عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 26-12-2025, 06:42 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,897
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع والعشرون

صـــ132 الى صـــ 141
(496)


( قال رحمه الله ) ولو أكره رجل رجلا بوعيد تلف على أن يطلق امرأته واحدة ، ولم يدخل بها ، فقال : هي طالق ثلاثا ، فلا ضمان على المكره ; لأنه أتى بغير ما أكره عليه أما من حيث الصورة ، فلا إشكال ، وأما من حيث الحكم ، فلأن زوال الملك بالثلاث لانتفاء صفة الحل عن المحل ، وأما بواحدة ، فتحصل إزالة الملك مع بقاء الحل في المحل ، وهما غيران ، فكان هو طائعا فيما أتى به ، ولأن ما زاد مما لم يكرهوه عليه يبينها لو لم يكن غيره ; لأنه زاد اثنتين ، وهما كافيتان في البينونة وتأكد نصف الصداق بينهما قبل الدخول ، وكذلك لو طلقها اثنتين ، أو قيل : له طلقها اثنتين ، وطلقها ثلاثا ، ولو قال طلقها ثلاثا ، فطلقها واحدة رجع عليه بنصف الصداق الذي غرم ; لأن ما أتى به بعض ما أكره عليه ، فيكون مكرها على ذلك ، والتلف الحاصل به يصير منسوبا إلى المكره .

( ألا ترى ) أن المأمور بإيقاع الثلاث إذا ، أوقع الواحدة تقع ، والمأمور بإيقاع الواحدة إذا أوقع الثلاث لم يقع شيء عند أبي حنيفة رحمه الله .

ولو أكره على أن يضرب هذا بهذه الحديدة فيقطع يده ، ففعل المكره ذلك ، ثم ثنى ، فقطع رجله من غير إكراه ، فمات من ذلك كله ، فعليهما القود ; لأنه في الفعل الأول صار آلة للمكره ، فكأن المكره ، فعل ذلك بنفسه ، وهو في الفعل الثاني طائع ، والقصاص يجب على المثنى بقتل الواحد ، ولو كان أكره على أن يضربه بعصا ففعل ، ثم ضربه ضربة أخرى بعصا بغير إكراه ، أو أكرهه على أن يضربه مائة سوط ، فضربه مائة ، وعشرة ، فمات من ذلك ، فعلى عاقلة الآمر نصف الدية في ثلاث سنين ، وعلى عاقلة الضارب كذلك ; لأنه آلة في الفعل الذي أكره عليه ، فكأن المكره ، فعل ذلك بنفسه .
ولو قتل رجلان رجلا بالعصا ، والسوط يجب على عاقلة كل واحد منهما نصف الدية في ثلاث سنين .
فإن كان قطع يده بالسيف مكرها ، ثم ضربه بغير إكراه خمسين سوطا ، فمات ، فنصف الدية في مال الآمر في ثلاث سنين ; لأنه آلة في الفعل الأول ، فكأن المكره ، فعله بنفسه إلا أنه اجتمع في المحل الفعل الموجب للقود ، وغير الموجب ، فسقط القود بالشبهة ، ويكون نصف الدية في مال الآمر في ثلاث سنين ; لأن فعله عمد محض ونصف الدية على عاقلة الضارب في ثلاث سنين ; لأن [ ص: 133 ] فعله الضرب بالسوط ، وهو بمنزلة الخطأ ولو كان أكرهه على ذلك بالحبس كان ذلك كله على الفاعل ; لأن الإكراه بالحبس لا يجعل المكره آلة ، ولا يوجب نسبة الفعل إلى المكره .
ولو أن لصا أكره رجلا بوعيد تلف على أن يعتق نصف عبده ، فأعتقه كله ، فلا شيء على الذي أكرهه في قياس قول أبي حنيفة ; لأن العتق عنده يتجزأ وما أتى به غير ما أكره عليه ، فلا يصير الإتلاف به منسوبا إلى المكره .

( ألا ترى ) أن على أصله لو أمر رجلا أن يعتق نصف عبده ، فأعتقه كله كان باطلا ، وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله المكره ضامن لقيمة العبد ; لأن عندهما العتق لا يتجزأ ، فالإكراه على إعتاق النصف بمنزلة الإكراه على إعتاق الكل ، ولو أكرهه على أن يعتق كله ، فأعتق نصفه ، فكذلك عندهما ; لأن إعتاق النصف كإعتاق الكل ، فأما في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله ، فالعتق يتجزأ فيستسعى العبد في نصف قيمته لمولاه بمنزلة ما لو كان أعتق نصف عبده طائعا ، ويرجع المولى على المكره بنصف قيمته ; لأنه أتى ببعض ما أكره عليه ، فكان حكم الإكراه ثابتا فيما أتى به .

( ألا ترى ) أن المأمور بإعتاق العبد لو أعتق نصفه نفذ ، فإن نوى ما على العبد من نصف القيمة كان للمولى أن يرجع به أيضا على المكره ، ويرجع المكره به على العبد ، فيكون الولاء بينهما نصفين ; لأن المكره صار كالمعتق لذلك النصف ، وإعتاق النصف إفساد لملكه في النصف الآخر من حيث إنه يتعذر عليه استدامة الملك فيه ، فيكون ضامنا له قيمة النصف الآخر ، ثم يرجع به على العبد ; لأنه يملك ذلك النصف بالضمان ، فيستسعيه فيه ، ويكون الولاء بينهما نصفين ; لأن هذا النصف عتق على ملك المكره بأداء السعاية إليه قالوا ، وينبغي أن يكون هذا الجواب فيما إذا كان المكره موسرا على قياس ضمان المعتق .

ولو أن مريضا أكرهت امرأته بوعيد تلف أو حبس حتى تسأله أن يطلقها تطليقة بائنة فسألته ذلك ، فطلقها كما سألت ، ثم مات ، وهي في العدة ورثته ; لأن سؤالها مع الإكراه باطل ، فإن تأثير سؤالها في الرضا منها بالفرقة ، وإسقاط حقها من الميراث ، وذلك مع الإكراه لا يتحقق ، ولو سألته تطليقتين بائنتين ففعل ، ثم مات ، وهي في العدة لم ترثه ; لأنها سألته غير ما أكرهت عليه ، ولأن ما زادت من عندها كاف لإسقاط حقها في الميراث .

( ألا ترى ) أنها لو سألت زوجها أن يطلقها تطليقة بائنة ، فطلقها تطليقتين بائنتين ، ثم مات ، وهي في العدة لم ترثه للمعنيين اللذين أشرنا إليهما .

( ألا ترى ) أنه لو لم يدخل بامرأته حتى جعل أمرها بيد رجل يطلقها تطليقة إذا شاء ، وأكره بوعيد تلف على أن جعل في يد ذلك الرجل تطليقة أخرى ففعل فطلقها الرجل التطليقتين جميعا لم يرجع الزوج على [ ص: 134 ] المكره بشيء من المهر ; لأن ما جعله في هذه طائعا كاف لتقرير الصداق به ، ولا رجوع على المكره بشيء من المهر وكذلك لو طلقها التطليقة التي جعلها الزوج إليه بغير إكراه ، ولو كان طلقها التطليقة التي أكره الزوج عليها دون الأخرى رجع الزوج على المكره بنصف المهر ; لأن تقرر نصف الصداق عليه كان باعتبار ما أكره عليه .

( ألا ترى ) أنه لو قال لامرأته ، ولم يدخل بها : أنت طالق تطليقة إذا شئت ، ثم أكره بعد ذلك ، أو قبله على أن يقول لها أنت طالق تطليقة إذا شئت ، فقال لها ذلك فطلقت نفسها التطليقتين جميعا غرم لها الزوج نصف المهر ، ولم يرجع على المكره بشيء ، ولو طلقت نفسها التطليقة التي أكرهه عليها خاصة ، وثبت ذلك رجع الزوج بنصف المهر على المكره للمعنى الذي بينا ، ولو كانت هي المسلطة ، فأكرهته على أن يطلقها بوعيد تلف ، ففعل لم يكن لها عليه شيء من المهر ; لأن الإتلاف منسوب إليها للإلجاء ، فكأن الفرقة ، وقعت من جهتها قبل الدخول ، ولو كانت أكرهته بالحبس أخذته بنصف الصداق ; لأن الإتلاف لا يصير منسوبا إليها بهذا النوع من الإكراه ، فبقيت الفرقة منسوبة إلى الزوج قبل الدخول ، فيلزمه نصف الصداق لها .

ولو أكره رجل الزوج بوعيد تلف على أن يطلقها واحدة بألف درهم ، فطلقها ثلاثا كل واحدة بألف ، فقبلت جميع ذلك طلقت ثلاثا ، ووجب لها عليه ثلاثة آلاف درهم ولها عليه نصف مهرها لوقوع الفرقة قبل الدخول لا بسبب مضاف إليها ، ولم يرجع على المكره بشيء ، وإن كان نصف المهر أكثر من ثلاثة آلاف درهم ; لأن ما زاد الزوج من عنده طائعا كاف في تقرير نصف الصداق عليه ، ولو أكرهه على أن يطلقها واحدة بألف ، ففعل وقبلت ذلك وجب له عليها ألف درهم ، ثم ينظر إلى نصف مهرها ، فإن كان أكثر من ألف درهم أدى الزوج إليها الفضل على ألف درهم ، ويرجع به على المكره إن كان أكرهه بوعيد تلف ، وهذا قول أبي يوسف ومحمد .

فأما عند أبي حنيفة ، فلا شيء لها عليه ، وللزوج عليه الألف ، وهي مسألة الطلاق إذ الخلع يوجب براءة كل واحد من الزوجين عن صاحبه في الحقوق الواجبة بالنكاح ، وفي الكتاب ذكر قولهما ، ولم يذكر قول أبي حنيفة ; لأنه وضع المسألة في لفظ الطلاق ، وفيه شبهة اختلاف الروايات عن أبي حنيفة بخلاف لفظ الخلع على ما بينا في الطلاق ، ثم عندهما قد وجب له عليها ألف درهم بدل الطلاق ، ولها على الزوج نصف مهرها فتقع المقاصة ، ويؤدي الزوج إليها الفضل ، فيرجع به على الذي أكرهه إن كان أكرهه بوعيد تلف ; لأنه قرر عليه تلك الزيادة من غير عوض .

ولو عتقت أمة لها زوج حر لم يدخل بها ، فأكرهت بوعيد تلف [ ص: 135 ] أو حبس على أن اختارت نفسها في مجلسها بطل الصداق كله عن زوجها ، ولا ضمان على المكره في ذلك لأنه أكرهها على استيفاء حقها ، فالشرع ملكها أمر نفسها حين عتقت ، وليس في هذا الإكراه إبطال شيء عليها ; لأن المهر للمولى دونها ، ولو دخل بها الزوج ، ولأن ما كان بمقابلة المهر عاد إليها ، ولو كان قد دخل بها قبل ذلك كان الصداق لمولاها على الزوج ، ولم يرجع الزوج على المكره بشيء ; لأنه ما أكره الزوج على شيء ، ولأن الصداق قد تقرر عليه كله بالدخول ، وإنما أتلف المكره ملك البضع على الزوج ، وقد بينا أن ذلك لا يتقوم بالإكراه ; لأنه لا قيمة للبضع عند خروجه من ملك الزوج ، والله أعلم .
( قال رحمه الله ) وإذا قال اللص الغالب لرجل لأقتلنك أو لتعتقن عبدك ، أو لتطلقن امرأتك هذه أيهما شئت ، ففعل المكره أحدهما ، ولم يدخل بالمرأة ، فما باشر نافذ ; لأن الإكراه على كل واحد منهما بعينه لا يمنع نفوذه ، فكذلك الإكراه على أحدهما بغير عينه ويغرم المكره الأقل من نصف المهر ، ومن قيمة العبد ; لأنه إن التزم بمباشرته الأقل منهما ، فالإتلاف مضاف إلى المكره ، وإن التزم الأكثر ، فالضرورة إنما تحققت له في الأقل ; لأنه كان متمكنا من دفع البلاء عن نفسه باختيار الأقل ، فيكون هو في التزام الزيادة على الأقل غير مضطر ، ورجوعه على المكره لسبب الاضطرار ، فيرجع بالأقل لذلك .

ولو كان الزوج دخل بها لم يغرم المكره له شيئا ; لأنه إن أوقع الطلاق فالمهر قد تقرر عليه بالدخول ، وإنما أتلف المكره عليه ملك البضع ، وذلك لا يضمن بالإكراه ، وإن أوقع العتق ، فقد كان متمكنا من دفع البلاء عن نفسه بإيقاع الطلاق ، فيكون هو في إيقاع العتق بمنزلة الرضا به ، أو غير مضطر إليه بمنزلة ما لو أكره عليه بحبس ، أو قيد ، وهناك لا يرجع على المكره بشيء وإن لم يدخل بالمرأة لانعدام الضرورة ، والإلجاء .

ولو قيل : له لنقتلنك ، أو لتكفرن بالله أو تقتل هذا المسلم عمدا ، فإن كفر بالله تعالى ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، فهو في سعة ، ولا تبين امرأته منه لتحقق الضرورة في ذلك بسبب الإكراه ، فإنه لا يحل له قتل المسلم بحال ، فتتحقق الضرورة في إجراء كلمة الشرك كما لو أكره على ذلك بعينه ، والأصل فيه ما روي { أن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ، فقال : نعم ، فقال أتشهد أني رسول الله ، فقال [ ص: 136 ] لا أدري ما تقول ، فقتله ، وقال للآخر : أتشهد أن محمدا رسول الله ، فقال : نعم ، فقال أتشهد أني رسول الله ، فقال نعم ، فخلى سبيله ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام أما الأول ، فقد آتاه الله تعالى أجره مرتين ، وأما الآخر ، فلا إثم عليه } ، ففي هذا دليل أنه يسعه ذلك عند الإكراه ، وأنه إن امتنع منه حتى قتل كان أعظم لأجره ; لأنه أظهر الصلابة في الدين ، ولأن إجراء كلمة الشرك جناية على الدين من حيث الصورة ، وإن لم تكن جناية معنى عند طمأنينة القلب بالإيمان ، والتحرز عن الجناية على الدين صورة ، ومعنى سبب لنيل الثواب ، ولا يحل له أن يقتل المسلم بحال ; لأنه لو أكره على ذلك بعينه لم يحل له أن يفعله ، فعند التردد بينه ، وبين غيره أولى ، فإن قتل الرجل المسلم .

ففي القياس عليه القود ; لأنه كان متمكنا من دفع البلاء عن نفسه بإجراء كلمة الشرك على اللسان ، فلا يأثم به ، ولا تبين منه امرأته ، فإذا ترك ذلك ، وأقدم على القتل كان بمنزلة الطائع في ذلك ، ولما لم يتحقق الإلجاء فيه ، فيصير حكم القتل عليه بمنزلة ما لو أكره عليه بالحبس ، فيلزمه القود ، ولكنه استحسن لإسقاط القود عنه إذ لم يكن عالما بأن الكفر يسعه في هذا الوجه ; لأن حرمة الشرك حرمة باتة مضمنة لا تنكشف بحال ، ولكن يرخص له مع طمأنينة القلب بالإيمان ، فهو يتحرز مما هو حرام ; لأن هذه الرخصة سببها خفي قد يخفى على كثير من الناس ، فيصير جهله بذلك شبهة في إسقاط القود عنه ، ولكن يجب عليه الدية في ماله في ثلاث سنين ; لأن الضرورة لم تتحقق له في الإقدام على القتل ، فيكون فعل القتل مقصورا عليه ، وإن أسقطنا عنه القود للشبهة ، والمال يثبت مع الشبهات ، فتجب الدية في ماله ، ولكن الدية بنفس القتل تجب مؤجلة ، ولم يذكر في الكتاب ما إذا كان عالما بأن الكفر يسعه ، وأكثر مشايخنا رحمهم الله على أنه يلزمه القود ; لأنه لا يتقى له شبهة في الإقدام على القتل إذا كان عالما بأن الكفر يسعه ، فهو نظير المسلم إذا أكره على أكل الميتة ، ولحم الخنزير على ما بينه ، وهذه من جملة المسائل التي يضره العلم فيها ، ويخلص في جهله .

وفي هذا الكتاب من هذا الجنس خمس مسائل جمعناها في كتاب الوكالة ، ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول ، وإن كان يعلم ذلك لا يلزمه القود ; لأنه بما صنع قصد مغايظة المشركين ، وإظهار الصلابة في الدين ، ويباح للإنسان أن يبذل نفسه ، وماله لما يكون فيه كبت ، وغيظ للمشركين ، فيقاتلهم ، وإن كان يعلم أنهم يقتلونه ، فإذا كان يحل له في نفسه ، ففي نفس الغير أولى وإن كان لا يحل له ذلك ، فيصير شبهة في درء القود عنه ولو قيل له : لنقتلنك ، أو لتأكلن هذه الميتة ، أو لتقتلن هذا المسلم عمدا ، فينبغي له أن يأكل الميتة لما [ ص: 137 ] بينا أن حرمة الميتة تنكشف عند الضرورة ، وقد تحققت الضرورة هنا ، فالتحقت الميتة بالمباح من الطعام كما لو أكره عليه بعينه ، فإن لم يأكل الميتة وقتل المسلم ، فعليه القود ; لأنه طائع في الإقدام على القتل حين تمكن من دفع البلاء عن نفسه بتناول الميتة وذلك مباح له عند الضرورة ، وليس في التحرز عن المباح إظهار الصلابة في الدين ، فلهذا لزمه القود ، وأشار إلى الفرق بين هذا ، وبين ما تقدم ، فقال .

( ألا ترى ) أنه لو لم يكفر حتى قتل كان مأجورا ، ولو لم يأكل الميتة حتى قتل كان آثما إذا كان يعلم أنه يسعه ذلك .

وقد بينا في أول الكتاب قول أبي يوسف رحمه الله في أنه لا يأثم إذا امتنع من التناول عند الضرورة ، وأن الأصح ما ذكره في الكتاب من انكشاف الحرمة ، ولو أكرهه في هذا بوعيد أو سجن ، أو قيد لم يسعه أن يكفر ، فإن ، فعل بانت منه امرأته ; لأن الضرورة لم تتحقق ، فإن شرب الخمر عند الإكراه بالحبس ، ففي القياس عليه الحد ; لأنه لا تأثير للإكراه بالحبس في الأفعال فوجوده كعدمه .

( ألا ترى ) أن العطشان الذي لا يخاف على نفسه الهلاك إذا شرب الخمر يلزمه الحد ، فالمكره بالحبس قياسه ، وفي الاستحسان لا حد عليه ; لأن الإكراه لو تحقق به الإلجاء صار شرب الخمر مباحا له ، فإذا وجد جزء منه يصير شبهة كالملك في الحر ، وفي الجارية المشتركة يصير شبهة في إسقاط الحد عنه بوطئها ; ولأن الإكراه بالحبس معتبر في بعض الأحكام غير معتبر في البعض ، وحد الخمر ضعيف ثبت باتفاق الصحابة رضي الله عنهم على ما قال علي رضي الله عنه : ما من أحد أقيم عليه حد فيموت ، فأجد في نفسي من ذلك شيئا إلا حد الخمر ، فإنه ثبت بآرائنا ، فلهذا صار هذا القدر من الإكراه شبهة في إسقاط هذا الحد خاصة وإن قتل المسلم قتل به في الوجوه كلها ; لأن الإكراه بالحبس لا أثر له في نسبة الفعل إلى المكره ولا في إباحة القتل ، فلا يصير الإكراه بالحبس شبهة في إسقاط القود عن القاتل .
ولو قال له لأقتلنك ، أو لتقتلن هذا المسلم عمدا ، أو تزني بهذه المرأة لم يسعه أن يصنع واحدا منهما حتى يقتل ، فإن صنع واحدا منهما ، فهو آثم ; لأن كل واحد من هذين الأمرين لا يحل له بالإكراه ، وإن أكره عليه بعينه ، فكذلك إذا أكره على أحدهما بغير عينه ، فإن أبى أن يفعل واحدا منهما حتى قتل كان مأجورا لأنه بذل نفسه في التحرز عن الحرام ، وقيل بالذي قتله ; لأنه قتله ظلما ، فعليه القود ، وإن زنى كما أمره ، ففي القياس عليه الحد ، وفي الاستحسان عليه المهر ومن أصحابنا من قال المراد بالقياس في قول أبي حنيفة رحمه الله الأول ، وبالاستحسان قوله الآخر كما بينا فيما إذا أكره على الزنا بعينه .

، والأصح أن هذا قياس واستحسان أجريناه على [ ص: 138 ] قوله الآخر : وجه القياس أنه إذا أقدم على قتل المسلم كان آلة في ذلك الفعل ، وكان الفعل منسوبا إلى غيره ، وهو المكره ، فلا يكون هو مؤاخذا بشيء من أحكامه ، وإذا أقدم على الزنا كان الفعل منسوبا إليه بحكمه ، فهو للإقدام على الزنا هنا مع تمكنه من دفع البلاء عن نفسه على وجه لا يصير مؤاخذا بشيء من أحكام الفعل بأن يقتل الرجل فيلزمه الحد بخلاف ما لو أكره على الزنا بعينه ، ووجه الاستحسان أن في هذه الحالة لا يحل له الإقدام على قتل المسلم ، فهو أقدم على الزنا دفعا للقتل عن غيره ، ولو أقدم على الزنا دفعا للقتل عن نفسه بأن أكره عليه بعينه سقط عنه الحد ولزمه المهر ، فهذا مثله .

يوضحه أن الضرورة تحققت له في كل واحد من هذين الفعلين حين لم يسعه الإقدام على واحد منهما ، فيجعل في حق كل واحد منهما كأنه أكره عليه بعينه حتى لو قتل المسلم كان القود على المكره ، وكان المكره مستحقا للتعزير ، والحبس بمنزلة ما لو أكره عليه بعينه ، فلذلك إذا أقدم على الزنا كان عليه الصداق ، وهذا عند الحد بمنزلة ما لو أكرهه عليه بعينه .

( ألا ترى ) أنه لو أكرهه أن يقتل أحد هذين الرجلين عمدا كان القود على المكره إذا قتل أحدهما ; لأنه لما لم يسعه الإقدام على قتل واحد منهما صار في حق كل واحد منهما كأنه أكره على قتله بعينه ، ولو أكرهه على ذلك بالحبس أخذ بحد الزنا إن زنى ، وبالقود إن قتل الرجل ; لأنه لا يسعه الإقدام على واحد من الفعلين بسبب الإكراه ، وإن تحققت الضرورة به ، فالإكراه بالحبس لا يكون مؤثرا في موجب واحد منهما كما لو أكره عليه بعينه ، ولو أكرهت المرأة على الزنا بحبس ، أو قيد درئ عنها الحد ; لأنها لو أكرهت على ذلك بالقتل يسعها التمكين ، ولا تأثم فيه ، فإذا أكرهت عليه بالحبس يصير شبهة في إسقاط الحد عنها بمنزلة شرب الخمر ، وإنما ، فرقنا بين جانب الرجل والمرأة في الإكراه بالقتل ; لأن الرجل مباشر لفعل الزنا مستعمل للآلة في ذلك ، وحرمة الزنا حرمة تامة ، فلا تنكشف عند الضرورة لحرمة القتل فأما المرأة ، فهي مفعول بها ، وليس من جهتها مباشرة للفعل إنما الذي منها التمكين ، وذلك بترك الامتناع إلا أن في غير حالة الضرورة لا يسعها ذلك لوجوب دفع المباشرة للزنا عن نفسها ، وذلك المعنى ينعدم عند تحقق الضرورة بالإكراه بالقتل ، فلا يأثم في ترك الامتناع كمن ترك الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر عند خوف الهلاك عن نفسه لا يكون آثما في ذلك .

ولو قال له لأقتلنك ، أو لتقتلن هذا المسلم أو تأخذ ماله ، فتستهلكه ، وهو أكثر من الدية ، أو أقل فلا بأس بأن يأخذ المال ، أو يستهلكه ، ويكون ضمانه [ ص: 139 ] على المكره ; لأن الإلجاء قد تحقق ، ويباح إتلاف المال عند الإلجاء كما لو أكره عليه بعينه ويصير هو في ذلك آلة للمكره ، فضمانه على المكره ، وإن قتل الرجل قتل به الذي ، ولي القتل ; لأنه لما أبيح له الإقدام على إتلاف المال ، ولا يلحقه بذلك إثم ، ولا ضمان كان هو غير مضطر في الإقدام على القتل ، فيكون بمنزلة الطائع ، فيلزمه القود ، وهو نظير ما تقدم من مسألة الميتة ، وشرب الخمر إلا أن هنا إن لم يفعل واحدا منهما حتى قتل كان غير آثم في ذلك بخلاف مسألة الميتة ; لأن الحرمة هناك لحق الشرع ، وحالة الضرورة مستثناة من الحرمة شرعا ، وهنا بخلافه ، فإن تناول مال الغير ، واستهلاكه بغير رضاه ظلم في حق صاحب المال والظلم حرام إلا أن بسبب الضرورة يباح له الإتلاف شرعا مع بقاء حق الملك في المال ، فلهذا وجب الضمان له على المكره جبرانا لحقه ، فإذا امتنع من ذلك كان ممتنعا من الظلم ، فلا يأثم به .

( ألا ترى ) أن المضطر إلى طعام الغير يسعه أن يأخذه بغير رضا صاحبه ، فإن أبى صاحبه أن يعطيه ، فلم يأخذ حتى مات لم يكن آثما في تركه لهذا المعنى ، فكذلك المكره .

( ألا ترى ) أنه لو قيل : له لنقتلنك أو لتدلنا على مالك ، فلم يفعل حتى قتل لم يكن آثما ، فإذا كان لو قتل في دفعه عن مال نفسه لم يكن آثما ، فكذلك إذا امتنع عن استهلاك مال الغير حتى قتل قال : ولو أثم في هذا في ماله ، أو مال غيره ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم { : من قتل دون ماله ، فهو شهيد } ، وهذا حديث مشهور أشار إلى الاستدلال به من حيث إنه لو قتل دفعا عن مال نفسه أو عن مال غيره كان شهيدا ، فكيف لا يكون شهيدا في دفع ما لا يسعه الإقدام عليه ، فبهذا تبين أنه لا يأثم إذا امتنع من ذلك كله ، وكذلك لو قال : لأقتلنك ، أو لتطلقن امرأتك ، أو لتعتقن عبدك ، فلم يفعل حتى قتل لم يأثم ; لأنه بذل نفسه دفعا عن ملك محترم له ، فإن ملك النكاح محترم لملك المال ، وربما يكون الاحترام لملك النكاح أظهر ، فلا يكون هو آثما ، وإن كان يسعه الإقدام على كل واحد منهما لتحقق الضرورة .
ولو أكره بوعيد قتل على أن يقتل عبده عمدا وقيمته ألف درهم ، أو يستهلك ماله هذا ، وهو ألفا درهم ، فإن أبى أن يفعل واحدا منهما حتى قتل كان غير آثم ; لأن حرمة القتل لم تنكشف بالإكراه ، وحرمة المال قائمة مع الإكراه ، وإن أبيح له الإقدام على استهلاكه للدفع عن نفسه ، فلا يكون آثما في الامتناع ; لأنه يمتنع من السفه في استهلاك المال ، وقتل النفس من السفه ، فإن استهلك ماله ، فقد أحسن ، وضمانه على المكره بالغا ما بلغ ; لأن الإلجاء قد تحقق ، فيكون فعله في إتلاف المال منسوبا إلى المكره ، وهو محسن فيما صنع ; لأنه جعل ماله [ ص: 140 ] دون نفسه ، وقال عليه الصلاة والسلام { لواحد من أصحابه اجعل مالك دون نفسك ، ونفسك دون دينك } ، فإن قتل العبد ، ولم يستهلك المال ، فهو آثم ، ولا شيء على المكره ; لأن الإلجاء لم يتحقق في القتل ، فإنه كان متمكنا من دفع الشر عن نفسه من غير مباشرة القتل ، فبقي فعله في القتل مقصورا عليه فليس له على المكره قود ، ولا قيمة . .

ولو أكرهه بوعيد القتل على أن يقتل أحد عبديه هذين ، وأحدهما أقل قيمة من الآخر ، فقتل أحدهما عمدا كان له أن يقتل المكره لتحقق الإلجاء هنا فيما أقدم عليه من القتل ، فحكم القتل في العبد الذي هو قليل القيمة كهو في كثير القيمة ، واذا تحقق الإلجاء صار القتل منسوبا إلى المكره بخلاف الأول ، فإنه لا مساواة بين استهلاك المال ، والقتل ، وإنما يتحقق الإلجاء في الأدنى والأدنى استهلاك المال الذي يباح له الإقدام عليه عند الضرورة ، فبقي في قتل العبد مباشرا للفعل مختارا ، وهنا حرمة نفس العبدين سواء ، فيتحقق الإلجاء في حق كل واحد منهما ، وكذلك لو أكرهه بوعيد القتل على أن يقطع يد نفسه ، أو يقتل عبده عمدا ، ففعل أحدهما كان له أن يقتص من المكره ; لأن الإلجاء تناول كل واحد منهما بمنزلة ما لو أكره عليه بعينه ، فإن قيل : لا كذلك ، فإنه يباح له الإقدام على قطع يد نفسه عند الإكراه ، ولا يباح له الإقدام على قتل عبده ، فينبغي أن يجعل هذا نظير الفصل الأول قلنا لا كذلك ، فالأطراف محترمة كالنفوس إلا أنه إذا أكره على قطع يد نفسه ، فباعتبار مقابلة طرفه بنفسه جوزنا له أن يختار أدنى الضررين وهذا المعنى لا يتحقق عند مقابلة طرفه بنفس عبده فالضرر عليه في قطع طرفه ، فوق الضرر في قتل عبده .

( ألا ترى ) أنه لو خاف على عبده الهلاك لا يحل له أن يقطع يد نفسه ليتناوله العبد ، فبهذا تبين أن المساواة بينهما في الحرمة عند مقابلة أحدهما بالآخر ، فيتناول الإكراه كل واحد منهما .

ولو أكرهه على أن يضرب أحد عبديه مائة سوط ، ففعل ذلك بأحدهما ، فمات منه غرم المكره أقل القيمتين إن كان الذي بقي أقلهما قيمة ; لأن الواجب بهذا الفعل ضمان المالية في حق المولى ، وفيما يرجع إلى المالية الضرورة للمولى إنما تتحقق في الأقل ، فهو أقدم على ضرب أكثرهما قيمة كان مختارا في الزيادة بمنزلة ما لو أكره على الهبة ، والتسليم في أحدهما بغير عينه بخلاف ما سبق ، فهناك موجب الفعل القود يستوي فيه قليل القيمة ، وكثير القيمة ، وهنا موجبه المال بطريق الجبران لما ، فات عن المولى ، وبينهما في المالية تفاوت وإنما تتحقق له الضرورة في أقلهما ، ولو أكرهه في كله بوعيد حبس لم يكن على المكره شيء .
ولو أكرهه على أن يأخذ مال هذا الرجل ، أو مال هذا الرجل ، فلا بأس أن يأخذ [ ص: 141 ] مال أحدهما ; لأن الإكراه قد تناولهما لاستوائهما في بقاء الحرمة ، والتقوم في حق كل واحد منهما كحق المالك ، وإن أبيح له الإقدام على الأخذ لدفع الهلاك عن نفسه ، وأحب إلينا أن يأخذ مال أغناهما عن ذلك ; لأن أخذ المال من صاحبه يلحق الهم ، والحزن به ، وذلك يتفاوت بتفاوت حال المأخوذ منه في الغنى ، فالأخذ من الفقير يلحق به هما عظيما ; لأنه لا يرجع إلى ملكه مثله بخلاف الأخذ من الغني في مباسطة الشرع مع الأغنياء في المال الكثير منه مع الفقراء يعني به الزكاة ، وصدقة الفطر وضمان العتق ، والنفقة ، فلهذا يستحب له أن يأخذ مال أغناهما ، فإن كانا في الغنى عنه سواء قلنا : خذ أقلهما ; لأن الضرورة تتحقق في الأقل ، وفي القليل من المال من التساهل بين الناس ما ليس في الكثير ، وقيل إن استويا في المقدار قلنا خذ مال أحسنهما خلقا ، وأظهرهما جودا ، وسماحة ; لأن الهم ، والحزن بالأخذ منه يتفاوت بحسن خلقه ، وسوء خلقه ، وبخله وجوده ، فإن أخذه ، واستهلكه كما أمره غرمه الذي أكرهه ; لأن الإكراه لما تناوله صار الإتلاف منسوبا إلى المكره ، وإن أخذ أكثرهما ، فاستهلكه غرم المكره مقدار أقلهما ; لأن الإتلاف إنما يصير منسوبا إلى المكره فيما تحقق الإلجاء فيه ، وهو الأقل ، ثم يغرم المستهلك الفضل لصاحب المال ; لأنه في الزيادة على الأقل لا ضرورة له في الاستهلاك ، فيقتصر حكم الاستهلاك عليه .

ولو أكرهه على أن يقتل عبد هذا الرجل عمدا أو يأخذ مال هذا الآخر ، أو مال صاحب العبد ، فيطرحه في مهلكة ، أو يعطيه إنسانا ، فلا بأس أن يعمل في المال ما أمره به لتحقق الضرورة فيه ، وغرمه بالغا ما بلغ على المكره ; لأن الإتلاف صار منسوبا إليه ، وإن قتل العبد فعلى القاتل القود ; لأن الإكراه لم يتناول القتل هنا إذ لا مساواة بين حرمة القتل ، وحرمة استهلاك المال ، وإذا تمكن من دفع البلاء عن نفسه بغير القتل كان هو في الإقدام على القتل طائعا ، فعليه القود ، وعلى المكره الأدب ، والحبس لارتكابه ما لا يحل .

ولو كان إنما أمره أن يستهلك المال ، ويضرب العبد مائة سوط ، فلا بأس باستهلاك المال ، وضمانه على المكره ، ولا يحل له ضرب العبد ; لأن مثل هذا الضرب يخاف منه الهلاك ، فيكون بمنزلة القتل ، فإن ضربه ، فمات منه كانت قيمته على عاقلة الضارب ، ولا ضمان على المكره ; لأنه طائع في الإقدام على الضرب حتى يتمكن من التخليص بدونه على وجه لا يلحقه إثم ، ولا ضمان ، والقتل بالسوط يكون سببه العمد ، فيوجب القيمة على عاقلة الضارب ، ولو كان العبد ، والمال للمكره لم يسعه ضرب عبده ولكنه يستهلك ماله ، ويرجع به على المكره ، فإن ضرب عبده ، فمات لم يكن على المكره ضمان ; لأن المكره [ ص: 142 ] لما كان يتخلص بدون الضرب كان هو في الإقدام على الضرب طائعا ، ومن قتل عبد نفسه طائعا لم يجب الضمان له على غيره .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.03 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.40 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.57%)]