عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 26-12-2025, 06:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,926
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع والعشرون

صـــ142 الى صـــ 151
(497)


ولو أكره بوعيد قتل على أن يقتل عبده هذا أو يقتل العبد الذي أكرهه ، أو يقتل ابنه ، أو قال اقتل عبدك هذا الآخر ، أو اقتل أباك لم يسعه أن يقتل عبده الذي أكرهه على قتله ; لأن الإكراه لم يتحقق هنا ، فالمكره من يخاف التلف على نفسه ، وهنا إنما هدده بقتل من سماه دون نفسه ، فلا يكون هو ملجأ به إلى الإقدام على القتل فإن قتل عند ذلك ، فلا شيء على المكره سوى الأدب ; لأنه لم يصر آلة للمكره حين لم يتحقق الإلجاء .

( ألا ترى ) أنه لو قيل له : لتقتلن ابنك ، أو لتقتلن هذا الرجل وهو لا يخاف منه سوى ذلك لم يسعه أن يقتل الرجل ، وإن قتله قتل به ، وكذلك لو أكرهوه على أن يستهلك مال هذا الرجل ، أو يقتلون أباه ، فاستهلكه ضمنه ، ولم يرجع به على المكره ; لأنه لم يصر ملجأ إلى هذا الفعل حتى لم يصر خائفا على نفسه ، ولأن قتل أبيه ، أو ابنه يلحق الهم ، والحزن به بمنزلة الحبس ، والقيد في نفسه ، ولو أكره بالحبس على القتل ، أو استهلاك المال اقتصر حكم الفعل عليه كذلك ههنا إلا أنه لا يأثم في ذلك الاستهلاك ; لأنه يجعل مال الغير وقاية لنفس ابنه ، وكما يجوز له أن يجعل مال الغير وقاية لنفسه يجوز له أن يجعل مال الغير وقاية لنفس ابنه ، أو لنفس أجنبي آخر .

( ألا ترى ) أن المضطر الذي يخاف الهلاك إذا عجز عن أخذ طعام الغير ، وهناك من يقوى على أخذ ذلك منه وسعه أن يأخذه ، فيدفعه إلى المضطر ، فيأكله ، ويكون ضامنا لما يأخذه ، وهذا ; لأن فعله من باب الأمر بالمعروف ، فإنه يحق على صاحب الطعام شرعا دفع الهلاك عن المضطر ، فإذا امتنع من ذلك كان فعل الغير به ذلك من نوع الأمر بالمعروف فيسعه ذلك ، فكذلك في الاستهلاك للمال ، ولو لم يستهلكه حتى قتل الرجل أباه لم يكن عليه إثم إن شاء الله ; لأنه كان يلزمه غرمه إذا استهلكه ، فيكون له أن يمتنع من ذلك كما يكون للقوي في فضل المضطر أن يمتنع من أخذ الطعام ، ودفعه إلى المضطر .

( ألا ترى ) أن حرمة أبيه في حقه لا تكون أعظم من حرمة نفسه ، وفي حق نفسه يسعه أن يمتنع من الاستهلاك حتى يقتل ، ففي حق أبيه أولى إلا أن يكون شيئا يسيرا ، فلا أحب له أن يترك استهلاكه ثم يغرم لصاحبه ; لأنه يحق عليه إحياء أبيه بالغرم اليسير يعني بالإنفاق عليه ، فكذلك في ، فصل الإكراه إذا كان شيئا يسيرا لا يستحب له أن يمتنع من التزام غرمه ويدع أباه يقتل ، وكذلك في الناس التحرز عن التزام القليل لإحياء أبيه يعد من العقوق ، والعقوق [ ص: 143 ] حرام .

، وكذلك في مسألة المضطر المستحب للقوي أن لا يمتنع من أخذ الطعام ، ودفعه إلى المضطر ; لأن ذلك يسير لا يجحف به غرمه ، ولو كان بحيث يجحف به لم أر بأسا أن لا يأخذه ، ولو رأى رجلا يقتل رجلا وهو يقوى على منعه لم يسعه إلا أن يمنعه ، وإن كان يأتي ذلك على نفس الذي أراد قتل صاحبه بخلاف ، فضل المال ; لأن هذا لا يلتزم غرما بهذا الدفع ، وإن أتى على نفس القاصد ، فالقاصد باغ قد أبطل دمه بما صنع .

( ألا ترى ) أنه إذا قصد قتله ، فقتله المقصود لم يلزمه شيء ، فكذلك إذا قصد قتل غيره ، فقتله هذا الذي يقوى عليه ، فأما في فضل المال القوي ، فيلتزم الغرم بما يأخذه ; لأن بسبب الضرورة للمضطر لا تسقط الحرمة ، والقيمة في حق صاحب المال ، فلهذا كان له أن يمتنع من ذلك ، ولو انتهوا إلى بئر فيها ماء ، فمنع المضطر من الشرب منها ، فلم يقو عليهم ، وقوي صاحبه على قتالهم حتى يأخذ الماء ، فيسقيه إياه لم يسعه إلا ذلك ، وإن أتى على أنفسهم ; لأنهم ظالمون في منع المضطر حقه ، فحق السقيا في ماء البئر ثابت لكل أحد .

ولو قوي المضطر بنفسه على أن يقاتلهم بالسيف حتى يقتلهم ، ويخلوا بينه ، وبين الماء ، فكذلك من يقوى على ذلك من رفقائه ( ألا ترى ) أنه لا يلتزم غرما يفعله فهو نظير القاصد إلى قتل الغير ، فأما في الطعام ، والشراب الذي أحرزوه في أوعيتهم ، فلم يبق للغير فيه حق ، وإن اضطر إلى ذلك .

( ألا ترى ) أنه لا يسعه أن يقاتلهم عليه إن منعوه ، فكذلك لغيره أن يمتنع من التزام الغرم بأخذه .

( ألا ترى ) أن الماء الذي في البئر لو باعوه منه لم يجز بخلاف ما لو أحرزوه في أوعيتهم . .

ولو بذلوا له الطعام ، أو الشراب بثمن مثل ما يشترى به مثله ، فأبى أن يأخذه بذلك حتى مات ، وهو يقدر على ثمنه كان آثما في ذلك ; لأنه في معنى قاتل نفسه حين امتنع من تحصيل ما هو سبب لبقائه مع قدرته على ذلك ، وقد قال الله تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم } ، ولأنه ملق نفسه في التهلكة في الامتناع من أداء الثمن عند عرضهم عليه إذا كان ، واجدا للثمن .
ولو قيل له : لتشربن هذا الخمر ، أو لتأكلن هذه الميتة ، أو لتقتلن ابنك هذا ، أو أباك لم يسعه شرب الخمر ولا أكل الميتة لانعدام الضرورة .

( ألا ترى ) أن هذا بمنزلة التهديد بالحبس في حقه كما قررنا .

ولو قيل له : لتقتلن ابنك هذا ، أو أباك ، أو لتبيعن عبدك هذا بألف درهم ، فباعه ، فالقياس أن البيع جائز لأنه ليس بمكره على البيع ، فالمكره من يهدد بشيء في نفسه ، ولكنه استحسن ، فقال : البيع باطل ; لأن البيع يعتمد تمام الرضا ، وبما هدد به ينعدم رضاه ، فالإنسان لا يكون راضيا عادة بقتل أبيه ، أو ابنه ، ثم هذا يلحق الهم ، والحزن به ، فيكون بمنزلة الإكراه بالحبس ، والإكراه [ ص: 144 ] بالحبس يمنع نفوذ البيع ، والإقرار ، والهبة والعقود التي تحتمل الفسخ ، فكذلك الإكراه بقتل ابنه وكذلك التهديد بقتل ذي رحم محرم ; لأن القرابة المتأيدة بالمحرمية بمنزلة الولادة في حكم الإحياء بدليل أنها توجب العتق عند الدخول في ملكه .
ولو قيل له : لنحبسن أباك في السجن ، أو لتبيعن هذا الرجل عبدك بألف درهم ، ففعل ، ففي القياس البيع جائز ; لما بينا أن هذا ليس بإكراه ، فإنه لم يهدد بشيء في نفسه ، وحبس ابنه في السجن لا يلحق ضررا به والتهديد به لا يمنع صحة بيعه ، وإقراره ، وهبته ، وكذلك في حق كل ذي رحم محرم ، وفي الاستحسان ذلك إكراه كله ولا ينفذ شيء من هذه التصرفات ; لأن حبس ابنه يلحق به من الحزن ما يلحق به حبس نفسه ، أو أكثر فالولد إذا كان بارا يسعى في تخليص أبيه من السجن ، وإن كان يعلم أنه يحبس ، وربما يدخل السجن مختارا ، ويحبس مكان أبيه ليخرج أبوه ، فكما أن التهديد بالحبس في حقه يعدم تمام الرضا ، فكذلك التهديد بحبس أبيه ، والله أعلم .
( قال رحمه الله ) وإذا أكره الرجل بوعيد تلف على أن يكفر يمينا قد حنث فيها ، فكفر بعتق ، أو صدقة أو كسوة أجزأه ذلك ، ولم يرجع على المكره بشيء ; لأنه أمره بإسقاط ما هو واجب عليه شرعا ، وذلك من باب الحسبة ، فلا يكون موجبا للضمان على المكره ، وكأنه يعوضه ما جبره عليه من التكفير بسقوط التبعة عنه في الآخرة ، وأما الجواز عن الكفارة ، فلأن الفعل في التكفير مقصور عليه لما لم يرجع على المكره بشيء ، ومجرد الخوف لا يمنع جواز التكفير .

( ألا ترى ) أن كل مكفر يقدم على التكفير خوفا من العذاب ، ولا يمنع ذلك جوازه ولو أكرهه على أن يعتق عبده هذا عنها ، ففعل لم يجزه ; لأن المستحق عليه شرعا الكفالة لا إبطال الملك في هذا العبد بعينه ، فالمكره في إكراهه على إعتاق هذا العبد بعينه ظالم ، فيصير فعله في الإتلاف منسوبا إلى المكره ، ويجب عليه ضمان قيمته ، وإذا لزمه قيمته لم يجز عن الكفارة لانعدام التكفير في حق المكره حين صار منسوبا إلى غيره ، ولأن هذا في معنى عتق بعوض ، والكفارة لا تتأتى بمثله ، ولو كان أكرهه بالحبس أجزأه عن الكفارة ; لأن الفعل منسوب إليه دون المكره ، ولم يستوجب الضمان على المكره بهذا الإكراه ، فتتأدى به الكفارة لاقتران النية بفعل الإعتاق .
ولو أكرهه بوعيد تلف على الصدقة في الكفارة ففعل ذلك نظر فيما [ ص: 145 ] تصدق به ، فإن كانت قيمته أقل من قيمة الرقاب ، ومن أدنى الكسوة التي تجزئ لم يضمن المكره شيئا لتيقننا بوجوب هذا المقدار من المال عليه في التكفير ، فيكون المكره مكتسبا سبب إسقاط الواجب عنه ، وإن كان أكثر قيمة من غيرها ضمنه الذي أكرهه ; لأنه لا يغبن في وجوب هذا المقدار عليه ، ولا هذا النوع بل هو مخير شرعا بين الأنواع الثلاثة ويخرج عن الكفارة باختياره أقلها ، فيكون المكره متلفا عليه هذا النوع بغير حق ، فيضمنه له ، ولا يجزئه عن الكفارة وإن قدر على الذي أخذه منه كان له أن يسترده ; لأنه كان مكرها على التسليم إليه ، وتمليكه إياه مع الإكراه فاسد ، فيتمكن من استرداده ، وإن كان أكرهه بالحبس لم يضمن المكره شيئا ; لأن الفعل لا يصير منسوبا إليه بهذا الإكراه ، ولكنه يرجع به على الذي أخذ منه ; لأنه ما كان راضيا بالتسليم إليه والتمليك مع الإكراه بالحبس .

فإن أمضاه له بعد ذلك بغير إكراه أجزأه إن كان قائما ، وإن كان مستهلكا لم يجزه ; لأنه إذا كان قائما في يده ، فإمضاؤه بمنزلة ابتداء التصدق عليه ، وإن كان مستهلكا ، فهو دين عليه ، والتصدق بالدين على من هو عليه لا يجزئ عن الكفارة ، وكذلك هذا في كفارة الظهار ، وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله : إنه إذا أكرهه في كفارة الظهار على عتق عبد بعينه ، وذلك أدنى ما يجزئ في الكفارة لا يكون على المكره فيه ضمان ، ويجزيه عن الكفارة ; لأنا تيقنا أن ذلك القدر واجب عليه ، فالتكفير بالعتق عين في الظهار ، والأصح أن ذلك لا يجزيه ، وعلى المكره قيمته ; لأنه وإن لم يكن ظالما له في القدر ، فهو ظالم له في العين إذ ليس عليه إعتاق هذا بعينه ، وللناس في الإعتاق أغراض فيلزم المكره الضمان بهذا الطريق ، وإذا لزمه الضمان لم يجزه عن الكفارة قال : وكذلك كل شيء وجب لله تعالى عليه من بدنة ، أو هدي ، أو صدقة ، أو حج ، فأكره على أن يمضيه ، ففعل ، ولم يأمره المكره بشيء بعينه ، فلا ضمان على المكره ، ويجزئ عن الرجل ما أمضاه ، ولأن المكره محتسب حين لم يزد على أمره بإسقاط الواجب ، والوفاء بما التزمه ، وقد قال الله تعالى { ، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } .

فإن ، أوجب شيئا بعينه على نفسه صدقة في المساكين ، فأكره بحبس ، أو قيد على أن يتصدق بذلك جاز ما صنع منه ، ولم يرجع على المكره بشيء ; لأن الوفاء بما التزمه مستحق عليه شرعا كما التزمه ، فإذا التزم التصدق بالعين كان عليه الوفاء به في ذلك العين ، والمكره ما زاد في أمره على ذلك ، فلا يرجع عليه بشيء ، وكذلك الأضحية ، وصدقة الفطر لو أكره عليهما رجل حتى فعلهما أجزأه ، ولم يرجع على المكره بشيء ; لأن ذلك واجب عليه شرعا ، وهذا الجواب في الأضحية بناء على ظاهر الرواية أنها واجبة ومقصوده [ ص: 146 ] أن يبين أن الواجب الذي يثبت للإمام فيه ولاية الأخذ ، والذي لا يثبت له في ذلك ، ولكن من عليه يقضي بأدائه في حكم الإكراه سواء .
ولو قال لله تعالى علي هدي أهديه إلى بيت الله ، فأكره بالقتل على أن يهدي بعيرا ، أو بدنة ينحرها ويتصدق بها ، ففعل كان المكره ضامنا قيمتها ، ولا تجزيه ما أوجبه على نفسه ; لأن بلفظ الهدي لا يتعين عليه البعير ، ولا البقرة ، ولكن يخرج عنه بالشاة ، فالمكره ظالم له في تعيين البدنة ، فيلزمه ضمان قيمتها ، ولا يجزيه عما أوجبه لحصول العوض ، أو لأن الفعل صار منسوبا إلى المكره ولو أكرهه على أدنى ما يكون من الهدي في القيمة ، وغيرها فأمضاه لم يغرم المكره شيئا ; لأنه ما زاد على ما هو الواجب عليه شرعا . .

ولو قال لله علي عتق رقبة ، فأكرهه على أن يعتق عبدا بعينه بقتل ، فأعتقه ضمن المكره قيمته ، ولم يجزه عن النذر ; لأنه التزم بعتق رقبة بغير عينها ، والمكره في أمر بعتق عبد بعينه ظالم ، فيكون ضامنا قيمته ، وإن كان يعلم الذي أكرهه على عتق عبد هو أدنى ما يكون من التسمية لم يكن على المكره ضمان ، وأجزأ عن المعتق لتيقننا بوجوب هذا المقدار عليه ، ومن قال من أصحابنا في مسألة كفارة الظهار : إن المكره لا يضمن إذا أكرهه على عتق عبد هو أدنى ما يجزي إنما أخذ جوابه من هذا الفضل ، وعلى ما قلنا من الجواب المختار هذه لا تشبه تلك ; لأن الناذر إنما يلتزم الوفاء بالمنذور من أعيان ملكه ، فيصير كالمعتق للأدنى عن نذره ، فأما في الكفارة ، فالواجب دين في ذمته ولا يتناول أعيان ملكه .

( ألا ترى ) أن في الكفارات قد يخرج بغير الإعتاق عند العجز عن الإعتاق ، وفي النذر لا يخرج بدون الإعتاق ، ولا يكون الإعتاق إلا في ملكه فمن هذا الوجه يقع الفرق .
ولو قال لله علي أن أتصدق بثوب هروي ، أو مروي ، فأكرهه على أن يتصدق بثوب بعينه ، فإنه ينظر إلى الذي تصدق به ، فإن كان العلم محيطا بأنه أدنى ما يكون من ذلك الجنس في القيمة ، وغيرها أجزأه ذلك ، ولا ضمان على المكره ; لأنه ما ألزمه بالإكراه إلا ما يعلم أنه مستحق عليه بنذره شرعا ، وإن كان غيره أقل من قيمته نظر إلى فضل ما بين القيمتين ، فغرم المكره ذلك ; لأنه في الزيادة على الأدنى يلزمه ذلك بالإكراه من غير أن كان واجبا عليه ، وهذا بخلاف الهدي ، والأضحية والعتق ; لأن ذلك مما لا ينتقض ، فإذا ضمن المكره بعضه صار ناقضا ما وجب عليه ، فلا يجزيه عن الواجب ، فلهذا يغرم المكره جميع القيمة ، والتصدق بالثوب مما يحتمل التجزؤ فإنه لو تصدق بنصف ثوب جيد يساوي ثوبا كما لزمه أجزأه عن الواجب فنحن ، وإن ، أوجبنا ضمان الزيادة على المكره ، وقع المؤدى في مقدار الأدنى مجزيا [ ص: 147 ] عن الواجب : يوضحه أن في التصدق تعتبر المالية .

( ألا ترى ) أن له أن يتصدق بقيمة الثوب مكان الثوب وعند النظر إلى القيمة يظهر الفضل ، وفي الهدايا ، والضحايا وعتق الرقاب لا تعتبر المالية حتى لا يتأدى الواجب بالقيمة ، فلهذا قلنا إذا صار ضامنا للبعض ضمن الكل .

وإذا قال : لله علي أن أتصدق بعشرة أقفزة حنطة على المساكين ، فأكره بوعيد قتل على أن يتصدق بخمسة أقفزة حنطة جيدة تساوي عشرة أقفزة حنطة رديئة فالمكره ضامن لطعام مثله ; لأن المؤدى لا يخرج عن جميع الواجب ، فإنه لا معتبر بالجودة في الأموال الربوية عند مقابلتها بجنسها ، ولا يمكن تجويزها عن خمسة أقفزة حنطة ; لأن في ذلك ضررا على الناذر ، فالمكره ظالم له في التزام الزيادة على الأدنى ، فلهذا يضمن له طعامه مثل طعامه ، وعلى الناذر أن يتصدق بعشرة أقفزة رديئة .
ولو أن رجلا له خمس وعشرون بنت مخاض ، فحال عليها الحول ، فوجب فيها ابنة مخاض وسط ، فأكره بوعيد قتل على أن يتصدق على المساكين بابنة مخاض جيدة غرم المكره ، فضل قيمتها على قيمة الوسط ; لأنه ظالم له في إلزام هذه الزيادة ، وقد جازت الصدقة عن المتصدق في مقدار الوسط ، فلا يغرم المكره ذلك ; لأن هذا ليس بمال الربا ، فيمكن تجويز بعضه عن كله .

( ألا ترى ) أنه لو تصدق بنصف ابنة مخاض جيدة ، فبلغ قيمته قيمة ابنة مخاض وسط أجزأه عن الواجب ، فلهذا لا توجب على المكره إلا ضمان الفضل بينهما ، والله أعلم .

( قال رحمه الله ) ولو أن لصا أكره رجلا بوعيد قتل على أن يوكل رجلا بعتق عبد له ، أو بطلاق امرأة لم يدخل بها ، ففعل ذلك جاز التوكيل ، ونفذ تصرف الوكيل ; لأن الإكراه لما لم يمنع صحة مباشرة الإعتاق والطلاق لا يمنع صحة التوكيل بهما أيضا ، ولا ضمان على الوكيل ; لأنه نائب معبر ، فعبارته كعبارة الموكل ، ولكن الضمان على المكره كما لو أكرهه على مباشرة الإيقاع وهذا استحسان قد بيناه في جعل الأمر في يد الغير عن إكراه ، فالتوكيل قياسه .
ولو أكرهه على أن وكله ببيع عبده من هذا بألف درهم ، وأكرهه على دفعه إليه حتى يبيعه ففعل ذلك ، فباعه الوكيل ، وأخذ الثمن ، ودفع العبد إلى المشتري ، فهلك العبد في يده من غير فعله ، والوكيل والمشتري غير مكرهين ، فالمولى بالخيار إن شاء ضمن المشتري قيمة عبده ; لأنه قبضه طائعا بشراء فاسد ، وإن شاء ضمن الوكيل ; لأنه متعد في البيع ، والتسليم طائعا ، وإن شاء ضمن [ ص: 148 ] المكره ; لأن إكراهه على التوكيل ، والتسليم بمنزلة الإكراه على مباشرة البيع ، والتسليم في حكم الإتلاف ، والضمان ، فإن ضمن المشتري لم يرجع على أحد بشيء ; لأنه ضمن بسبب باشره لنفسه وإن ضمن المكيل يرجع الوكيل على المشتري بالقيمة ; لأنه قائم مقام المالك في الرجوع على المشتري ولأنه ملكه بالضمان ، وقد قبضه المشتري منه بحكم شراء فاسد ، فيكون له أن يسترد منه قيمته لما تعذر استرداد العين ، وعلى الوكيل رد الثمن إن كان قبض ، ولا يكون له الثمن بما ضمن له من القيمة ; لأنه باعه للمكره ، ونقض ما ضمنه له من القيمة ; لأنه باعه للمكره ، وقد نقض المكره البيع بتضمينه القيمة ، ولا يشبه هذا الغصب يعني أن الغاصب إذا باع ، ثم ضمن القيمة ينفذ البيع من جهته ; لأنه باعه هناك لنفسه .

وقد تقرر الملك له بالضمان ، وهنا باعه بطريق الوكالة عن المكره ( ألا ترى ) أن المكره لو رضي بعد زوال الإكراه نفوذ البيع من جهته ، والمشترى بالقبض صار متملكا على المكره حتى لو أعتقه نفذ عتقه ، فلا يمكن أن يجعل متملكا بهذا السبب على الوكيل ، فلهذا لا ينفذ البيع من جهته ، ولا يسلم له الثمن بل يرده على المشتري ; لأن استرداد القيمة من المشتري كاسترداد العين ، ولا شيء للوكيل على المكره ; لأنه ما أكرهه على شيء ، وإنما التزم الوكيل ضمان القيمة بالبيع ، والتسليم ، وهو كان طائعا في ذلك ، وإن كان المكره ضمن المكره القيمة كان له أن يرجع بها إن شاء على المشتري وإن شاء على الوكيل ; لأنه قائم مقام المكره ، وقد كان له أن يرجع على أيهما شاء ، فإن قال الوكيل للمكره : لا أضمن لك شيئا ; لأنك أنت الذي أمرته أن يدفع إلي لم ينفعه ذلك شيئا ; لأنه كان غير مكره على قبضه ، وقد كان له أن لا يقبضه ، وإنما ضمنه الذي أكرهه بقبضه ، وتسليمه .

فإن قال الوكيل حين ضمن القيمة : أنا أجيز البيع فيما بيني ، وبين المشتري ، ويكون الثمن لي لم يكن له ذلك ; لأن المشتري إنما يملكه على المكره ، فلا يمكن جعله متملكا على الوكيل ، وإن ملكه بخلاف الغصب على ما بينا ، ولو كان أكرهه بالحبس على ذلك كان كذلك إلا أنه لا يضمن المكره ; لأن الإتلاف لا يصير منسوبا إليه بالإكراه بالحبس ، ولو كان المولى ، والوكيل مكرهين بالقتل ، فإن المولى بالخيار إن شاء ضمن المشتري قيمة عبده ; لأنه قبضه بشراء فاسد طائعا ، وإن شاء ضمن المكره بإكراهه إياه على التسليم بوعيد تلف ثم يرجع بها المكره على المشتري ; لأنه قائم مقام من ضمنه ، ولأنه ملكه بالضمان ، ولا ضمان له على الوكيل ; لأنه كان مكرها بالقتل على القبض ، والتسليم ، فلا يبقى في جانبه فعل معتبر ، وإن كانوا جميعا مكرهين بالقتل .

فالضمان على المكره خاصة ; لأن الإتلاف [ ص: 149 ] منسوب إليه إذ لم يبق للمكره فعل معتبر في التسليم ، والقبض ، ولا يرجع المكره على أحد بشيء ; لأنهم صاروا كالآلة له ، وليس للمتلف أن يرجع على الآلة بشيء ، وإن كانوا مكرهين بالحبس ، فلا ضمان على المكره ، وللمولى أن يضمن المشتري قيمة عبده ; لأن فعل المشتري في القبض مقصور عليه ، وكذلك فعل الوكيل في التسليم ، فإن الإكراه بالحبس لا يخرج واحد منهما من أن يكون مباشرا للفعل ، فإن ضمن الوكيل رجع الوكيل بالقيمة على المشتري ; لأنه قام مقام من ضمنه ، وإن اختار تضمين المشتري ، فهو الذي يلي خصومته بما دون الوكيل ; لأن الوكيل كان مكرها على البيع والتسليم بالحبس ، وذلك ينفي التزامه العهدة بالعقد ، فيخرج من الوسط إذا اختار المولى تضمين المشتري وتكون الخصومة فيه لمن باشر العقد له بمنزلة ما لو وكل عبدا محجورا عليه ، أو صبيا محجورا ببيع فاسد ، وهذا ; لأن الوكيل لو خاصم المشتري إنما يخاصمه بحكم العقد فإنه قد استفاد البراءة من الضمان حين اختار المولى تضمين المشتري ، وهو كان مكرها على العقد بالحبس ، وذلك يمنع ثبوت أحكام العقد في حقه ، ولو أكره المولى بالقتل ، وأكره الوكيل ، والمشتري بالحبس ، فللمولى أن يضمن قيمته أيهم شاء ; لأن فعلهم في التسليم منسوب إلى المكره ، وفعل الوكيل ، والمشتري مقصور عليهما فإن ضمن المشتري لم يرجع على أحد بشيء ، وإن ضمن الوكيل كان له أن يرجع على المشتري ، ولا شيء له على المكره ; لما بينا ، وإن ضمن المكره كان له أن يرجع على المشتري بالقيمة التي ضمن ، ولا يرجع على الوكيل بشيء ; لأنه أمر الوكيل بالقبض والبيع ، والدفع حين أكرهه عليه بالحبس ، والمكره بالضمان يصير كالمالك ، فلا يكون له أن يرجع بشيء على من قبضه ، ودفعه إلى غيره بإكراهه على ذلك ، ولو أكره المولى ، والوكيل بالقتل ، وأكره المشتري بالحبس فلا ضمان على الوكيل لانعدام الفعل منه حين كان مكرها بالقتل ، وللمولى أن يضمن المكره قيمته إن شاء ويرجع به المكره على المشتري ، وإن شاء ضمن المشتري ; لأن فعله في القبض مقصور عليه .

فإن قيل : إذا ضمن المكره ينبغي أن لا يرجع على المشتري بشيء ; لأن المشتري كان مكرها من جهته بالحبس كما في حق الوكيل في المسألة الأولى قلنا نعم ، ولكن المشتري قبضه على وجه التمليك لنفسه بالشراء ، فلا بد من أن يكون ضامنا لما كان حكم قبضه مقصورا عليه ، وأما الوكيل ، فما قبضه لنفسه ، وإنما قبضه ليدفعه إلى غيره بأمر المكره ، فلا يكون للمكره أن يرجع عليه بشيء ، ولو أكره المولى ، والوكيل بالحبس ، وأكره المشتري بالقتل فلا ضمان على أحد منهم إلا الوكيل خاصة ; لأن المولى إنما [ ص: 150 ] يضمن المكره بتسليمه إلى الغير مكرها من جهته ، وإنما كان مكرها هنا على ذلك بالحبس فلا يرجع عليه بشيء ، والمشتري على القبض مكره بالقتل ، فلا يكون قبضه موجبا للضمان عليه .

وأما الوكيل فهو مكره على القبض ، والتسليم بالحبس وذلك لا يوجب نقل الفعل عنه إلى غيره ، فيكون ضامنا قيمته ، فإن قيل : ينبغي أن يكون المكره ضامنا ; لأن فعل المشتري في القبض صار منسوبا إليه ، فيجعل كأنه قبضه بنفسه ، وهلك في يده قلنا المالك إنما يضمن المكره باعتبار سبب جرى بينهما لا باعتبار سبب جرى بينه ، وبين غيره والذي جرى بينهما إكراهه إياه على التسليم بالحبس ، فأما إكراهه المشتري ، فهو سبب بين المكره والمشتري ، فلا يكون للمولى أن يضمن المكره بذلك السبب ، وإنما يكون ذلك للمشتري في الموضع الذي لا يكون عاملا لنفسه في القبض ، ويتقرر عليه ضمان وهذا ; لأن المالك إنما يثبت له حق التضمين بتفويت يده ، وتفويت يده بالتسليم لا باعتبار قبض المشتري ولو أكره المولى ، والمشتري بالقتل ، وأكره الوكيل بالحبس ، والمسألة بحالها كان للمولى أن يضمن المكره إن شاء ; لأنه ، فوت يده حين أكرهه بالقتل على التسليم ، وإن شاء ضمن الوكيل ; لأن فعله في القبض ، والتسليم مقصور عليه ، وأيهما ضمن لم يرجع على صاحبه بشيء أما إذا ضمن الوكيل ، فلأنه ما كان عاملا في البيع ، والتسليم للمكره ، وفعله في القبض ، والتسليم مقصور عليه ، وأما إذا ضمن المكره فلأنه أذن له في بيعه ، ودفعه حين أكره بالحبس على ذلك ، ولا ضمان على المشتري ; لأنه كان مكرها على القبض بوعيد قتل ، وذلك ينفي الضمان عنه .

ولو أكرهه بالقتل على أن يوكل هذا الرجل بأن يهب عبده هذا لهذا الرجل ، فوكله بذلك ، فقبضه الوكيل ودفعه إلى الموهوب له ، ومات في يده ، والوكيل ، والموهوب له غير مكرهين ، فللمولى أن يضمن قيمته أيهم شاء بمنزلة الشراء ; لأن الموهوب له يقبض لنفسه على وجه التملك بهبة فاسدة ، فيكون ضامنا كالمشتري ، فإن ضمن الموهوب له لم يرجع على أحد ، وإن ضمن الوكيل رجع به الوكيل على الموهوب له ، وإن ضمن المكره رجع المكره إن شاء على الموهوب له ، وإن شاء على الوكيل ، ورجع به الوكيل على الموهوب له لما بينا في ، فصل الشراء ، ولو كان الإكراه بحبس لم يضمن المكره شيئا ، وكان للمولى أن يضمن إن شاء الوكيل وإن شاء الموهوب له ، فإن ضمن الوكيل رجع به على الموهوب له ; لأنه قام مقام من ضمنه ، أو ; لأنه ملكه بالضمان ، ولم يقصد تنفيذ الهبة من جهته ، فكان له أن يرجع على الموهوب له ; لأنه بالقبض متملك عامل لنفسه بغير إذن المالك ، فلا يسلم له مجانا ، والله أعلم .
[ ص: 151 ] قال رحمه الله ) وإذا أكره الرجل بوعيد تلف على أكل الميتة ، أو لحم الخنزير ، أو شرب الخمر ، فلم يفعل حتى قتل ، وهو يعلم أن ذلك يسعه كان آثما ; لأن حالة الضرورة مستثناة من التحريم ، والميتة ، والخمر في هذه الحالة كالطعام ، والشراب في غير حالة الضرورة ، ولا يسعه أن يمتنع من ذلك حتى يتلف .

( ألا ترى ) أن الذي يخاف الهلاك من الجوع ، والعطش إذا وجد ميتة ، أو لحم خنزير أو دما ، فلم يأكل ، ولم يشرب حتى مات ، وهو يعلم أن ذلك يسعه كان آثما ، وقد بينا هذا فيما سبق في الماء الذي خالطه الخمر ، والتحرز عن قول من خالفنا في شرب الخمر عند العطش ، وفائدة : وذكره عن مسروق رحمه الله قال : من اضطر إلى ميتة ، أو لحم خنزير ، أو دم ، فلم يأكل ، ولم يشرب ، فمات دخل النار ، وهذا دليلنا على قول أبي يوسف ، وفيه دليل أنه لا بأس بإطلاق القول بدخول الدار لمن يرتكب ما لا يحل له ، وإن كان المذهب أنه في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه ، وإن شاء عفا عنه حتى اشتغل بعضهم بالتأويل بهذا اللفظ قالوا : مراده الدخول الذي هو تحلة القسم قال الله تعالى { ، وإن منكم إلا واردها } أي داخلها ، وهو المذهب عند أهل السنة ، والجماعة ولكن هذا بعيد ; لأن مراده بيان الجزاء على ارتكاب ما لا يحل ، ولكن لا يظن أحد بمثله أنه يقصد بهذا اللفظ نفي المشيئة ، وقطع القول بالعذاب ، فإن كان لا يعلم أن ذلك يسعه رجوت أن لا يكون آثما ; لأنه قصد به التحرز عن ارتكاب الحرام في زعمه .

وهذا ; لأن انكشاف الحرمة عند تحقق الضرورة دليله خفي ، فيعذر فيه بالجهل كما أن عدم وصول الخطاب إليه قبل أن يشتهر يجعل عذرا له في ترك ما ثبت بخطاب الشرع يعني الصلاة في حق من أسلم في دار الحرب ، ولم يعلم بوجوبها عليه ، ثم ذكر في فصل الإكراه على الكفر أنه إذا امتنع من ذلك حتى قتل لم يكن آثما ، وقد بينا أنه مأجور فيه كما جاء في الأثر أن المجبر في نفسه في ظل العرش يوم القيامة إن أبى الكفر حتى قتل ، وحديث خبيب رضي الله عنه فيه معروف ، وأشار إلى الأصل الذي بينا أن إجراء كلمة الشرك في هذه الحالة رخصة له ، والامتناع هو العزيمة فإن ترخص بالرخصة وسعه ، وإن تمسك بالعزيمة كان أفضل له ; لأن في تمسكه بالعزيمة إعزاز الدين ، وغيظ المشركين فيكون أفضل ، وعلى هذا إذا قيل له : لئن صليت لأقتلنك فخاف ذهاب الوقت ، فقام ، وصلى ، وهو يعلم أنه يسعه تركه فلما صلى قتل لم يكن آثما في ذلك ; لأنه تمسك بالعزيمة أيضا ، وكذلك صوم رمضان لو قيل له : وهو مقيم لئن لم تفطر [ ص: 152 ] لنقتلنك ، فأبى أن يفطر حتى قتل ، وهو يعلم أن ذلك يسعه كان مأجورا ; لأنه متمسك بالعزيمة ، وفيما ، فعله إظهار الصلابة في الدين ، وإن أفطر وسعه ذلك ; لأن الفطر رخصة له عند الضرورة إلا أن يكون مريضا يخاف على نفسه إن لم يأكل ، ولم يشرب حتى مات ، وهو يعلم أن ذلك يسعه فحينئذ يكون آثما .

وكذلك لو كان مسافرا ، فصام في شهر رمضان ، فقيل له لنقتلنك ، أو لتفطرن ، فأبى أن يفطر حتى قتل كان آثما ; لأن الله تعالى أباح له الفطر في هذين الوجهين معتدا بقوله تعالى { ، فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ، فعند خوف الهلاك شهر رمضان في حقهما أيامه كلياليه ، وكأيام شعبان في حق غيرهما ، فيكون في الامتناع حتى يموت بمنزلة المضطر في فصل الميتة بخلاف الصحيح المقيم ، فالأمر بالصوم في حقه عزيمة قال الله تعالى { ، فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ، والفطر عند الضرورة رخصة ، فإن ترخص بالرخصة ، فهو في سعة من ذلك ، وإن تمسك بالعزيمة ، فهو أفضل له ، وهذا كله بناء على مذهبنا أنه يصير مفطرا بالتناول مكرها وعند الشافعي رحمه الله لا يصير مفطرا ، وقد بينا هذا في الصوم ، فإن الخاطئ ، والمكره عنده في الحكم سواء وقال : المكره مسلوب الفعل .

( ألا ترى ) أن الإتلاف الحاصل بفعله يصير منسوبا إلى المكره ، ولكنا نقول المكره إنما يجعل آلة للمكره فيما يصلح أن يكون آلة له ، وهو في الجناية على صوم نفسه لا يصلح أن يكون آلة للغير ، فيقتصر حكم فعله في حق الإفطار عليه .

( ألا ترى ) أن المكره لو كان صائما لم يصر مفطرا بهذا ، فلو جعلنا الفعل عدما في حكم المكره في حق الصوم رجع إلى الإهدار ، وليس للإكراه تأثير في الإهدار ، ولا في تبديل محل الجناية ، وبه فارق حكم الضمان ; لأنا لو جعلنا الفعل منسوبا إلى المكره لا يؤدي إلى الإهدار ، ولا إلى تبديل محل الجناية . .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.42 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]