عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-12-2025, 11:31 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,362
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع والعشرون

صـــ162 الى صـــ 171
(499)


وإلى هذا أشار في الكتاب ، فقال أرأيت لو بلغ ستين سنة ، ولم يؤنس منه الرشد ، وصار ولده قاضيا ، أو نافلته أكان يحجر على أبيه وحده ، ويمتنع المال منه هذا قبيح ، ثم يقول بعد تطاول الزمان به لا بد أن يستفيد رشدا إما بطريق التجربة ، أو الامتحان ، فإن كان منع المال عنه بطريق العقوبة فقد تمكنت شبهة بإصابة نوع من الرشد ، والعقوبة تسقط بالشبهة ، وإن كان هذا حكما ثابتا بالنص غير معقول المعنى فقوله رشدا منكرا في موضع الإثبات ، والنكرة في موضع الإثبات تخص ، ولا تعم ، فإذا وجد رشد ما فقد وجد الشرط ، فيجب دفع المال إليه ، وهذا معنى ما نقل عن مجاهد رحمه الله في معنى قوله { فإن آنستم منهم رشدا } [ ص: 163 ] أي عقلا ; لأنه بالعقل يحصل له رشد ما وفي الكتاب تتبع على أبي حنيفة رحمه الله بقوله أي فائدة في منع المال منه مع إطلاق التصرف وفي منع المال منه زمانا ثم الدفع إليه قبل إيناس الرشد منه ، وقد أوضحنا الفرق لأبي حنيفة رحمه الله بما ذكرنا ثم السفيه إنما يبذر ماله عادة في التصرفات التي لا تتم إلا بإثبات اليد على المال من اتخاذ الضيافة ، أو الهبة أو الصدقة ، فإذا كانت يده مقصورة عن المال لا يتمكن من تنفيذ هذه التصرفات ، فيحصل المقصود بمنع المال منه ، وإن كان لا يحجر عليه ، ثم إذا بلغ سفيها عند محمد رحمه الله يكون محجورا عليه بدون حجر القاضي ، وقال أبو يوسف رحمه الله : لا يصير محجورا عليه ما لم يحجر عليه القاضي ، وكذلك لو بلغ رشيدا ، ثم صار سفيها فمحمد يقول : قد قامت الدلالة لنا على أن السفيه في ثبوت الحجر به نظير الجنون ، والعته والحجر يثبت بهما من غير حاجة إلى قضاء القاضي ، فكذلك في السفه وقاس الحجر بسبب الصغر والرق وأبو يوسف يقول : الحجر على السفيه لمعنى النظر له ، وهو متردد بين النظر والضرر ، ففي إبقاء الملك له نظر ، وفي إهدار قوله ضرر ، وبمثل هذا لا يترجح أحد الجانبين منه إلا بقضاء القاضي : توضيحه أن السفه ليس بشيء محسوس ، وإنما يستدل عليه بأن يغبن في التصرفات ، وقد يكون ذلك للسفه ، وقد تكون جبلة لاستجلاب قلوب المجاهرين فإذا كان مختبلا مترددا لا يثبت حكمه إلا بقضاء القاضي بخلاف الصغر ، والجنون والعبد ، ولأن الحجر بهذا السبب مختلف فيه بين العلماء رحمهم الله ، فلا يثبت إلا بقضاء القاضي كالحجر بسبب الدين .
والكلام في الحجر بسبب الدين في موضعين : أحدهما أن من ركبته الديون إذا خيف أن يلجئ ماله بطريق الإقرار ، فطلب الغرماء من القاضي أن يحجر عليه عند أبي حنيفة رحمه الله : لا يحجر عليه القاضي ، وعندهما يحجر عليه ، وبعد الحجر لا ينفذ تصرفه في المال الذي كان في يده عند الحجر ، وتنفذ تصرفاته فيما يكتسب من المال بعده ، وفي هذا الحجر نظر للمسلمين ، فإذا جاز عندهما الحجر عليه بطريق النظر ، فكذلك يحجر لأجل النظر للمسلمين وعند أبي حنيفة لا يحجر على المديون نظرا له ، فكذلك لا يحجر عليه نظرا للغرماء ، ولما في الحيلولة بينه ، وبين التصرف في ماله من الضرر عليه ، وإنما يجوز النظر لغرمائه بطريق لا يكون فيه إلحاق الضرر به إلا بقدر ما ، ورد الشرع به وهو الحبس في الدين لأجل ظلمه الذي تحقق بالامتناع من قضاء الدين مع تمكنه منه ، وخوف التلجئة ظلم موهوم منه ، فلا يجعل كالمتحقق ، ثم الضرر عليه في إهدار قوله فوق الضرر في حبسه ولا يستدل بثبوت الأدنى على ثبوت الأعلى كما في منع المال من السفيه مع الحجر عليه .

ثم [ ص: 164 ] هذا الحجر عندهما لا يثبت إلا بقضاء القاضي ومحمد رحمه الله يفرق بين هذا ، وبين الأول ، فيقول : هنا الحجر لأجل النظر للغرماء فيتوقف على طلبهم ، وذلك لا يتم إلا بقضاء القاضي له ، والحجر على السفيه لأجل النظر له وهو غير موقوف على طلب أحد ، فيثبت حكمه بدون القضاء .

والفصل الثاني - أنه لا يباع على المديون ماله في قول أبي حنيفة رحمه الله العروض ، والعقار في ذلك سواء لا مبادلة أحد النقدين بالآخر فللقاضي أن يفعل ذلك استحسانا لقضاء دينه ، وقال أبو يوسف ومحمد يبيع عليه ماله ، فيقضي دينه بثمنه لحديث { معاذ رضي الله عنه ، فإنه ركبته الديون ، فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله ، وقسم ثمنه بين غرمائه بالحصص } ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته : أيها الناس إياكم ، والدين ، فإن أوله هم ، وآخره حزن ، وإن أسيفع جهينة قد رضي من دينه ، وأمانته أن يقال : سبق الحاج ، فادان معرضا ، فأصبح ، وقد دين به ألا إني بائع عليه ماله فقاسم ثمنه بين غرمائه بالحصص ، فمن كان له عليه دين ، فليفد ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان هذا اتفاقا منهم على أنه يباع على المديون ماله ، والمعنى فيه أن بيع المال لقضاء الدين من ثمنه مستحق عليه بدليل أنه يحبس إذا امتنع منه وهو ما يجزي فيه النيابة والأصل إن امتنع عن إيفاء حق مستحق عليه وهو مما يجزي فيه النيابة ناب القاضي فيه منابه كالذي إذا أسلم عبده ، فأبى أن يبيعه باعه القاضي عليه بهذا والتعيين بعد مضي المدة إذا أبى أن يفارقها ناب القاضي منابه في التفريق بينهما ، وهذا بخلاف المديون إذا كان معسرا ، فإن القاضي لا يؤاجره ليقضي دينه من أجرته ، وكذلك لا يبيع ما عليه من ثياب بدنه ; لأن ذلك غير مستحق عليه بدليل أنه لا يحبسه لأجله وكذلك الدين إذا وجب على امرأة ، فإن القاضي لا يزوجها ليقضي الدين من صداقها ; لأن ذلك غير مستحق عليها بدليل أنها لا تحبس لتباشر ذلك بنفسها فلا ينوب القاضي فيه منابها وأبو حنيفة رحمه الله استدل بقوله تعالى { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ، وبيع المال على المديون بغير رضاه ليس بتجارة عن تراض .

وقال عليه الصلاة والسلام { لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه } . ونفسه لا تطيب ببيع القاضي ماله عليه ، فلا ينبغي له أن يفعله لهذا الظاهر ، والمعنى فيه أن بيع المال غير مستحق عليه ، فلا يكون للقاضي أن يباشر ذلك عند امتناعه كالإجارة والتزويج : بيان الوصف أن المستحق عليه قضاء الدين ، وجهة بيع المال غير متعين لقضاء الدين ، فقد يتمكن من قضاء الدين بالاستيهاب ، والاستقراض وسؤال الصدقة من الناس فلا يكون [ ص: 165 ] للقاضي تعيين هذه الجهة عليه بمباشرة بيع ماله ، والدليل عليه أنه يحبسه بالاتفاق وقد ورد الأثر به على ما روي { أن رجلا من جهينة أعتق شقصا من عبد بينه ، وبين غيره ، فحبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى باع غنيمة له ، وضمن نصيب شريكه } ، ونحن نعلم أنه ما حبسه إلا بعد علمه بيساره ; لأن ضمان المعتق لا يجب إلا على الموسر ومع ذلك اشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبسه حتى باع بنفسه ، فعرفنا أن المديون يحبس لقضاء الدين ، ولو جاز للقاضي بيع ماله لم يشتغل بحبسه لما في الحبس من الإضرار به وبالغرماء في تأخير وصول حقهم إليهم ، فلا معنى للمصير إليه بدون الحاجة وفي اتفاق العلماء رحمهم الله على حبسه في الدين دليل على أنه ليس للقاضي ولاية بيع ماله في دينه ، وهذا بخلاف عبد الذمي إذا أسلم ; لأن عند إصرار المولى على الشرك إخراج العبد عن ملكه مستحق عليه بعينه ، فينوب القاضي منابه .

وكذلك في حق العنين لما تحقق عجزه عن الإمساك بالمعروف فالتسريح مستحق عليه بعينه ، فأما مبادلة أحد النقدين بالآخر بأن كان الدين عليه دراهم وماله دنانير ، ففي القياس ليس للقاضي أن يباشر هذه المصارفة ; لما بينا أن هذا الطريق غير متعين لما هو مستحق عليه ، وهو قضاء الدين ، وفي الاستحسان يفعل ذلك ; لأن الدراهم والدنانير جنسان صورة وجنس ، واحد معنى ، ولهذا يضم أحدهما إلى الآخر في حكم الزكاة ، ولو كان ماله من جنس الدين صورة كان للقاضي أن يقضي دينه به فكذلك إذا كان ماله من جنس الدين معنى ، فإن قيل : فعلى هذا ينبغي أن يكون لصاحب الدين ولاية الأخذ من غير قضاء كما لو ظفر بحبس حقه ، وبالإجماع ليس له ذلك قلنا ; لأنهما جنسان صورة ، وإن كانا جنسا واحدا حكما ، فلانعدام المجانسة صورة لا ينفرد صاحب الدين ، فيأخذه ; لأن فيه معنى المبادلة من وجه ، ولوجود المجانسة معنى قلنا للقاضي أن يقضي دينه به يوضحه أن من العلماء من يقول لصاحب الدين أن يأخذ أحد النقدين بالآخر من غير قضاء ، ولا رضا ، وهو قول ابن أبي ليلى رحمه الله والقاضي مجتهد ، فجعلنا له ولاية الاجتهاد هنا في مبادلة أحد النقدين بالآخر لقضاء الدين منه ، ولا يوجد هذا المعنى في سائر الأموال ، وفيه إضرار بالمديون من حيث إبطال حقه عن عين ملكه ، وللناس في الأعيان أغراض ، ولا يجوز للقاضي أن ينظر لغرمائه على وجه يلحق الضرر به ، فوق ما هو مستحق عليه ، ثم هذا المعنى لا يوجد في النقود ; لأن المقصود هناك المالية دون العين .

وأما تأويل معاذ رضي الله عنه ، فنقول إنما باع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله بسؤاله ; لأنه لم يكن في ماله ، وفاء بدينه فسأل رسول [ ص: 166 ] الله صلى الله عليه وسلم أن يتولى بيع ماله لينال ماله بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيصير فيه وفاء بديونه ، وهذا ; لأن عندهما يأمر القاضي المديون ببيع ماله أولا ، فإذا امتنع ، فحينئذ يبيع ماله ولا يظن بمعاذ رضي الله عنه أنه كان يأبى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ببيع ماله حتى يحتج ببيعه عليه بغير رضاه ، فإنه كان سمحا جوادا لا يمنع أحدا شيئا ، ولأجله ركبته الديون ، فكيف يمتنع من قضاء دينه بماله بعد أمر رسول الله .

صلى الله عليه وسلم والمشهور في حديث أسيفع رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه قال إني قاسم ماله بين غرمائه ، فيحمل على أنه كان ماله من جنس الدين ، وإن ثبت البيع فإنما كان ذلك برضاه ( ألا ترى ) أن عندهما القاضي لا يبيعه إلا عند طلب الغرماء ، ولم ينقل أن الغرماء طالبوه بذلك وإنما المنقول أنه ابتدأهم بذلك ، وأمرهم أن يفدوا إليه ، فدل أنه كان ذلك برضاه .

، ثم قد تم الكتاب على قول أبي حنيفة رحمه الله ، وإنما التفريع بعد هذا على قول من يرى الحجر ، فنقول بين من يرى الحجر بسبب السفه اختلاف في صفة الحجر ، فعلى قول الشافعي رحمه الله الحجر به بمنزلة الحجر بسبب الرق حتى لا ينفذ بعد الحجر شيء من تصرفاته سوى الطلاق ; لأن السفه لا يزيل الخطاب ، ولا يخرجه من أن يكون أهلا لالتزام العقوبة باللسان باكتساب سببها ، أو بالإقرار بها بمنزلة الرق ، فكما أن بعد الرق لا ينفذ شيء من تصرفاته سوى الطلاق فكذلك بعد الحجر بسبب السفه وأبو يوسف ومحمد قالا : المحجور عليه بسبب السفه في التصرفات كالهازل يخرج كلامه على غير نهج كلام العقلاء لقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له لا لنقصان في عقله ، فكذلك السفيه يخرج كلامه في التصرفات على غير نهج كلام العقلاء لاتباع الهوى ، ومكابرة العقل لا لنقصان في عقله ، وكل تصرف لا يؤثر فيه الهزل كالنكاح ، والطلاق ، والعتاق لا يؤثر فيه السفه ، ولا يجوز أن يجعل هذا نظير الحجر بسبب الرق ; لأن ذلك الحجر لحق الغير في المحل الذي يلاقيه تصرفه حتى فيما لا حق للغير فيه يكون تصرفه نافذا ، وهنا لا حق لأحد في المحل الذي يلاقيه تصرفه ، ثم على مذهبهما القاضي ينظر فيما باع واشترى هذا السفيه .

فإن رأى إجازته أجازه ، وكان جائزا لانعدام الحجر قبل القضاء عند أبي يوسف رحمه الله ، ولإجازة القاضي عند محمد رحمه الله فإن لا يكون دون حال الذي لم يبلغ إذا كان عاقلا ، وهناك إذا باع واشترى ، وأجازه القاضي جاز وهذا ; لأن الحجر عليه لمعنى النظر ، وربما يكون النظر له في إجازة هذا التصرف ، فلهذا نفذ بإجازة القاضي سواء باشره السفيه ، أو الصبي العاقل قال : وهما [ ص: 167 ] سواء في جميع الأشياء إلا في خصال أربع أحدها : لا يجوز لوصي الأب أن يبيع شيئا من مال هذا الذي بلغ ، وهو سفيه إلا بأمر الحاكم ، ويجوز له البيع والشراء على الذي لم يبلغ ; لأن ولاية الوصي عليه ثابتة إلى وقت البلوغ ( ألا ترى ) أنه ينفرد بالإذن له ، والحجر عليه ، وأنه قائم مقام الأب في ذلك ، وللأب ولاية على ولده ما لم يبلغ فأما بعد ما بلغ عاقلا لا يبقى للوصي عليه ولاية أما عند أبي يوسف فلأنه صار ولي نفسه ما لم يحجر عليه القاضي ، ومن ضرورة كونه ولي نفسه انتفاء ولاية الوصي عنه وأما عند محمد فلأن البلوغ عن عقل مخرج له من أن يكون مولى عليه ، ويثبت له الولاية على نفسه .

( ألا ترى ) أن لمعنى النظر له امتنع ثبوت أحد الحكمين ، وهو ثبوت الولاية له في التصرفات بنفسه ، ولا يتحقق مثل ذلك النظر في إبقاء ولاية الولي عليه ثم قد بينا أن تأثير السفه كتأثير الهزل ، ولا أثر للهزل في إثبات الولاية عليه للوصي ، وللهزل تأثير في إبطال تصرفه ، فلهذا لا يجوز تصرف الوصي عليه إلا أن يأمره الحاكم بذلك ، فحينئذ يقوم هو في التصرف له مقام القاضي ومعلوم أن القاضي إذا حجر عليه لا يتركه ليموت جوعا ، ولكن يتصرف له فيما يحتاج إليه وربما لا يتمكن من مباشرة ذلك بنفسه لكثرة أشغاله ، فلا بد من أن يقيم غيره فيه مقامه والثاني - أن السفيه إذا أعتق مملوكا له نفذ عتقه بخلاف الذي لم يبلغ ; لما بينا أن تأثير السفه كتأثير الهزل ، ثم في قول محمد وهو قول أبي يوسف الأول على العبد أن يسعى في قيمته ، وفي قول أبي يوسف الآخر ليس عليه السعاية في قيمته ; لأنه لو سعى إنما يسعى لمعتقه ، والمعتق لا تلزمه السعاية قط لحق معتقه بحال إنما تلزمه السعاية لحق غيره والثاني - أن تأثير السفه كتأثير الهزل ، ومن أعتق مملوكه هازلا لا تلزمه السعاية في قيمته فهذا قياسه : وجه قول محمد رحمه الله أن الحجر على السفيه لمعنى النظر له ، فيكون بمنزلة الحجر على المريض لأجل النظر لغرمائه ، وورثته ، ثم هناك إذا أعتق عبدا ، وجب عليه السعاية لغرمائه أو في ثلثي قيمته لورثته إذا لم يكن عليه دين ، ولا مال سواه ; لأن رد العتق واجب لمعنى النظر ، وقد تعذر رده عليه ، فيكون الرد بإيجاب السعاية ، فهنا أيضا رد العتق واجب لمعنى النظر وقد تعذر رد عينه ، فيكون الرد بإيجاب السعاية ، فهنا أيضا واجب لمعنى النظر له ، وقد تعذر رده ، فكان الرد بإيجاب السعاية ، وقد بينا أن معنى النظر له في حكم الحجر بمنزلة النظر للمسلمين في الحجر بسبب الدين فكذلك في حكم السعاية .

والثالث - أن الذي لم يبلغ إذا دبر عبده لا يصح تدبيره وهذا السفيه إذا دبر عبده جاز تدبيره ; لأن التدبير يوجب حق العتق للمدبر ، فيعتبر بحقيقة العتق إلا أن [ ص: 168 ] هناك تجب عليه السعاية في قيمته ، وهنا لا تجب إلا بعد صحة التدبير في مال مملوك له يستخدمه ، ولا يمكن إيجاب نقصان التدبير عليه ; لأنه لما بقي على ملكه ، والمولى لا يستوجب على مملوكه دينا تعذر إيجاب النقصان عليه .

( ألا ترى ) أنه لو دبر عبده بمال وقبله العبد كان التدبير صحيحا ، ولا يجب المال بخلاف ما إذا كاتبه أو أعتقه على مال ، فإن مات المولى قبل أن يؤنس منه الرشد سعى الغلام في قيمته مدبرا ; لأن بموت المولى عتق ، فكأنه أعتقه في حياته ، فعليه السعاية في قيمته ، وإنما لاقاه المعتق ، وهو مدبر ، فيسعى في قيمته مدبرا ( ألا ترى ) أن مصلحا لو دبر عبدا له في صحته ، ثم مات وعليه دين يحيط بقيمته أن على العبد أن يسعى في قيمته مدبرا لغرمائه فهذا مثله ، وكذا لو أعتقه بعد التدبير نفذ عتقه ، وعليه السعاية في قيمته ; لما قلنا .

والرابع أن ، وصايا الذي لم يبلغ لا تكون صحيحة ، والذي بلغ مفسدا إذا أوصى بوصايا فالقياس فيه كذلك أنها باطلة بمنزلة تبرعاته في حياته ، ولكنا نستحسن أن ما وافق الحق وما يتقرب به إلى الله تعالى ، وما يكون على وجه الفسق من الوصية للقرابات ، ولم يأت بذلك سرف ، ولا أمر يستقبحه المسلمون أنه ينفذ ذلك كله من ثلث ماله ; لأن الحجر عليه لمعنى النظر له حتى لا يتلف ماله فيبتلى بالفقر الذي هو الموت الأحمر ، وهذا المعنى لا يوجد في وصاياه ; لأن أوان وجوبها بعد موته ، وبعد ما وقع الاستغناء عن المال في أمر دنياه ، فإذا حصلت وصاياه على وجه يكون فيه نظر منه لأمر أضر به أو لاكتساب الثناء الحسن بعد موته لنفسه وجب تنفيذه ; لأن النظر له في تنفيذ هذه الوصايا والتدبير من هذه الجملة فيعتق به بعد الموت لهذا ، وكان ينبغي أن لا يجب على المدبر السعاية ولكنه ، أوجب السعاية لما فيه من معنى إبطال المالية ، فكلام أبي يوسف يتضح في هذا الفصل ، ثم العلماء رحمهم الله اختلفوا في ، وصية الذي لم يبلغ : أهل المدينة رحمهم الله يجوزون من وصاياه ما وافق الحق ، وبه أخذ الشافعي رحمه الله على ما سنبينه في كتاب الوصايا ، وقد جاءت فيه الآثار حتى روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجاز وصية غلام يفاع ، وفي رواية يافع ، وهو المراهق ، وأن شريحا رحمه الله سئل عن وصية غلام لم يبلغ ، فقال إن أصاب الوصية ، فهو جائز ، وهكذا نقل عن الشعبي رحمه الله ، فحال هذا الذي بلغ وصار مخاطبا بالأحكام أقوى من حال الذي لم يبلغ ، فاختلاف العلماء في وصية الذي لم يبلغ يكون اتفاقا منهم في وصية السفيه أنه إذا وافق الحق وجب تنفيذه ، فهذا وجه آخر للاستحسان .

، ثم الحاصل أن السفه لا يجعل كالهزل في جميع التصرفات ، ولا كالصبا ، ولا كالمرض ، ولكن الحجر به لمعنى النظر له فالمعتبر فيه توفر النظر عليه ، وبحثه يلحق ببعض هذه الأصول [ ص: 169 ] في كل حادثة ، فإن جاءت جاريته بولد فادعاه ثبت نسبه منه وكان الولد حرا لا سبيل عليه ، والجارية أم ولد له ، فإن مات كانت حرة لا سبيل عليها ; لأن توفر النظر في إلحاقه بالمصلح في حكم الاستيلاد ، فإنه محتاج إلى ذلك لإبقاء نسله ، وصيانة مائه ، ويلحق في هذا الحكم بالمريض المديون إذا ادعى نسب ولد جاريته كان هو في ذلك كالصحيح حتى أنها تعتق من جميع ماله بموته ، ولا تسعى هي ، ولا ولدها في شيء ; لأن حقه مقدم على حق غرمائه بخلاف ما لو أعتقها ، ولو لم يكن معها ولد ، وقال هذه أم ولد كانت بمنزلة أم الولد يقدر على بيعها ، فإن مات سعت في جميع قيمتها بمنزلة المريض إذا قال لجاريته وليس معها ولد : هذه أم ولدي ، وهذا ; لأنه إذا كان معها ولد ، فثبوت نسب الولد بمنزلة الشاهد لها في إبطال حق الغير فكذلك في دفع حكم الحجر عن تصرفه بخلاف ما إذا لم يكن معها ولد ، فإنه لا شاهد له هنا فإقراره لها بحق العتق بمنزلة إقراره بحقيقة الحرية ، فلا يقدر على بيعها بعد ذلك ، ويسعى في قيمتها بعد موته كما لو أعتقها ، ولو كان له عبد لم يولد في ملكه ، فقال : هذا ابني ، ومثله يولد لمثله فهو ابنه يعتق ، ويسعى في قيمته ; لأنه أصل العلوق ، ولما لم يكن في ملكه كانت دعواه دعوى تحرير ، فيكون كالإعتاق .

( ألا ترى ) أن المريض المديون إذا قال لعبد لم يولد في ملكه هذا ابني عتق ، وسعى في قيمته ، ولو اشترى هذا المحجور عليه ابنه ، وهو معروف ، وقبضه كان شراؤه ، فاسدا ، ويعتق الغلام حين قبضه ، ويجعل في هذا الحكم بمنزلة شراء المكره ، فيثبت له الملك بالقبض ، ويعتق عليه ; لأنه ملك ابنه ثم يسعى في قيمته للبائع ولا يكون للبائع في مال المشتري شيء من ذلك ; لأنه ، وإن ملكه بالقبض فالتزام الثمن ، أو القيمة بالعقد منه غير صحيح لما في ذلك من الضرر عليه وهو في هذا الحكم ملحق بالصبي ، وإذا لم يجب على المحجور شيء لا يسلم له أيضا شيء من سعايته فتكون السعاية الواجبة على العبد للبائع ، ولو وهب له ابنه المعروف ، أو وهب له غلام ، فقبضه وادعى أنه ابنه ، فإنه يعتق ، ويلزمه السعاية في قيمته بمنزلة ما لو أعتقه .

( ألا ترى ) أن المريض المديون لو وهب له ابنه المعروف ، أو وهب له غلام في مرضه ، فادعى أنه ابنه ، ثم مات سعى الغلام في قيمته لغرمائه ولو أن هذا الذي بلغ مفسدا تزوج امرأة جاز نكاحه ، وينظر إلى ما تزوجها عليه ، وإلى مهر مثلها ، فيلزمه أقلهما ويبطل الفضل عن مهر مثلها مما سمى ، وهو في ذلك كالمريض المديون فإن التزوج من حوائجه ومن ضرورة صحة النكاح وجوب مقدار مهر المثل فأما الزيادة على ذلك فالتزام بالتسمية ، ولا نظر له في هذا الالتزام فلا تثبت هذه الزيادة كالمريض [ ص: 170 ] إذا تزوج امرأة بأكثر من صداق مثلها يلزمه من المسمى مقدار مهر مثلها فإذا طلقها قبل الدخول ، وجب لها نصف المهر في ماله ; لأن التسمية صحيحة في مقدار مهر المثل ، وتنصف المفروض بالطلاق قبل الدخول حكم ثابت بالنص .

وكذلك لو تزوج أربع نسوة ، أو تزوج كل يوم واحدة ، ثم طلقها ، وبهذا يحتج أبو حنيفة رحمه الله أنه لا فائدة في الحجر عليه ; لأنه لا ينسد باب إتلاف المال عليه ، وإنه يتلف ماله بهذا الطريق إذا أعجز عن إتلافه بطريق البيع ، والهبة ، وهو يكتسب المحمدة في البر والإحسان ، والمذمة في التزوج ، والطلاق قال : عليه الصلاة والسلام { لعن الله كل ذواق مطلاق } ، ولو حلف بالله أو نذر نذورا من هدي ، أو صدقة لم ينفذ له القاضي شيئا من ذلك ، ولم يدعه يكفر أيمانه بذلك ; لأنه حجره عن التصرف في ماله فيما يرجع إلى الإتلاف ، ولو لم يمنعه ذلك إذا ، أوجبه على نفسه لم يحصل المقصود بالحجر ; لأنه تيسر عليه النذر بالتصدق بجميع ماله ، ثم عليه أن يصوم لكل يمين حنث فيها ثلاثة أيام متتابعات ، وإن كان هو مالكا للمال ; لأن يده مقصورة عن ماله فهو بمنزلة ابن السبيل المنقطع عن ماله وبمنزلة من يكون ماله دينا على إنسان ، أو غصبا في يده ، وهو يأبى أن يعطيه ، فله أن يكفر بالصوم كذلك هنا .

ولو ظاهر هذا المفسد من امرأته صح ظهاره كما يصح طلاقه ، ويجزيه الصوم في ذلك لقصور يده عن ماله بمنزلة من كان ماله غائبا عنه ، فإن قيل : هناك لو كان في ماله عبد لم يجز له أن يكفر بالصوم قلنا ; لأن هناك يقدر على إعتاقه عن ظهاره ، وإن لم يكن في يده ، وهنا لا يقدر على ذلك ; لأنه لو أعتق عبده وجب على العبد السعاية في قيمته ، ومع وجوب السعاية عليه لا يجوز عتقه عن الظهار .

( ألا ترى ) أن مريضا مصلحا لو أعتق عبده عن ظهاره ، أو قتله وعليه دين مستغرق ، ثم مات سعى الغلام في قيمته ولم يجز عن الكفارة للسعاية التي وجبت فلهذا ، أوجبنا عليه صوم شهرين متتابعين في كفارة الظهار ، والقتل فإن قيل : كان ينبغي أن ينفذ إعتاقه من غير سعاية ; لأن هذا مما يتقرب به إلى ربه ويسقط به الواجب عن ذمته ، فالنظر له في تنفيذه قلنا لو فتح عليه هذا الباب لكان إذا شاء أن يعتق عبدا من عبيده ، وقيل : له إن عتقك لا يجوز إلا بالسعاية ظاهر من امرأته ، ثم أعتق بعد ذلك العبد ، أو حلف بيمين ، وحنث فيها ، ثم أعتق ذلك ، فيحصل له مقصوده من التبذير بهذا الطريق ; لأنه يصير بعد هذا العتق بمنزلة من لم يظاهر ، فلزجره عن هذا القصد ، أوجبنا السعاية على العبد إذا أعتقه ، وعينا عليه التكفير بالصوم ، فإن صام المفسد أحد الشهرين ، ثم صار مصلحا لم يجزه إلا العتق بمنزلة معسر أيسر ; لأنه كان معسرا ابتداء ، وقد وصلت يده إلى المال [ ص: 171 ] قبل سقوط الكفارة عنه بالصوم ، فعليه التكفير بالمال .

وأما ما وجب على المفسد من أمر أوجبه الله تعالى من زكاة ماله ، أو حجة الإسلام ، أو غير ذلك فهو ، والمصلح فيه سواء ; لأنه مخاطب ، وإن كان مفسدا ، وبسبب الفساد لا يستحق النظر في إسقاط شيء من حقوق الشرع عنه بمنزلة الفاسق الذي يقصر في أداء بعض الفرائض لا يستحق به التخفيف في حكم الخطاب ، وهذا بخلاف ما أوجبه على نفسه لا فيما يوجبه على نفسه بسبب التزامه ، فيمكن فيه معنى التبذير فيما يرجع إلى الدنيا ، وإن كان فيه معنى النظر له في الآخرة كما في مباشرة التصدق ، فأما فيما أوجب الله تعالى عليه ، فلا يتوهم معنى التبذير فهو ، والمصلح فيه سواء ، وينبغي للحاكم أن ينفذ له ما أوجب الله تعالى عليه من ذلك إذا طلبه من أداء زكاة ماله ولكن لا يدفع المال إليه ، ويخلي بينه وبينه ; لأنه يصرفه إلى شهوات نفسه ، ولكن لا يخلي بينه ، وبين ذلك حتى يعطيه المساكين بمحضر من أمينه ; لأن الواجب عليه الإيتاء ، وهو عبارة عن فعل هو عبادة ولا يحصل ذلك إلا بنيته ، فلهذا يدفع المال إليه ليعطيه المساكين من زكاته بمحضر من أمينه ، وكذلك إن طلب من القاضي مالا يصل به قرابته الذي يجبر على نفقتهم أجابه إلى ذلك ; لأن وجوب نفقتهم عليه يكون شرعا لا بسبب من جهته ، ولكن القاضي لا يدفع المال إليه بل يدفعه بنفسه إلى ذوي الرحم المحرم منه ; لأنه لا حاجة إلى فعله ونيته حتى أن من له الحق إذا ظفر بجنس حقه من ماله كان له أن يأخذه فكذلك القاضي يعينه على ذلك بالدفع إليه ولكن لا ينبغي للقاضي أن يأخذ بقوله في ذلك حتى تقوم البينة على القرابة ، وعشرة القرائب ; لأن إقراره بذلك بمنزلة الإقرار له بدين على نفسه ، فلا يكون ملزما إياه شيئا إلا في الوالد ، فإنهما إذا تصادقا على النسب قبل قولهما فيه كل واحد منهما في تصديق صاحبه يقر على نفسه بالنسب وقد بينا أن السفه لا يؤثر في المنع من الإقرار بالنسب ; لأن ذلك من حوائجه ، ولكن لا يعتبر قوله في عسرة المقر له حتى يعرف أنه كذلك كما عسرة سائر الأقارب .

وكذلك يقبل إقراره بالزوجية ; لأنه يملك إنشاء التزوج فيملك الإقرار به ، ويجب لها مقدار مهر مثلها ويعطيها القاضي ذلك ; لأن وجوب ذلك حكما لصحة النكاح ، وإن كان قد مضى بعد إقراره أشهر ، ثم أقر أنه كان فرض عليه نفقة في أول تلك الشهور لم يصدق على ما مضى من ذلك ; لأن هذا منه إقرار بالدين لها ، فإن نفقته لزوجة في الزمان الماضي لا تصير دينا إلا بقضاء القاضي ، وإقراره لها بالدين باطل ، وإن أراد أن يحج حجة الإسلام لم يمنع منها ; لأنها تلزمه شرعا من غير صنع من جهته ، فلا يتوهم معنى التبذير فيه [ ص: 172 ] ثم لا يمنع من أداء ما لزمه شرعا ، ويعطى ما يحتاج إليه كالزاد والراحلة ; لأن ذلك من أصول حوائجه ، وإن أراد عمرة واحدة لم يمنع منها أيضا استحسانا ، وفي القياس لا يعطى نفقة السفر لذلك ; لأن العمرة عندنا تطوع كما لو أراد الخروج للحج تطوعا بعد ما حج حجة الإسلام ، ولكنه استحسن لاختلاف العلماء في ، فريضة العمرة ، وتعارض الأخبار في ذلك ، ولظاهر قوله تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله } ، فهذا منه أخذ بالاحتياط في أمر الدين وهو من جملة النظر له ليس من التبذير في شيء .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.29 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.57%)]