عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 26-12-2025, 07:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,897
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع والعشرون

صـــ152 الى صـــ 161
(498)


ولو قال له لأقتلنك ، أو لتأخذن مال هذا الرجل فتعطينيه ، فأبى أن يفعل ذلك حتى قتل ، وهو يعلم أن ذلك يسعه كان مأجورا إن شاء الله ; لأن الأخذ عند الضرورة مباح له بطريق الرخصة ، وقيام الحرمة ، والتقوي حقا للمالك يوجب أن تكون العزيمة في ترك الأخذ ، فإن تمسك بالعزيمة كان مأجورا ، وقيده بالاستثناء ; لأنه لم يجعل هذا بعينه نصا بعينه ، وإنما قاله بالقياس على ما تقدم ، وليس هذا في معنى ما تقدم من كل وجه ; لأن الامتناع من الأخذ هنا لا يرجع إلى إعزاز الدين ، فلهذا قيده بالاستثناء .ولو أن محرما قيل له : لنقتلنك ، أو لتقتلن هذا الصيد ، فأبى أن يفعل حتى قتل كان مأجورا إن شاء الله ; لأن حرمة قتل الصيد على المحرم حرمة مطلقة قال الله تعالى { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ، فكأن الامتناع عزيمة ، وإباحة قتل الصيد رخصة [ ص: 153 ] عند الضرورة ، فإن ترخص بالرخصة كان في سعة من ذلك ، وإن تمسك بالعزيمة ، فهو أفضل له ، فإن قتل الصيد فلا شيء عليه في القياس ، ولا على الذي أمره ، وفي الاستحسان على القاتل الكفارة أما الآمر ، فلا شيء عليه ; لأنه حلال لو باشر قتل الصيد بيده لم يلزمه شيء ، فكذلك إذا أكره عليه غيره ، وأما المحرم ، ففي القياس لا شيء عليه ; لأنه صار آلة للمكره بالإلجاء التام ، فينعدم الفعل في جانبه .

( ألا ترى ) أن في قتل المسلم لا يكون هو ضامنا شيئا لهذا المعنى ، وإن كان لا يسعه الإقدام على القتل ، ففي قتل الصيد أولى ، ووجه الاستحسان أن قتل الصيد منه جناية على إحرامه وهو بالجناية على إحرام نفسه لا يصلح أن يكون آلة لغيره فأما قتل المسلم ، فجناية على المحل ، وهو يصلح أن يكون آلة للمكره في ذلك حتى إن في حق الآثم لما كان ذلك جناية على حق دينه ، وهو لا يصلح آلة لغيره في ذلك اقتصر الفعل عليه في حق الآثم : توضيحه أنه لما لم يجب على الآمر هنا شيء ، فلو لم نوجب الكفارة على القاتل كان تأثير الإكراه في الإهدار ، وقد بينا أنه لا تأثير للإكراه في الإهدار ، ولا في تبديل محل الجناية ، وإن كانا محرمين جميعا ، فعلى كل واحد منهما كفارة أما على المكره ، فلأنه لو باشر قتل الصيد بيده لزمته الكفارة ، فكذلك إذا باشر بالإكراه ، وأما المكره ، فلأنه في الجناية على إحرام نفسه لا يصلح آلة لغيره .

يوضحه أنه لا حاجة هنا إلى نسبة أصل الفعل إلى المكره في إيجاب الكفارة عليه ، فكفارة الصيد تجب على المحرم بالدلالة ، والإشارة ، وإن لم يصر أصل الفعل منسوبا إليه ، فكذلك هنا ، وبه فارق كفارة القتل إذا كان خطأ ، أو شبه عمد ، فإنه يكون على المكره دون المكره بمنزلة ضمان الدية ، والقصاص ; لأن تلك الكفارة لا تجب إلا بمباشرة القتل ، ومن ضرورة نسبة المباشرة إلى المكره أن لا يبقى فعل في جانب المكره ، وهنا وجوب الكفارة لا يعتمد مباشرة القتل ، فيجوز إيجابه على المكره بالمباشرة وعلى المكره بالتسبيب ، ولأن السبب هنا الجناية على الإحرام ، وكل واحد منهما جان على إحرام نفسه ، فأما هناك ، فالسبب هو الجناية على المحل ، والمحل واحد ، فإذا أوجبنا الكفارة باعتبارها على المكره قلنا : لا يجب على المكره ، ولو توعده بالحبس ، وهما محرمان ، ففي القياس تجب الكفارة على القاتل دون الآمر ; لأن قتل الصيد فعل ، ولا أثر للإكراه بالحبس في الأفعال ، وفي الاستحسان على كل واحد منهما الجزاء أما على القاتل ، فلا يشكل ، وأما على المكره فلأن تأثير الإكراه بالحبس أكثر من تأثير الدلالة ، والإشارة ، وإذا كان الجزاء يجب على المحرم بالدلالة [ ص: 154 ] والإشارة ، فبالإكراه بالحبس أولى .

ولو كانا حلالين في الحرم ، وقد توعده بقتل كانت الكفارة على المكره ; لأن جزاء الصيد في حكم ضمان المال ، ولهذا لا يتأدى بالصوم ، فلا تجب بالدلالة ، ولا تتعدد بتعدد الفاعلين ، وهذا ; لأن وجوبها باعتبار حرمة المحل ، فيكون بمنزلة ضمان المال ، وذلك على المكره دون المكره عند التهديد بالقتل ، وإن توعده بالحبس كانت الكفارة على القاتل خاصة بمنزلة ضمان المال ، وبمنزلة الكفارة في قتل الآدمي خطأ .

ولو أن رجلا وجب عليه أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، فخاف إن ، فعل أن يقتل وسعه أن لا يفعل ، وإن فعل ، فقتل كان مأجورا ; لأن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فرض مطلقا قال الله تعالى { ، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك } الآية ، والترك عند خوف الهلاك رخصة قال الله تعالى { إلا أن تتقوا منهم تقاة } ، فإن ترخص بالرخصة كان في سعة ، وإن تمسك بالعزيمة كان مأجورا .

وذكر في السير الكبير أن المسلم إذا أراد أن يحمل على جمع من المشركين ، وهو يعلم أنه لا ينكي فيهم ، وأنه يقتل لم يسعه ذلك ; لأنه يكون ملقيا نفسه في التهلكة من غير ، فائدة ، ولو أراد أن يمنع قوما من ، فسقة المسلمين عن منكر اجتمعوا عليه ، وهو يعلم أنهم لا يمتنعون بسببه ، وأنهم يقتلونه ، فإنه يسعه الإقدام على ذلك ; لأن هؤلاء يعتقدون الإسلام فزجره إياهم يؤثر فيهم اعتقادا لا محالة ، وأولئك غير معتقدين ، فالشرط أن ينكي فعله فيهم حسا ، فإذا علم أنه لا يتمكن من ذلك لا يسعه الإقدام .

ولو أكره بالقتل على أن يزني لم يسعه أن يفعل ، فإن فعل ، وكان محرما فسد إحرامه ، وعليه الكفارة دون الذي أكرهه لما بينا أن فعله جناية على إحرامه وهو في الجناية على إحرامه لا يصلح أن يكون آلة لغيره ولو أكرهت امرأة محرمة بالقتل على الزنا ، وسعها أن تمكن من نفسها ، وقد بينا الفرق بين جانبها ، وجانب الرجل في حكم الإثم ، فأما فساد الإحرام فلا فرق حتى يفسد إحرامها ، ويجب عليها الكفارة دون المكره ; لأن تمكينها من نفسها جناية على إحرامها ، وهي لا تصلح في ذلك آلة للمكره ، وإن لم تفعل حتى تقتل ، فهي في سعة من ذلك ; لأن حرمة الزنا ، والجماع في حالة الإحرام حرمة مطلقة فهي في الامتناع تتمسك بالعزيمة ، وفي كل موضع من هذه المواضع ، أوجبنا الكفارة على المكره لا يرجع به على المكره ; لأنه ألزمه كفارة يفي بها ، ولو رجع بها عليه يقضى بها عليه ، ولا يجوز أن يرجع عليه بأكثر مما التزمه ، وكل أمر أحله الله تعالى مثل ما أحل في الضرورة من الميتة ، وغيرها ، والفطر في المرض ، والسفر ، فلم يفعل حتى مات ، أو قتل ، فهو آثم ، وكل أمر حرمه الله تعالى ، ولم [ ص: 155 ] يجئ فيه إحلال إلا أن فيه رخصة ، فأبى أن يأخذ بالرخصة حتى قتل ، فهو في سعة ; لأن هذا إغرار بالدين ، وليس في الأول إغرار بالدين .

( ألا ترى ) أن محرما لو اضطر إلى ميتة ، وإلى ذبح صيد حل له عندنا أكل الميتة ، ولم يحل له ذبح الصيد ما دام يجد الميتة ; لأن الميتة حلال في حال الضرورة ، والصيد جاء تحريمه على المحرم جملة ، ولأنه لو ذبح الصيد صار ميتة أيضا ، فيصير هو جامعا بين ذبح الصيد وتناول الميتة وإذا تناول الميتة كان ممتنعا من الجناية على إحرامه بقتل الصيد والحل لأجل الضرورة فإن كانت الضرورة ترتفع بأحدهما لم يكن له أن يجمع بينهما .

ولو قيل لرجل دلنا على مالك أو لنقتلنك فلم يفعل حتى قتل لم يكن آثما لأنه قصد الدفع عن ماله وذلك عزيمة قال عليه الصلاة والسلام { من قتل دون ماله فهو شهيد } ولأن في دلالته إياهم عليه إعانة لهم على معصية الله تعالى وقد قال الله تعالى { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } فلهذا يسعه أن لا يدلهم وإن دلهم حتى أخذوه ضمنوا له لأن بدلالته لا يخرجون من أن يكونوا غاصبين لماله متلفين فعليهم الضمان والله أعلم بالصواب .
( قال رحمه الله ) وإذا ادعت امرأة على زوجها قذفا وجحده الرجل فأقامت عليه البينة بذلك وزكوا في السر والعلانية وأمر القاضي الزوج أن يلاعنها فأبى أن يفعل وقال لم أقذفها وقد شهدوا علي بالزور فإن القاضي يجبره على اللعان ويحبسه حتى يلاعن لأنه ممتنع من إيفاء ما هو مستحق عليه فيحبسه لأجله ولا يضربه الحد وقد بينا هذا في الطلاق فإن حبسه حتى يلاعن أو هدده بالحبس حتى يلاعن وقال أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا قاله أربع مرات ثم قال ولعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا والتعنت المرأة أيضا وفرق القاضي بينهما ثم ظهر أن الشهود عبيد أو محدودون في قذف أو بطلت شهادتهم بوجه من الوجوه فإن القاضي يبطل اللعان الذي كان بينهما ويبطل الفرقة ويردها إليه لأنه تبين أنه قضى بغير حجة والقضاء بغير حجة باطل مردود ولا يقال فقد أقر بالقذف بالزنا في شهادات اللعان لأن ذلك كان بإكراه من القاضي إياه على ذلك والإكراه بالحبس يمنع صحة الإقرار .

( ألا ترى ) أنه لو هدده بالحبس على أن يقر بأنه قذف هذا الرجل فأقر بذلك لم يلزمه بهذا الإقرار شيء فكذلك هنا فإن قيل ذاك إكراه بالباطل وهذا إكراه بحق [ ص: 156 ] قلنا هذا إكراه بحق ظاهرا فأما إذا تبين أن الشهود عبيد فقد ظهر أن الإكراه كان بالباطل حقيقة ولو كان القاضي لم يحبسه حتى يلاعن ولم يهدده بحبس ولكنه قال قد شهدوا عليك بالقذف وقضيت عليك باللعان فالتعن ولم يزده على هذا فالتعن الرجل كما لو وصفت لك والتعنت المرأة وفرق القاضي بينهما ثم ظهر أن الشهود كانوا عبيدا فأبطل شهادتهم فإنه يمضي اللعان بين الزوج والمرأة وتمضي الفرقة ويجعلها بائنا من زوجها لأن القاضي لما لم يهدده بحبس ولا غيره حتى قال أشهدكم بالله أنى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا كان هذا إقرارا منه بأنه قذفها بغير إكراه فيلزمه ما أقر به من ذلك ويصير كأنه أقر بقذفه إياها بعد ما جحد ثم التعن ثلاث مرات وفرق القاضي بينهما فيكون ذلك تفريقا صحيحا باعتبار حجة شرعية ( ألا ترى ) أنه لو قال له القاضي قد شهدوا عليك أنك قذفت هذا الرجل بالزنا وقد قضيت عليك بالحد فقال المقضي عليه أجل قد قذفته بالزنا ثم علم أن شهادة الشهود باطلة ضرب الحد لإقراره على نفسه بالقذف ولو قال قد شهد عليك الشهود بالقذف فلتقرن بذلك أو لأحبسنك ثم علم أن شهادة الشهود باطلة لم يكن عليه حد بإقراره أنه قذفه لأنه كان مكرها على ذلك فكذلك ما وصفنا من حكم التفريق بسبب اللعان ولو لم يظهر أن الشهود عبيد ولكنهما يعلمان أنهم شهدوا عليهما بزور فالتعنا وفرق القاضي بينهما كان قضاؤه نافذا ظاهرا وباطنا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول رحمهما الله وفي قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد رحمهما الله لا ينفذ قضاؤه باطنا وقد بينا هذا في كتاب الرجوع عن الشهادات والله أعلم بالصواب
كتاب الحجر

قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء : اعلم بأن الله تعالى خلق الورى ، وفاوت بينهم في الحجا ، فجعل بعضهم أولو الرأي ، والنهى ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى ، وجعل بعضهم مبتلى ببعض أصحاب الردى فيما يرجع إلى معاملات الدنيا كالمجنون الذي هو عديم العقل والمعتوه الذي هو ناقص العقل ، فأثبت الحجر عليهما عن التصرفات نظرا من الشرع لهما واعتبارا بالحجر الثابت على الصغير في حال الطفولية بسبب عدم العقل بعدما صار مميزا بسبب نقصان العقل ، وذلك منصوص عليه في الكتاب فيثبت الحجر في حق المعتوه ، والمجنون استدلالا بالنصوص [ ص: 157 ] بطريق التشبيه ; لأن حالهما دون حال الصبي فالصبي عديم العقل إلى الإصابة عادة ، والمجنون عديم العقل إلى الإصابة عادة ، ولهذا جاز إعتاق الصبي في الرقاب الواجبة دون المجنون ، فأما إذا بلغ عاقلا ، فلا حجر عليه بعد ذلك على ما قال أبو حنيفة رحمه الله : الحجر على الحر باطل ، ومراده إذا بلغ عاقلا ، وحكي عنه أنه كان يقول : لا يجوز الحجر إلا على ثلاثة على المفتي الماجن ، وعلى المتطبب الجاهل ، وعلى المكاري المفلس ; لما فيه من الضرر الفاحش إذا لم يحجر عليهم ، فالمفتي الماجن يفسد على الناس دينهم والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم ، والمكاري المفلس يتلف أموالهم فيمتنعون من ذلك دفعا للضرر .

فإن الحجر في اللغة هو المنع والاختلاف بين العلماء رحمهم الله ، ورأى هذا في فصلين : أحدهما الحجر على السفيه المبذر ، والآخر الحجر على المديون بسبب الدين ، والسفه هو العمل بخلاف موجب الشرع ، وهو اتباع الهوى ، وترك ما يدل عليه العقل ، والحجى ، وأصل المسامحة في التصرفات ، والبر والإحسان مندوب إليه شرعا ، ولكن بطريق السفه والتبذير مذموم شرعا وعرفا ، ولهذا لا تنعدم الأهلية بسبب السفه ، ولا يجعل السفه عذرا في إسقاط الخطاب عنه بشيء من الشرائع ، ولا في إهدار عبارته فيما يقر به على نفسه من الأسباب الموجبة للعقوبة .

وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يجوز الحجر عليه عن التصرفات بسبب السفه أيضا ، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله يجوز الحجر عليه بهذا السبب عن التصرفات المحتملة للفسخ إلا أن أبا يوسف ومحمدا رحمهما الله قالا أن الحجر عليه على سبيل النظر له ، وقال الشافعي على سبيل الزجر ، والعقوبة له ، ويتبين هذا الخلاف بينهم فيما إذا كان مفسدا في دينه مصلحا في ماله كالفاسق ، فعند الشافعي رحمه الله يحجر عليه بهذا النوع من الفساد بطريق الزجر ، والعقوبة ، ولهذا لم يجعل الفاسق أهلا للولاية ، وعندهما لا يحجر عليه ، فالفاسق عند أصحابنا جميعا رحمهم الله أهل للولاية على نفسه على العموم ، وعلى غيره إذا وجد شرط ، تعدى ولايته لغيره أما من جوز الحجر على السفيه ، فقد احتج بقوله تعالى { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا ، أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } وهو تنصيص على أن إثبات الولاية على السفيه ، وأنه مولى عليه ، ولا يكون ذلك إلا بعد الحجر عليه وقال الله تعالى { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } إلى أن قال { واكسوهم } وهذا أيضا تنصيص على إثبات الحجر عليه بطريق النظر له ، فإن الولي الذي يباشر التصرف في ماله على وجه النظر منه له وروي أن حبان بن منقذ الأنصاري رضي الله عنه كان يغبن في البياعات لآمة أصابت رأسه ، فسأل أهله رسول الله [ ص: 158 ] صلى الله عليه وسلم أن يحجر عليه ، فقال : إني لا أصبر عن البيع ، فقال عليه الصلاة والسلام إذا بايعت ، فقل لا خلابة ، ولي الخيار ثلاثة أيام ، فلو لم يكن الحجر بسبب التبذير في المال مشروعا عرفا لما سأل أهله ذلك ، ولما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه كان يفني ماله في اتخاذ الضيافات حتى اشترى دارا للضيافة بمائة ألف فبلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال لآتين عثمان ولأسألنه أن يحجر عليه فاهتم بذلك عبد الله رضي الله عنه ، وجاء إلى الزبير رضي الله عنه ، وأخبره بذلك فقال أشركني فيها فأشركه ، ثم جاء علي إلى عثمان رضي الله عنه ، وسأله أن يحجر عليه ، فقال كيف أحجر على رجل شريكه الزبير ، وإنما قال ذلك ; لأن الزبير رضي الله عنه كان معروفا بالكياسة في التجارة ، فاستدل برغبته في الشركة على أنه لا غبن في تصرفه ، فهذا اتفاق منهم على جواز الحجر بسبب التبذير ، فإن عليا رضي الله عنه سأل وعثمان رضي الله عنه اشتغل ببيان العذر ، واهتم لذلك عبد الله رضي الله عنه ، واحتال الزبير لدفع الحجر عنه بالشركة ، فيكون اتفاقا منهم على جواز الحجر بهذا السبب .

وإن عائشة رضي الله عنها كانت تتصدق بمالها حتى روي أنها كان لها رباع ، فهمت ببيع رباعها لتتصدق بالثمن ، فبلغ ذلك عبد الله بن الزبير فقال لتنتهين عائشة عن بيع رباعها ، أو لأحجرن عليها والمعنى فيه أنه مبذر في ماله ، فيكون محجورا عليه كالصبي بل أولى ; لأن الصبي إنما يكون محجورا عليه لتوهم التبذير منه ، وقد تحقق التبذير ، والإسراف هنا فلأن يكون محجورا عليه أولى ، وتحقيقه ، وهو أن للصبي ثلاثة أحوال : حال عدم العقل ، وحال نقصان العقل بعد ما صار مميزا وحال السفه ، والتبذير بعد ما كمل عقله بأن قارب أوان بلوغه ، ثم عدم العقل ، ونقصانه بعد البلوغ يساوي عدم العقل ونقصانه قبل البلوغ في استحقاق الحجر به ، فكذلك السفه ، والبلوغ يساوي السفه قبل البلوغ بعد كمال العقل في استحقاق الحجر به ، وكان هذا الحجر بطريق النظر له ; لأن التبذير ، وإن كان مذموما ، فهو مستحق النظر باعتبار أصل دينه .

( ألا ترى ) أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في الدنيا والآخرة ، وذلك يكون نظرا له ، والدليل عليه أن في حق منع المال يجعل السفه بعد البلوغ كالسفه قبل البلوغ بالقياس على عدم العقل ، ونقصان العقل ، وكان منع المال بطريق النظر له ، فكذلك الحجر عليه عن التصرف ; لأن منع المال غير مقصود لعينه بل لإبقاء ملكه ، ولا يحصل هذا المقصود ما لم يقطع لسانه عن ماله تصرفا فإذا كان هو مطلق التصرف لا يفيد منع المال شيئا ، وإنما يكون فيه زيادة مؤنة ، وتكلف على المولى في حفظ ماله [ ص: 159 ] إلى أن يتلفه بتصرفه .

وأما أبو حنيفة رحمه الله ، فاستدل بقوله تعالى { ، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } ، فقد نهى الولي عن الإسراف في ماله مخافة أن يكبر ، فلا يبقى له عليه ولاية ، والتنصيص على زوال ولايته عنه بعد الكبر يكون تنصيصا على زوال الحجر عنه بالكبر ; لأن الولاية عليه للحاجة ، وإنما تنعدم الحاجة إذا صار هو مطلق التصرف بنفسه ولما سئل أبو حنيفة رحمه الله عن هذه المسألة استدل بآيات الكفارات من الظهار ، والقتل ، وغيرها ، ففي هذه العمومات بيان أن هذه الكفارات تجب على كل من يتحقق منه أسبابها شرعا سفيها كان أو غير سفيه ، وارتكاب هذه الأسباب اختيارا نوع من السفه ، فدل أنه مع السفه يتصور منه السبب الموجب لاستحقاق المال .

ومن ضرورته أن لا يمنع من أداء ما لزمه شرعا وبه يتبين أن الحجر عن التصرفات ليس فيه كثير فائدة لتمكنه من إتلاف جميع ماله بهذه الأسباب ، والمعنى فيه أنه حر مخاطب ، فيكون مطلق التصرف في ماله كالرشيد وفي هذين الوصفين إشارة إلى أهلية التصرف والمحلية فيه ; لأن بكونه مخاطبا نثبت أهلية التصرف ، فإن التصرف كلام ملزم وأهلية الكلام بكونه مميزا ، والكلام المميز بنفسه بكونه مخاطبا والمحلية تثبت بكونه خالص ملكه ، وذلك يثبت باعتبار حرية المالك وبعد ما صدر التصرف من أهله في محله لا يمتنع نفوذه إلا لمانع ، والسفه لا يصلح أن يكون معارضا للحرية ، والخطاب في المنع من نفوذ التصرف ; لأن بسبب السفه لا يظهر نقصان عقله ، ولكن السفيه يكابر عقله ، ويتابع هواه وهذا لا يكون معارضا في حق التصرف كما لا يكون معارضا في توجه الخطاب عليه بحقوق الشرع ، وكونه معاقبا على تركه أن زوال الحجر ، وتوجه الخطاب في الأصل ينبني على اعتدال الحال إلا أن اعتدال الحال باطنا لا يمكن الوقوف على حقيقته فأقام الشرع السبب الظاهر الدال عليه ، وهو البلوغ عن عقل مقامه تيسيرا على ما هو الأصل أنه متى تعذر الوقوف على المعاني الباطنة تقام الأسباب الظاهرة مقامها كما أقيم السير المديد مقام المشقة في جواز الترخص ، وأقيم حدوث ملك الحل بسبب ملك الرقبة مقام حقيقة استعمال الرحم بالماء في وجوب الاستبراء ، ثم هذا السبب الظاهر يقوم مقام ذلك المعنى الخفي ، فيدور الحكم معه وجودا ، وعدما فكما لا يعتبر الرشد قبل البلوغ ، وإن علم أنه أصاب ذلك في زوال الحجر عنه ، فكذلك لا يعتبر السفه ، والتبذير بعد البلوغ في إثبات الحجر عليه .

( ألا ترى ) أن في حكم الخطاب اعتبر هذا المعنى ، فدار مع السبب الظاهر ، وهو البلوغ عن عقل وجودا وعدما ، فكذلك في حكم التصرفات بل أولى .

; لأن توجه الخطاب عليه [ ص: 160 ] إنما يكون شرعا والله تعالى أعلم بحقيقة باطنه ، وحكم التصرف بينه ، وبين العباد لا طريق لهم إلى معرفة ما في باطنه حقيقة فلما أقيم هناك السبب الظاهر مقام المعنى الخفي ، فهنا أولى ، والدليل عليه جواز إقراره على نفسه بالأسباب الموجبة للعقوبة ، وإقامة ذلك عليه ، وتلك العقوبات تندرئ بالشبهات ، فلو بقي السفه معتبرا بعد البلوغ عن عقل لكان الأولى أن يعتبر ذلك فيما يندرئ بالشبهات ، ولو جاز الحجر عليه بطريق النظر له لكان الأولى أن يحجر عليه عن الإقرار بالأسباب الموجبة للعقوبة ; لأن الضرر في هذا أكثر ، فإن الضرر هنا يلحقه في نفسه ، والمال تابع للنفس ، فإذا لم ينظر له في دفع الضرر عن نفسه فعن ماله أولى ، وما قالا من أن النظر له باعتبار أصل دينه يضعف بهذا الفصل ثم هذا النوع من النظر جائز لا ، واجب كما في العفو عن صاحب الكبيرة ومن أصلهم أن الحجر عليه يجب ، وإنما يجوز النظر له بطريق لا يؤدي إلى إلحاق الضرر به وهو أعظم من ذلك النظر ، وفي إهدار قوله في التصرفات إلحاق له بالبهائم ، والمجانين فيكون الضرر في هذا أعظم من النظر الذي يكون له في الحجر من التصرفات ; لأن الآدمي إنما باين سائر الحيوانات باعتبار قوله في التصرفات ، فأما منع المال منه ، فعلى طريق بعض مشايخنا رحمهم الله هو ثابت بطريق العقوبة عليه ليكون زجرا له عن التبذير ، والعقوبات مشروعة بالأسباب الحسية .

فأما إهدار القول في التصرفات ، فمعنى حكمي ، والعقوبات بهذا الطريق غير مشروعة كالحدود ، ولا يدخل عليه إسقاط شهادة القاذف ، فإنه متمم لحده عندنا ، ويكون تابعا لما هو حسي ، وهو إقامة الجلد لا مقصودا بنفسه ، ولئن ثبت جواز ذلك ، ولكن لا يمكن إثبات العقوبة بالقياس بل بالنص ، وقد ورد النص بمنع المال إلى أن يؤنس منه الرشد ، ولا نص في الحجر عليه عن التصرف بطريق العقوبة ، فلا يثبته بالقياس ، وهو نظير ما قال أصحابنا رحمهم الله : إن البكر إذا كانت مخوفا عليها فللولي أن يضمها إلى نفسه ، وكذلك الغلام البالغ إذا كان مخوفا عليه ، فللولي أن يضمه إلى نفسه ، وبأن ثبت له حق الحيلولة بينه ، وبين نفسه في التفرد بالسكنى لمعنى الزجر لا يستدل به على أنه يسقط اعتبار قوله في التصرف في نفسه نكاحا ، أو منع المال منه باعتبار بقاء أثر الصبي ; لأن العادة أن أثر الصبي يبقى زمانا في أوائل البلوغ ، ولهذا لو بلغ رشيدا ، ثم صار سفيها لا يمنع المال منه ، وبأن جعل أثر الصبي كنفس الصبا في منع المال منه ، فذلك لا يدل على أن يجعل كذلك في الحجر عليه كما أن العدة تعمل عمل النكاح في المنع من النكاح دون إيفاء الحل بعد البينونة وهذا ; لأن نعمة اليد على المال نعمة [ ص: 161 ] زائدة ، وإطلاق اللسان في التصرفات نعمة أصلية ، فبان جواز إلحاق ضرر يسير به في منع نعمة زائدة لتوفر النظر عليه لا يستدل على أنه يجوز إلحاق الضرر العظيم به بتفويت النعمة الأصلية لمعنى النظر له ، فأما الآيات فقيل : المراد بالسفيه الصغير ، أو المجنون ; لأن السفه عبارة عن الخفة وذلك بانعدام العقل ونقصانه ، وعليه يحمل قوله تعالى { ، فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا } أي صبيا ، أو مجنونا وكذلك قوله تعالى { ، ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } إما أن يكون المراد الصبيان أو المجانين بدليل أنه لا يثبت ولاية الولي عليه ، ومن يوجب الحجر على السفيه يقول : إن ولاية الولي تزول عنه بالبلوغ عن عقل على ما بينه ، أو المراد نهي الأزواج عن دفع المال إلى النساء ، وجعل التصرف إليهن كما كانت العرب تفعله .

( ألا ترى ) أنه قال ، وأموالكم وذلك يتناول أموال المخاطبين بهذا النهي لا أموال السفهاء ، وحديث حبان بن منقذ دليلنا ذكر أبو يوسف رحمه الله في الأمالي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحجر عليه ، وعلى الرواية الأخرى أطلق عنه الحجر لقوله لا أصبر عن البيع ومن يجعل السفه موجبا للحجر لا يقول يطلق عنه الحجر بهذا القول ، فعرفنا أن ذلك لم يكن حجرا لازما .

وحديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه دليلنا أيضا ; لأن عثمان رضي الله عنه امتنع من الحجر عليه مع سؤال علي رضي الله عنه ، وأكثر ما فيه أنه لم يكن في التصرف غبن ذلك حين رغب الزبير رضي الله عنه في الشركة ولكن المبذر ، وإن تصرف تصرفا واحدا على وجه لا غبن فيه ، فإنه يحجر عليه عند من يرى الحجر فلما لم يحجر عليه دل أن ذلك على سبيل التخويف ، وحديث عائشة رضي الله عنها دليلنا ، فإنه لما بلغها قول ابن الزبير حلفت أن لا تكلم ابن الزبير أبدا ، فإن كان الحجر حكما شرعيا لما استجازت هذا الحلف من نفسها مجازة على قوله فيما هو حكم شرعي ، وبهذا يتبين أن الزبير إنما قال ذلك كراهة أن يفنى مالها ، فتبتلى بالفقر ، فتصير عيالا على غيرها بعد ما كان يعولها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمصير إلى هذا أولى ليكون أبعد عن نسبة السفه ، والتبذير إلى الصحابة رضي الله عنهم ، فإن بلغ خمسا وعشرين سنة ، ولم يؤنس منه الرشد دفع المال إليه في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - : لم يدفع المال إليه ما لم يؤنس منه الرشد لقوله تعالى { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } ، فهذه آية محكمة لم ينسخها شيء ، فلا يجوز دفع المال إليه قبل إيناس الرشد منه .

( ألا ترى ) أن عند البلوغ إذا لم يؤنس منه الرشد لا يدفع المال إليه بهذه الآية ، فكذلك إذا بلغ خمسا ، وعشرين ; لأن السفه يستحكم بمطاولة المدة ولأن [ ص: 162 ] السفه في حكم منع المال منه بمنزلة الجنون ، والعته وذلك يمنع دفع المال إليه بعد خمس وعشرين سنة كما قبله فكذلك السفه وأبو حنيفة استدل بقوله تعالى { ، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } معناه أن يكبروا يلزمكم دفع المال إليهم ، وقال الله تعالى { ، وآتوا اليتامى أموالهم } ، والمراد البالغين ، فهذا تنصيص على وجوب دفع المال إليه بعد البلوغ إلا أنه قام الدليل على منع المال منه بعد البلوغ إذا لم يؤنس رشده ، وهو ما تلوا ، فإن الله تعالى قال { حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا } وحرف الفاء للوصل والتعقيب ، فيكون بين إن دفع المال إليه عقيب البلوغ بشرط إيناس الرشد ، وما يقرب من البلوغ في معنى حالة البلوغ ، فأما إذا بعد عن ذلك فوجوب دفع المال إليه مطلق بما تلونا غير معلق بشرط ومدة البلوغ بالسن ثمانية عشر سنة فقدرنا مدة القرب منه بسبع سنين اعتبارا بمدة التمييز في الابتداء على ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا ثم قد بينا أن أثر الصبا يبقى بعد البلوغ إلى أن يمضي عليه زمان ، وبقاء أثر الصبا كبقاء عينه في منع المال منه ، ولا يبقى أثر الصبا بعد ما بلغ خمسا ، وعشرين سنة لتطاول الزمان به منذ بلغ ، ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله لو بلغ رشيدا ثم صار سفيها لم يمنع منه المال ; لأن هذا ليس بأثر الصبا ، فلا يعتبر في منع المال منه أو منع المال كان على سبيل التأديب له والاشتغال بالتأديب ما لم ينقطع رجاء التأديب ، فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة ولم يؤنس رشده ، فقد انقطع رجاء التأديب ; لأنه يتوهم أن يصير جدا ; لأن البلوغ بالإنزال بعد اثنتي عشرة سنة يتحقق ، فإذا أحبل جاريته ، وولدت لستة أشهر ، ثم إن ولده أحبل جاريته بعد اثنتي عشر سنة وولدت لستة أشهر صار الأول جدا بعد تمام خمس وعشرين سنة ومن صار فرعه أصلا ، فقد تناهى في الأصلية ، فإذا لم يؤنس رشده عرفنا أنه انقطع منه رجاء التأديب فلا معنى لمنع المال منه بعد ذلك .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.45 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.82 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]