
26-12-2025, 12:50 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,623
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس والعشرون
صـــ2 الى صـــ 11
(502)
[ ص: 2 ] قال رحمه الله ) قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله : اعلم بأن الإذن في التجارة فك الحجر الثابت بالرق شرعا ورفع المانع من التصرف حكما وإثبات اليد للعبد في كسبه بمنزلة الكتابة لا أن الكتابة لازمة ; لأنها بعوض ، والإذن لا يكون لازما فخلوه عن العوض بمنزلة الملك المستفاد بالهبة مع المستفاد بالبيع وهذا ; لأنه أهل للتصرف بعد حدوث الرق فيه كما كان قبله ; لأن ركن التصرف كلام معتبر شرعا وذلك يتحقق من الرقيق واعتبار الكلام بكونه صادرا عن مميز أو مخاطب ولا ينعدم ذلك بالرق ومحل التصرفات ذمة صالحة لالتزام الحقوق ولا ينعدم ذلك بالرق فإن صلاحية الذمة للالتزام من كرامات البشر وبالرق لا يخرج من أن يكون من البشر إلا أن الذمة تضعف بالرق فلا يجب المال فيها إلا شاغلا مالية الرقبة وذلك يسقط بوجود الرضا منه لتعلق الحق بمالية رقبته فكان الإذن فكا للحجز من هذا الوجه وهو نظير ملك الحل فإنه من كرامات البشر فلا ينعدم بالرق ، وإن كان ينتقص حتى أن الحل في حق الرقيق نصف ما هو في حق الحر بيناه في كتاب النكاح .
وإنما ينعدم بالرق الأهلية لمالكية المال ; لأنه يصير به مملوكا مالا وبين كونه مملوكا مالا وكونه مالكا للمال منافاة ; ولهذا لا ينعدم بالرق الأهلية للمالكية بالنكاح ; لأنه لا يصير به مملوكا نكاحا .
فإن قيل ينبغي أن ينعدم بالرق الأهلية لملك التصرف ; لأنه صار مملوكا تصرفا فإن المولى يملك التصرفات عليه .
قلنا إنما يصير مملوكا تصرفا بنفسه بيعا أو تزويجا فلا جرم تنعدم الأهلية لمالكية هذا التصرف ويكون نائبا فيه عن المولى متى باشر بأمره ولكنه ما صار مملوكا تصرفا في ذمته حتى أن المولى لا يملك الشراء بثمن يجب في ذمة عبده ابتداء فتبقى له الأهلية في ملك هذا التصرف كما أنه لم يصر مملوكا تصرفه عليه في [ ص: 3 ] الإقرار ، والحدود ، والقصاص بقي مالكا لهذا التصرف فإن قيل انعدام الأهلية لخروجه بالرق من أن يكون أهلا لحكم التصرف وهو الملك المستفاد ، والتصرفات الشرعية لا تراد لعينها بل لحكمها وهو ليس بأهل لذلك قلنا لا كذلك وحكم التصرف ملك اليد ، والرقيق أهل لذلك .
( ألا ترى ) : أن استحقاق ملك اليد يثبت للمكاتب مع قيام الرق فيه وهذا ; لأنه مع الرق أهل للحاجة فيكون أهلا لقضائها وأدنى طريق الحاجة ملك اليد فهو الحكم الأصلي للتصرف وملك العتق مشروع للتوصل إليه فما هو الحكم الأصلي يثبت للعبد وما وراء ذلك يخلفه المولى فيه وهو نظير من اشترى شيئا على أن البائع بالخيار ، ثم مات فمتى اختار البائع البيع ثبت ملك العين للوارث على سبيل الخلافة عن المورث بتصرف باشره المورث بنفسه ، ثم الدليل على جواز الإذن للعبد في التجارة شرعا الآثار التي بدأ بها الكتاب .
فمن ذلك حديث إبراهيم أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار ويجيب دعوة المملوك } ، وفيه دليل تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ركوب الحمار من التواضع وقد كان يعتاده رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى روي { أنه ركب الحمار معروريا } وروي { أنه ركب الحمار وأردف } وذلك من التواضع ، قال عليه السلام : { بريء من الكبر من ركب الحمار وسعى في مهنة أهله } ، وفي لسان الناس ركوب الفرس عز ، وركوب الجمال كمال ، وركوب البغل مكرمة وركوب الحمار ذل ولا ذل كالترجل وكذلك إجابة دعوة المملوك من التواضع وقد فعله غير مرة على ما روي { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أجاب دعوة عبد } .
وروي { أنه كان يجيب دعوة الرجل الدون يعني المملوك } ، والمملوك لا يتمكن من إيجاد الدعوة ما لم يكن له كسب وطريق الاكتساب التجارة وليس له أن يباشرها بدون إذن المولى فثبت بهذا الحديث جواز الإذن في التجارة ، وأن ما يكسبه العبد بعد الإذن حلال ، وأنه لا بأس للعبد المأذون بأن يتخذ الدعوة بعد أن لا يسرف في ذلك ولا بأس بإجابة دعوته اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يجيب الدعوة وكان يقول { من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم } .
، وعن إبراهيم أنه كان يقول يجوز على العبد كل دين حتى يحجر عليه وكان يقول إذا حجر الرجل على عبده في أهل سوقه فليس عليه دين ومعناه يلزمه كل دين يكتسب سبب وجوبه مما هو من صنيع التجار كالإقرار ، والاستئجار ، والشراء ; لأنه منفك الحجر عنه في التجارة فهو من التزم الدين بسببه كالحر وإذا حجر المولى عليه في أهل سوقه فليس عليه دين أي لا يلزمه الدين بمباشرة هذه الأسباب بعد الحجر في [ ص: 4 ] حق المولى ليس المراد أنه يسقط عنه ، وإنما لا يثبت في حق المولى لانعدام الرضا منه باستحقاق مالية رقبته بالدين بعد الحجر ولا يجب الدين في ذمته إلا شاغلا لمالية الرقبة فإذا كان لا يستحق مالية رقبته به بعد الحجر فكأنه لا دين عليه .
، وفيه دليل أن الحجر ينبغي أن يكون عاما منتشرا ، وأن الانتشار فيه بكونه في أهل سوقه فأنه رفع الإذن الذي هو عام منتشر ، وفي تصحيحه بدون الانتشار معنى الإضرار ، والغرور كما نبينه إن شاء الله تعالى ، وعن أبي صالح قال رأيت للعباس بن عبد المطلب عشرين عبدا كلهم يتجر بعشرة آلاف درهم ففيه دليل جواز الإذن ، وأنه لا بأس باكتساب الغنى ، والاستكثار من المال بعد أن يكون من حله كما قال النبي عليه السلام { نعم المال الصالح للرجل الصالح } ، وفي هذا الحديث دليل ظاهر على غنى العباس فإن من كان له عشرون عبدا رأس مال كل عبد عشرة آلاف فلا بد أن يكون ذلك من أموال التجارة وغيرها وكان سبب ثروته أنه أخذ منه دنانير في الفداء حين أسر فلما أسلم وحسن إسلامه كان يتأسف على ذلك فأنزل الله تعالى { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم }
وكان العباس رضي الله عنه يظهر السرور بغناه ويقول إن الله تعالى وعدني بشيئين الغنى في الدنيا ، والمغفرة في الآخرة وقد أنجز لي أحدهما وأنا أعلم أنه لا يحرمني من الآخر إنه لا يخلف الميعاد .
، وعن الشعبي قال إذا أخذ الرجل من عبده الضريبة فهي تجارة وبه نأخذ فإن المولى استأدى عبده الضريبة فذلك إذن منه له في التجارة ; لأنه لا يتمكن من الأداء إلا بتحصيل المال ولتحصله طريقان التكدي ، والتجارة ، والظاهر أن المولى لا يقصد تحصيله المال بالتكدي فالسؤال يدني المرء ويبخسه ، قال عليه السلام { السؤال آخر كسب العبد } أي يبقى في ذله إلى يوم القيامة ، وإنما مراده الاكتساب بطريق التجارة ورضاه بالتجارة يتضمن الرضا منه بتعلق الدين الواجب بالتجارة بمالية رقبته ففيه دليل أن الإذن في التجارة ثبت بالدلالة كما ثبتت نصا .
، وعن شريح في عبد تاجر لحقه دين أنه يباع فيه وبه نأخذ فإن كل دين ظهر وجوبه على العبد في حق المولى يباع فيه كدين الاستهلاك فإنه يظهر في حق المولى ; لأن سببه محسوس لا ينعدم بالحجر بسبب الرق فكذلك دين التجارة بعد الإذن يظهر في حق المولى فيباع فيه ، وفي الحديث أن { النبي صلى الله عليه وسلم باع رجلا في دينه يقال له سرف } فحين كان بيع الحر جائزا باع الحر في دينه وبيع العبد جائز في الحال فيباع في كل دين يظهر وجوبه في حق المولى .
، وعن ابن سيرين أن رجلا ادعى على عبد [ ص: 5 ] رجل دينا فقال الرجل عبدي محجور عليه ، وقال شريح : شاهدا عدل أنه كان يشتري في السوق ويبيع بعلمه أو بأمره ففيه دليل أن المولى إذا أنكر الإذن كان القول قوله وعلى من يدعي عليه الإذن أن يثبته بالبينة ; لأنه يدعي عليه أنه أسقط حقه عن مالية الرقبة ، وفيه دليل أن الإذن يثبته بالدلالة ، وأن من رأى عبده يبيع ويشتري فلم ينهه فإنه يصير به مأذونا بمنزلة التصريح بالإذن له في التجارة وذلك استحسان عندنا لدفع الضرر ، والغرور عن الناس .
، وعن أبي عون الثقفي أن رجلا أذن لعبده أن يكون خياطا وأذن آخر لعبده أن يكون صباغا فأجاز شريح على الخياط ثمن الإبر ، والخيوط وأجاز على الصباغ ثمن الغلي ، والعصفر وما كان في عمله ، وفيه دليل أن مبنى الإذن على التعدي ، والانتشار ، وأن المولى ، وإن خص نوعا منه فإنه يتعدى إلى سائر الأنواع لاتصال بعض الأنواع بالبعض فيما يرجع إلى تحصيل مقصود المولى فإن الصباغ لا يتمكن من العمل إلا بشراء الصبغ ، والخياط لا يتمكن من العمل إلا بشراء السلك ، والإبرة والخيوط ، ثم قد لا يجد ما يحتاج إليه يباع بالنقد ليشتريه ، وإنما يباع ذلك بالطعام فيحتاج أن يشتري طعاما ليعطيه في ثمن ذلك وربما يشتري ذلك بالدنانير فيحتاج إلى مصارفة الدراهم بالدنانير ليحصل الثمن فعرفنا أن مبناه على التعدي ، والانتشار فيتعدى الإذن في نوع إلى سائر الأنواع ، وابن أبي ليلى رحمه الله كان يأخذ بظاهر هذا الحديث فيقول يجوز عليه ما كان من توابع عمله خاصة وعندنا يجوز عليه ما كان من توابع عمله ، وما استدار في غيره على ما نبينه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثني سلمان رضي الله عنه أنه { أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عبد قبل أن يكاتب فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هديته فأكل وأكل أصحابه وأتاه بصدقة فقبلها وأمر أصحابه فأكلوا ولم يأكل } .
( قال الشيخ ) الإمام رضي الله عنه واعلم أن سلمان كان من قوم يعبدون الخيل البلق فوقع عنده أنه ليس على شيء وجعل يتنقل من دين إلى دين يطلب الحق حتى قال له بعض أصحاب الصوامع لعلك تطلب الحنيفية وقد قرب أوانها وعليك بيثرب ، ومن علامته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فتوجه نحو المدينة فاسترقه بعض العرب في الطريق وجاء به إلى المدينة فباعه من بعض اليهود وكان يعمل في نخيل مولاه بإذنه حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة { فأتاه سلمان بطبق فوضعه بين يديه فقال : ما هذا يا سلمان ؟ فقال : صدقة فقال لأصحابه : كلوا ولم يأكل ، فقال سلمان في نفسه هذه واحدة ، ثم أتاه من الغد بطبق فيه رطب ، فقال ما هذا يا سلمان ؟ [ ص: 6 ] قال هدية فجعل يأكل ويقول لأصحابه : كلوا فقال سلمان : هذه أخرى ، ثم تحول خلفه فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مراده فألقى الرداء عن كتفيه حتى نظر سلمان رضي الله عنه إلى خاتم النبوة بين كتفيه فأسلم } .
وفيه دليل أن للعبد المأذون أن يهدي فقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هديته ولأجل هذا أورد هذا الحديث . وذكر عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال بنيت بأهلي وأنا عبد فدعوت رهطا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو ذر فحضرت الصلاة فتقدم أبو ذر فقالوا له : أتتقدم وأنت في بيته فقدموني وصليت بهم ، وفيه دليل أن للعبد المأذون أن يتخذ الدعوة في العرس كما يتخذ الدعوة للمجاهدين إذا أتوه بتجارة فإن الصحابة رضي الله عنهم أجابوا دعوته وأبو ذر مع زهده أجاب دعوته وهو عبد .
وفيه دليل أنه لا ينبغي للمرء أن يؤم غيره في بيته إلا بإذنه فإنهم أنكروا على أبي ذر التقدم عليه في بيته وبيانه في قوله صلى الله عليه وسلم { لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه } ، وفيه دليل جواز الاقتداء بالعبد ، وأنه متى كان فقيها ورعا فلا بأس بإمامته ( ألا ترى ) أن أبا ذر رضي الله عنه مع زهده قدمه واقتدى به لفقهه وورعه .
وإذا قال الرجل لعبده قد أذنت لك في التجارة فهو مأذون له في التجارات كلها لإطلاق الإذن من المولى فلا حاجة في تصحيح الإذن إلى التنصيص على أنواع التجارة ; لأنه فك للحجر كالكتابة ولأن المقصود به المولى عادة أن يحصل العبد الربح بكسبه واعتبار إذنه شرعا ليتحقق به الرضا من المولى لتعلق الدين الواجب بالتجارة بمالية رقبته وهذا لا يختلف باختلاف أنواع التجارات واشتراط مالا يفيد لا يجوز بخلاف التوكيل فالمقصود هناك قيام الوكيل مقام الموكل في تحصيل مقصوده في العين التي يشتريها ولا يقدر الوكيل على تحصيل ذلك بمطلق التوكيل قبل التنصيص على جنس ما يشتريه له ، ثم للعبد أن يشتري ما بدا له من أنواع التجارات ; لأنه صار منفك الحجر عنه وتم رضا المولى بتعلق الدين بمالية رقبته ، وهو في أصل الالتزام متصرف في ذمته هو حقه من تعامله ، وإنما نوجب الملك له في محل مملوك له فيكون صحيحا وله أن يستأجر الأجراء ; لأن الاستئجار من أنواع التجارات ولأن المأذون يحتاج إليه فإنه يعجز عن إقامة بعض الأعمال بنفسه وربما لا يجد من يعينه على ذلك حسبة فيحتاج إلى استئجار الإجراء لإقامة الأعمال التي بها يتم مقصوده وله أن يؤاجر نفسه فيما بدا له من الأعمال عندنا .
وفي أحد قولي الشافعي رضي الله عنه ليس له أن يؤاجر نفسه وله أن يؤاجر [ ص: 7 ] كسبه ; لأن عبده المأذون نائب عن المولى في التصرف وهو إنما جعله نائبا في التصرف في كسبه ، ومنافع بدنه ليس من كسبه وتصرفه فيه بعد الإذن كما قبله ، والدليل عليه أن رقبته ليست من كسبه بدليل أنه لا يملك بيعها ولا رهنها بدين عليه وما ليس من كسبه فهو لا يملك التصرف فيه بالإجازة كسائر مماليكه وأما عندنا فالإذن فك الحجر عن المأذون فكان كالكتابة ولا يقال الكتابة يتعلق بها اللزوم والإذن فيكون هذا بمنزلة الاستئجار ، والاستعارة وللمستأجر أن يؤاجر وليس للمستعير ذلك وهذا ; لأن محل التصرف لا يختلف لكونه لازما أو غير لازم كالبيع مع الهبة فإن محل التصرفين واحد وهو العين ، وإن كان أحدهما يلزم على وجه لا يملك الموجب الرجوع لكونه معاوضة ، والأجر لا يلزم ونحن إنما شبهنا الإذن بالكتابة من حيث إنه فك الحجر ، ثم انفكاك الحجر يثبت له اليد على منافعه فيملك الاعتياض عليها كما ملكه المكاتب ولما كان للمأذون أن يعين غيره لمنافعه فلا يكون له أن يؤاجر نفسه أولى ; لأن الإجارة أقرب إلى مقصود المولى من الإعانة وهو أليق بحال المأذون فإنه يملك المعاوضات دون التبرعات ، والمستعير إنما لا يؤاجر لما فيه من إلحاق الضرر بالغير من حيث استحقاق اليد عليه في العين وذلك لا يوجد ههنا ، ثم إجارة النفس نوع تجارة ; لأن رءوس التجارة وهم الباعة يؤاجرون أنفسهم للعمل ، والمولى حين أذن له في التجارة مع علمه أنه لا يتمكن منها إلا برأس مال فالظاهر أنه جعل رأس ماله منافعه وطريق تحصيل المال مما جعل له من رأس المال الإجارة ، وإنما لا يبيع نفسه لما في ذلك من تفويت مقصود المولى ولأن حكمه ضد حكم الإذن فإن بيع الرقبة إذا صح أوجب الحجر عليه كما لو باعه المولى فكذلك لا يرهن نفسه ; لأن موجب الرهن ضد موجب الإذن فإن الرهن يوجب يدا مستحقة عليه للمرتهن على وجه يمنع من التصرف ; لأن موجب الرهن ضد موجب الإذن فإن الرهن يوجب الإذن فإن الرهن يوجب يدا مستحقة عليه للمرتهن على وجه يمنع من التصرف ولا يستفاد ما ليس من موجب ضده موجبه .
وأما إجارة النفس فلا توجب الحجر عليه ولا تمنعه من التصرف بدليل أنه لو أجره المولى لم يصر محجورا ; فلهذا لا يملك أن يؤاجر كسبه وله أن يتقبل الأرض ويأخذها مزارعة كما يأخذ الحر ; لأنه إن كان البذر من قبل صاحب الأرض فالمأذون مؤاجر نفسه للعمل ببعض الخارج ، وإن كان البذر من قبله فهو مستأجر الأرض ببعض الخارج وذلك أنفع من الاستئجار بالدراهم فإن هناك الأجر دين في ذمته سواء حصل الخارج أو لم يخرج وهنا لا شيء عليه إذا لم يحصل الخارج فإذا ملك استئجاره [ ص: 8 ] ببعض الدراهم فببعض الخارج أولى وله أن يشتري طعاما ليزرعه في أرضه ; لأن الزراعة من التجارة ، قال عليه الصلاة والسلام : { الزارع يتاجر ربه } ، والتجار يفعلون ذلك عادة قال وليس له أن يدفع طعاما إلى رجل ليزرعه ذلك الرجل في أرضه بالنصف قال ; لأنه يصير قرضا وليس للمأذون أن يقرض ; لأن القرض تبرع ، قال بعض مشايخنا رحمهم الله : وهذا التعليل غلط إنما الصحيح من التعليل أن هذا دفع البذر مزارعة ، ودفع البذر مزارعة وحده لا يجوز ; لأن صاحب البذر مستأجر الأرض ، وشرط الإجارة التخلية بين المستأجر وبين ما استأجره ، وذلك ينعدم إذا كان العامل صاحب الأرض قال .
( ألا ترى ) أنه إذا دفع الطعام إلى رب الأرض مزارعة بالنصف فزرعه كان الخارج كله لرب الأرض وهو ضامن للعبد طعاما مثل طعامه .
هكذا ذكر في الكتاب ، وفي كتاب المزارعة قال إذا دفع البذر مزارعة إلى صاحب الأرض فالخارج كله لصاحب البذر وللعامل أجر مثله وأجر مثل أرضه ، وقيل في المسألة روايتان أصحهما ما قال في المزارعة ; لأن الخارج نماء البذر .
( ألا ترى ) أنه من جنس البذر يكون لصاحب البذر ووجه ما قال هنا أن صاحب البذر إنما يرضى بإلقاء البذر في الأرض بطريق المزارعة بالنصف فبدون ذلك الطريق لا يكون راضيا بل الزارع بمنزلة الغاصب لبذره .
ومن غصب من آخر بذرا وزرعه في أرضه كان الخارج للزارع وعليه مثل ما غصب وقيل إنما اختلف الجواب لاختلاف الوضع فهناك وضع المسألة في الحر وإذن الحر في استهلاك البذر صحيح معتبر ، والمزارعة ، وإن فسدت بقي إذنه معتبرا في استهلاك البذر بإلقائه في الأرض فكان الإلقاء بإذن صاحب البذر كإلقائه بنفسه فالخارج كله له وأما إذن العبد في استهلاك بذره لا على وجه المزارعة فغير معتبر فإنه لا يملك أن يأذن في إتلاف البذر ولا أن يقرض البذر فإذا لم يصح العقد وسقط اعتبار إذنه فكان لزارع بمنزلة الغاصب المستهلك للبذر بإلقائه في الأرض ، والخارج كله له وعليه ضمان مثل ذلك البذر للعبد .
( قال الشيخ ) الإمام رحمه الله وقد وجدت في بعض النسخ زيادة في هذه المسألة أنه إذا دفع الطعام إلى رب الأرض ليزرعها لنفسه بالنصف فمع هذه الزيادة لا يبقى الإشكال ويصح التعليل ; لأن قوله " ازرعها لنفسك " يكون إقراضا للبذر ، ثم شرط عليه في بدل القرض نصف الخارج وذلك باطل ، والزارع في إلقاء البذر في الأرض عامل لنفسه فيكون الخارج كله له .
وليس على المولى أن يشهد الشهود حتى يأذن له في التجارة ; لأنه بمنزلة الكتابة ، والكتابة تصح من غير إشهاد إلا أن هناك يندب الإشهاد لما [ ص: 9 ] يتعلق بها من الحق اللازم كما يندب إلى الإشهاد على البيع بيانه في قوله تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } ، وذلك لا يوجد في الإذن ; لأنه في نفسه ليس بحق لازم .
( ألا ترى ) أنه يحجر عليه متى شاء فلهذا لا يكون عليه الإشهاد في ذلك .
وإذا نظر الرجل إلى عبده يبيع ويشتري فلم ينهه عن ذلك فهو إذن منه له في التجارة بمنزلة قوله : قد أذنت لك في التجارة ، وهذه مسألتان إحداهما إذا أذن له في نوع خاص من التجارة فإنه يكون مأذونا في التجارات كلها عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله : لا يكون مأذونا إلا في ذلك النوع خاصة وهو رواية عن زفر رحمه الله ، وعنه في رواية أخرى قال إن سكت عن النهي عن سائر الأنواع فإن قال : اعمل في البر فهو مأذون في التجارات كلها ، وإن صرح بالنهي عن التصرف في سائر الأنواع فليس له أن يتصرف إلا في النوع الذي أذن له فيه خاصة فالحجة للشافعي أنه يتصرف للمولى بإذنه فلا يملك التصرف إلا فيما أذن له فيه كالوكيل ، والمضارب ، والمستبضع ، والشريك شركة العنان .
وبيان ذلك أن الرق موجب للحجر عليه عن التصرفات ، والرق بعد الإذن قائم كما كان قبله فيكون تصرفه بطريق النيابة عن المولى فيه .
( ألا ترى ) أن ما هو المقصود بالتصرف وهو الملك يحصل للمولى ، وأن العبد بسبب الرق يخرج من أن يكون أهلا للملك الذي هو المقصود فيه يبين أنه ليس بأهل للتصرف بنفسه بخلاف المكاتب فإن بالكتابة عندي يثبت للمكاتب حق ، ويصير بمنزلة الحر يدا ; ولهذا لا يملك المولى إعتاقه عن كفارته ولا يملك الحجر ، وإنما يصير أهلا للتصرف باعتبار ما ثبت له من الحرية يدا ، ثم المأذون عندي يرجع بالعهدة على المولى إلا أنه عين لرجوعه محلا وهو كسبه فلا يملك الرجوع في محل آخر وهكذا مذهبي في الوكيل إذا وكله بأن يشتري ويبيع على أن الربح كله للموكل فإن رجوعه بالعهدة فيما يشتري ويبيع على أن الربح كله للموكل فإن رجوعه بالعهدة فيما يشتري على الموكل دون غيره ويكون هو نائبا عن الموكل في التصرف فكذلك المأذون ، والدليل عليه أنه لو أذن له في تزويج امرأة لا يملك أن يتزوج امرأتين ولو أذن له في نكاح امرأة بعينها لا يملك أن يتزوج غيرها فكذلك في التجارة بل أولى ; لأن مقصود ذلك التصرف يحصل للعبد ومقصود هذا التصرف يحصل للمولى فكذلك إذا أذن له في التجارة لا يملك النكاح وإذا أذن له في النكاح لا يملك التجارة ، ولئن كان الإذن إطلاقا وتمليكا لليد منه كما هو مذهبكم فذلك لا يدل على أنه لا يقبل التخصيص كتقليد القضاء فإنه إطلاق وإثبات للولاية ، ثم يقبل التخصيص ، والإعارة ، والإجارة تمليك المنفعة وإثبات اليد على العين ، ثم يقبل التخصيص بالإذن كذلك وهذا [ ص: 10 ] لأن التخصيص مفيد فمقصود المولى تحصيل الربح وذلك يحصل بتجارته في نوع لكثرة هدايته فيه ، ثم يفوت ذلك بتجارته في نوع آخر لقلة هدايته في ذلك فكان التقييد مفيدا فيما هو المقصود .
وزفر رحمه الله على الرواية الأخرى يقول إنما أثبتنا حكما عاما عند سكوته عن النهي لدلالة العرف وذلك يسقط عند التصريح بالنهي في سائر الأنواع .
( ألا ترى ) أن مطلق الإذن يوجب التعميم في الوقت ، ثم إذا صرح بالحجر عليه بعد أن مضى شهر أو يوم يرتفع ذلك الإذن فهذا مثله .
وحجتنا في ذلك طرق ثلاثة :
أحدها ما بينا أن الإذن في نوع يستدعي الإذن في سائر الأنواع لاتصال بعض التجارات بالبعض ، والمتصرف في البر بما يشتري ذلك البر بالطعام فلا بد من أن يشتري الطعام ليؤدي ما عليه وربما يحتاج إلى بيع البر بالعبيد ، والإماء إذا لم يجد من يشتري ذلك منه بالنقد وإذا كان الإذن في نوع يتعدى إلى سائر أنواع التجارة لاتصال بعض التجارات بالبعض ولأن الإذن في التجارة فك للحجر عنه ، والعبد بعد الإذن متصرف لنفسه لانفكاك الحجر عنه كالمكاتب ، وكما أن في الكتابة لا يعتبر التقييد بنوع خاص فكذلك في الإذن ، وبيان الوصف أن بمطلق الإذن يملك التصرف ، والإنابة لا تحصل بمطلق اللفظ من غير تنصيص على التصرف كما في حق الوكيل ، والدليل عليه أن المأذون لا يرجع بما يلحقه من العهدة على مولاه ، والمتصرف للغير يرجع عليه بما يلحقه من العهدة ، وأنه إذا قضى الدين من خالص ملكه بعد العتق لا يرجع به على المولى ولو كان هو بمنزلة الوكيل لكان يرجع على الموكل بما يؤدي من خالص ملكه كالوكيل ، وإنما يكون رجوع الوكيل فيما يحصل تصرفه إذا بقي ذلك فأما بعد الفوات فيكون رجوعه على الموكل وهنا ، وإن هلك كسبه لم يرجع على المولى بشيء ودل أنه متصرف لنفسه وقد بينا أن بالرق لم يخرج من أن يكون أهلا للتصرف ولا من أن يكون أهلا لثبوت اليد له على كسبه ولكنه ممنوع عن التصرف لحق المولى مع قيام الأهلية فالإذن لإزالة المنع كالكتابة ولا يجوز أن يدعي أن بالكتابة يثبت له حق العتق أو يجعل كالحر يدا ; لأن الكتابة تحتمل الفسخ ، والسبب الموجب لحق العتق متى ثبت لا يحتمل الفسخ كالاستيلاد فثبت أن الكتابة فك الحجر ، والإذن مثله ، ثم فك الحجر عنه بهذين السببين بمنزلة الفك التام الذي يحصل بالعتق ، وذلك لا يختص بنوع دون نوع سواء أطلق أو صرح بالنهي عن سائر الأنواع ; لأن هذا التقييد منه تصرف في غير ملكه فكذلك ههنا .
والثالث : أن تصرف العبد يلاقي محلا هو ملكه ، والمتصرف في ملكه لا يكون نائبا عن [ ص: 11 ] غيره وبيانه أن أول التصرفات بعد الإذن من العبد شراء ; لأنه ما لم يشتر لا يمكنه أن يبيع وهو بالشراء يلتزم الثمن في ذمته وقد بينا أن الذمة مملوكة بمنزلة ذمته فكما أنه يملك التصرف في ذمته بالإقرار على نفسه بالقود فكذلك يكون مالكا للتصرف في ذمته إلا أن الدين لا يجب في ذمته إلا شاغلا مالية رقبته فيحتاج إلى إذن المولى هنا لإسقاط حقه عن مالية الرقبة ، والرضى بصرفها إلى الدين ، وفي هذا لا يفترق الحال بين نوع من التجارة ونوع فتقييده بنوع غير مفيد في حقه فلا يعتبر كما إذا رضي المستأجر ببيع العين من زيد دون عمرو أو رضي الشفيع بيع المشترى من زيد دون عمرو ولو أسلم البائع المبيع إلى المشتري قبل نقد الثمن على أن يتصرف فيه نوعا من التصرف دون نوع لا يعتبر ذلك التقييد ; لأنه وجد من هؤلاء إسقاط حق المبيع فأهل التصرف يكون متصرفا لنفسه فتقييده بنوع دون نوع لا يكون مفيدا وهذا بخلاف النكاح فإن ذلك تصرف مملوك للمولى عليه ; لأن النكاح لا يجوز إلا بولي ، والرق يخرجه عن أن يكون أهلا للولاية فكان هو نائبا عن المولى في النكاح ; ولهذا قلنا المولى يجبره على النكاح فأما هذا التصرف فغير مملوك للمولى عليه فكان الإذن من المولى إسقاطا لحقه لا إنابة العبد منابه في التصرف وقد بينا أنه مع الرق أهل للحكم الأصلي وهو ملك اليد ، وأن ما وراء ذلك من ملك العين يثبت للمولى على سبيل الخلافة عنه وهذا بخلاف تقليد القضاء فالقاضي لا يعمل لنفسه فيما يقضي بل هو نائب عن المسلمين ; ولهذا يرجع بما يلحقه من العهدة في مال المسلمين وكيف يكون عاملا لنفسه وهو فيما يعمل لنفسه لا يصلح أن يكون قاضيا وهذا بخلاف المستعير ، والمستأجر ; لأنه يتصرف في محل هو ملك الغير بإيجاب صاحب الملك له وإيجابه في ملك نفسه يقبل التخصيص فأما العبد فلا يتصرف بإيجاب المولى له فقد بينا أن التصرف غير مملوك للمولى في ذمته فكيف يوجب له مالا يملكه .
والمسألة الثانية : إذا رآه يبيع ويشتري فسكت عن النهي فهذا إذن له في التجارة عندنا وعند الشافعي لا يكون إذنا قبل هذا بناء على المسألة الأولى فإن عنده لو أذن له نصا في نوع لا يملك التصرف في سائر الأنواع فكذلك إذا رآه يتصرف في نوع فسكوته عن النهي لا يكون إذنا له في التصرف في سائر الأنواع وعندنا لما كان إذنه في نوع يوجب الإذن في سائر الأنواع لدفع الغرور ، والضرر عن الناس فكذلك سكوته عن النهي عند رؤيته تصرفا منه يكون بمنزلة الإذن دفعا للضرر ، والغرور عن الناس وحجته في هذه المسألة أن سكوته عن النهي محتمل قد يكون للرضى [ ص: 12 ] بتصرفه وقد يكون لفرط وقلة الالتفات إلى تصرفه لعلمه أنه محجور عن ذلك شرعا ، والمحتمل لا يكون حجة فهو بمنزلة من رأى إنسانا يبيع ماله فسكت ولم ينهه لا ينفذ ذلك التصرف بسكوته ولأن الحاجة إلى الإذن من المولى ، والسكوت ليس بإذن فالإذن ما يقع في الإذن ولو أذن له ولم يسمع لم يكن ذلك إذنا فمجرد السكوت كيف يكون إذنا ، والدليل عليه أن هذا التصرف الذي يباشره لا ينفذ بسكوت المولى ، وأنه إذا رآه يبيع شيئا من ملكه فسكت لا ينفذ هذا التصرف فكيف يصير مأذونا له في التصرفات فالحاجة إلى رضى مسقط لحق المولى عن مالية رقبته وذلك لا يحصل بالسكوت كمن رأى إنسانا يتلف ماله فسكت فلا يسقط الضمان بسكوته وهذا بخلاف سكوت البكر إذا زوجها الولي فإن ذلك محتمل ولكن قام الدليل الموجب لترجيح الرضا فيه وهو أن لها عند تزويج الولي كلامين " لا " أو " نعم " ، والحياء بينها وبين نعم لما فيه من إظهار الرغبة في الرجال وهي تستقبح منها لا يحول الحياء بينها وبين لا فسكوتها دليل على الجواب الذي يحول الحياء بينهما وبين ذلك الجواب ولا يوجد مثل ذلك ههنا فلا يترجح جانب الرضا وكذلك سكوت الشفيع عن الطلب ; لأنه لا حق للشفيع قبل الطلب ، وإنما له أن يثبت حقه بالطلب فإذا لم يطلب لم يثبت حقه ، وههنا حق المولى في مالية الرقبة ثابت ، وإنما الحاجة إلى الرضا المسقط لحقه .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|