
26-12-2025, 10:40 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس والعشرون
صـــ62 الى صـــ 71
(508)
قلنا الموجود في حق الغرماء كسب العبد واستيفاء الكسب لا يبطل حقهم عن بدل الرقبة فأما فيما بين المولى ، والمكاتب فهو بدل عما أوجبه للمكاتب وقد سلم ذلك للمكاتب من جهته وهذا ; لأن المولى بعقد الكتابة يكون مسقطا حقه عن كسبه فيأخذون من المولى ما استوفى باعتبار أنه كسبه ولو كان العبد أدى بعض الكتابة ، ثم جاء الغرماء فلهم أن يطلبوا الكتابة ويباع العبد لهم في دينهم ; لأن احتمال الكتابة بالفسخ بعد قبض البدل كما كان قبله ويأخذون ما قبض المولى من الكتابة ; لأنه كسب العبد المأذون فإذا أجازوا المكاتبة جازت ; لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء وما كان قبض المولى وما بقي منها فهو بين الغرماء كما لو كانت الكتابة بإذنهم لما بينا أن المقبوض كسب العبد فإن كان ما قبض المولى منها هلك قبل الإجازة لم يكن للغرماء إلا ما بقي من الكتابة ; لأن إجازتهم دليل الرضا منهم بقبض ما قبضه المولى فكان أمينا فيه غير ضامن بالهلاك في يده ولو أجاز المكاتبة بعض الغرماء دون البعض لم يجبر ; لأن لكل واحد منهم حق نقض الكتابة لأجل دينهم وبعضهم لا يملك إبطال حق النقض والذي أجاز قد أسقط حق نفسه فكأنه لم يكن في الابتداء إلا حق الذي لم يجز ولو أرادوا رد المكاتبة فأعطاهم المولى دينهم أو أعطاهم ذلك المكاتب فأبوا أن يقبلوا وأرادوا رد المكاتبة لم يكن لهم ذلك ; لأن حقهم في ديونهم فإذا وصل إليهم كمال حقهم فقد زال المانع من نفوذ الكتابة وهم متعنتون في الإباء ; لأنهم يفسخون الكتابة ليبيعوه في ديونهم وقد وصلت إليهم ديونهم فلهذا لا يكون لهم أن يفسخوا الكتابة والله أعلم .
( قال رحمه الله ) وإذا كان العبد بين رجلين فأذنا له في التجارة ، ثم أدانه أحد الموليين . [ ص: 63 ] مائة درهم وأدانه أجنبي مائة درهم ، ثم بيع العبد بمائة درهم أو قتل واستوفيت القيمة مائة
درهم من قاتله أو مات وخلف مائة درهم من كسبه .
فعند أبي حنيفة رحمه الله تقسم هذه المائة بين الأجنبي ، والمولى الدائن أثلاثا بطريق العول يضرب الأجنبي فيه بمائة ، والمولى الدائن بخمسين .
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقسم بينهما على طريق المنازعة أرباعا ثلاثة أرباعها للأجنبي وربعها للمولى الدائن وجه قولهما أن نصف المائة نصيب المولى الدائن ودينه لا يثبت في نفسه فيسلم ذلك للأجنبي خاصة ونصفه نصيب الذي لم يدن وقد استوفى فيه حق الأجنبي وحق المولى الدائن من دين كل واحد منهما فيه مقدار خمسين فيقسم ذلك بينهما نصفين وأبو حنيفة رحمه الله يقول محل الدين هو الذمة ، وإنما المال محل قضاء الدين لا محل وجوب الدين وجميع دين الأجنبي ثابت في ذمة العبد ، والثابت من دين المولى نصفه ; لأن نصف العبد ملكه ولا يستوجب المولى على عبده دينا فيضرب كل واحد منهما بجميع ما ثبت من دينه ; لأن قسمة كسب العبد بين غرمائه كقسمة التركة بين الغرماء وإذا اجتمع في التركة دين مائة لرجل ودين خمسون لآخر ، والتركة مائة فإنه يضرب كل واحد منهما فيها بجميع حقه وتكون التركة بينهما أثلاثا فهذا مثله .
وهذه المسألة بنظائرها وأضدادها قد تقدم بيانها في كتاب الدعوى فلهذا اقتصرنا على هذا الحرف لكل واحد منهما ; لأن مسائل الباب على هذا تدور ، ولو أدانه كل واحد من الموليين مائة درهم وأدانه أجنبي مائة درهم ، والمسألة بحالها فنصف المائة للأجنبي ونصفها للموليين أما عندهما فلأن نصيب الأكبر فارغ عن دينه وقد استوى فيه الأصغر مع الأجنبي ; لأن الثابت من دين كل واحد منهما فيه بقدر خمسين فيكون بينهما نصفين وكذلك نصيب الأصغر منهما فارغ عن دينه ، وقد استوى فيه حق الأكبر ، والأجنبي فيقسم بينهما نصفين فبالقسمتين يسلم للأجنبي نصف المائة ولكل واحد من الموليين ربع المائة .
فأما عند أبي حنيفة فلأن الثابت من دين كل واحد من الموليين خمسون ودين الأجنبي ثابت كله فيضرب الأجنبي بمائة وكل واحد من الموليين بخمسين فكان للأجنبي نصف المائة وللموليين نصفها بينهما نصفين وإذا كان رجلان شريكين شركة مفاوضة أو عنان وبينهما عبد ليس من شركتهما فأدانه أحدهما مائة درهم من شركتهما وأدانه أجنبي مائة ، ثم مات العبد وترك مائة أو بيع بمائة فللأجنبي ثلثاها وللشريكين ثلثها ; لأن إدانة أحد الشريكين في المال المشترك كإدانتهما جميعا فصار كل واحد منهما مدينا له بقدر الخمسين ، ثم نصيب الأكبر منهما فارغ عنه حقه ، وقد اجتمع .
[ ص: 64 ] فيه من دين الأجنبي خمسون درهما ، ومن دين الأصغر خمسة وعشرون ; لأنه كان مدينا بجميعه خمسين على مقدار حقهما أثلاثا وكذلك نصيب الأصغر يقسم بين الأصغر ، والأجنبي أثلاثا بهذا الطريق فبالقسمة يحصل للأجنبي ثلثا المائة وللموليين ثلث المائة .
وعند أبي حنيفة دين الأجنبي وهو مائة كله ثابت ، والثابت من دين كل واحد من الموليين مقدار خمسة وعشرين فإذا جعلت كل خمسة وعشرين سهما صارت المالية التي للأجنبي أربعة أسهم ولكل واحد من الموليين سهم فتكون القسمة على ستة : أربعة للأجنبي وذلك ثلثا المائة ، وسهمان للموليين وذلك ثلث المائة .
ولو كانت شركتهما شركة عنان ، والعبد من شركتهما فأداناه مائة درهم من غير شركتهما وأدانه أجنبي مائة درهم كان ثلثا المال للأجنبي وثلثه بين الموليين لما قلنا أن كل واحد منهما صار مدينا له في مقدار خمسين نصف ذلك لا في نصيبه فلم يثبت ونصفه يثبت باعتبار شريكه فكان الثابت من دين كل واحد من الموليين خمسة وعشرين ، ودين الأجنبي ثابت كله فتكون القسمة بينهم على ستة أسهم على ما بينا ، ولو كان العبد من شركتهما فداناه وأدانه أحدهما مائة من شركتهما وأدانه أجنبي مائة والمسألة بحالها فالمائة كلها للأجنبي ولا شيء لواحد من الشريكين ههنا ; لأن العبد ، والمال كله من شركتهما فلا يثبت شيء من دين الموليين لاتحاد المستحق واتحاد حكم الواجب ، والمحل الذي يقضى منه ، وإنما الثابت دين الأجنبي خاصة وهو نظير ما لو كان العبد لواحد فأدانه مائة وأجنبي مائة وأجنبي مائة ، ثم بيع بمائة فإن الثمن كله للأجنبي ولا يكون للمولى منه شيء .
وإذا أذن أحد الرجلين لعبد بينهما في التجارة ، ثم أدانه أحدهما مائة وأدانه أجنبي مائة ، ثم إن المولى الذي لم يأذن للعبد غاب وحضر الأجنبي فأراد بيع نصيب المولى الذي أذن العبد في دينه بيع له ; لأن دينه متعلق بنصيب كل واحد منهما ، والحاضر منهما خصم في نصيبه وليس بخصم في نصيب الغائب ولكن أحد النصفين ينفرد عن الآخر في البيع في الدين فلا يتأخر بيع نصيب الحاضر لغيبة الآخر فإن بيع بخمسين درهما أخذها الأجنبي كلها ; لأنه لا يثبت شيء من دين المولى الدائن في نصيبه فيسلم نصيبه للأجنبي فإن حضر المولى الآخر فإنه يباع نصيبه للأجنبي وللمولى الذي أدانه فيقتسمان ذلك نصفين ; لأن دين كل واحد منهما ثابت في نصيبه وقد استويا في ذلك فإن الباقي من دين الأجنبي فيه خمسون ، والثابت من دين المولى الدائن فيه خمسون فلهذا يقسم نصيبه بينهما نصفين وهذا شاهد لهما على أبي حنيفة .
ولكن أبو حنيفة رحمه الله يقول قد تميز نصيب أحدهما عن نصيب الآخر ههنا حين بيع نصيب كل واحد .
[ ص: 65 ] منهما بعقد على حدة فلا بد من اعتبار حال كل واحد من النصيبين على الانفراد ولو كان ثمن نصيب المولى الذي أدان العبد توى على المشتري وبيع نصيب الذي لم يدن بخمسين درهما أو بأكثر أو بأقل فإن ذلك يقسم بينهما أثلاثا سهم للأجنبي ، وسهم للمولى الذي أدان ; لأنه لم يصل إلى الأجنبي شيء من حقه وجميع دينه ثابت في كل جزء من العبد فهو يضرب بمائة ، والمولى الدائن يضرب بما ثبت من دينه وذلك خمسون فلهذا قسم هذا النصف بينهما أثلاثا ، وهو دليل لأبي حنيفة في أنه يتميز في حكم الدين بعض العبد عن البعض فإن اقتسماه كذلك ، ثم خرجت الخمسون الأولى أخذها الأجنبي كلها ; لأنه قد بقي من دينه هذا القدر وزيادة ولا حق للمولى الدائن في ثمن نصيبه فيأخذها الأجنبي كلها وكذلك لو كانت أكثر من خمسين درهما حتى تزيد عن ثلثي المائة فتكون الزيادة للمولى الذي أدان ; لأنه قد وصل إلى الأجنبي كمال حقه ، والباقي ثمن نصيب المولى الدائن قد فرغ من الدين وسلم له ولا يرجع واحد من الموليين على صاحبه بشيء ; لأن نصيب المولى الذي لم يدن استحق بدين كان متعلقا بنصيبه برضاه فلا يرجع على صاحبه بشيء وكذلك بخروج ما توى لا يتبين فساد في سبب القسمة الأولى ; لأنه لا يتبين أن جميع دين الأجنبي لم يكن ثابتا يومئذ .
وإذا كان العبد بين رجلين فأذنا له في التجارة ، ثم إن كل واحد منهما أدانه مائة درهم من رجل آخر وأدانه أجنبي مائة ، ثم بيع بمائة درهم فالمائة بين الأجنبي ، والموليين أثلاثا لكل واحد منهما ثلثها ; لأن كل واحد من هذه الديون ثابت بكماله في الفصلين جميعا ، والمولى إنما لا يستوجب على عبده دينا لنفسه وكل واحد من الموليين في الإدانة ههنا نائب عن صاحب المال فكان صاحب المال هو الذي أدانه بنفسه فلهذا كانت المائة أثلاثا بينهم ولو كان المال الذي أدانه الموليان كل واحد من المالين بين المولى الذي أدانه وبين أجنبي قد أمره بإدانته ، والمسألة بحالها فإن المائة تقسم على عشرة أسهم أربعة للأجنبي الذي أدان العبد وأربعة للأجنبيين اللذين شاركهما الموليان في المائتين لكل واحد منهما سهمان ولكل واحد من الموليين سهم ; لأن كل واحد من الموليين نائب عن شريكه في نصف ما أدانة فيثبت على العبد جميع نصيب كل واحد من الشريكين ، وفي النصف كل واحد منهما دائن لنفسه فيثبت نصف ذلك النصف باعتبار نصيب شريكه من العبد ولا يثبت نصفه باعتبار نصيبه من العبد فكان الثابت على العبد للأجنبي مائة درهم ولكل واحد من شريكي الموليين خمسون ولكل واحد من الموليين خمسة وعشرون فإذا جعلت كل خمسة وعشرين سهما كان الكل عشرة أسهم . [ ص: 66 ] فلهذا كانت القسمة بينهم على ذلك .
وإذا كان العبد بين رجلين وقيمته مائتا درهم فأدانه أجنبي مائة فحضر الغريم وطلب دينه وغاب أحد الموليين فإن نصيب الغائب لا يقضى فيه بشيء حتى يحضر لما بينا أن كل واحد من الموليين خصم في نصيبه خاصة وأحدهما ليس بخصم عن صاحبه في نصيبه ولكن بيع نصيب الحاضر يتأتى منفردا عن نصيب الغائب فلهذا يباع نصيب الحاضر فإن بيع بمائة درهم أخذها الغريم كلها ; لأن جميع دينه كان ثابتا في كل جزء من العبد والذي بيع جزء من العبد ولا فضل في ثمنه على دينه فيأخذ جميع ذلك قضاء بدينه فإذا حضر الغائب كان للذي بيع نصيبه أن يتبعه بخمسين في نصيبه حتى يباع فيه أو بعضه ; لأن نصف الدين كان قضاؤه مستحقا من نصيب هذا الذي حضر وقد استوفي من نصيب الآخر بغير اختياره أو باختياره ولكنه غير متبرع في ذلك بل كان محتاجا إليه لتخليص ملكه فيرجع على صاحبه في نصيبه بخمسين بمنزلة الوارثين لو اقتسما التركة وغاب أحدهما ، ثم حضر الغريم واستوفى جميع دينه من نصيب الحاضر كان له أن يرجع على شريكه بنصف ما أخذه الغريم منه فهذا كذلك وإذا رجع في نصيبه بخمسين فذلك دين في نصيبه يباع فيه أو يقضيه وكذلك لو كان العبد قتل فأخذ الحاضر نصف قيمته كان للغريم أن يأخذه كله ويرجع المأخوذ منه في نصيب شريكه إذا حضر وقبض ; لأن الواجب بالقتل بدل العبد كما أن الواجب بالبيع ثمن العبد فيعتبر حكم أحدهما بالآخر .
ولو كان العبد بين رجلين فأذنا له في التجارة فلحقه من الدين ألفا درهم لرجلين لكل واحد منهما ألف درهم ، وفي يده ألف درهم فأخذها أحد الموليين فاستهلكها ومات العبد فللغريمين أن يأخذا المستهلك بالألف فيقتسمانه نصفين ; لأن حقهما في كسب العبد مقدم على حق الموليين فالمستهلك بمنزلة الغاصب فإن رفعاه في ذلك إلى القاضي فقضى عليه بدفعها إليهما ولم يقبضا شيئا حتى أبرأ أحد الغريمين العبد ، والموليين من دينه فإن الغريم الآخر يأخذ المستهلك بجميع الألف ; لأن سبب استحقاق كل واحد منهما لجميع الألف معلوم ، وإنما كانت القسمة بينهما لأجل المزاحمة فإذا زالت المزاحمة بأن أبرأه أحدهما كان للآخر جميع الألف كالشفيعين إذا أسلم أحدهما الشفعة إلا أن هناك يفصل بين ما قبل القضاء لهما بالدار وما بعد القضاء ; لأن بالقضاء يتملك كل واحد منهما نصف الدار ، ومن ضرورته بطلان حق صاحبه عن ذلك النصف وههنا بالقضاء لا يتملك كل واحد منهما شيئا لم يكن له قبل القضاء فبقي حق كل واحد منهما في جميع الألف بعد القضاء كما قبله [ ص: 67 ] وإنما هذا بمنزلة التركة .
فإن حرا لو مات وترك ألفا وعليه دين لرجلين لكل واحد منهما ألف فقضى القاضي بقسمتها بينهما فلم يقسماها ولم يقبضاها حتى أبرأ أحد الغريمين الميت من دينه كانت الألف كلها للغريم الباقي ولو اقتسماها وقبضاها ، ثم أبرأ أحدهما الميت من دينه سلم له ما أخذ ولم يكن لصاحبه من ذلك شيء ; لأن البراءة إسقاط لما بقي من حقه دون ما تم استيفاؤه فكذلك في غريمي العبد لو أخذ الألف من المولى المستهلك ، ثم أبرأ أحدهما العبد من دينه سلم لكل واحد منهما ما قبض فكذلك في هذه الفصول لو كان مولى العبد واحدا .
ولو كان العبد بين رجلين فأذن له أحدهما في التجارة وأقر العبد بألف في يديه أنها وديعة لرجل ، وأنكر الموليان فالقياس في هذا أن يأخذ المولى الذي لم يأذن له نصف الألف ; لأن ما في يد العبد كسبه ولكل واحد من الموليين نصفه بطريق الظاهر وإقرار العبد ليس بحجة في نصيب الذي لم يأذن له فيسلم له نصف الألف وهو حجة في نصيب الآذن لوجود الرضا منه بذلك حين أذن له في التجارة فكان هذا النصف للمستودع ولكنا نستحسن فنجعل الألف كلها للمستودع ; لأن إذن أحدهما في نفوذ تصرف العبد كإذنهما ، والإقرار من التجارة فكما ينفد جميع تجارة العبد بإذن أحدهما فكذلك ينفذ إقراره بإذن أحدهما ويتبين بإقراره أن المال للمودع ، وإنما يثبت حق الموليين في كسب العبد وإذا ثبت بإقراره أن هذا المال ليس من كسبه كان للمودع كله ولو لم يقر الوديعة حتى قبض الموليان منه الألف ، ثم أقر بعد ذلك أنها وديعة لفلان وكذباه لم يصدق على الألف ; لأن بأخذ الموليين خرج المقبوض من أن يكون كسبا للعبد وصار بحيث لا ينفذ فيه سائر تصرفاته فكذلك لا ينفذ فيه إقراره ; لأن نفوذ الإقرار باعتبار نفوذ سائر التصرفات بخلاف الأول وهناك المال باق في يده فينفذ فيه تصرفه فينفذ إقراره ويكون الثابت بإقراره كالثابت بالبينة ، ولوشهد الشهود عليه بألف درهم وديعة لهذا الرجل ولكنهم لا يعرفونها بعينها فقال العبد هي هذه الألف كان مصدقا في ذلك فهذا مثله ثم لا شيء عليه في الوديعة إذا كان إقراره بعد أخذ الموليين ; لأنه لم يتلفظا ، وإنما أخذها الموليان بغير رضاه ولو أخذها أجنبي منه غصبا وجحدها لم يضمن العبد شيئا فكذلك إذا أخذها الموليان منه .
ولو أذن للعبد أحد الموليين في التجارة فأدانه أجنبي مائة وأدانه الذي أذن مائة درهم فإن نصيبه يباع في دين الأجنبي خاصة ; لأنه لا يستوجب الدين في نصيب نفسه ولا في نصيب شريكه فإن شريكه لم يضمن باستحقاق نصيبه بالدين فلهذا يباع نصيبه في دين الأجنبي خاصة ولو كان أدانه .
[ ص: 68 ] الذي لم يأذن له مائة درهم فإن كان إنما أدانه قبل إدانة الأجنبي فإدانته إذن له في التجارة ; لأنه معاملة منه مع العبد .
وقد بينا أن دليل الرضا بتصرفه فإذا أدانه الأجنبي بعد ذلك كان ثمن العبد إذا بيع بينهما أثلاثا في قول أبي حنيفة رحمه الله وأرباعا في قولهما وهي مسألة أول الباب ، وإن كان أدانه بعد الأجنبي فإنه يباع من العبد نصفه ، وهو حصة المولى الذي كان أذن له فيضرب فيه الأجنبي بجميع دينه ويضرب فيه المولى الذي أدانه بخمسين فيقتسمان ذلك النقص أثلاثا ولا يلحق حصة الذي أدانه من دين الأجنبي شيء ; لأن ثبوت الإذن في نصيبه كان ضمنا لإدانته وقد حصل بعد إدانة الأجنبي ، والدين السابق على الإذن لا يتعلق بمالية العبد ، وإن وجد الإذن بعد ذلك كالعبد المحجور إذا لحقه دين بتجارته ، ثم أذن المولى له في التجارة لا يلحقه ذلك الدين ما لم يعتق فهذا كذلك ولما ثبت أن نصيب المدين فارغ عن دين الأجنبي بقي جميع دينه في نصيب الذي أذن له وقد ثبت فيه أيضا من دين المولى الدائن خمسون فلهذا قسم ثمن نصيبه بينهما أثلاثا والله أعلم
( قال رحمه الله ) وإذا دفع الرجل إلى عبده مالا يعمل به بشهود وأذن له في التجارة فباع واشترى فلحقه دين ، ثم مات ، وفي يده مال ولا يعرف مال المولى بعينه فجميع ما في يد العبد بين غرمائه لا شيء للمولى منه ; لأن مال المولى كان أمانة في يده وقد مات مجهلا له ، والأمانة بالتجهيل تصير دينا ، والمولى لا يستوجب على عبده دينا وما في يده كسبه بطريق الظاهر فيكون مصروفا إلى غرمائه ولا شيء للمولى منه إلا أن يعرف شيء للمولى بعينه فيأخذه دون الغرماء ; لأنه عين ملكه وليس من كسب العبد في شيء وكذلك لو عرف شيء بعينه اشتراه بمال المولى أو باع به مال المولى ; لأنه بدل ملكه بعينه وحكم البدل بعينه وحكم المبدل وهذا ; لأنه يجوز أن تكون عين ملك المولى في يد عبده على سبيل الأمانة كما يجوز أن تكون في يد حر .
ولو كان دفعه إلى آخر فمات كان هو أحق بما عرف من ماله بعينه أو ببدله فهذا مثله إلا أن هناك إذا لم يعرف بعينه صار دينا وهو يستوجب الدين على الحر وهنا يصير دينا أيضا ولكن هو لا يستوجب دينا على عبده فيبطل وإذا أقر العبد في حصته بعد ما لحقه الدين بأن هذا المال الذي في يده بعينه هو مال مولاه الذي دفعه إليه لم يصدق على ذلك .
[ ص: 69 ] لأنه تعلق بذلك المال حق غرمائه ، والمولى يخلف عبده في كسبه خلافة الوارث المورث ، ثم إقرار المورث لوارثه بعين بعد تعلق الحقوق بها لا يكون صحيحا فكذلك إقرار العبد لمولاه ، والأصح أن نقول العبد في حق مولاه متهم فيجعل هو في الإقرار له بالعتق بعد تعلق حق الغرماء بالمال بمنزلة المريض يقر لإنسان بعين وعليه ديون في الصحة وهناك لا يصح إقراره في حق غرماء الصحة فهذا كذلك إلا أن يعرفه الشهود بعينه فحينئذ قد ثبت ملكه بحجة لا تهمة فيها أو يقر به للغرماء فيكون الثابت في حقهم بتصديقهم كالثابت بالبينة ، وهو نظير إقرار المريض المديون بوديعة الأجنبي فإن أقام ذلك الرجل ببينة أنه أودعه عبدا وقبضه المريض إلا أن الشهود لا يعرفون العبد بعينه لم يصدق على الغرماء في استحقاق المقر له ملك العين ولكن إذا مات المريض بيع العبد فيقسم ثمنه بين الغرماء وبين المستودع يضرب فيه المستودع بقيمته ; لأنه يثبت بالبينة أنه أودعه العبد ولم يصح منه تعيين العبد فقد مات مجهولا له ، الوديعة بالتجهيل تصير دينا ، ووجوب هذا الدين بسبب لا تهمة فيه ، والقول في تلك القيمة إن اختلفوا قول الغرماء مع أيمانهم لإنكارهم الزيادة .
ولو أن العبد أقر الوديعة بعينها لأجنبي كان إقراره جائزا ، والأجنبي أحق بها من الغرماء ، وإن لم يكن له بينة على أصل الوديعة ; لأنه غير متهم في حق الأجنبي ، وهذا لأنه مأذون أقر بعين بعد ما لحقه الدين وإقرار المأذون بالدفع بعد ما لحقه دين صحيح فكذا إذا أقر بالعين .
( ألا ترى ) أنه لو أقر بدين استحق المقر له مزاحمة سائر الغرماء فكذلك إذا أقر له بعين استحق العين دونهم بخلاف المريض فإنه محجور لحق الغرماء حتى لو أقر بدين لم يصح إقراره في حق غرماء الصحة فكذلك إذا أقر بالدين .
ولو دفع المولى إلى عبده المأذون مالا وأمره أن يشتري الطعام خاصة فاشترى به رقيقا فشراؤه إياه جائز عليه في عتقه ; لأنه خالف أمر المولى وتنفيذ العقد عليه ممكن لكونه مأذونا وليس للبائع أن يأخذ الثمن من المال الذي دفعه إليه المولى ; لأن الثمن فيما اشتراه لنفسه دين في ذمته ، وإنما يقضي ديونه من كسبه لا من أمانة للمولى في يده وكذلك لو لم يكن مأذونا له ولكنه دفع إليه المال وأمره أن يشتري به الطعام ; لأنه بهذا يصير مأذونا له فقد رضي المولى بنوع من تصرفه فإن نقد الثمن من مال مولاه كان للمولى أن يتبع البائع بذلك المال حتى يسترده منه بعينه أو مثله إن كان هالكا ; لأنه غاصب في قبضه مال المولى لنفسه على وجه التملك ، ثم يرجع البائع على العبد ; لأن قبضه انتقض من الأصل وكان الثمن دينا في ذمة العبد فبقي كما كان وللبائع .
[ ص: 70 ] أن يطالبه بقضاء الدين من كسبه ولو أن المولى اشترى متاعا من عبده المأذون بمثل ثمنه فهو جائز ; لأنه غير متهم في ذلك فإنه ليس في تصرفه إبطال حق الغرماء عن شيء مما تعلق حقهم به وهو كالمريض يبيع عينا من أجنبي بمثل قيمته وعليه ديون الصحة .
فإن قيل لماذا لم يجعل هذا بمنزلة بيع المريض من وارثه بمثل قيمته حتى لا يجوز في قول أبي حنيفة رحمه الله فإن المولى يخلفه في كسبه خلافة الوارث المورث .
قلنا منع المريض من هذا التصرف مع الوارث عبده لحق سائر الورثة ; لأن حقهم متعلق بعين ماله ، وفي هذا التصرف إيثار بعض الورثة على البعض بالعين فأما ههنا المنع لحق الغرماء ، وحق الغرماء في المالية دون العين ( ألا ترى ) أن للمولى أن يستخلص إكسابه لنفسه بقضاء الدين من موضع آخر وليس في البيع بمثل القيمة إبطال حقهم عن شيء من المالية فإذا أجاز البيع طالب العبد مولاه بالثمن لحق غرمائه سواء سلم إليه المبيع أو لم يسلم ; لأن المولى في هذه الحالة كالأجنبي من كسبه لحق غرمائه ولو حابا فيه بما يتغابن الناس فيه أو بما لا يتغابن الناس فيه فهو سواء ويقال للمولى أنت بالخيار إن شئت فانتقض البيع ، وإن شئت فأد جميع قيمة ما اشتريت وخذ ما اشتريت ; لأن في المحاباة إبطال حق الغرماء عن شيء من المالية ، والعبد في ذلك متهم في حق المولى ، والمحاباة اليسيرة ، والفاحشة في ذلك سواء كما في حق المرتهن ; لأن تصرفه ما كان بتسليط من الغرماء ، وإنما يتخير المولى ; لأنه يلزمه زيادة في الثمن لم يرض بالتزامها .
فإن قيل هذا قولهما فأما عند أبي حنيفة فالبيع فاسد بمنزلة بيع المريض من وارثه فإن هناك لما تمكنت تهمة الإيثار في تصرفه فسد العقد عنده فكذلك هنا بخلاف البيع بمثل القيمة ، والأصح أن هذا قولهم جميعا ; لأن العبد في تصرفه مع مولاه كالمريض المديون في تصرفه مع الأجنبي فإن كان المولى قبضه واستهلكه فعليه كمال القيمة ; لأن المحاباة لا تسلم له وقد تعذر الرد بالاستهلاك فعليه القيمة ، والقول قوله في فضل القيمة ; لأنه منكر للزيادة فالقول قوله مع يمينه إلا أن يقيم الغرماء البينة على أكثر من ذلك ولو كان المولى هو الذي باع متاعه من العبد بمثل قيمته أو أقل منها فبيعه جائز ; لأنه مفيد فإنه يخرج به من كسب العبد إلى ملك المولى ما كان المولى ممنوعا منه قبل ذلك لحق الغرماء ويدخل به في كسب العبد ما لم يكن تعلق به حق الغرماء وهذا التكلف عندهما فأما عند أبي حنيفة فالمولى لا يملك كسب عبده المديون كما لا يملك كسب مكاتبه فيجوز البيع بينهما وللمولى أن يمنع البيع حتى يستوفي الثمن كما لو باعه من مكاتبه وهذا .
[ ص: 71 ] لأن البيع يزيل العتق عن ملك البائع ولا يزيل ملك اليد ما لم يصل إليه الثمن فيبقى ملك اليد للمولى على ما كان حتى يستوفي الثمن فإن دفع إليه الثمن وقبض ما اشترى فهو جائز ولا سبيل للغرماء على المولى فيما قبض من الثمن ; لأن المبيع خلف عن الثمن في تعلق حق الغرماء به ولو سلم المولى ما باعه إلى العبد قبل أن يقبض الثمن ، والثمن دين على العبد فقبض العبد لما اشترى جائز وهو للغرماء ولا شيء للمولى من الثمن .
وعند أبي يوسف قال هذا إذا استهلك العبد المقبوض فإن كان قائما في يده فللمولى أن يسترده حتى يستوفي الثمن من العبد وجه ظاهر الرواية أنه يتسلم المبيع أسقط حقه في الحس وملك اليد الذي كان باقيا له فلو بقي الثمن بقي دينا في ذمة العبد ، والمولى لم يستوجب على عبده دينا ، وجه قول أبي يوسف أنه إنما أسقط حقه في العين بشرط أن يسلم له الثمن ولم يسلم فيبقى حقه في العين على حاله ويتمكن من استرداده ما بقيت العين ; لأنه يجوز أن يكون له ملك العين فيما في يد عبده فكذلك يجوز أن يكون له ملك اليد فيه فأما بعد الاستهلاك ، فقد صار دينا .
ولو كان الثمن عروضا كان المولى أحق بذلك الثمن من الغرماء ; لأنه بالعقد ملك العرض بعينه ويجوز أن يكون عين ملكه في عبده وهو أحق به من الغرماء ولو كان المولى باع متاعه من عبده بأكثر من قيمته بقليل أو كثير فالزيادة لا تسلم للمولى لكونه متهما في المعاملة مع المولى بحق الغرماء ويكون المولى بالخيار إن شاء نقض البيع ، وإن شاء أخذ من العبد قدر قيمة ما باع وأبطل الفضل ; لأنه ما رضي بخروجه عن ملكه إلا بشرط سلامة جميع الثمن له ولم يسلم .
وإذا خرج العبد إلى مصر فاتجر فيه فلحقه دين ، ثم قال لم يأذن لي مولاي فلان في التجارة ، وقال الغرماء : قد أذن لك فللغرماء بيع جميع ما في يده في دينهم استحسانا .
وفي القياس لا يباع شيء مما في يده حتى يحضر المولى فتقوم عليه البينة بالإذن ; لأن السبب الموجب للحجر عليه ، وهو الرق معلوم ، والغرماء يدعون عارض الإذن ، والعبد ليس بخصم في ذلك ما لم يحضر مولاه وأكثر ما فيه أن تكون معاملته معهم إقرارا منه بأنه مأذون له ولكن إقراره لا يكون حجة على المولى ، وما في يده من الكسب ملك المولى كرقبته فكما لا تباع رقبته في الدين حتى يحضر المولى فكذلك لا يباع كسبه ، وجه الاستحسان أن الظاهر شاهد للغرماء ; لأن استبداد العبد بالتصرف معهم دليل ظاهر على كونه مأذونا ، ومن حيث العرف الإنسان لا يبعث عبده إلى مصر آخر ما لم يأذن له في التجارة ولكن هذا الظاهر حجة في دفع الاستحقاق لا في إثبات الاستحقاق ، وفي حق الرقبة حاجتهم .
[ ص: 72 ] إلى استحقاق ماليتها على المولى ، والظاهر لا يكفي لذلك فما لم يحضر المولى لاتباع الرقبة فأما في حق الكسب فحاجتهم إلى دفع استحقاق المولى ; لأن المولى يستحق الكسب من جهة عبده بشرط الفراغ عن دينه .
يوضحه أن الكسب حصل في يده بسبب معاملته وديونهم وجبت بذلك السبب أيضا فهم أحق بالكسب حتى يستوفوا ديونهم منهم بطريق إقامة البدل مقام المبدل ، وأما الرقبة فسلامتها للمولى لم يكن بالسبب الذي به وجبت الديون عليه فلهذا لا تباع حتى يحضر مولاه فإن أقام الغرماء البينة أن العبد مأذون له وهو يجحد ، والمولى غائب لم تقبل بينتهم لخلوها عن الفائدة فإن حقهم ثابت في الكسب من غير بينة ، والعبد ليس بخصم في حق الرقبة فلو لم تقم البينة على الإذن وأقر به العبد بيع ما في - يده أيضا ، ولم تبع رقبته ; لأن الخصم في الرقبة المولى وإقرار العبد ليس بحجة على المولى فإن حضر مولاه بعد ما باع القاضي ما في يده فقاضاه الغرماء فأنكر أن يكون أذن له في التجارة فإن القاضي يسأل الغرماء البينة على الإذن من المولى ; لأنهم يدعون عليه الإذن العارض فلا بد أن يقيم البينة عليه فإن أقاموا وإلا ردوا ما أخذوا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|