عرض مشاركة واحدة
  #503  
قديم 26-12-2025, 01:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس والعشرون

صـــ12 الى صـــ 21
(503)







يوضحه أن حق الشفعة قبل الطلب ضعيف ، وإنما يتأكد بالطلب فإعراضه عن الطلب المؤكد لحقه يجعل دليل الرضا لدفع الضرر عن المشتري فإنه إذا بقي حق الشفيع يتمكن به من نقض تصرف المشتري ، وفيه من الضرر عليه ما لا يخفى فأما هنا فحق المولى في مالية الرقبة متأكد ، وفي إسقاطه إلحاق الضرر به عند سكوته لدفع الضرر عمن يعمل العبد معه .

وحجتنا في ذلك قوله عليه السلام { لا ضرر ولا ضرار في الإسلام } ، وقال { ألا من غشنا فليس منا } ولو لم تتعين جهة الرضا عند سكوت المولى عن النهي أدى إلى الضرر ، والغرور فالناس يعاملون العبد ولا يمتنعون من ذلك عند محضر المولى إذا كان ساكتا وإذا لحقته ديون ، ثم قال المولى كان عبدي محجورا عليه فتتأخر الديون إلى وقت عتقه ولا يدري متى يعتق وهل يعتق أو لا يعتق فيكون فيه أنواء حقهم ويلحقهم فيه من الضرر ما لا يخفى ويصير المولى غارا لهم فلرفع الضرر ، والغرور جعلنا سكوته بمنزلة الإذن له في التجارة ، والسكوت محتمل كما قال ولكن دليل العرف يرجح جانب الرضا فالعادة أن من لا يرضى بتصرف عبده يظهر النهي إذا رآه يتصرف ويؤدبه على ذلك ، وإنما [ ص: 13 ] يستحق عليه ذلك شرعا لدفع الضرر ، والغرور فبهذا الدليل رجحنا جانب الرضا في سكوت البكر كما في سكوت الشفيع يرجح جانب الرضا لدفع الضرر عن المشتري ، والدليل عليه أنه بعد ما أذن له في أهل سوقه لو حجر عليه في بيته لم يصح حجة لدفع الضرر ، والغرور فلما سقط اعتبار حجره نصا لدفع الضرر فلأن يسقط اعتبار احتمال عدم الرضا من سكوته لدفع الضرر عن الناس كان أولى ولئن منع الشافعي هذا فالكلام في المسألة السابقة يبنى على الكلام في تلك المسألة فإن الكلام فيها أوضح على ما نبينه وهذا بخلاف الوكيل ; لأنه لا ضرر على من يعامل الوكيل إذا لم يجعل سكوت الموكل رضى فإن تصرف الوكيل نافذ على نفسه ، ومن يعامله لا يطالب الموكل بشيء ، وإنما يطالب الوكيل سواء كان تصرفه لنفسه أو لغيره ، وقوله : " هذا التصرف بسكوت المولى لا ينفذ " قلنا : لأن في هذا التصرف إزالة ملك المولى عما يبيعه ، وفي إزالة ملكه ضرر متحقق للحال فلا يثبت بسكوته وليس في ثبوت الإذن ضرر على المولى متحقق في الحال فقد يلحقه الدين وقد لا يلحقه ولو لم يثبت الإذن به تضرر الناس الذين يعاملون العبد .

يوضحه أن في ذلك التصرف العبد نائب عن المولى بدليل أنه إذا لحقه عهدة يرجع بها عليه فيكون بمنزلة الوكيل في ذلك ، وقد بينا أن الوكالة لا تثبت بالسكوت وأما في سائر التصرفات فهو متصرف لنفسه كما قررنا ، والحاجة إلى إذن المولى لأجل الرضا تصرف مالية رقبته إلى الدين فيثبت ذلك بمجرد سكوته لخلوه عن الضرر في الحال بخلاف ما إذا أتلف إنسان ماله وهو ساكت ; لأن الضرر هناك يتحقق في الحال وسكوته لا يكون دليل التزام الضرر حقيقة ، ولأنه لا حاجة إلى تعيين جانب الرضا هناك لدفع الضرر ، والغرور عن المتلف وهو ملتزم الضرر بإقدامه على إتلاف المال بخلاف ما نحن فيه على ما قررناه .
ولو قال لعبده : أد إلي الغلة كل شهر خمسة دراهم فهذا إذن منه له في التجارة ; لأنه استئداء المال مع علمه أنه لا يتمكن من ذلك إلا بالاكتساب يكون أمرا له بالاكتساب ضرورة وقد علمنا أنه لم يطلب منه الاكتساب بالتكدي فعرفنا أن مراده الاكتساب بالتجارة ، ودليل الرضا في الحكم كصريح الرضا وكذلك لو قال إذا أديت إلي ألفا فأنت حر ; لأنه حثه على أداء المال بما أوجب له بإزاء المال من العتق عند الأداء ولا يتمكن من الأداء إلا بالاكتساب ، وقد علمنا أنه لم يرد أداء الألف إليه من مال المولى ; لأن ذلك غير مفيد في حق المولى ، وإنما المفيد في حقه أداء الألف إليه من كسب يكتسبه بعد هذه المقالة وكذلك لو قال أد إلي ألفا ، وأنت حر فإنه لا يعتق ما لم [ ص: 14 ] يؤد .


ولو قال : إن أديت ألفا فأنت حر عتق في الحال أدى أو لم يؤد ولو قال : إذا أديت إلي ألفا ، وأنت حر عتق في الحال أيضا بخلاف قوله فأنت حر فإنه لا يعتق فيه إلا بالأداء ; لأن جواب الشرط بالفاء دون الواو فإن الجزاء يتصل بالشرط على أن يتعقب نزوله بوجود الشرط ، وحرف الفاء للوصل ، والتعقيب فيتصل فيه الجزاء بالشرط فأما حرف الواو فللعطف لا للوصل وعطف الجزاء على الشرط لا يوجب تعليقه بالشرط فكان تنجيزا ، وأما جواب الأمر بحرف الواو على معنى أنه بمعنى الحال أي ، وأنت حر في حال أدائك وأما صفة الأمر تكون بمعنى التعليل يقول الرجل أبشر فقد أتاك الغوث يعني ; لأنه أتاك الغوث فإذا قال : أد إلي ألفا فأنت حر معناه ; لأنك حر فلهذا يتنجز به العتق في الحال وعلى هذا ذكر في السير الكبير إذا قال افتحوا الباب ، وأنتم آمنون فما لم يفتحوا لا يأمنوا ولو قال فأنتم آمنون كانوا آمنين فتحوا أو لم يفتحوا ولو قال إذا فتحتم الباب فأنتم آمنون لا يأمنون ما لم يفتحوا ، ولو قال ، وأنتم آمنون كانوا آمنين في الحال .
ولو قال لعبده اذهب فأجر نفسك من فلان لم يكن هذا إذنا منه له في التجارة بخلاف قوله : اقعد قصارا وصباغا فإن هناك لما لم يعتق من يعامله فقد فوض الأمر إلى رأيه في ذلك النوع من التجارة وههنا عين من يؤاجر العبد نفسه منه ولم يفوض الأمر إلى رأيه فيه ولكنه جعله رسولا قائما مقام نفسه في مباشرة العقد فلا يكون ذلك دليل الرضا بتجارته .

يوضحه أنه أمره بأن يعقد على منافعه ههنا ومنافعه مملوكة للمولى فلا يكون ذلك على وجه الرضا بتجارته لا على وجه الاستخدام له ، وفي الأول أمره بتقبل العمل في ذمته وذلك من نوع التجارة .

( ألا ترى ) أن إجارة نفس العبد مملوكة للمولى فلا يكون ذلك على وجه الرضا بتجارته لا على وجه الاستخدام له ، وفي الأول أمره بتقبل العمل في ذمته وذلك من نوع التجارة .

( ألا ترى ) أن إجارة نفس العبد مملوكة للمولى عليه ، وأن يقبل العمل في ذمة العبد غير مملوك للمولى عليه واستشهد بما لو أرسل عبدا له يؤاجر عبدا له آخر لم يكن هذا إذنا لواحد من العبدين في التجارة ، ولو قال : اعمل في النقالين أو في الحناطين أو قال أجر نفسك في النقالين أو الحناطين فهذا منه إذن في التجارة ; لأنه فوض ذلك النوع من التجارة إلى رأيه ; لأنه لم يعين له من يعامله بل جعل تعيينه موكولا إلى رأيه والنقالون الذين ينقلون الخشب من الشطء إلى البيوت ، والحناطون ينقلون الحنطة من موضع السفينة إلى البيوت ، وإنما يعمل ذلك منهم العبيد ، والأقوياء .
ولو أرسل عبده يشتري له ثوبا أو لحما بدراهم لم يكن هذا إذنا له في التجارة استحسانا .

وفي القياس : هو إذن له [ ص: 15 ] في التجارة ; لأنه جعل اختيار من يعامله مفوضا إلى رأيه ، وفي الاستحسان لا يكون إذنا له في التجارة فإنه في عادة الناس هذا استخدام ولو جعلناه إذنا في التجارة يتعذر على المولى استخدام المماليك فإن الاستخدام يكون في حوائج المولى وهذا النوع من العقد من حوائجه .

يوضحه أن المولى لا يقصد التجارة بهذا الشراء إنما يقصد كفاية الوقت من الكسوة ، والطعام ، والتجارة ما يقصد به المال ، والاسترباح وكذلك لو أمره بأن يشتري ثوب كسوة للمولى أو لبعض أهله أو طعاما رزقا لأهله أو للمولى أو للعبد نفسه لا يكون شيء من ذلك إذنا له في التجارة أرأيت لو أمره أن يشتري نقلا بفلسين أكان يصير به مأذونا وكذلك لو قال : اشتر من فلان ثوبا فاقطعه قميصا أو اشتر من فلان طعاما فكله أو دفع إليه راوية وحمارا وأمره أن يستقي عليه الماء لمولاه ولعياله ولجيرانه بغير ثمن فشيء من هذا لا يكون إذنا له في التجارة لما قلنا ولو قال : استق على هذا الحمار الماء وبعه كان هذا إذنا له في التجارات كلها ; لأنه فوض إلى رأيه نوعا من التجارة وقصد به تحصيل المال ، والربح .

ولو أن طحانا دفع إلى عبده حمارا لينقل عليه طعاما له فيأتيه به ليطحنه لم يكن هذا إذنا منه له في التجارة ; لأنه استخدمه في نقل الطعام إليه ، وما أمره بشيء من عقود التجارات ولا باكتساب المال .

( ألا ترى ) أن المضاربة باعتبار هذا العمل لا تصح حتى لو أمره أن ينقل الطعام إليه ليبيعه صاحب الطعام بنفسه على أن الربح بينهما نصفان لا يجوز .

ولو أمره أن يتقبل الطعام من الناس بأجر وينقله على الحمار كان هذا إذنا له في التجارة ; لأنه فوض نوعا من التجارة إلى رأيه وأمره باكتساب المال له وأما إذا كان الرجل تاجرا وله غلمان يبيعون متاعه بأمره فهذا إذن منه لهم في التجارة ; لأن سكوته عن النهي عند رؤية تصرف العبد جعل إذنا فتمكينه إياهم من بيع أمتعته في حانوته أو أمره إياهم بذلك أولى أن يجعل إذنا ولذلك لو أمرهم أن يبيعوا لغيره متاعه فإنه فوض نوعا من التجارة إلى رأيهم ورضي بالتزامهم العهدة فيما يبيعونه لغيرهم ( ألا ترى ) أنه لو أمرهم أن يشتروا له متاعا أو يشتروا ذلك لغيره فاشتروه لزمهم الثمن وهم تجار في تلك التجارة وغيرها فكذلك إذا أمرهم بالبيع ; لأن في الموضعين جميعا قد صار راضيا باستحقاق مالية رقبته بما يلحقه من العهدة في ذلك التصرف .

( ألا ترى ) أنهم إذا باعوا فوجد المشتري بالمبيع عيبا كان له أن يرده عليهم ويطالبهم بالثمن .

ولو رأى عبده يبيع في حانوته متاعه لغيره فلم ينهه كان مأذونا لسكوت المولى عن النهي بعد علمه بتصرفه ولكن لا يجوز ما باع من متاع المولى ; لأن جواز [ ص: 16 ] البيع في ذلك المتاع يعتمد التوكيل وذلك يحصل بالأمر في الابتداء ، والإجازة في الانتهاء ، والسكوت لا يكون أمرا ولا إجازة فلا يثبت به التوكيل ( ألا ترى ) أن فيما يبيع من متاع المولى بأمره إذا لحقه عهدة يرجع على المولى ، وأن الضرر يتحقق في حق المولى بزوال ملكه عن المتاع في الحال ; فلهذا لا يثبت ذلك بالسكوت بخلاف صيرورته مأذونا فإن ذلك يعتمد الرضى لا التوكيل حتى لا يرجع بما يلحقه من العهدة في سائر التصرفات على المولى ولا يتحقق الضرر في حق المولى بمجرد صيرورته مأذونا وكذلك عبد دفع إليه رجل متاعا ليبيعه فباعه بغير أمر المولى ، والمولى يراه يبيع ولا ينهاه فهو إذن من المولى له في التجارة ، والبيع في المتاع جائز بأمر صاحبه لا بسكوت المولى عن النهي حتى أن المولى وإن نهاه أو لم يره أصلا كان البيع جائزا ; لأنه وكيل صاحب المتاع في البيع إلا أن تأثر صيرورته مأذونا في هذا التصرف من حيث إن العهدة تكون على العبد ، ولو نهاه المولى أو لم يره كانت العهدة على صاحب المتاع ; لأن العبد المحجور لا يلزم العهدة في تصرفه لغيره وإذا تعذر إيجاب العهدة عليه تعلقت العهدة بأقرب الناس بعده من هذا التصرف وهو الأمر الذي انتفع بتصرف العبد له .
وإذا اغتصب العبد من رجل متاعا فباعه ومولاه ينظر إليه فلم ينهه عنه فهذا إذن له في التجارة لوجود دليل الرضا منه بتصرفه حين سكت عن النهي ولا ينفذ ذلك البيع سواء باعه بأمر المولى أو بغير أمره ; لأن في ذلك البيع إزالة الملك المغصوب منه فلا ينفذ إلا بإجازته فكذلك لو رأى عبده يبيع متاعا له بخمر أو أمره بالبيع ، والشراء بالخمر فإنه يكون مأذونا له في التجارة لوجود الرضا منه بتجارته صريحا أو دلالة ، وإن فسد ذلك العقد لكون البدل فيه خمرا ، وإنما أورد هذه الفصول لإزالة إشكال الخصم أنه لما لم ينفذ ذلك العقد بسكوته فكيف يصير به مأذونا فإن هذا العقد الفاسد لا ينعقد بأمره ، والعقد على المال المغصوب لا ينعقد بأمر المولى أيضا ومع ذلك كان العبد به مأذونا .
ولو أرسل عبده إلى أفق من الآفاق بمال عظيم يشتري له البز ونهاه عن بيعه فهذا إذن له في التجارة ; لأنه فوض نوعا من التجارة إلى رأيه وهو شراء البز ورضي بتعلق الدين الواجب بشراء البز بمالية رقبته .
ولو رأى عبده يشتري بماله فلم ينهه عن ذلك ومال المولى دراهم ودنانير فهذا إذن منه له في التجارة وما اشتراه العبد فهو لازم له وللمولى أن يأخذ من الذي أجازه ; لأن الدراهم ، والدنانير لا يعينان في العقود ، وإنما كان شرى العبد بثمن في ذمته وقد صار المولى بسكوته عن النهي راضيا بتعلق الدين بمالية رقبته ولكن [ ص: 17 ] لا يصير به راضيا بقضاء دينه من سائر أمواله كما لو صرح بالإذن له في التجارة وما نقد من دراهم المولى مال آخر له فيكون العبد في قضاء الدين منه كالمستقر له من مولاه ، والإقراض بالسكوت لا يثبت فلهذا كان للمولى أن يأخذ ماله من الذي أخذه ; لأنه وجد عين ماله ويرجع ذلك الرجل على العبد ; لأن ثمن المقبوض لم يسلم له فينتقض قبضه ويبقى الثمن في ذمته على حاله ولو كان مال المولى ذلك شيئا بعينه من العروض ، والمكيل ، والموزون سوى الدراهم ، والدنانير كان كذلك إلا أن المولى إذا أخذه انتقض شراء العبد به ; لأن العبد تعلق بعين ما أضيف إليه فصار قبضه مستحقا بالعقد فإذا فات القبض المستحق فيه باستحقاق المولى بطل العقد بخلاف الأول .

وإذا دفع إلى غلامه مالا وأمره أن يخرج به إلى بلد كذا ويدفعه إلى فلان فيشتري به البز ، ثم يدفعه إليه حتى يأتي به مولاه ففعله لم يكن هذا إذنا له في التجارة ; لأنه استخدمه حين أمره بحمل المال إليه ولم يفوض شيئا من العقود إلى رأيه ، وإنما جعل الشراء به إلى فلان ، ثم العبد يأتيه بما يشتريه فلان له فيكون هذا استخداما وإرسالا لا إذنا له في التجارة .
ولو دفع إلى عبده أرضا له بيضاء فأمره أن يشتري طعاما فيزرعها ويتقبل الإجراء فيها فيكريون أنهارها ويسقون زروعها ويكربونها ويؤدي خراجها فهذا إذن منه في التجارة ; لأنه فوض نوعا من العقد إلى رأيه وقصد تحصيل الربح ، والمال بتصرفه ورضي بتعلق ثمن الطعام وأجرة الإجراء بمالية رقبته فيكون به مأذونا له في التجارة .


ولو أمره أن يبيع له ثوبا واحدا يريد بذلك الربح ، والتجارة فهو إذن له في التجارة ; لأنه فوض الأمر إلى رأيه باختيار من يعامله في عقد هو تجارة وكان قصده من ذلك تحصيل الربح وصار راضيا بالتزام العهدة في مالية رقبته .
ولو قال قد أذنت لك في التجارة يوما واحدا فإذا مضى رأيت رأيا فهو مأذون له في التجارة أبدا حتى يحجر عليه في أهل سوقه ; لأن فك الحجر لا يقبل التخصيص بالوقت كما لا يقبل التخصيص بالمكان .

ولو قال أذنت لك في التجارة في هذا الحانوت كان مأذونا له في جميع المواضع وهذا ; لأن الفك أنواع ثلاثة نوع هو لازم تام كالإعتاق ونوع هو لازم غير تام كالكتابة ونوع هو غير لازم ولا تام كالإذن له في التجارة فكما أن النوعين الآخرين لا يقبلان التخصيص بالزمان ، والمكان فكذلك هذا النوع ، ثم تقييد هذا الإذن بوقت كتقييده بنوع وقد بينا أن الإذن في نوع خاص يكون إذنا في جميع التجارات وكذلك الإذن في يوم أو ساعة يكون إذنا في جميع الأيام ما لم يحجر عليه في أهل سوقه .
وكذلك لو قال أذنت لك في التجارة في هذا [ ص: 18 ] الشهر فإذا مضى هذا الشهر فقد حجرت عليك فلا تبيعن ولا تشترين بعد ذلك فحجره هذا باطل ; لأنه أضاف الحجر إلى وقت منتظر وذلك غير صحيح كما لو قال لعبده المأذون قد حجرت عليك رأس الشهر فإنه يكون باطلا وهذا ; لأنه إنما يحتمل الإضافة إلى وقت ما يحتمل التعليق بالشرط ، والحجر لا يحتمل التعليق بالشرط فإنه لو قال إن كلمت فلانا فقد حجرت عليك كان هذا باطلا فكذلك لا يحتمل الإضافة إلى وقت وفرق بين هذا وبين الإذن ; لأنه لو قال لعبده المحجور : إذا كان رأس الشهر فقد أذنت لك في التجارة فهو كما قال ولا يكون مأذونا حتى يجيء رأس الشهر ; لأن ذلك من باب الإطلاق ، والإطلاقات تحتمل الإضافة ، والتعليق بالشرط ; لأن في الإطلاق معنى إسقاط حقه عن مالية رقبته فيكون نظير الطلاق ، والعتاق فأما الحجر فمن باب التقييد ; لأنه رفع للإطلاق وهو في المعنى إحراز لمالية رقبته حتى لا يصير مستهلكا عليه بما يلحقه من الدين بعد ذلك فيكون في معنى التمليك لا يحتمل الإضافة إلى الوقت ، والتعليق بالشرط أو يجعل الحجر بمنزلة الرجعة بعد الطلاق وبمنزلة عزل الوكيل وعزل الوكيل لا يحتمل التعليق بالشرط في الإضافة إلى وقت بخلاف التوكيل .
وإذا أجر الرجل عبده من رجل فليس هذا بإذن منه له في التجارة ; لأنه إنما يؤاجره للاستخدام ولو استخدمه لنفسه لا يصير به مأذونا فكذلك إذا أجره من غيره للخدمة ولو أجره منه كل شهر بأجر معلوم على أن يبيع له البر ويشتريه جازت الإجارة ; لأن المعقود عليه منافعه في المدة وهي معلومة فصار العبد مأذونا له في التجارة ; لأنه رضي بتجارته ، والتزامه العهدة لسبب التجارة فما لزمه من دين فيما اشترى للمستأجر رجع به عليه ; لأنه في التصرف له نائب كالوكيل فيرجع عليه بما لحقه من العهدة وما لزمه من دين فيما اشترى لنفسه فهو في رقبته يباع فيه أو يفديه مولاه ; لأن في هذا يتصرف لنفسه لا للمستأجر إلا أن يقضي المولى عنه وللمكاتب أن يأذن لعبده في التجارة فكذلك المأذون له أن يأذن لعبده في التجارة سواء كان عليه دين أو لم يكن ; لأن كل واحد منهما متصرف لنفسه بفك الحجر عنه ، ثم الإذن في التجارة من صنيع التجار ومما يقصد به التجار تحصيل المال فيملك المأذون ، والمكاتب ذلك وكذلك الشريك شركة عنان له أن يأذن لعبد من شركتهما في التجارة وهو جائز على شريكه ; لأنه من عمل التجارة وكل واحد منهما نائب عن صاحبه فيما هو من عمل التجارة وكذلك المضارب له أن يأذن لعبد من المضاربة في التجارة ; لأنه فوض إلى المضارب ما هو من عمل التجارة في المال المدفوع إليه ، والإذن في التجارة من عمل التجارة .
واختلف [ ص: 19 ] مشايخنا رحمهم الله في فصل وهو أن المضارب في نوع خاص إذا أذن لعبد من المضاربة في التجارة أن العبد يصير مأذونا له في جميع التجارات أم في ذلك النوع خاصة فمنهم من يقول يصير مأذونا له في ذلك النوع خاصة ; لأنه إنما استفاد الإذن من المضارب ، والمضارب لا يملك التصرف إلا في ذلك النوع ; لأن المضاربة تقبل التخصيص فكذلك المأذون من جهته ( قال رضي الله عنه ) ، والأصح عندي أن يكون مأذونا في التجارات كلها ; لأن السبب في حقه فك الحجر وهو لا يقبل التخصيص ، والعبد متصرف لنفسه فإن كان الآذن له مضاربا لا يرجع بالعهدة على المضارب ولا على رب المال ; لأن المضارب نائب يرجع بما يلحقه من العهدة على رب المال ورب المال لم يرض برجوعه عليه لعهدة نوع آخر من التصرف فأما هذا العبد فلا يرجع بالعهدة على رب المال فهو ، والمأذون من جهة مولاه سواء .
( ألا ترى ) أن عبد المضاربة لو جنى جناية لا يكون للمضارب أن يدفعه بغير اختيار رب المال ولو أن عبدا لهذا العبد المأذون جنى جناية كان له أن يدفعه بجنايته بغير محضر من المضارب ولا من رب المال ويجعل فيه كالمأذون من جهة مولاه فهذا مثله .

وإذا أمر الرجل عبده بقبض غلة دار أو أمره بقبض كل دين له على الناس أو وكله بالخصومة منه في ذلك فليس هذا بإذن له في التجارة فكذلك إن أمره بالقيام على زرع له أو أرض أو على عمال في بناء داره أو أن يحاسب غرماءه أو أن يقاضي دينه عن الناس ويؤدي منه خراج أرضه أو يقضي عليه دينا لم يكن هو مأذونا له في التجارة بشيء من ذلك ; لأن ما أمره به من نوع الاستخدام لا من نوع التجارة فإنه ما فوض شيئا من عقود التجارة إلى رأيه ولا رضي منه باكتساب سبب موجب للدين في مالية رقبته فلا يصير به مأذونا .

فإن قيل لا كذلك ففي القبض اكتساب سبب موجب للدين في مالية رقبته لو ظهر أن المقبوض مستحق .

قلنا نعم ولكن تعلق الدين بمالية رقبته بهذا السبب لا يتوقف على إذن المولى به فإن العبد المحجور إذا قبض مالا من إنسان فهلك في يده ، ثم استحق كان ذلك المال دينا في ذمته ويتعلق بمالية رقبته ، وإنما الإذن أن يرضى المولى بتعلق الدين بمالية رقبته بسبب لولا إذنه لم يتعلق ذلك الدين بمالية رقبته .

ولو أمره بقرية له عظيمة أن يؤاجر أرضها ويشتري الطعام ويزرع فيها ويبيع الثمار فيؤدي خراجها كان إذنا له في جميع التجارات ; لأنه فوض الأمر إلى رأيه في أنواع من التجارات ورضي بتعلق الديون التي تلزمه بتلك التجارات بمالية رقبته فيصير به مأذونا له في التجارات .
ولو قال لعبده اشتر لي البر أو الطعام أو قال اشتر لفلان البر أو الطعام فهذا إذن له في التجارة ; لأنه [ ص: 20 ] رضي بتجارته وتعلق الدين بمالية رقبته سواء أضاف ذلك إلى نفسه أو إلى غيره أو إلى العبد بأن يقول اشتر لنفسك وكذلك لو كان العبد صغيرا إلا أنه يعقل البيع ، والشراء في جميع ذلك وهذا عندنا وبيان هذه المسألة في الباب الذي يلي هذا في تصرفات الصبي حرا كان أو عبدا وكذلك إذن القاضي لعبده اليتيم في التجارة ; لأن للقاضي ولاية التجارة في مال اليتيم كما للأب ذلك وللوصي ، ثم إذنهما في التجارة لعبد الصبي صحيح فكذلك إذن القاضي .
وإن قال القاضي للعبد اتجر في الطعام خاصة فاتجر في غيره فهو جائز بمنزلة إذن المولى وهذا ; لأنه ناب عن الصبي في ذلك ولو كان المولى بالغا فقال لعبده : اتجر في البر خاصة كان له أن يتجر في جميع التجارات فكذلك إذا أذن له القاضي في ذلك وهذا ; لأن الإذن من القاضي ليس على وجه القضاء ; لأنه يملك رفعه بالحجر عليه فهو في ذلك كغيره وكذلك لو قال له القاضي : اتجر في البر خاصة ولا تتعد إلى غيره فإني قد حجرت عليك أن تعدوه إلى غيره فهو مأذون له في جميع التجارات وقول القاضي ذلك باطل ; لأن تقييد الإذن بنوع كان باطلا ، فقوله بعد ذلك فإني قد حجرت عليك أن تعدوه إلى غيره حجر خاص في إذن عام أو حجر معلق بشرط أن لا يعدوه إلى غيره ، وذلك باطل فإن دفع هذا العبد إلى القاضي ، وقد اتجر في غير ما أمر به فلحقه من ذلك دين فأبطله القاضي وقضى بذلك على الغرماء ، ثم رفع إلى قاض آخر أمضى قضاءه وأبطل دينهم ; لأنه أمضى فصلا مجتهدا فيه بقضائه وبين العلماء اختلاف ظاهر في أن الإذن في التجارة هل يقبل التخصيص وقضاء القاضي في المجتهدات نافذ وليس لأحد من القضاة أن يبطله بعد ذلك وهذا بخلاف أمره إياه في الابتداء أن لا يتصرف إلا في كذا ; لأن ذلك الأمر ليس بقضاء ; لأن القضاء يستدعي مقضيا له ومقضيا عليه ولم يوجد ذلك عند الأمر فأما قضاؤه بإبطال ديون الغرماء بعد ما لحقه فقضاء صحيح منه لوجود المقضي له ، والمقضي عليه فلا يكون لأحد من القضاة أن يبطله بعد ذلك وهو نظير ما لو حجر القاضي على سفيه فإن حجره لا يكون قضاء منه حتى أن لغيره من القضاة أن يبطل حجره ولو تصرف هذا السفيه بعد الحجر فرفع تصرفه إلى القاضي فأبطله كان هذا قضاء صحيحا منه حتى لا يكون له ولا لغيره من القضاة أن يصحح ذلك التصرف بعد ذلك والله أعلم بالصواب .

( قال رحمه الله ) : وإذا أذن الرجل لابنه الصغير في التجارة أو في جنس منها وهو [ ص: 21 ] يعقل البيع ، والشراء فهو مأذون له في التجارات كلها مثل العبد المأذون عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله : الإذن له في التجارة باطل إذا كان صغيرا أو معتوها حرا كان أو مملوكا وأصل المسألة أن عبارته صالحة للعقود الشرعية عندنا فيما يتردد بين المنفعة ، والمضرة وعنده هي غير صالحة حتى لو توكل بالتصرف عن الغير نفذ تصرفه عندنا ولم ينفذ عنده احتج بقوله تعالى : { حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا } فقد شرط البلوغ وإيناس الرشد لجواز دفع المال إليه وتمكينه من التصرف فيه فدل أنه ليس بأهل للتصرف قبل ذلك قال تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما } ، والمراد الصبيان ، والمجانين أنه لا يدفع إليهم أموالهم بدليل قوله تعالى { وارزقوهم فيها واكسوهم } فالإذن له في التجارة لا ينفك عن دفع المال إليه ليتجر فيه ، والمعنى فيه أنه غير مخاطب فلا يكون أهلا للتصرف كالذي لا يعقل وهذا ; لأن التصرف كلام ، وإنما تبنى الأهلية على كونه أهلا لكلام ملزم شرعا وذلك ينبني على الخطاب .

( ألا ترى ) أنه لعدم الخطاب بقي مولى عليه في هذه التصرفات ولو صار باعتبار عقله أهلا لمباشرتها لم يبق مولى عليه فيها ; لأن كونه مولى عليه لعجزه عن المباشرة لنفسه ، والأهلية للتصرف آية القدرة وهما متضادان فلا يجتمعان .

يوضحه أن اعتبار عقله مع النقصان لأجل الضرورة ، وإنما تتحقق هذه الضرورة فيما لا يمكن تحصيله بوليه فجعل عقله في ذلك معتبرا ; ولهذا صحت منه الوصية بأعمال البر وخيرته بين الأبوين ولا تتحقق الضرورة فيما يمكن تحصيله بوليه فلا حاجة إلى اعتبار عقله فيه ولأن ما به كان محجورا عليه لم يزل بالإذن فإن الحجر عليه لأجل الصبا أو لنقصان عقله لا لحق الغير في ماله إذ لا حق لأحد في ماله وهذا المعنى بعد الإذن قائم ، والدليل عليه أن للمولى أن يحجر عليه فلو زال سبب الحجر بإذن الولي لم يكن له الحجر عليه بعد ذلك وهذا بخلاف العبد فإن الحجر هناك لحق المولى في كسبه ورقبته وبالإذن صار المولى راضيا بتصرفه في كسبه وبخلاف السفيه فالحجر عليه لمكابرة عقله وذلك ليس بوصف لازم ولا يجوز الإذن له إلا بعد زواله إلا أن إذن القاضي إياه دليل زواله وحجتنا في ذلك قوله تعالى { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح } ، والابتلاء هو الامتحان بالإذن له في التجارة ليعرف رشده وصلاحه فلو تصرف بدون مباشرتهم لا يتم به معنى الابتلاء ، ثم علق إلزام دفع المال إليه بالبلوغ وذلك عبارة عن زوال ولاية الولي عنه وبه نقول إن ذلك لا يثبت ما لم يبلغ ، وقال تعالى : { وآتوا اليتامى أموالهم } واسم اليتيم حقيقة يتناول الصغير فعرفنا أن دفع المال إليه وتمكينه [ ص: 22 ] من التصرفات جائز إذا صار عاقلا ، والمراد بقوله : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } الذين لا يعقلون أو المراد النساء وهو أن الرجل يدفع المال لزوجته ويجعل التصرف فيه إليها وذلك منهي عنه عندنا .

{ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة : وقم يا عمر فزوج أمك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ابن سبع سنين } { ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جعفر يبيع لعب الصبيان في صغره فقال : بارك الله لك في صفقتك } فقد مكن الصبي من التصرف فدل أن عبارته صالحة لذلك ، والمعنى فيه أنه محجور بإذن وليه له وعرفه فينفذ تصرفه كالعبد وهذا ; لأنه مع الصغر أهل للتصرف إذا كان عاقلا ; لأنه مميز ، والأهلية للتصرف بكونه متكلما عن تمييز وبيان لا عن تلقين وهذيان وقد صار مميزا إلا أن الحجر عليه لدفع الضرر عنه ; ولهذا سقط عنه الخطاب ; لأن في توجيه الخطاب عليه إضرارا به عاجلا .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.14 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.54%)]