باقيا بعد البيع بالإجازة [ ص: 132 ] ثم الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء ، وكذلك لو أقر البائع أنه قد قبض الثمن فهلك في يده قبل إجازتهم البيع أو بعدها فكذبوه في القبض فقد أجازوا البيع قبل إقراره أو بعده فهو مصدق في ذلك مع يمينه ; لأن المولى بإجازتهم صار أمينا كما يصير أمينا في الثمن بإذنهم في البيع في الابتداء وحق قبض الثمن إليه ; لأنه باشر سببه فيكون مقبول القول فيه مع يمينه ولا شيء للغرماء حتى يعتق العبد فإذا عتق اتبعوه بجميع دينهم ، ولو اختار بعض الغرماء القيمة واختار بعضهم الثمن كان للذين اختاروا ضمان القيمة حصتهم من القيمة وللذين اختاروا الثمن حصتهم من الثمن على قدر الدين ; لأن لكل واحد منهما في نصيبه رأيا واستحقاق القيمة والثمن كل واحد منهما على المولى وكل واحد منهما محل حق الغرماء ولكل واحد منهم حصة مما اختار وفيما بقي من الثمن للبائع مما ضمن من القيمة ، ولو أجاز بعض الغرماء البيع وأبطله بعضهم كان البيع باطلا ; لأن حق كل واحد منهما بانفراده سبب تام للمنع من نفوذ البيع .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|