عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 26-12-2025, 05:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,926
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع والعشرون

صـــ92 الى صـــ 1011
(492)





ولو قطع يده بإذنه ، فمات منه لم يكن على القاطع ، ولا على الآمر في ذلك شيء ; لأن أصل الفعل صار هدرا ، فلو سرى إلى النفس كان كذلك كما لو قطع يد مرتد ، فأسلم ، ثم سرى إلى النفس ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه تجب الدية هنا ; لأن القطع إذا اتصلت به السراية كان قتلا ، فإذا لم يتناوله الإذن فلا شك أنه يجب الضمان به ، وإن تناوله الإذن ، فهو بمنزلة قوله اقتلني ، فيكون موجبا للدية .
ولو أكرهه على أن يصنع به شيئا لا يخاف منه تلف من ضرب سوط ، أو نحوه ، ففعل ذلك به رجوت أن لا يأثم فيه ; لأنه يدفع الهلاك عن نفسه بما يلحق الهم ، والحزن بغيره ، وقد رخص له الشرع في ذلك ، فإن المضطر يباح له أن يأخذ مال الغير ، فيتناوله بغير رضاه ، فإن أبى عليه ذلك ، فمات منه كانت ديته على عاقلة المكره ; لأن فعل المكره صار منسوبا إلى المكره ، فكأنه ، فعل ذلك بنفسه ، وهذا بمنزلة الخطأ ، وهو يوجب الدية على عاقلته ، وهذا إذا لم يكن المقتول أذن له في ذلك ، فإن كان أذن له في ذلك طوعا ، فلا ضمان فيه على أحد ; لأن فعل الغير به بإذنه كفعله بنفسه .
ولو أكرهه بوعيد تلف على أن يأخذ مال رجل ، فيرمي به في مهلكة ، فأذن له صاحبه فيه ، ففعله ، فلا شيء على واحد منهما ; لأن صاحب الحق أسقط حقه بالإذن له في الإتلاف طوعا ، ولو كان أكره صاحب المال بوعيد تلف أيضا على أن أمره بذلك ، فإذنه مع الإكراه لغو ، والضمان على المكره ; لأن المكره آلة في ذلك الفعل ، والفعل صار منسوبا إلى المكره ، ولا ضمان على الفاعل إن علم أن صاحب المال مكره على الإذن ، أو لم يعلم ; لأنه بالإلجاء يصير كالآلة ، ولا يختلف ذلك باختلاف صاحب المال في الإذن طوعا ، أو كرها ، ولو كان الفاعل أكره على ذلك بحبس ، أو قيد لم يحل له أن يستهلك مالا ; لأن هذا من مظالم العباد ، فلا يرخص له في الإقدام عليه بدون الإلجاء ، وبالحبس ، والقيد لا يتحقق الإلجاء إلا أن يأمره به صاحبه بغير إكراه ، فحينئذ لا شيء [ ص: 93 ] عليه من إثم ، ولا ضمان ; لأن صاحب المال صار باذلا ماله بالإذن ، والمال مبتذل ، وإنما كان ممنوعا من إتلافه لمراعاة حق صاحب المال ، فإذا رضي به طوعا كان له الإقدام عليه ، والعبد ، والأمة فيما يأذن فيه مولاهما في جميع ما وصفنا بمنزلة الحر ، والحرة إلا في خصلة واحدة : أن القاتل لا يغرم نفس المملوك إذا أذن المولى في قتله بغير إكراه ; لأن الحق في بدل نفسه له باعتبار الحال ، والمآل ، فيعتبر إذنه في إسقاط الضمان كما يعتبر إذن صاحب اليد في إسقاطه حقه في بدله عن القاطع ، والله أعلم بالصواب .
( قال رحمه الله ) وإذا أكره الرجل بوعيد تلف على بيع عبد له يساوي عشرة آلاف درهم من هذا الرجل بألف درهم ، ويدفعه إليه ، ويقبض الثمن ، ففعل ذلك ، وتقابضا ، والمشتري غير مكره ، فلما تفرقوا عن ذلك المجلس قال البائع : قد أجزت البيع كان جائزا ; لأن الإكراه لا يمنع انعقاد أصل البيع ، فقد وجد ما به ينعقد البيع من الإيجاب ، والقبول من أهله في محل قابل له ، ولكن امتنع نفوذه ; لانعدام تمام الرضا بسبب الإكراه ، فإذا أجاز البيع غير مكره ، فقد تم رضاه به ، ولو أجاز بيعا باشره غيره نفذ بإجازته ، فإذا أجاز بيعا باشره هو كان أولى به ، ولأن بيع المكره فاسد ، والفساد بمعنى وراء ما يتم به العقد ، فبإجازته يزول المعنى المفسد ، وذلك موجب صحة البيع كالبيع بشرط أجل فاسد أو خيار فاسد إذا أسقط من له الأجل ، أو الخيار ما شرط له قبل تقرره كان البيع جائزا ، وكذلك لو لم يكن البائع قبض الثمن ، فقبضه من المشتري بعد ذلك كان هذا إجازة للبيع لوجود دليل الرضا منه بقبض الثمن طائعا ، فإنه قبضه لتملكه ملكا حلالا ، ولا يكون ذلك إلا بعد إجازة البيع ، ودليل الرضا كصريح الرضا ، وفي البيع بشرط الخيار للبائع إذا قبض البائع الثمن روايتان في إسقاط خيار البائع في إحدى الروايتين يسقط به خياره لوجود دليل الرضا منه بتمام البيع ، وفي الرواية الأخرى لا يسقط خياره على ما ذكر في الزيادات ، وهو الأصح ، والفرق على تلك الرواية أن يقول هناك انعدام الرضا باعتبار خيار مشروط نصا ، وقبض الثمن لا ينافي شرط الخيار ابتداء ، فلا ينافي بقاءه بطريق الأولى ، وهنا الخيار ثبت حكما لانعدام الرضا بسبب الإكراه ، وبين قبض الثمن الذي هو دليل الرضا ، وبين الإكراه منافاة ، وبقبض الثمن طوعا ينعدم معنى الإكراه .

ويوضحه أن هناك [ ص: 94 ] العقد في حق الحكم كالمتعلق بالشرط ، وبقبض الثمن لا يصير الشرط موجودا ، وهنا العقد في حق الحكم منعقد غير متعلق بالشرط ، ولكنه غير نافذ لانعدام الرضا ، وقبض الثمن دليل الرضا ، فيتم به البيع ، ولو لم يفعل ذلك حتى أعتق المشتري العبد ، فعتقه جائز عندنا ; لأنه ملكه بالقبض ، وإنما أعتق ملك نفسه ، فإن قال المكره بعد ذلك : قد أجزت البيع كانت إجازته باطلة ; لأن الإجازة إنما تعمل في حال بقاء المعقود عليه محلا لحكم العقد ابتداء ، وبعد العتق ، أو التدبير ، أو الاستيلاد لم يبق محلا لذلك ، فلا تصح إجازته كما في البيع الموقوف إذا أجازه المالك بعد هلاك المعقود عليه في يد المشتري ، ولأن الفساد قد تقرر حين وجب على المشتري قيمة العبد للبائع دينا في ذمته ، فإن ذلك حكم العقد الفاسد ، وبعدما تقرر المفسد لا ينقلب العقد صحيحا ، ولأن العبد قد وجب للمشتري بالقيمة فبعدما تقرر ملكه فيه بضمان القيمة ، وانتهى لا يمكن أن يجعل مملوكا له بالثمن ، ولو لم يقبض المشتري ، ولم يحدث فيه شيئا ، ولم يجز البائع البيع حتى التقيا ، فقال المشتري : قد نقضت البيع فيما بيني ، وبينك ، وقال البائع لا أجيز نقضك ، وقد أجزت البيع ، فقد انتقض البيع ; لأن في البيع الفاسد قبل القبض - كل واحد من المتعاقدين ينفرد بفسخه ، فإن فسخه لأجل الفساد مستحسن شرعا على كل واحد منهما ، وما يكون مستحقا عليه شرعا يتم بمباشرته ، فإذا انفسخ العقد بفسخ المشتري لا تلحقه الإجازة بعد ذلك من جهة البائع ; لأن الإجازة تلحق الموقوف لا المفسوخ .

والحاصل أن بيع المكره بمنزلة البيع بشرط أجل فاسد ، أو خيار فاسد ، وهنا لكل واحد من المتعاقدين أن ينفرد بفسخه قبل القبض ، وبعد القبض من له الخيار ، أو الأجل الفاسد ينفرد بفسخه ، وصاحبه لا ينفرد بفسخه على ما ، فسره في آخر الباب ; لأن قبل القبض العقد ضعيف جدا ، وكل واحد من المتعاقدين ينفرد بفسخ العقد الضعيف ، فأما بعد القبض ، فقد تأكد العقد بثبوت حكمه ، وانضمام ما يقويه إليه ، وهو القبض ، فالمنفرد به من ليس له خيار ، ولا أجل ; لأن رضاه بالعقد مطلقا قد تم ، وإنما ينفرد بفسخه من شرط الخيار ، والأجل له ; لأنه لا يتم منه الرضا بالعقد مطلقا ، فكذلك في مسألة الإكراه قبل القبض ينفرد كل واحد منهما بالفسخ ، وبعد القبض المكره ينفرد بالفسخ لانعدام الرضا من جهته ، والآخر لا ينفرد بفسخه ما لم يساعده المكره عليه ، أو يقض القاضي به .

وهذا بخلاف البيع بالخمر فهناك كل واحد منهما ينفرد بفسخه قبل القبض ، وبعده ; لأن المفسد هناك متمكن في صلب العقد ، ولهذا لا يحتمل التصحيح إلا بالاستقبال ، فلتمكن المفسد في صلب العقد كان ضعيفا قبل القبض [ ص: 95 ] وبعده ، فينفرد كل واحد منهما بفسخه ، والذي شرط الخمر لا إشكال أنه ينفرد بفسخه ، وصاحبه كذلك ; لأنه ما رضي بوجود بدل آخر عليه سوى المسمى ، فكان له أن ينفرد بفسخه ، فأما في هذه الفصول ، فالمفسد غير متمكن في صلب العقد ، ولكنه لمعنى وراء ما يتم به العقد ، ولهذا أمكن تصحيحه بالإجازة ، فمن ليس في جانبه المعنى المفسد قد تم الرضا منه بملك المعقود عليه بالبدل المسمى ، وبإجازة صاحبه لا يثبت إلا ذلك ، فلهذا لا ينفرد بفسخه بعد تأكد العقد بالقبض .

ولو باعه المشتري من المكره من آخر ، وقد كان قبضه بتسليم البائع مكرها ، فالبائع على خياره إن شاء نقض البيع الأول ، والثاني ، وأخذ عبده ، وإن شاء أجاز البيع الأول ; لأن البيع الثاني في كونه محتملا للفسخ كالأول ، والبائع غير راض بواحد من البيعين فيكون متمكنا من استرداده ، وباسترداده ينفسخ البيعان جميعا كما لو اشترى عبدا بألف درهم حالة ، وقبضه المشتري بغير أمر البائع ، فباعه كان جائزا لمصادفته ملكه ، وللبائع الأول أن يسترده ; لأنه غير راض بالعقد الثاني حين كان ممتنعا من تسليمه إلى المشتري ، فإذا استرده انتقض البيع الثاني ، وكذلك في حق المكره بخلاف البيع الفاسد بشرط أجل ، أو خيار لمجهول ، فالمشتري هناك إذا باعه من غيره ، ونفذ بيعه لا يكون للبائع أن يسترده ; لأن البيع الثاني حصل برضا البائع الأول تسليطه عليه ، فتسليمه المبيع إلى المشتري طائعا يكون تسليطا له على التصرف ، وهنا البيع الثاني كان بغير رضا المكره ; لأنه كان مكرها على التسليم ، فيتمكن من نقض البيعين ، واسترداد العبد ، فإن أجاز البيع الأول ، فقد أسقط حقه في استرداد العبد ، فينفذ البيع الثاني ; لأنه حصل من المشتري في ملكه ، ويده كما لو قبض المبيع بغير إذن البائع ، وباعه ، ثم سلم البائع الأول للمشتري الأول ، فقبضه جاز البيع الثاني لهذا المعنى ، وكذلك في الفصلين يجوز كل بيع جرى فيه ، وإن تناسخه عشرة بيع بعضهم من بعض إذا نفذ البيع الأول بإجازة البائع كذلك البيع بقبض المشتري ; لأن كل واحد منهم باع ملكه بعد ما قبضه بحكم عقد صحيح إلا أنه كان للبائع الأول حق الفسخ ، فإذا سقط حقه بالإجازة نفذت البيوع كلها ، وكذلك في مسألة المكره لو تناسخه عشرة بيع بعضهم من بعض كان للمكره أن ينقض البيوع كلها ، ويأخذ عبده ، فإن سلم بيع من هذه البيوع الأول ، أو الثاني ، أو الآخر جازت البيوع كلها ; لأن تسليمه إسقاط منه لحقه في استرداد المبيع .

فأما البيع من كل مشتر ، فكان في ملكه لنفسه ، ولكن يوقف نفوذه على سقوط حق المكره في الفسخ ، وبالإجازة سقط حقه ، فتنفذ البيوع كلها كالراهن إذا باع المرهون ، وأجاز المرتهن البيع ، أو الآجر [ ص: 96 ] باع المستأجر ، فأجازه المستأجر بعد البيع من جهة المباشر ، والمجيز يكون مسقطا حقه في الفسخ إلا أن يكون مملكا بإجازته ، وإذا جازت البيوع كلها كان الثمن للمكره على المشتري الأول ، ولكل بائع الثمن على المشتري ; لأن العقد الأول نفذ بين المكره ، والمشتري الأول بهذه الإجازة ، فله أن يطالبه بالثمن ، وكل عقد بعد ذلك إنما نفذ بين البائع ، والمشتري منه فيكون الثمن له ، وهذا بخلاف الغاصب إذا باع المغصوب ، وسلمه ، ثم باعه المشتري من غيره حتى تناسخته بيوع ، ثم أجاز المالك بيعا من تلك البيوع ، فإنه ينفذ ما أجازه خاصة ; لأن الغصب لا يزيل ملكه ، فكل بيع من هذه البيوع يوقف على إجازته لمصادفته ملكه ، فتكون إجازته لأحد البيوع تمليكا للعين من المشتري بحكم ذلك البيع فلا ينفذ ما سواه ، وهنا المشتري من المكره كان مالكا ، فالبيع من كل مشتر صادف ملكه ، وإنما يوقف نفوذه على سقوط حق المكره في الاسترداد .

وعلى هذا لا يفترق الحال بين إجازة البيع الأول ، أو الآخر ، فلهذا نفذت البيوع كلها بإجازته عقدا منها ، فإن أعتقه المشتري الآخر قبل إجازة البائع ، وقد تناسخ العبد عشرة كان العتق جائزا من الذي أعتقه إن لم يقبضه ; لأن كل بائع صار مسلطا المشتري منه على إعتاقه بإيجابه البيع له مطلقا ، وصح هذا التسليط ; لأنه يملك الإعتاق بنفسه ، فيملك أن يسلط الغير عليه ، ويستوي أن الآخر قبضه ، أو لم يقبضه ; لأن شراءه من بائعه صحيح ، وإن كان للمكره حق الفسخ بالاسترداد ، وفي الشراء الصحيح المشتري تملك المعقود عليه بنفس العقد ، وينفذ العتق فيه قبضه ، أو لم يقبضه بخلاف المشتري من المكره ، فإن شراءه فاسد لانعدام شرط الجواز ، وهو رضا البائع به ، فلا يكون مالكا قبل القبض ، فلهذا لا ينفذ عتقه فيه إلا بعد قبضه ، فإذا سلم المكره بعد ذلك لم يجز تسليمه لما بينا أن حقه تقرر في ضمان القيمة ، فلا يتحول إلى ضمان الثمن ، وإن المحل بعد العتق لم يبق قابلا لحكم العقد ابتداء ، فلا تعمل إجازته أيضا ، وكان له أن يضمن قيمة عبده أيهم شاء ; لأن كل واحد منهم متعد في حقه بقبض العين على وجه التملك لنفسه بغير رضاه ، فله أن يضمن قيمته أيهم شاء ، وإن شاء ضمن المكره ; لأنه في التسليم كان مكرها من قبله بوعيد تلف ، فيصير الإتلاف الحاصل به منسوبا إلى المكره ، فله أن يضمنه قيمته ، فإن ضمن الذي أكرهه رجع بها على المشتري الأول ; لأنه قام مقام المكره في الرجوع عليه بعد ما ضمنه القيمة ، وقد بينا أن البيع لا ينفذ من جهة المكره حين ضمن القيمة ; لأنه ما قصد البيع من جهته ، فإذا رجع بالقيمة على المشتري الأول جازت البيوع كلها ، وكذلك إن ضمن البائع المشتري الأول برئ الذي أكرهه ، وتمت البيوع [ ص: 97 ] الباقية كلها ; لأن الملك قد تقرر للمشتري الأول من حين قبضه ، وهو إنما باع ملك نفسه ، فينفذ بيعه .

وكذلك كل بائع بعده ، ولأنه في هذا لا يكون دون الغاصب ، والغاصب إذا باع ، ثم ضمن القيمة ينفذ بيعه ، فهنا كذلك ، فإن ضمنها أحد الباعة الباقين سلم كل بيع كان بعد ذلك البيع ، وبطل كل بيع كان قبل ذلك ; لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العين ، وإن القيمة سميت قيمة لقيامها مقام العين ، ولو استرد العين منه بطل كل بيع كان قبله للاستحقاق ، فكذلك إذا استرد القيمة ، وجاز كل بيع كان بعده ; لأن الملك قد تقرر للضامن حين ضمن القيمة ، فتبين أنه باع ملك نفسه ، فيكون بيعه جائزا حتى إذا ضمن المشتري الآخر بطلت البيوع ; لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العبد ، ويرجع هو على بائعه بالثمن الذي أعطاه ، وكذلك كل مشتر يرجع على بائعه حتى ينتهوا إلى البائع المكره ; لأن البيوع كلها قد انقضت ، وكل واحد منهم قبض الثمن بحكم بيعه ، فبعد الانتقاض يلزمه رده على من قبضه منه .
ولو أكره بوعيد تلف على أن يشتري من رجل عبدا له يساوي ألف درهم بعشرة آلاف درهم ، والبائع غير مكره ، فأكره على الشراء ، والقبض ، ودفع الثمن ، فلما قبضه المشتري أعتقه ، أو دبره ، أو كانت أمة فوطئها ، أو قبلها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ، وأقر بذلك ، أو قال : قد رضيتها ، فهذا كله جائز عليه ; لأن البيع تام من جهة البائع ، وإنما امتنع لزومه في حق المشتري لانعدام الرضا منه بحكمه حين كان مكرها ، فإذا أجازه فقد تم رضاه به ، وكذلك دليل الإجازة منه كصريح الإجازة ، ومباشرته هذه التصرفات المختصة بالملك حالا ، أو منقودا دليل الرضا منه بالحكم ، وهو الملك ، فلهذا يتم به البيع ، وهو بمنزلة ما لو اشترى جارية على أنه بالخيار أبدا ، وقبضها ، فالبيع فاسد ، فإن تصرف فيها بشيء من هذه التصرفات نفذ تصرفه ، وجاز البيع ; لأنه بتصرفه صار مسقطا لخياره مزيلا للمفسد ، وهو بمنزلة ما لو اشترى عبدا بألف درهم إلى الحصاد ، أو الدياس ، فالبيع ، فاسد ، فإن أبطل المشتري الأجل ، وأعطى الثمن حالا جاز شراؤه إلا أن في هذه المسألة بالإعتاق ، والوطء لا ينقلب العقد صحيحا ; لأن المفسد شرط الأجل ، ولم ينعدم ذلك بمباشرته هذه التصرفات ، وفي مسألة الخيار ، والإكراه المفسد انعدم الرضا منه بالحكم ، وهذه التصرفات منه دليل الرضا بالحكم ، وهو الملك ، فلهذا نفذ به البيع .

ولو كان أكره البائع ، ولم يكره المشتري ، فلم يقبض المشتري العبد حتى أعتقه كان عتقه باطلا ; لما بينا أن بيع المكره فاسد ، والبيع الفاسد لا يملك به إلا بعد القبض ، فإعتاقه قبل القبض لم يصادف ملكه ، فإن أجازه البائع بعد عتق المشتري جاز البيع لبقاء المعقود عليه محلا لحكم العقد ، ولم يجز ذلك العتق الذي كان من [ ص: 98 ] المشتري ; لأنه سبق ملكه ، فلا ينفذ لحدوث الملك له في المحل كمن أعتق عبد الغير ، ثم اشتراه ، ولو أعتقا جميعا العبد جاز عتق البائع ; لأنه صادف ملكه ، وانتقض به البيع ; لأنه ، فوت بإعتاقه محل البيع ، وهو نظير ما لو كان البائع بالخيار في البيع ثلاثة أيام ، فأعتقه هو ، والمشتري جاز عتق البائع ، وبطل عتق المشتري ، ولو كان المشتري قبضه ، ثم أعتقاه جميعا عتق العبد من المشتري ; لأن البيع فاسد ، والمشتري بالقبض صار مالكا ، فعتقه صادف ملكه ، وعتق البائع صادف ملك الغير ، فلهذا نفذ العتق من المشتري دون البائع .
ولو كانا مكرهين جميعا على العقد ، والتقابض ، ففعلا ذلك ، فقال أحدهما بعد ذلك : قد أجزت البيع كان البيع جائزا من قبله ، وبقي الآخر على حاله ; لأن الذي أجاز صار راضيا به ، فكأنه كان في الابتداء راضيا ، وذلك يوجب نفوذ البيع من قبله لا من قبل صاحبه المكره ، وهو نظير ما لو شرط في البيع الخيار ، ثم أسقط أحدهما خياره نفذ العقد من جهته ، وكان الآخر على خياره ، فإن أجازا جميعا بغير إكراه جاز البيع لوجود تمام الرضى بينهما بالبيع ، ولو لم يجيزا حتى أعتق المشتري العبد جاز عتقه ; لأنه ملكه بالقبض مع فساد العقد ، فكان ضامنا لقيمته ، فإن أجاز الآخر بعد ذلك لم يلتفت إلى إجازته لتقرر ضمان القيمة على المشتري ، وفوات محل حكم العقد ابتداء ، وإن لم يتقابضا ، فأجاز أحدهما البيع بغير إكراه ، فالبيع فاسد على حاله ; لأن بقاء الإكراه في جانب صاحبه كاف لفساد البيع .

فإن أعتقاه جميعا معا ، وقد أجاز أحدهما البيع ، فإن كان العبد غير مقبوض ، فعتق البائع فيه جائز ، وعتق المشتري باطل ; لأنه قبل القبض باق على ملك البائع لفساد البيع فإعتاقه صادف ملكه ، وإن أعتقه أحدهما ، ثم أعتقه الآخر ، فإن كان البائع هو الذي أجاز البيع ، وقد أعتقه المشتري قبله ، فهذا إجازة منهما للبيع ; لأن إقدام المشتري على الإعتاق رضا منه بحكم البيع ، وذلك يوجب نفوذ العتق من قبله ، وإنما يوقف نفوذه لعدم الرضى من البائع ، فإذا أجاز البيع تم بتراضيهما ، والثمن المسمى للبائع على المشتري ، والعتق لا ينفذ من المشتري ; لأنه سبق ملكه ، وإن كان البائع أعتق أولا ، فهو بإعتاقه قد نقض البيع ، ونفذ العتق من قبله ، فلا يعمل فيه إجازة واحد منهما ، ولا إعتاق المشتري بعد ذلك .

وإن كان الذي أجازه أول مرة من المشتري ، ولم يجزه البائع ، فعتق البائع جائز فيه ، وقد انتقض البيع به إن أعتقه قبل المشتري ، أو بعده ; لأنه باق على ملك البائع بعد إجازة المشتري ، فإعتاق البائع يصادف ملكه فينفذ ، وينتقض به البيع ، وإنما مثل هذا مثل رجل اشترى عبدا بألف درهم على أن المشتري بالخيار أبدا ، فلم يقبضه حتى أعتقاه ، فعتق البائع جائز [ ص: 99 ] لأن شرط الخيار بهذه الصفة يفسد البيع ، وفي البيع الفاسد المبيع على ملك البائع قبل تسليمه إلى المشتري ، فينفذ عتقه فيه ، وكذلك لو سبق البائع بالعتق ، فإن أعتقه المشتري أولا ، فالقياس فيه أن عتقه باطل ; لأن البيع فاسد ، فلا يملكه المشتري قبل القبض ، والإعتاق إذا لم يصادف الملك كان باطلا ، ولكنا نستحسن فنجعل عتقه إياه رضا بالبيع ; لأن الخيار الفاسد لا يكون أقوى من الخيار الصحيح ، ولو كان المشتري شرط لنفسه خيار ثلاثة أيام ، ثم أعتقه كان إعتاقه إسقاطا منه الخيار ، وبإسقاط الخيار يزول المعنى المفسد ، وهذا ; لأن الفساد لانعدام الرضا منه بحكم البيع ، وإقدامه على العتق يتضمن الرضا منه بالحكم ، وهو الملك ، فيقدم الرضى ، وثبوت الملك له على العتق لتنفيذ العتق كما قصده ، فإن من قصد تنفيذ تصرف في محل لا يمكنه ذلك إلا باعتبار تقديم شرط في المحل بعدم ذلك ليصح كمن يقول لغيره : أعتق عبدك عني على ألف درهم ، فيقول قد أعتقت ، أو يقول صاحب العبد : أعتقت عبدي عنك على ألف درهم ، وقال الآخر : قد رضيت عتق العبد عن المعتق عنه ووقع العتق ، والملك معا برضاه بذلك ، أو تقدم الملك في المحل على العتق ، فكذلك فيما سبق .

ولو كان المشتري قبض العبد في الإكراه ، وفي الخيار الفاسد ، ثم أجاز أحدهما البيع في الإكراه لم يجز عتق البائع فيه على حال ; لأن ملك البائع زال بتسليمه إلى المشتري ، ويكون البيع مطلقا من جهته ، وجاز عتق المشتري فيه لمصادفته ملكه ، فإن كان الذي أجاز البيع في الإكراه - البائع جاز العتق ، والبيع بالثمن ; لأن المشتري بالإعتاق صار مجيزا ، وإن كان الذي أجاز البيع - المشتري جاز عتقه ، وغرم القيمة للبائع ; لأن البيع فاسد لانعدام الرضى من البائع به ، فإن كان قبض منه الثمن حاسبه به ، وأعطاه ، فضلا إن كان له .

ولو أن المشتري أكره على الشراء ، والقبض ، ودفع الثمن ، ولم يكره البائع على ذلك ، وتقابضا ، ثم التقيا ، فقال البائع : قد نقضت البيع لم يلتفت إلى قوله ، وكان ذلك إلى المشتري ، وما بعد هذا إلى آخر الباب مبني على ما قررناه في أول الباب أن بعد القبض إنما ينفرد بالفسخ من كان مكرها منهما دون صاحبه الذي لم يكن مكرها ، وقبل القبض كل واحد منهما متمكن من النقض بعد صحة النقض عاد إلى ملك البائع ، فلا ينفذ عتق المشتري فيه بعد ذلك ; لأن ملك البائع مضمون في يده كالمغصوب ، وينفذ عتق البائع فيه لمصادفته ملكه
[ ص: 100 ] قال رحمه الله ) وإذا أكره الرجل بوعيد تلف على أن يشتري من رجل عبدا بعشرة آلاف درهم ، وقيمته ألف ، وعلى دفع الثمن ، وقبض العبد ، وقد كان المشتري حلف أن كل عبد يملكه فيما يستقبل ، فهو حر ، أو حلف على ذلك العبد بعينه ، فقد عتق العبد ; لأنه ملكه بالقبض بعد الشراء لما بينا أن شراء المكره فاسد ، وبالملك يتم شرط العتق فاسدا كان السبب ، أو صحيحا ، والمتعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز ، فكأنه أعتقه بعد ما قبضه ، فيعتق ، وعلى المشتري قيمته للبائع ، ولا يرجع على المكره بشيء ; لأنه ألزمه بالإكراه على الشراء ، والقبض مقدار القيمة ، وقد أدخل في ملكه بمقابلة ما يعد له ، ثم دخل في ملكه تلف بالعتق ، ولم يوجد من المكره إكراه على هذا الإتلاف ; لأن الملك شرط العتق فأما السبب ، وهو الثمن السابق ، فلأن كلمة الإعتاق ، وهي قوله أنت حر وجدت في اليمين دون الشرط ، وإنما يحال بالإتلاف على السبب دون الشرط ، وهو ما كان مكرها عليه من جهة أحد .

( ألا ترى ) أنه لو قال لعبده : إن دخلت الدار ، فأنت حر ، فشهد شاهدان أنه قد دخلها ، وقضى القاضي بالعتق ، ثم رجعا لم يضمنا شيئا ، وفي قياس قول زفر رحمه الله يجب الضمان على المكره ; لأنه يقول الحكم مضافا إلى الشرط وجودا عندي ، ولهذا أوجب الضمان على شهود الشرط ، فكذا في الإكراه يوجب الضمان على المكره على الشرط لحصول تلف المالية عنده ، ولكنا نقول المكره إنما يضمن إذا صار الإتلاف منسوبا إليه ، ولا يكون ذلك إلا بالإكراه على ما يحصل به التلف بعينه .

وكذا لو أكرهه على شراء ذي رحم محرم منه ، وعلى قبضه بأكثر من قيمته ، فاشتراه ، وقبضه عتق عليه ; لأنه ملكه ، ومن ملك ذا رحم محرم منه ، فهو حر ، وعليه قيمته ; لأن الشراء فاسد ، وقد تعذر رد المشتري لنفوذ العتق فيه ، فيلزمه قيمته ، ويبطل عنه ما زاد على قدر القيمة من الثمن ; لأنه التزمه مكرها ، والتزام المال مع الإكراه لا يصح ، ولا يرجع على المكره بشيء ; لأنه عتق بقرابته ، ولم يوجد من المكره إكراه على تحصيل السبب الذي به حصل العتق ، فإن قيل : لا كذلك ، فالمالك هنا متمم عليه العتق ; لأن القريب إنما يعتق على القريب بالقرابة ، والملك جميعا ، والحكم متى تعلق بعلة ذات ، وصفين يحال به على آخر الوصفين وجودا ، ولهذا لو اشترى قريبه ناويا عن كفارته جاز ; لأن بالشراء يصير معتقا متمما لعلة العتق ، فهنا المكره يكون متمما عليه العتق ، فيضمن قيمته كما لو كان أكرهه على الإعتاق بعينه قلنا نعم الملك متمم عليه العتق ، ولكن بين المشتري ، والعبد ; لأن القرابة [ ص: 101 ] وجدت في حقهما ، فأما في حق المكره ، فالشراء ليس بمتمم عليه العتق ; لأن أحد الوصفين ، وهو القرابة غير موجود في جانب المكره إذ لا صنع له في ذلك أصلا ، والإضافة إليه باعتبار صنعه ، فإذا انعدم ذلك الوصف في حقه لم يكن الشراء إتلافا في حقه ، وما لم يصر الإتلاف منسوبا إليه لا يجب الضمان عليه ، فأما في الكفارة ، فالشراء متمم للعلة في حق المشتري ، والقريب ، فيصير به معتقا ، والثاني أن عتق القريب بطريق المجازاة مستحق عليه عند دخوله في ملكه إلا أنه إذا نوى به الكفارة ، وقع عما نوى ، ولم يكن مجازاة للقرابة ، فتتأدى به الكفارة ، فأما هنا ، فالمكره ما نوى شيئا آخر سوى المجازاة ; لأنه إذا نوى شيئا آخر يصير طائعا ، والمكره إنما أكرهه على المجازاة ، فيكون هذا إكراها على إقامة ما هو مستحق عليه ، وذلك لا يوجب الضمان على المكره كما لو أكرهه على أن يؤدي زكاة ماله ، أو يكفر يمينه .

وكذلك لو أكرهه على شراء أمة قد ، ولدت منه ، أو أمة مدبرة إن ملكها ; لأن التدبير ، والاستيلاد إنما يحصل عند وجود الشرط بالسبب المتقدم ، وهو لم يكن مكرها على ذلك السبب ، وثبوت حق العتق بها عند وجود الشرط لا يكون أقوى من ثبوت حقيقة الحرية ، وقد بينا أن الإكراه على إيجاد الشرط في حقيقة الحرية لا يوجب الضمان على المكره ، فكذلك في حق الحرية ، واستوضح بفصل الشهادة إذا شهد شاهدان على رجل أنه اشترى هذا العبد بألف درهم هي قيمته ، والبائع يدعي البيع ، وقد كان المشتري قال إن ملكته ، فهو حر ، فقضى القاضي بذلك ، وأعتقه ، ثم رجعا ، فلا ضمان عليهما ; لأنه إنما أعتقه بقوله ، فهو حر لا بشرائه ، والشهود ما أثبتوا تلك الكلمة بشهادتهم ، وكذلك لو قال : عبده حر إن دخل هذه الدار ، فأكرهه بوعيد تلف حتى دخل ، فإنه يعتق ; لأنه هو الداخل بنفسه ، وإن كان مكرها بخلاف ما إذا حمل ، فأدخل ; لأنه الآن مدخل لا داخل ، فلا يصير الشرط به موجودا إلا أن يكون قال : إن صرت في هذه الدار ، فعبدي هذا حر ، فحمله المكره حتى أدخله الدار ، وهو لا يملك من نفسه شيئا ، فإنه يعتق لوجود الشرط ، ولا ضمان على المكره في الوجهين ; لأن العتق إنما حصل بقوله هو حر لا بحصوله في الدار ، فإن الحرية من موجبات قوله هو حر لا من موجبات دخول الدار ، فالإتلاف الحاصل به لا يكون مضافا إلى من أدخله الدار .

ولذلك لو قال إن تزوجت فلانة فهي طالق ، فأكره على تزوجها بمهر مثلها طلقت ، ولزمه نصف الصداق لها بسبب الطلاق قبل الدخول ، ولم يرجع على المكره بشيء ; لأنه ما أكرهه على الطلاق إنما أكرهه على التزوج ، وقد دخل في ملكه بالتزوج ما يعادل ما لزمه من المهر ; لأن [ ص: 102 ] البضع عند دخوله في ملك الزوج متقوم قال .

( ألا ترى ) أنه لو قال لامرأته ، ولم يدخل بها إن شجني اليوم أحد ، فأنت طالق ، أو قال ذلك لعبده ، فشج ، إن العبد يعتق ، والمرأة تطلق ، وعلى الشاج أرش الشجة ، وليس عليه من قيمة العبد ، ولا من نصف الصداق شيء للمعنى الذي قلنا وزفر رحمه الله في الكل مخالف ، ولكن من عادة محمد رحمه الله الاستشهاد بالمختلف على المختلف لإيضاح الكلام .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.47 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.65%)]