عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 26-12-2025, 11:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,619
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس والعشرون

صـــ72 الى صـــ 81
(509)






فإن قيل فأين ذهب قولكم أنهم يستحقون ما في يده باعتبار الظاهر .

قلنا : نعم ولكن هذا الاستحقاق إنما يكون في حق من لم يثبت له حقيقة الاستحقاق بعد ذلك قبل أن يحضر المولى ; لأن الملك في رقبته للمولى لا يثبت حقيقة ما لم يحضر فيصدقه في ذلك .

( ألا ترى ) أنه لو حضر ، وقال : هو حر أو ملك فلان لغيره لم يكن له في كسبه سبب الاستحقاق حقيقة فأما بعدما حضر وادعى رقبته فقد ظهر استحقاقه حقيقة لكسبه فيسقط اعتبار هذا الظاهر بعد هذا ويحتاج الغرماء إلى إثبات السبب الموجب للاستحقاق لهم في كسبه ورقبته على المولى ، وذلك الإذن فإذا لم يقيموا البينة على ذلك لزمهم رد ما أخذوا .

وإذا اشترى العبد من رجل متاعا فقال الرجل للعبد : أنت محجور عليك فلا - أدفع إليك ما اشتريت مني ، وقال العبد : أنا مأذون لي فالقول في ذلك قول العبد ; لأن معاملة الرجل معه إقرار منه بصحة المعاملة وكونه مأذونا له في التجارة فإنه لا يحل للرجل أن يعامل عبد الغير إلا أن يكون مأذونا له فهو في قوله " أنت محجور عليك " مناقض في كلامه ساع في نقض ما تم به فلا يقبل قوله ولا يمين على العبد ; لأن اليمين تنبني على صحة الدعوى ودعوى الحجر باطلة للتناقض وكذلك لو أقام البينة على ذلك لم يقبل منه ويجبر على دفع ما باع وأخذ الثمن منه كما التزمه بالبيع وكذلك لو كان العبد هو البائع فقال المشتري : أنت [ ص: 73 ] محجور عليك ، وقال العبد : أنا مأذون لي فالقول قول العبد لما بينا ويجبر المشتري على أخذ ما اشترى ودفع الثمن ولا يمين على العبد ولا تقبل بينة المشتري على أنه محجور عليه ولا على إقرار العبد به عند غير القاضي أنه محجور عليه ; لأنه مناقض في هذه الدعوى ; لأنه قد تقدم منه الإقرار بأنه مأذون له ، وإن أقر العبد بذلك عند القاضي رد البيع ; لأن المشتري ، وإن كان مناقضا فقد صدقه خصمه ، والمناقض إذا صدقه خصمه يقبل قوله .

يوضحه أن تصادقهما على أنه محجور عليه إقرار منهما ببطلان البيع ولو تقابلا البيع عن تراض جاز فإن حضر المولى بعد ذلك فقال كنت أذنت له في التجارة جاز النقض الذي كان فيما بين البائع ، والمشتري ولم يلتفت إلى قول المولى ; لأن تصادقهما على بطلان البيع بمنزلة الإقالة منهما ، والإقالة من العبد المأذون صحيحة وكذلك إذا قال لم آذن له ولكن أجزت بيعه لم يبطل ذلك النقض ; لأن تصادقهما على بطلان البيع يوجب انتفاء البيع مأذونا كان أو غير مأذون ، والإجازة إنما تلحق البيع الموقوف دون المنتقض ولو لم يحكم القاضي بنقض البيع حتى حضر المولى ، فقال كنت أذنت له أو قال لم آذن له ولكني أجزت البيع جاز ذلك البيع ; لأنهما لو كانا متناقضين في كلامهما فبنفس التكلم لا ينتقض البيع منهما ما لم يتأكد ذلك بقضاء القاضي فإذا كان البيع قائما قبل أن يحكم القاضي بنقضه لحقه الإجازة من جهة المولى وينفذ بإقراره بأنه كان مأذونا وهذا ; لأنهما ينكران أصل جواز البيع ، وإنما يجعل ذلك عبارة عن نقض البيع بنوع اجتهاد فأما في الحقيقة فنقض الشيء تصرف فيه بعد صحته ، وإنكار الشيء من الأصل لا يكون تصرفا فيه بالنقض بعد صحته كما أن إنكار الزوج النكاح لا يكون إقرارا بالطلاق فإذا كان مجتهدا فيه لا يثبت حكمه إلا بقضاء القاضي .

ولو باع العبد متاعا لرجل ، ثم قال هذا الذي بعتك لمولاي لم يأذن لي في بيعه وأنا محجور علي ، وقال المشتري كذبت ، وأنت مأذون لك فالقول قول المشتري ; لأن إقدامهما على البيع إقرار منهما بصحته فلا يقبل قول من يدعي بطلانه بعد ذلك وكذلك لو كان العبد هو المشتري ، ثم قال أنا محجور علي لم يصدق ويجبر على دفع الثمن فإن حضر المولى ، وقال لم آذن له في شيء فالقول قوله ويرد البيع ، والشراء ; لأن الإذن مدعى على المولى وهو ينكر وكذلك لو أن عبدا ابتاع من عبد شيئا فقال أحدهما : أنا محجور علي ، وقال الآخر : أنا ، وأنت مأذون لنا فالقول قول الذي يدعي منهما الجواز للبيع ، والشراء لوجود الإقرار من صاحبه بذلك ولا يمين عليه ولا تقبل بينة الآخر بالحجر ولا على إقراره به عند غير القاضي لكونه .

[ ص: 74 ] مناقضا في دعواه ولو أقر بذلك عند القاضي أخذ بذلك وأبطل البيع بينهما لتصادقهما على بطلان البيع .

وإذا اشترى الرجل وباع ولا يدرى أحر هو أو عبد فلحقه دين كثير ، ثم قال أنا عبد فلان وصدقه فلان ، وقال هو عبدي محجور عليه ، وقال الغرماء هو حر فالدين لازم للعبد يباع به إلا أن يفديه مولاه ; لأن الظاهر من حال مجهول الحال الحرية وقد ثبت للغرماء حق مطالبته بديونهم في الحال فهو إذا أقر بالرق وصدقه المولى فقد زعما أن حق الغرماء متأخر إلى ما بعد عتقه وذلك غير مقبول منهما في حق الغرماء كما لو ادعى المديون أجلا في الدين ، ثم ليس من ضرورة ثبوت الرق بإقراره أن تتأخر ديونهم إلى ما بعد العتق بل يجوز أن يكون مطالبا بالدين في الحال ، وإن كان رقيقا كالعبد المأذون أو المحجور في دين الاستهلاك فهو نظير مجهولة الحال إذا أقرت بالرق لا يقبل إقرارها في إبطال النكاح لهذا المعنى وإذا بقي مطالبا في الحال بالدين وهو رقيق بيع فيه إلا أن يفديه مولاه ; لأنه ظهر وجوب هذا الدين في حق المولى ، والدين لا يجب على العبد إلا شاغلا مالية رقبته ولو جنى عبده جناية بإقرار أو ببينة ، ثم قال أنا عبد فلان فصدقه فلان بذلك ، وقال ولي الجناية بل هو حر فهو عبد لفلان ولا حق لأصحاب الجناية في رقبته ; لأنهم ينكرون تعلق الجناية برقبته ويزعمون أن حقهم على عاقلته ولا يعرف له عاقلة ، ثم بين ثبوت الرق بإقراره ووجوب أرش الجناية على عاقلته منافاة وبين حريته كما زعموا واستحقاق رقبته بالجناية منافاة ، والمتنافيان لا يجتمعان .

وإقرار صاحب الحق معتبر في حقه لا محالة فإذا أقر أنه حر لم يكن له على أخذ - الرقبة سبيل بخلاف الأول فالدين هناك واجب عليه حرا كان أو عبدا إلا أنه إذا ثبت رقه يستوفي الدين من مالية رقبته أو من كسبه وقد ثبت رقه بإقراره وكذلك عبد مأذون عليه دين فقال غرماؤه لمولاه قد أعتقته ، وقال المولى : لم أعتقه فإن العبد يباع للغرماء ; لأنهم يدعون العتق ، والضمان على المولى ، والمولى منكر فإذا لم يثبت عتقه بقي مستحق البيع في الدين كما كان ولو كان جنى جناية فقال أصحاب الجناية للمولى : قد أعتقته ، وقال المولى : لم أعتقه فالعبد عبد المولى على حاله لإنكاره العتق ولا شيء لأصحاب الجناية ; لأنهم يزعمون أنه لم يبق لهم حق قبل العبد ، وإنما حقهم قبل المولى وهو الفداء إذا كان عالما ، والقيمة بالاستهلاك إذا لم يكن عالما ولا يستحقون ذلك على المولى إلا بإقامة البينة على العتق وسقط حقهم عن العبد لإقرارهم بأنه لا حق لهم في رقبته بخلاف الدين فهناك ما أقروا بسقوط حقهم عن ذمة العبد بالعتق ( ألا ترى ) أن ما ادعوا .

[ ص: 75 ] من العتق لو كان ظاهرا بقي الدين بعده في ذمة العبد وللغرماء أن يطالبوه بجميع ذلك ، وفي الجناية لو كان العتق ظاهرا فرغ به العبد من الجناية فلا يكون للأولياء عليه سبيل بعد ذلك فكذلك إذا ثبت ذلك في حق الأولياء بإقرارهم ، والله أعلم .

( قال رحمه الله ) : وإذا أقر المأذون بالدين من غصب أو غيره لزمه صدقه المولى أو لم يصدقه ; لأن الغصب يوجب الملك في المضمون عند أداء الضمان فالضمان الواجب به من جنس ضمان التجارة وإقرار المأذون بمثله صحيح ; ولهذا لو أقر به أحد المتفاوضين كان شريكه مطالبا وكذلك لو أقر أنه اشترى جارية فوطئها فوجوب العقد هنا باعتبار الشراء لولاه لكان الواجب الحد وكذلك لو غصب جارية بكرا فافتضها رجل في يده ، ثم هرب كان لمولاه أن يأخذ العبد بعقرها ; لأن الفائت بالافتضاض جزء من ماليتها وهي مضمونة على العبد بجميع أجزائها فإذا فات جزء منها في ضمانه كان عليه بدل ذلك الجزء وهو مؤاخذ به في الحال إما ; لأنه ضمان غصب ، والعبد مؤاخذ بضمان الغصب في الحال مأذونا كان أو محجورا أو ; لأن هذا من جنس ضمان التجارة .
ولو أقر العبد أنه وطئ جارية هذا الرجل بنكاح بغير إذن مولاه فافتضها لم يصدق ; لأنه ليس من التجارة ; ولهذا لو أقر به أحد المتفاوضين لم يلزم شريكه فإن صدقه مولاه بذلك بدئ بدين الغرماء ; لأن تصديق المولى في حق الغرماء ليس بحجة فوجوده كعدمه فإن بقي شيء أخذه مولى الجارية من عقرها ; لأن الباقي حق مولى العبد وتصديق مولى العبد في حقه معتبر ولو كان هذا السبب معاينا كان لمولى الجارية أن يأخذ عقرها من كسبه في الحال فكذا إذا ثبت بتصادقهما عليه .
ولو تزوج العبد المأذون وعليه دين امرأة بإذن مولاه كانت المرأة أسوة الغرماء بمهرها وبما يجب لها من النفقة وهذا ; لأن النكاح بإذن المولى صحيح مع قيام الدين عليه فإن الدين لا يزيل ملكه عن رقبته ، وإنما تثبت ولاية التزويج باعتبار ملكه ، ثم في النكاح منفعة الغرماء ; لأنه يستعف به ، والمرأة تعينه على الاكتساب لقضاء الدين فظهر وجوب الدين بهذا السبب في حق الغرماء فلهذا كانت المرأة أسوة الغرماء بمهرها ونفقتها ولو كان العبد أقر أنه وطئها بنكاح وجحد المولى أن يكون أذن له في ذلك لم يؤخذ بالمهر حتى يعتق ; لأن انفكاك الحجر عنه في التجارة ، والنكاح ليس بتجارة فالمأذون .

[ ص: 76 ] فيه ، والمحجور سواء ولو أقر المحجور بذلك وكذبه المولى لم يؤاخذ بشيء حتى يعتق وكذلك لو أقر أنه وطئ أمة بنكاح فافتضها بإذن مولاه أو بغير إذن مولاه ومولاه يجحد ذلك فإقراره بهذا لا يكون حجة على المولى ولا يظهر الدين به في حق المولى ; لأنه لولا النكاح لكان الواجب عليه الحد سواء كانت الموطوءة حرة أو أمة فلهذا لا يطالب بشيء حتى يعتق وكذلك لو أقر أنه افتضها بإصبعه غاصبا كان إقراره باطلا في قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأنه بمنزلة الجناية فإنه إقرار بإتلاف جزء من الآدمي فهو كإقراره بقطع يدها أو رجلها ، وفي قول أبي يوسف رحمه الله إقراره جائز ويضرب مولاها بمهرها مع الغرماء ; لأنه إقرار بدين الاستهلاك ، والفائت بهذا الفعل جزء من المالية .

( ألا ترى ) أن هذا السبب لو كان معاينا يباع ولا يدفع به وإقرار المأذون بدين الاستهلاك صحيح في مزاحمة الغرماء ، وفي حق المولى وقد بينا المسألة في كتاب الإقرار فإن كان أقر أنه غصبها ، ثم افتضها بإصبعه فإن اختار المقر له التضمين بالغصب كان الإقرار صحيحا ; لأن ضمان الغصب من جنس ضمان التجارة فالإقرار به صحيح ويجعل في الحكم كأن غيره فعل بها ذلك في ضمنا العبد ، وإن اختار التضمين بالافتضاض فهو على الخلاف عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله الإقرار باطل وعند أبي يوسف رحمه الله هو صحيح كما بينا .

وإذا كان على المأذون دين كثير فأقر بدين لزمه ذلك وتخاصموا فيه ; لأنه مطلق التصرف مادام مأذونا ، وإن لحقه الدين فإقراره يكون حجة بمنزلة البينة في إثبات المزاحمة للمقر له مع سائر الغرماء وهذا ; لأن الإقرارين متى جمعهما حالة واحدة يجعلان كأنهما كانا معا وكما وجب تصحيح إقرار المأذون في حق المولى لحاجته إلى ذلك في تجاريته يجب تصحيحه في حق غرمائه ; لأن الناس إذا علموا أن إقراره لهم لا يصح بعد لحوق الدين تحرزوا عن معاملته ولو أقر بشيء بعينه في يديه أنه لفلان غصبه منه أو أودعه إياه وعليه دين كثير بدئ بالذي أقر بعينه ; لأن إقراره بالعين صحيح ما دام مأذونا ويكون الثابت بإقراره كالثابت بالمعاينة وبين أن المقر به ليس من كسبه فلا يتعلق به حق غرمائه ، وإن أتى ذلك على ما في يده .
ولو أقر بعبد في يده أنه ابن فلان أودعه إياه أو قال هو حر لم يملك فالقول قوله ; لأنه نفى ملكه عن هذا العين ولم يظهر له فيه سبب الملك فإن الظاهر كونه في يده ، واليد في الآدمي لا تكون دليل الملك .

( ألا ترى ) أن من في يده لو ادعى ذلك ، وقال لست بملك له بل أنا حر كان القول قوله ولا سبيل للغرماء عليه فكذلك إذا أقر به المأذون
ولو اشترى المأذون من رجل عبدا ونقده الثمن وعليه دين أو لا دين عليه ، ثم أقر أن [ ص: 77 ] البائع أعتق هذا العبد قبل أن يبيعه إياه ، وأنه حر الأصل ، وأنكر البائع ذلك فالعبد مملوك على حاله ; لأن سبب الملك للمأذون فيه قد ظهر وهو شراؤه وانقياد العبد له عند الشراء إقرار منه بأنه مملوك حتى لو ادعى بعد ذلك أنه حر الأصل ، وأن البائع أعتقه لم يقبل قوله فيه إلا بحجة فإقرار المأذون بذلك بعد ظهور سبب الملك له فيه مع إنكار البائع بمنزلة إعتاق مع إياه ، والمأذون لا يملك الإعتاق فلا يقبل قوله فيما يوجب العتاق له ; لأن كل واحد من الكلامين إبطال للملك بعد ظهوره في المحل بظهور سبب بخلاف الأول فالذي ظهر للمأذون هناك اليد في العبد وهو ليس بدليل الملك فيكون كلامه إنكارا لتملكه لا إبطالا للملك الثابت فيه وكذلك لو أقر بالتدبير من البائع أو كانت جارية فأقر بولادتها من البائع ; لأن التدبير ، والاستيلاد يوجب حق العتق للمملوك .

والعبد ليس من أهل إيجابه فلا يصح إقراره به لحقيقة العتق فإن صدقه البائع انتقض البيع بينهما ورجع بالثمن عليه ; لأنهما تصادقا أن البيع كان باطلا بينهما وهما يملكان نقض البيع باتفاقهما بالإقالة فيعمل بعد تصادقهما على بطلانه ويرجع العبد بالثمن عليه ، والحرية أو حق الحرية يثبت للمملوك بعد تصديق البائع من جهته ، والبائع أهل لإيجاب ذلك بأن يشتريه من العبد ، ثم يعتقه بخلاف الأول فهناك البائع منكر ، والبيع بينهما صحيح باعتبار الظاهر فلو ثبتت الحرية أو حقها للمملوك فإنما تثبت من جهة المأذون وهو ليس بأهل لذلك ، ولو أقر المأذون أن البائع كان باعه من فلان قبل أن يبيعه منه وقبضه فلان منه ونقده الثمن وجاء فلان يدعي ذلك فهو مصدق على ذلك ويدفع العبد إلى المقر له ; لأن كلامه إقرار بالملك في العبد للمقر له وهو من أهل أن توجب الملك له فيه بطريق التجارة فيكون قوله مقبولا في الإقرار بالملك له ، وإنما يثبت الملك للمقر له ههنا من جهة العبد بمنزلة ما لو أقر له بالملك مطلقا بخلاف الأول فكلامه هناك إبطال للملك ، والعبد ليس من أهله ، ثم لا يرجع على البائع بالثمن إلا ببينة بقيمتها على ما ادعى أو يقر البائع به أو يأبى اليمين ; لأن إقراره ليس بحجة على البائع ، والبائع مستحق الثمن باعتبار صحة البيع ظاهرا فلا يبطل استحقاقه إلا بالبينة أو بإقراره أو بما يقوم مقام إقراره وهو النكول .

فإن قيل كيف تقبل البينة من المأذون أو يحلف البائع على دعواه وهو مناقض في هذه الدعوى ; لأن إقدامه على الشراء إقرار منه بالملك لبائعه وبصحة البيع فقوله بعد ذلك بخلافه يكون تناقضا .

قلنا لا كذلك بل هذا إقرار منه أن البائع بسبيل من بيعه ; لأنه وكيل المشتري أو بائع له بغير أمر المشتري على أن يجيزه المشتري فإذا أبى أن يجيزه كان له أن يرجع بالثمن عليه فلهذا قبلنا بينته على . [ ص: 78 ] ذلك وحلفنا البائع ; لأنه ادعى عليه ما لو أقر به لزمه فإذا أنكر استحلفه عليه .
ولو باع العبد جارية من رجل وقبضها ذلك الرجل بمحضر من الجارية ولا يدري ما حالها فادعى رجل أنها ابنته وصدقه بذلك المشتري ، والعبد فالجارية ابنة الرجل وترد إليه ولا ينتقض البيع فيما بينهما ; لأنها مملوكة للمشتري بما جرى من البيع بينه وبين العبد وقد أقر أنها حرة بنت المدعي وإقراره بذلك صحيح في ملكه ; لأنه يملك إيجاب الحرية فيها من قبله فيصح الإقرار به أيضا ولا ينتقض البيع فيما بينهما ; لأن المأذون قد استحق الثمن عليه فلا يقبل قوله في إبطال ملكه عن الثمن من غير أن يعود إليه بمقابلته شيء وهذا ; لأن الجارية لما انقادت للبيع ، والتسليم فذلك إقرار منها أنها كانت مملوكة للعبد حتى لو ادعت الحرية بعد ذلك لا يقبل قولها إلا بحجة فإقرار العبد بعد ذلك أنها كانت حرة الأصل يكون إبطالا لملكه الثابت فيها ظاهرا ، وقوله في ذلك غير مقبول وليس من ضرورة ثبوت النسب ، والحرية لها بتصديق المشتري رجوعه على العبد بالثمن ولو كان اشتراها من رجل وقبضها منه فأقر البائع بذلك أيضا انتقضت البيوع كلها ويرجعوا بالثمن ; لأن بائعها من العبد أهل لإيجاب الحرية لها في ملكه فيصح إقراره بحريتها ويكون هذا تصادقا منه على بطلان البيع جميعا وهم متمكنون من ذلك بنقض البيعين بالإقالة فيعمل تصادقهم على إبطالها ويرجع بالثمن بعضهم على البعض بخلاف الأول فهناك لو عمل تصديق العبد كانت الحرية لها من جهته وكسب المأذون لا يحتمل ذلك ولو كان المأذون اشتراها من رجل بمحضر منها وقبضها وهي ساكتة لا تنكر ، ثم باعها من رجل وقبض الثمن ، ثم ادعى أجنبي أنها ابنته وصدقه في ذلك المأذون ، والجارية ، والمشتري ، وأنكر ذلك البائع من العبد فالجارية حرة بنت الذي ادعاها بإقرار المشتري ولا يبطل البيع الذي كان بين العبد وبين المشتري الآخر لما بينا أن المشتري من العبد يملك إيجاب الحرية فيها فيعمل تصديقه للأجنبي في ملكه ، والعبد لا يملك ذلك في كسبه فلا يعمل تصديقه في ذلك .

وكذلك لو ادعى المشتري الآخر أن الذي باعها من العبد كان أعتقها قبل أن يبيعها أو دبرها أو ولدت وصدقه العبد بذلك فإقرار المشتري من العبد بذلك صحيح لتمكنه من إيجاب الحرية أو حق الحرية لها وتصديق العبد إياه بذلك باطل فإن كان أقر بالحرية فهي حرة موقوفة الولاء ; لأن المشتري ينفي ولاءها عن نفسه ويزعم أن البائع الأول أعتقها وهو منكر لذلك فتكون موقوفة الولاء ولو كان أقر فيها بتدبير أو ولادة فهي موقوفة في ملك المشتري الآخر فإذا مات البائع الأول عتقت ; لأن المشتري [ ص: 79 ] الآخر مقر بأن عتقها تعلق بموت البائع الأول ، والبائع الأول مقر أن إقرار المشتري الآخر فيها نافذ ; لأنها مملوكة له ولا يرجع بالثمن على العبد حتى يعتق فيرجع به عليه حينئذ ; لأنه بالتصديق صار مقرا بوجوب رد الثمن عليه ولكن لم يصح إقراره بهذا مع قيام الرق لحق مولاه وغرمائه فإذا زال ذلك بالعتق كان مأخوذا به كما لو أقر بكفالة أو مهر وكذلك لو كان المأذون منكرا لجميع ذلك إلا أنه لا يرجع عليه بالثمن في هذا الفصل بعد العتق أيضا ; لأن المشتري يدعي وجوب رد الثمن عليه وهو منكر لذلك فما لم يثبت المشتري دعواه بالحجة لا يرجع عليه بخلاف الأول فهناك العبد مصدق له مقر بوجوب رد الثمن عليه بسبب لا يحتمل الفسخ فيجعل كالمجدد للإقرار به بعد العتق فيرجع عليه بالثمن ولو كان المشتري الآخر ادعى أن الذي باعها من العبد كان كاتبها قبل أن يبيعها وصدقه المأذون في ذلك أو كذبه وادعت الأمة ذلك لم تكن مكاتبة وهي أمة للمشتري يبيعها إن شاء ; لأن الكتابة تحتمل الفسخ وقد عجزت هي عن أداء بدل الكتابة بجهالة من يؤدي البدل إليه ; لأن المشتري الآخر يزعم أنها مكاتبة للبائع الأول ، وأنه لا ينفعها دفع البدل إليه ، والبائع الأول ينكر ذلك ويزعم أنها مكاتبة للمشتري الآخر بإقراره فصارت كما لو عجزت عن أداء البدل لعدم ما تؤدي البدل به في يدها وذلك موجب انفساخ الكتابة فإذا انفسخت كانت أمة فالمشتري يبيعها إن شاء .

وإن كان على المأذون دين فأقر بشيء في يده أنه وديعة لمولاه أو لابن مولاه أو لأبيه أو لعبد له تاجر عليه دين أو لا دين عليه أو لمكاتب مولاه أو لأم ولده فإقراره لمولاه ولمكاتبه وعبده وأم ولده باطل ; لأن حق غرمائه تعلق بكسبه ، والمولى يخلفه في كسبه خلافة الوارث المورث فكما أن إقرار المريض لوارثه أو لعبده أو لمكاتبه لا يصح لكونه متهما في ذلك فكذلك إقرار العبد لمولاه ; لأن سبب التهمة بينهما قائم وكذلك لعبد مولاه أو لأم ولده فإن كسبهما لمولاه وكذلك إقراره لمكاتب مولاه ; لأن للمولى في كسب المكاتب حق الملك فأما إقراره لابن مولاه أو لابنه فجائز ; لأنه ليس للمولى في ملكهما ملك ولا حق ملك .

( ألا ترى ) أن المريض إذا أقر لأبي وارثه أو لابن وارثه جاز إقراره لهذا المعنى وإذا صح الإقرار صار المقر به - بعينه ملكا للمقر له فلا يتعلق به حق غرمائه كما لو أقر به لأجنبي ولو لم يكن على العبد دين كان إقراره جائزا في ذلك كله ; لأنه لا تهمة في إقراره فإنه لا حق لأحد في كسبه ، وإن لحقه دين بعد ذلك لا يبطل حكم ذلك الإقرار بمنزلة الصحيح إذا أقر بعين لوارثه ، ثم مرض ومات فإقراره يكون صحيحا .

وإن كان [ ص: 80 ] أقر بدين لأحد منهم ، ثم لحقه دين بعد ذلك لم يكن للمقر له شيء إن كان هو المولى أو أم ولده أو عبده الذي لا دين عليه ; لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا فإقراره له ما كان ملزما إياه شيئا بخلاف إقراره له بالعين فقد يجوز أن يكون للمولى عين في يد عبده وأم ولده وعبده الذي لا دين عليه كسبهما للمولى فالإقرار لهما كالإقرار للمولى فإن كان عليه دين أو كان أقر لمكاتب مولاه أو لابنه ، ثم لحقه دين اشتركوا في ذلك ; لأن المقر له ههنا ممن يستوجب الدين على العبد ، وقد صح إقراره له لانتفاء التهمة حين لم يتعلق حق أحدهما بماله فهو كما لو أقر لأجنبي ، ثم لحقه دين آخر فيشتركون في كسبه .

وإذا أقر المأذون لابنه وهو حر أو لابنه أو لزوجته وهي حرة أو لمكاتب ابنه أو لعبد ابنه وعليه دين أو لا دين عليه وعلى المأذون دين أو لا دين عليه فإقراره لهؤلاء باطل في قول أبي حنيفة ، وفي قولهما إقراره لهؤلاء جائز ويشاركون الغرماء في كسبه وهذا ; لأن كسب المأذون فيه حق غرمائه أو حق مولاه وإقراره عند أبي حنيفة لمن لا تقبل شهادته في حق الغير باطل لو كان حرا فكذلك إذا كان عبدا ، وفي قولهما إقراره لهؤلاء جائز بمنزلة إقراره لأخيه وأصل المسألة في إقرار أحد المتفاوضين لأبيه أو لابنه بدين أو وديعة ; لأنه لا يجوز على شريكه في قول أبي حنيفة رحمه الله وهو جائز في قولهما وقد بيناه في كتاب الإقرار ، والشركة أو هو بناء على بيع الوكيل ممن لا تقبل شهادته له بمثل القيمة أو بالمحاباة وقد بيناه في كتاب البيوع .
وإذا كان على العبد المأذون دين فأذن لجارية له في التجارة فلحقها دين ، ثم أقرت له بوديعة في يدها لم تصدق على ذلك ; لأن المأذون في حقها بمنزلة المولى في حق المأذون ، وقد بينا أن إقرار المأذون المديون لمولاه بعين في يده غير صحيح فكذلك إقرارها له ولأنها مملوكة للمولى إذا لم يكن على المأذون دين بالاتفاق فإقرارها له الوديعة إقرار لعبد مولاها وإقرار المأذون لعبد مولاه باطل ، وإن أقر العبد لها بوديعة في يده صدق على ذلك بمنزلة إقرار المولى لعبده بعين في يده فإنه يكون صحيحا ويستوي إن كان على المأذون دين أو لم يكن فتكون هي أحق به من الغرماء .

فإن قيل هي مملوكة للمولى المأذون فإقراره لها كإقراره لأمة مولاه فينبغي أن لا يصح إذا كان على المأذون دين .

قلنا نعم ولكن إن صح لم يكن عليها دين فجميع ما أقر لها به قد يعود إليه ويكون مصروفا إلى غرمائه كسائر إكسابها ، فلا يكون في هذا الإقرار إبطال حق الغرماء عن شيء مما تعلق حقهم به ولا إبطال حق المولى بخلاف إقراره لأمة مولاه فليست من كسبه ; لأن فيه إبطال حق الغرماء عما أقر به لها ، وإن كان [ ص: 81 ] عليها دين فإقراره لها يكون إقرارا لغرمائها وإقرار المأذون لغرمائها صحيح ; لأنهم منه بمنزلة الأجانب فلهذا جاز إقراره لها بخلاف إقرارها ; لأنه إذا صح إقرارها له يخرج المقر به من أن يكون كسبا لها ويبطل حق غرمائها عنه فلهذا لا يحكم بصحته وكذلك إن أقر لها بدين إلا أن في الإقرار بالدين هي تشارك غرماء المأذون في كسبه ، وفي الإقرار بالعين هي أولى بالعين من غرماء المأذون .

فإن كان بعض غرمائها مكاتبا للمولى أو عبدا مأذونا له في التجارة وعليه دين فإن كان العبد المقر لا دين عليه فإقراره لها بالدين ، الوديعة صحيح بمنزلة إقراره بذلك لغرمائها ، وإن كان عليه دين فإقراره لها باطل ; لأنه لو جاز ذلك شارك المكاتب ، والعبد بدينهما سائر غرمائه فيه وإقراره لمكاتب مولاه أو لعبد مولاه باطل إذا كان عليه دين فكذلك إقراره بما يوجب الشركة لهما يكون باطلا .

( ألا ترى ) أن رجلا لو مات وعليه دين لقوم شتى ، ثم حضر رجلا آخر الموت فأقر للميت بوديعة ألف درهم في يده أو بدين ، ثم مات وبعض غرماء الميت الأول أحد ورثة آخر كان إقراره باطلا ; لأنه لو صح إقراره ثبتت لوارثه الشركة في المقر به ، ولو كان بعض غرماء الجارية أبا للمولى أو ابنه فأقر لهما العبد بوديعة أو دين وعلى العبد دين فإقراره جائز ; لأن إقرار المأذون لأب مولاه أو ابنه بالدين ، والعين صحيح فكذلك إقراره بما تثبت فيه الشركة لهما ولو كان بعض غرمائها أب العبد أو ابنه وعلى العبد دين أو لا دين عليه فإقراره في قياس قول أبي حنيفة باطل وهو جائز في قولهما وهذا بناء على الأول في أنه لو أقر لأبيه أو لابنه بدين أو عين لم يجز عند أبي حنيفة فكذلك إقراره بما يوجب الشركة لهما في المقر به وكذلك لو كان بعض غرمائها مكاتبا لأبي العبد المأذون أو لابنه ولو كان بعض غرمائها أخا للعبد كان إقراره لها جائزا ; لأنه لا تهمة في إقراره لأخته فكذلك لا تهمة في إقراره لها ، وإن كان يثبت فيه الشركة لأخته .

وإذا أقر المأذون وعليه دين أو لا دين عليه بدين كان عليه وهو محجور عليه من قرض أو غصب أو وديعة استهلكها فصدقه رب المال بذلك أو كذبه ، وقال ذلك بعد ما أذن لك مولاك في التجارة فالقول قول المقر له ، والمال لازم للعبد إذا لم يصدقه المقر له أنه كان في حالة الحجر ; لأنه من أهل التزام المال بالإقرار في الحال وقد أضاف الإقرار إلى حالة لا تنافي وجوب المال عليه فإن المال بهذه الأسباب يجب على المحجور عليه ، وإن تأخر ساء عتقه فلم يكن هو في هذه الإضافة منكرا وجوب المال عليه بل هو مدع أجلا فيه إلى وقت عتقه فإن صدقه المقر له بذلك لم يؤخذ بشيء منه حتى يعتق إلا بالغصب [ ص: 82 ] خاصة فضمان الغصب يلزمه في الحال ، وإن كذبه المقر له أخذ بالمال في الحال ; لأن ما ادعى من الأجل لم يثبت عند تكذيب المقر له فكأنه ادعى الأجل إلى شهر في دين أقر به مطلقا وقيل في القرض ، الوديعة التي استهلكها هذا الجواب على قول أبي حنيفة ومحمد فأما عند أبي يوسف فيؤاخذ به في الحال ، وإن صدقه كما في الغصب وقد بينا المسألة في الوديعة وكذلك الصبي ، والمعتوه الذي يعقل البيع ، والشراء وقد أذن له في التجارة فيقر بنحو ذلك ; لأن الإذن لهما في التجارة صحيح وإقرارهما بعد الإذن نافذ كإقرار العبد وكما ينفذ إقرارهما بعد البلوغ عن عقل إلا أنهما لا يؤاخذان بالقرض ، الوديعة المستهلكة إذا صدقهما المقر له في ذلك بعد الكبر ، والإفاقة ; لأن الثابت بإقرارهما كالثابت بالمعاينة وقد طعن عيسى رحمه الله في مسألة الصبي فقال : هذا في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف صحيح ، وهو خطأ في قول محمد على قياس مسألة الإقرار إذا أسلم حربي ، ثم قال لرجل : غصبتك ألف درهم في دار الحرب وأنا حربي فاستهلكتها ، وقال الرجل : غصبتها في دار الإسلام فالقول قول الحربي في قول محمد .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.04 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.54%)]