عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 26-12-2025, 10:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس والعشرون

صـــ32 الى صـــ 41
(505)





ومنهم من يقول : إذا أخبره بذلك فاسقان صار محجورا عليه فظاهر هذا اللفظ يدل عليه فإنه أطلق الرجلين ، وإنما قيد بالعدالة الواحد وهذا ; لأنه يشترط في الشهادة العدد ، والعدالة لوجوب القضاء بها وتأثير العدد فوق تأثير العدالة .

( ألا ترى ) أن قضاء القاضي بشهادة الواحد لا ينفذ وبشهادة الفاسقين ينفذ ، وإن كان مخالفا للسنة ، ثم إذا وجدت العدالة ههنا بدون العدد يثبت الحجر بالخبر فكذلك إذا وجد العدد دون العدالة وهذا ; لأن طمأنينة القلب تزداد بالعدد كما تزداد بالعدالة .
ويختلفون على قول أبي حنيفة في الذمي أسلم في دار الحرب إذا أخبره فاسق بوجوب الصلاة عليه هل يلزمه [ ص: 33 ] القضاء باعتبار خبره

فمنهم من يقول : ينبغي أن لا يجب القضاء عندهم جميعا ; لأن هذا من أخبار الدين ، والعدالة شرط بالاتفاق وأكثرهم على أنه على الخلاف كما في الحجر ، والعزل قال رضي الله عنه ، والأصح عندي أنه يلزمه القضاء ههنا ; لأن من أخبره فهو رسول رسول الله بالتبليغ قال عليه السلام : { نضر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها كما سمعها ، ثم أداها إلى من لم يسمعها } وقد بينا في خبر الرسول أنه بمنزلة خبر المرسل ولا يعتبر في الإلزام أن يكون المرسل عدلا فكذلك ههنا ولا يدخل على هذا رواية الفاسق في الإخبار ; لأن هناك لا يظهر رجحان جانب الصدق في خبره وبذلك يتبين كون المخبر به حقا وههنا نحن نعلم أن ما أخبره به حق فيثبت - حكمه في حق من أخبره الفاسق به حتى يلزم القضاء فيما يتركه بعد ذلك .

وإذا أبق العبد المأذون له في التجارة فإباقه حجر عليه ، وقال زفر رحمه الله لا يصير محجورا عليه بالإباق ; لأن صحة الإذن باعتبار ملك المولى وقيام رأيه ولم يختل ذلك بإباقه ، والدليل عليه أن الإباق لا ينافي ابتداء الإذن فإن المحجور عليه إذا أبق فأذن له المولى في التجارة وعلم به العبد كان مأذونا وما لا يمنع ابتداء الإذن لا يمنع بقاءه بطريق الأولى ولكنا نقول لما جعل دلالة الإذن كالتصريح به فكذلك دلالة الحجر كالتصريح بالحجر وقد وجدت دلالة الحجر بعد إباقه ; لأن الظاهر أن المولى إنما يرضى بتصرفه ما بقي تحت طاعته ولا يرضى بتصرفه بعد تمرده وإباقه ; ولهذا صح ابتداء الإذن بعد الإباق ; لأنه يسقط اعتبار الدلالة عند التصريح بخلافه .

يوضحه أن حكم الإذن رضا المولى بتعلق الدين بمالية رقبته وقد توت المالية فيه بالاتفاق ; ولهذا لا يجوز فيه شيء من التصرفات التي تنبني على ملك المالية فكان هذا وزوال ملك المولى عنه في المعنى سواء .

يوضحه أن المولى لو تمكن منه أوجعه عقوبة جزاء على فعله وحجر عليه فإذا لم يتمكن منه جعله الشرع محجورا عليه كالمرتد اللاحق بدار الحرب لو تمكن منه القاضي موته حقيقة بالقتل ويقسم ماله بين ورثته فإذا لم يتمكن من ذلك جعله الشرع كالميت حتى يقسم القاضي ماله بين ورثته فإن بايعه رجل بعد الإباق ، ثم اختلفا فقال المولى كان آبقا ، وقال من بايعه لم يكن آبقا لم يصدق المولى على إباقه إلا ببينة ; لأن كونه مأذونا معلوم وسبب الحجر الطارئ عليه متنازع فيه فالقول قول من ينكره .

( ألا ترى ) أن المولى لو ادعى أنه كان حجر عليه أو كان باعه من إنسان قبل مبايعة العبد مع هذا الرجل لا يصدق في ذلك إلا ببينة فكذلك إذا ادعى أنه كان آبقا فإن أقام البينة على ذلك فقد أثبت الحجر العارض بالحجة ، وإن [ ص: 34 ]

أقام المولى البينة أنه أبق منه إلى موضع كذا وأقام الذي بايع العبد البينة أن المولى أرسله إلى ذلك الموضع يشتري فيه ويبيع فالبينة بينة الذي بايع العبد أيضا ; لأنه يثبت إرسال المولى إياه وإذنه في الذهاب إلى ذلك الموضع وبينة المولى تنفي ذلك ، وفيما هو المقصود وهو تعلق الدين بمالية رقبته من بائع العبد يثبت لذلك بالبينة ، والمولى ينفي فكان المثبت أولى .

فإن ارتد العبد المأذون ، ثم تصرف فإن قتل على ردته أو مات بطل جميع ما صنع في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وإن أسلم جاز جميع ذلك ، وفي قول أبي يوسف ومحمد جميع ذلك جائز إن أسلم أو قتل على ردته ; لأن انفكاك الحجر عنه بالإذن كانفكاك الحجر عنه بالعتق ، ومن أصل أبي حنيفة أن تصرف المرتد لنفسه يوقف إذا كان حرا فكذلك إذا كان عبدا ، وإن كانت أمة جاز جميع ما صنعت في ردتها إن أسلمت أو لم تسلم بمنزلة الحرة المرتدة وهذا ; لأن الرجل يقتل بالردة حرا كان أو عبدا فكما يوقف نفسه يوقف تصرفه في كسبه ، والمرأة لا تقتل فلا يوقف تصرفها في كسبها كما لا توقف نفسها ، ثم المرتد هالك حكما لاستحقاق قتله بسبب الردة ، والموت حقيقة يوجب الحجر عليه فكذلك إذا توقف حكم نفسه بالردة بتوقف حكم الحجر عليه أبدا وبه فارق المكاتب فإن تصرفه في كسبه بعد ردته نافذ ; لأن انفكاك الحجر عنه من حكم الكتابة ، وموته حقيقة لا ينافي بقاء الكتابة فإن المكاتب إذا مات عن وفاء أو عن ولد يسعى في بقية الكتابة فكذلك استحقاق نفسه بالردة لا يمنع بقاء الكتابة فلهذا ينفذ تصرفه بخلاف العبد .
وإذا أسر العدو عبدا مأذونا له وأحرزوه في دراهم فقد صار محجورا عليه لزوال ملك المولى عنه وثبوت ملكهم فيه بالإحراز فإن انفلت منهم أو أخذه المسلمون فردوه على صاحبه لم يعد مأذونا إلا بإذن جديد ; لأن الإذن بطل لفوات محل حكمه ، والإذن بعد بطل لا يعود إلا بالتجديد ، وإن كان أهل الحرب لم يحرزوه في دراهم حتى انفلت منهم فأخذه المسلمون فردوه على صاحبه فهو على إذنه ; لأنه بمنزلة المغصوب في يدهم ما لم يحرزوه ، والغصب لا يزيل ملك المولى ولا يوجب الحجر على المأذون .

( ألا ترى ) أن المولى لو أعتقه قبل أن يحرزوه نفذ عتقه بخلاف ما بعد الإحراز .
وإذا باع المولى عبده المأذون له بيعا فاسدا بخمر أو خنزير وسلمه إلى المشتري فباع واشترى في يده ، ثم رده إلى البائع فهو محجور عليه ; لأن المشتري قد ملكه بالقبض مع فساد البيع وذلك موجب للحجر عليه وكذلك لو قبضه المشتري بأمر البائع بحضرته أو بغير حضرته أو قبضه بحضرة البائع بغير أمره ولو قبضه بغير أمره بعد ما تفرقا لم

[ ص: 35 ] يصر محجورا عليه ; لأن القبض في البيع الفاسد بمنزلة القبول في البيع الصحيح فكما أن إيجاب البيع يكون رضى بقبول المشتري في المجلس لا بعده فكذلك البيع الفاسد يكون رضى من البائع بقبضه في المجلس لا بعده فإذا قبضه بعد الافتراق لم يملكه ; لأنه قبضه بغير تسليط من البائع فلا يصير محجورا عليه ، وفي المجلس إنما يقبضه بتسليط البائع إياه على ذلك فيملكه ويصير محجورا عليه فأما إذا أمره بالقبض نصا فهذا أمر مطلق يتناول المجلس وما بعده فمتى قبضه كان قبضه بتسليط البائع فيملكه ويصير محجورا عليه ولو كان البيع بميتة أو دم لم يصر محجورا عليه في جميع هذه الوجوه فإن البيع بالميتة لا يكون منعقدا ولا يوجب الملك للمشتري ، وإن قبضه كان العبد على إذنه في يد المشتري ينفذ تصرفه ، وإن كان المشتري ضامنا له في إحدى الروايتين كما لو غصبه غاصب ولو كان باعه بيعا صحيحا كان محجورا عليه قبضه المشتري أو لم يقبضه ; لأن الملك يثبت للمشتري بنفس العقد ههنا وكذلك إن كان المشتري منه بالخيار ثلاثة أيام أما عندهما فلأن المشتري ملكه مع ثبوت الخيار له .

وعند أبي حنيفة فلأن زواله عن ملك البائع قد تم ولذلك يفوت محل حكم الإذن ، وإن كان الخيار للبائع لم يكن ذلك حجرا إلا أن يتم البيع فيه ; لأن خيار البائع يمنع زوال ملكه وما بقي الملك للبائع فيه يبقى محل - حكم الإذن ولو لم يبعه المولى ولكنه وهبه فالهبة الصحيحة في حكم الملك نظير البيع الفاسد من حيث إن الملك يتأخر إلى وجود القبض لضعف السبب وقد بينا تفصيل حكم القبض في البيع الفاسد ففي الهبة الصحيحة الجواب كذلك .

وإذا غصب عبدا محجورا عليه وطلبه صاحبه فجحده الغاصب وحلف ولم يكن لصاحبه بينة ، ثم أذن له الغاصب في التجارة فباع واشترى ، والمغصوب منه يراه فلم ينهه ، ثم فإن القاضي يبطل جميع ما باع واشترى ; لأنه تبين أن الآذن له كان غاصبا ، وإذن الغاصب لا يوجب انفكاك الحجر عنه ولا يسقط حق المولى عن مالية الرقبة ، وفي القياس سكوت المولى عن النهي كالتصريح بالإذن ولو صرح بالإذن له في التجارة جاز ذلك لقيام ملكه ، وإن كان الغاصب جاحدا له ولكنه ترك هذا القياس فقال السكوت عن النهي مع التمكين من النهي دليل الرضا فأما بدون التمكن من النهي فلا يكون دليل الرضى .

( ألا ترى ) أن سكوت الشفيع عند عدم التمكن من الطلب لا يكون مسقطا لحقه وسكوت البكر كذلك وهو لم يكن متمكنا من النهي ههنا ; لأنه ما كان يلتفت إلى نهيه لو نهاه عن التصرف بل يستخف به فلصيانة نفسه سكت عن النهي .

( ألا ترى ) أن [ ص: 36 ] العبد لو ادعى أنه حر فجعل القاضي القول قوله فاشترى وباع ، والمولى ينظر إليه ولا ينهاه ، ثم أقام البينة أنه عبده لم يجز شراؤه ولا بيعه ; لأن سكوته عن النهي كان لصيانة نفسه .
وإذا دبر عبده المأذون فهو على إذنه ; لأن التدبير لا يمنع صحة الإذن ابتداء فلا يمنع بقاءه بطريق الأولى وهذا ; لأن بالتدبير يثبت للمدبر حق العتق وحق العتق إن كان لا يزيد في انفكاك الحجر عنه فلا يؤثر في الحجر عليه . ولو كانت أمة فاستولدها المولى لم يكن ذلك حجرا عليها في القياس ، وهذا قول زفر رحمه الله لما بينا في التدبير ولكنه استحسن فقال استيلاد المولى حجر عليها ; لأن العادة الظاهرة أن الإنسان يحصن أم ولده ولا يرضى بخروجها واختلاطها بالناس في المعاملة ، والتجارة ، وهذا ; لأنها تصير فراشا له فلا يأمن من أنه يلحق به نسبا ليس منه ، ودليل الحجر كصريح الحجر ولا توجد مثل هذه العادة في المدبر وهذا بخلاف ما إذا أذن لأم ولده في التجارة ; لأنه صرح هناك بخلاف المعتاد ، وإنما تعتبر العادة عند عدم التصريح بخلافها فأما مع التصريح بخلاف العادة فلا كتقديم المائدة بين يدي إنسان يجعل إذنا في التناول بطريق العرف فإن قال لا تأكل لم يكن ذلك إذنا .
وإذا أذن العبد التاجر لعبده في التجارة فباع واشترى فلحقه دين ، ثم إن المولى حجر على عبده الأول في أهل سوقه بحضرته ، والعبد الآخر يعلم بذلك أو لا يعلم فإن كان على الأول دين فحجره عليه حجر عليهما جميعا ، وإن لم يكن عليه دين لم يكن حجره عليه حجرا على الباقي ; لأنه إذا لم يكن على الأول دين فالعبد الثاني خالص ملك المولى ، وهو يملك الإذن له في التجارة ابتداء فجعل الثاني مأذونا من جهة المولى لا باعتبار العبد كان نائبا عنه في الإذن ولكن باعتبار أن تخصيص المولى الأول بالحجر عليه دليل الرضى منه بتصرف الثاني وهذا الرضا يثبت الإذن من جهته ابتداء فكذلك يبقى وأما إذا كان على الأول دين فالمولى لا يملك الإذن للثاني ; لأنه تصرف منه في كسب عبده المستغرق بالدين فلا يمكن أن يجعل الثاني مأذونا من جهة المولى ، وإنما كان مأذونا من جهة الأول بالحجر عليه وقد انقطع رأيه فيه ، وإنما كان الثاني مأذونا من جهته دون المولى ، وإن لم يكن عليه دين فالثاني على إذنه ; لأنه مأذون من جهة المولى ، والمولى باق على حاله ، وإن مات المولى كان حجرا عليهما جميعا كان على الأول دين أو لم يكن ; لأنه إن لم يكن عليه دين فالثاني كان مأذونا من جهة الأول وقد صار الأول محجورا عليه بموت المولى فكذلك الثاني .

وإذا أذن المكاتب لعبده في التجارة ، ثم عجز وعليه دين أو ليس عليه دين فهو حجر على العبد ; لأن الإذن للعبد كان من قبل المكاتب فإن المولى من كسب

[ ص: 37 ] المكاتب أبعد منه من كسب المأذون المديون وقد بينا هناك أن عبده يكون مأذونا من جهة المولى فهنا أولى وكذلك إن مات المكاتب عن وفاء أو عن غير وفاء أو عن ولد مولود في الكتابة ; لأنه إن مات عن غير وفاء فقد مات عاجزا وعجزه في حياته يكون حجرا على عبده فموته عاجزا أولى ، وإن مات عن وفاء فهو كالحر وموت الحر حجر على عبده بانقطاع رأيه فيه فإن أذن الولد للعبد بعد موت المكاتب في التجارة لم يجز إذنه ; لأن كسب المكاتب مشغول بدينه فلا يصير شيء منه ميراثا للولد مع قيام دينه وكما لا ينفذ منه سائر التصرفات فيه فكذلك الإذن وكذلك الحر إذا مات وعليه دين وله عبد فأذن له وارثه في التجارة فإذنه باطل ; لأن الوارث لا يملك التركة المستغرقة بالدين ولا ينفذ شيء من تصرفاته فيها ما لم يسقط الدين كما لا ينفذ تصرفه في حال حياة مورثه فإن قضى الوارث الدين من ماله لم ينفذ إذنه أيضا ; لأنه غير متبرع فيما قضى من الدين ، وإنما قصد به استخلاص التركة فيستوجب الرجوع بما أدى ويقوم دينه مقام دين الغريم فلا ينفذ إذنه لبقاء المانع فإن أبرأ أباه من المال الذي قضى عنه بعد إذنه للعبد نفذ إذنه وجاز ما اشترى قبل قضاء الدين وبعده ; لأن المانع زال حين سقط دينه بالإبراء وصار هو ملكا للتركة من وقت الموت .

( ألا ترى ) أنه ينفذ سائر تصرفاته في العبد فكذلك إذنه له في التجارة ولو لم يكن على الميت دين وكان الدين على العبد فإن أذن الوارث له في التجارة جاز ; لأن دين العبد لا يملك ملك الوارث في التركة فإنه مع تعلقه في مالية رقبته ما كان يمنع ملك المولى في حياته فكذلك لا يمنع ملك وارثه بخلاف دين المولى فإنه في حياته كان في ذمته ، وإنما يتعلق بالتركة بموته وحق الغريم مقدم على حق الوارث وكذلك ابن المكاتب لو أذن للعبد الذي تركه أبوه في التجارة ، ثم استقرض مالا من إنسان فقضى به الكتابة لم يكن إذنه له في التجارة صحيحا ; لأنه يستوجب الرجوع بما أدى ليقضي به ما عليه من الدين فقيام دينه بمنزلة قيام دين المولى في أنه يمنع ملكه فلهذا لا ينفذ إذنه ولو وهب رجل لابن المكاتب مالا فقضى به الكتابة جاز إذنه للعبد في التجارة ; لأن ما وهب له بمنزلة سائر أكسابه ، والمكاتب أحق بأكساب ولده المولود في الكتابة ليقضي به مال الكتابة فكان قضاء بدل الكتابة من هذا الكسب كقضائه من شيء آخر للمكاتب ولا يستوجب الولد الرجوع عليه بذلك فتبين به زوال المانع من صحة إذنه .

وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة ، ثم جن المولى فإن كان جنونه مطبقا دائما فهو حجر على العبد ; لأن المولى صار مولى عليه في

[ ص: 38 ] التصرف وانقطع رأيه بما أعرض فكان ذلك حجرا عليه ، وإن كان غير مطبق فالعبد على إذنه ; لأن المولى لم يصر مولى عليه بهذا القدر من الجنون فهو بمنزلة الإغماء ، والمرض فلا يوجب الحجر على العبد لبقاء ملك المولى وبقاء ولايته ، والفرق بين المطبق من الجنون وغير المطبق بيناه في الوكالة .

ولو ارتد المولى ، ثم باع العبد واشترى فإن قتل أو مات أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه فجميع ما صنع العبد بعد ردة المولى باطل ، وإن أسلم قبل أن يلحق بها أو بعد ما لحق بها قبل قضاء القاضي ورجع فذلك كله جائز في قول أبي حنيفة ، وقال أبو يوسف ومحمد : جميع ذلك جائز إلا ما صنع العبد بعد لحاق المولى بدار الحرب فإن ذلك يبطل إذا لم يرجع حتى يقضي القاضي بلحاقه ، وإن رجع قبل ذلك جاز وهذا ; لأن استدامة الإذن بعد الردة كإنشائه وتصرف المأذون معتبر بتصرف الآذن .

ومن أصل أبي حنيفة رحمه الله أن تصرفات المرتد توقف لتوقف نفسه ويوقف ماله على حق ورثته فكذلك تصرف المأذون من جهته وعندهما تصرف المرتد قبل لحاقه بدار الحرب نافذ وبعد لحاقه يتوقف بين أن يبطل القضاء القاضي بلحاقه وكون المال لوارثه من حين لحقه بدار الحرب وبين أن ينفذ برجوعه مسلما فكذلك تصرف المأذون من جهته ولو كان المولى امرأة فارتدت ، ثم صنع العبد شيئا من ذلك فهو جائز ; لأن ابتداء الإذن منها صحيح بعد ردتها ولأن تصرف المأذون كتصرف الآذن وتصرفها بعد الردة نافذ كما كان قبله فإن نفسها لم تتوقف بالردة ولو لحقت بدار الحرب ، ثم باع العبد أو اشترى فإن رجعت قبل أن يقضى بلحاقها فذلك جائز ، وإن لم ترجع حتى قضى القاضي بلحاقها وقسم ميراثها وأبطل ما صنع العبد من ذلك ، ثم رجعت مسلمة لم يجز للعبد ما صنع بعد لحاقها بدار الحرب ; لأن نفسها باللحاق بدار الحرب توقفت على أن تسلم لها بالإسلام أو يفوت عليها بالاسترقاق فيتوقف تصرفها أيضا وكما يتوقف تصرفها يتوقف تصرف المأذون من جهتها ولأن القاضي إذا قضى بلحاقها جعل المال لوارثها من وقت لحاقها بدار الحرب كما في حق الرجل ; ولهذا يعتبر من يكون وارثا لها وقت اللحاق بدار الحرب فتبين أن ملكها زال من ذلك الوقت وذلك مبطل لتصرفات العبد وكما أن إذن أحد الشريكين في المفاوضة ، والعنان للعبد المشترك في التجارة يجعل كإذنهما فكذلك حجر أحدهما عليه كحجرهما ; لأن كلاهما من التجارة وكل واحد منهما نائب عن صاحبه في التصرف في المال المشترك بطريق التجارة .

وإذا أذن المضارب لعبد من المضاربة في التجارة فهو جائز على رب المال ، وفي

[ ص: 39 ] رواية هشام عن محمد رحمهما الله لا يجوز ; لأن الإذن أعم من المضاربة فإنه فك للحجر ولا يستفاد بالشيء ما هو فوقه ، وفي ظاهر الرواية قال المضارب مفوض إليه وجوه التجارة في مال المضاربة ، والإذن في التجارة من التجارة فإن حجر عليه رب المال فحجره باطل ; لأن المضارب أحق به حتى يبيعه فيوفي رأس المال ( ألا ترى ) أن رب المال لو نهى المضارب لم يعتبر نهيه ونفسه أقرب إلى رب المال من كسبه فإذا كان لا يعمل نهيه منه في منع المضارب عن التصرف في نفسه فلأن لا يعمل نهيه في منع المأذون من جهته عن التصرف في كسبه كان أولى .

وإذا اشترى العبد المأذون عبدا فأذن له في التجارة فحجر المولى على العبد الآخر فحجره باطل كان على الأول دين أو لم يكن ; لأن هذا حجر خاص في إذن عام وهو باطل .

( ألا ترى ) أنه عند ابتداء الإذن لو قال لا تأذن لعبدك في التجارة لم يعتبر نهيه وكذلك بعد الإذن لو نهاه عن بيع هذا العبد لا يعمل نهيه وكذلك لو كان العبد الأول أمر رجلا ببيع عبده فنهاه المولى كان نهيه باطلا فكذلك إذا حجر عليه ولو كان المولى حجر على العبد الآخر وقبضه من الأول فإن كان على العبد الأول دين فهذا ، والأول سواء ; لأن قبض المولى إياه من الأول باطل ولا يخرج به الثاني من أن يكون كسبا للأول فإن حق غرماء الأول فيه مقدم على حق المولى فأما إذا لم يكن على الأول دين فقبض المولى العبد الآخر وحجر عليه جاز ; لأن كسب الأول خالص حق المولى فبقبضه منه يخرج من أن يكون كسبا للأول وصار الأول بحيث لا يملك التصرف فيه بعد ذلك حتى لو باع لم يجز بيعه فلهذا صار محجورا عليه بحجر المولى .

وإذا دفع المولى إلى عبده المأذون مالا وأمره أن يشتري به عبدا ويأذن له في التجارة ففعل ، ثم حجر المولى على المولى وعليه دين أو لا دين عليه فليس ذلك بحجر على الآخر ; لأن الأول مأذون له في شراء الثاني ، والآذن له في التجارة نائب عن المولى حتى إذا لحقه عهدة يرجع به على المولى ولا يثبت فيه حق غرمائه فيكون الثاني مأذونا من جهة المولى فلا يصير الثاني محجورا عليه بحجر المولى على الأول ، وأن حجر المولى على الآخر كان حجره عليه جائزا على كل حال ; لأنه كان مأذونا من جهة المولى كالأول .
وحجر الأب أو وصيه على الصبي الحر المأذون له في التجارة مثل الحجر على العبد ; لأنه من جهة المولى كالأول وحجر الأب أو وصيه على الصبي الحر استفاد الإذن من جهته وولايته قائمة عليه بعد الإذن فكما ملك الإذن بولايته يملك الحجر وهذا ; لأنه قد يؤنس منه رشدا فيأذن له في التصرف ، ثم يتبين له أن

[ ص: 40 ] الحجر عليه أنفع فيحجر عليه ولأن الابتداء بهذا يحصل أن يأذن له تارة ويحجر عليه تارة حتى تتم هدايته في التصرفات وكذلك حجر القاضي عليه ; لأن الولاية ثابتة له حسب ما كان للأب أو للوصي وكذلك حجر هؤلاء على عبد الصبي بعد ما أذنوا له في التجارة ; لأنهم بالولاية على الصبي قاموا مقامه في التصرف في ماله فيما يرجع إلى النظر ، والحجر من باب النظر كالإذن فكما صح منهم الإذن لعبده في التجارة يصح الحجر .

وموت الأب أو الوصي حجر على الصبي وعلى عبده ; لأن تصرفهما كان باعتبار رأيه على ما بينا أن توفر النظر بانضمام رأي الأب ، والوصي إلى رأي الصبي وقد انقطع رأيهما بموتهما فيكون ذلك حجرا على الصبي وكذلك عبد الصبي إنما كان يتصرف برأي الأب ، والوصي وقيام ولايتهما عليه وقد انقطع ذلك بموتهما وكذلك جنونهما جنونا مطبقا فإنه كالموت في قطع ولايتهما عنه وفوات رأيهما في النظر له وكذلك عزل القاضي الوصي عن الوصية فإن ذلك يزيل ولايته ويقطع تدبيره في النظر له فيكون حجرا على من كان يتصرف باعتبار رأيه وهو الصبي أو عبده .
ولو كان القاضي أذن للصبي أو المعتوه في التجارة ، ثم عزل القاضي كان الصبي ، والمعتوه على إذنهما ; لأن إذن القاضي يكون - قضاء منه فإنه ليس له ولاية غير ولاية القاضي وبعزل القاضي لا يبطل شيء من قضاياه ولأنه كالنائب عن المسلمين في النظر لهذا الصبي ، والتصرف في ماله بالإذن وغيره لعجز المسلمين عن الاجتماع على ذلك وبعد ما عزل القاضي لم يتبدل حال عامة المسلمين في الولاية ; ولهذا لم ينعزل وصيه وقيمه بعزله فكذلك مأذونه .
وإذا كان للصبي أو المعتوه أب أو وصي أو جد أبو الأب فرأى القاضي أن يأذن له في التجارة فأذن له وأبى ذلك أبوه أو وصيه فإذن القاضي له جائز لما بينا أن إذنه بمنزلة القضاء منه وولاية القضاء له في حال قيام الأب وبعد موته بصفة واحدة ولأنه متى كان النظر في الإذن فكذلك بما يحق على المولى أن يفعله فإذا امتنع منه كان للقاضي أن ينفذه كالولي إذا امتنع من تزويج المولى عليها من كفؤ زوجها القاضي إذا طلبت فإن حجر عليه أحد من هؤلاء فحجره باطل ; لأنه بهذا يريد أن يفسخ ما قضى القاضي عليه ولأن حجره عليه كإبائه في الابتداء وكما أن إباءه لا يمنع صحة إذن القاضي له فكذلك حجره عليه بعد الإذن وإن مات القاضي أو عزل ، ثم حجر عليه أحد من هؤلاء فحجره باطل ; لأن بعزل القاضي وبموته لا تزداد ولايتهم على الصبي فكما لا ينفذ حجرهم عليه قبل عزل القاضي فكذلك بعده وكذلك لو حجر عليه ذلك القاضي بعد - عزله ; لأنه بالعزل التحق بسائر

[ ص: 41 ] الرعايا فلم يبق له ولاية النظر في حقوق هذا الصبي ، وإنما الحجر عليه إلى القاضي الذي يستقضي بعد موت الأول أو عزله ; لأن ولايته عليه في النظر كولاية الأول ولا يقال الثاني بالحجر كيف ينقض قضاء الأول وهذا ; لأن الأول لو حجر عليه حال كونه قاضيا بعد حجره لا بطريق أنه نقض لقضائه بالإذن بل بطريق أنه أنشأ - نظرا له على ما بينا أن النظر قد يكون بالإذن له في وقت ، والحجر عليه في وقت آخر ، والثاني كالأول فيما يرجع إلى إنشاء النظر للصبي كما في سائر التصرفات في ماله .

وإذا أذن الرجل لعبد ابنه الصغير في التجارة ، ثم مات الابن ووارثه الأب فهذا حجر عليه ; لأن صحة إذنه كان باعتبار أنه نائب عن الابن وقد زال ملك الابن بموته ولا يقال الأب يخلفه في هذا الملك وهو راض بتصرفه ; لأنه إنما كان راضيا بتصرفه في ملك الصبي وذلك لا يكون رضا منه بتصرفه في ملك نفسه وكذلك لو اشتراه الأب من الابن فهو محجور عليه ; لأن الملك قد انتقل فيه من الابن إلى الأب ولو لم يكن ذلك ولكن أدرك الصبي أو كان معتوها فأفاق فالعبد على إذنه ; لأن تصرف الأب نفذ في حال قيام ولايته فلا يبطل بزوال ولايته كسائر التصرفات ، ثم فك الحجر عنه بالإذن كفك الحجر عنه بالكتابة ولو كاتبه ، ثم أدرك الصبي لم تبطل الكتابة ، وإن مات الأب بعد إدراك الصبي وإفاقة المعتوه كان العبد على إذنه ; لأن بعد إدراكه العبد مأذون من جهته فإن الأب كان نائبا عنه فهذا وما لو أذن له بعد البلوغ ابتداء سواء ، ثم هو بعد الإذن يتمكن من الحجر عليه فاستدامته الإذن مع تمكنه من الحجر كإنشائه ولا تتغير ولايته عليه بموت الأب .
وإذا ارتد الأب بعد ما أذن لابنه الصغير في التجارة ، ثم حجر عليه ، ثم أسلم فحجره جائز ; لأن حجره عليه تصرف كسائر تصرفاته فينفذ بإسلامه ، وإن قتل على ردته فذلك حجر أيضا بمنزلة ما لو مات وابنه صغير ، ولو أذن لابنه في التجارة بعد ردته فباع واشترى ولحقه دين ، ثم حجر عليه ، ثم أسلم فجميع ما صنع الابن من ذلك جائز ، وإن قتل ذلك على ردته أو مات كان جميع ما صنع الابن من ذلك باطلا وهذا عندهم جميعا ; لأن إذنه له في التجارة تصرف بحكم ولايته عليه وولايته عليه توقفت بالردة على أن يتقرر بالإسلام ويبطل بالقتل وكذلك تصرفه بحكم الولاية وهذا على مذهبهما بخلاف تصرفه بحكم ملكه فإن ملكه لم يزل عنه بردته فلا يمتنع نفوذ تصرفه باعتبار الملك .
والذمي في إذنه لابنه الصغير أو المعتوه في التجارة وهو على ذميته بمنزلة المسلم في جميع ما ذكرنا لثبوت ولايته عليه قال الله تعالى : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } ولو كان الولد مسلما بإسلام أمه .

[ ص: 42 ] أو بإسلام نفسه بأن عقل فأسلم كان إذن الأب الذمي له باطلا ; لأنه لا ولاية للذمي على المسلم فصحة إذنه باعتبار ولايته فإن أسلم الأب بعد ذلك لم يجز ذلك الإذن ; لأنه تصرف منه قبل ثبوت ولايته عليه ولا ينفذ بولايته التي تحدث من بعد كالأب إذا كان مملوكا فأذن لولده الحر ، ثم عتق لم ينفذ ذلك الإذن والله أعلم .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.15 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.62%)]