عرض مشاركة واحدة
  #136  
قديم 25-12-2025, 09:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,910
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المرأة والأسرة



المرأة والأسرة – 1290

الفرقان



حين تُبنَى البيوتُ على الرحمة، يبارك الله فيها ولو ضاقت، ويُغنيها ولو قلَّت ذاتُ اليد، قال -تعالى-: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم:21)؛ فالمودة زينة الأيام، والرحمة دعامة الشدائد، وكل بيتٍ يتعامل أهله بخلق النبي - صلى الله عليه وسلم - يظلّه حديثه: «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا وخيارُكم خيارُكم لأهلِه».
الصبر في الحياة الزوجية
الحياة الزوجية مليئة بالتحديات، سواء كانت صغيرة يومية أو كبيرة غير متوقعة، ومن أعظم المفاتيح التي تحافظ على استقرار البيت وراحة القلوب الصبر؛ فهو الذي يليّن القلوب، ويهدئ النفوس، ويجعل الأزواج قادرين على تجاوز الأزمات دون أن تهتز علاقة المودة والرحمة بينهم.
والصبر ليس فقط احتمال المشقة، بل هو حكمة في التعامل، وضبط للنفس، وتروٍّ قبل الرد، وتغافل قبل الجدال، قال -تعالى-: {وَاصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وقد علّمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصبر من أعظم الفضائل في الأسرة، فقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»؛ فالمؤمن الصبور مع زوجته وأسرته يعكس خلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويزرع الحب والسكينة في البيت، ويصنع جوًّا يفيض بالاحترام والتقدير. والصبر في الزواج يعني أيضًا الاحتمال عند الخطأ، والتجاوز عن الزلل، والتعاون على الصالح، ومن أهم أنواعه: الصبر على الاختلاف، والصبر على الظروف المالية أو الصحية، والصبر على الأخطاء والتحديات النفسية. وإن من صبر على شريكه، وعامله بلطف وهدوء، وحافظ على حقوقه بإنصاف، فقد حقّق معنى كبيرًا من السعادة الزوجية، وأصبح البيت واحة أمان وسكينة، فليحرص كل زوج وزوجة على الصبر كجوهرة في حياتهما المشتركة؛ فهي الأساس المتين الذي لا يزول، والركيزة التي تنهض عليها الأسرة الصالحة.
الأبناء أمانةُ العمر
الأبناء ليسوا مشروعًا نفخر به أمام الناس، بل أمانة نسأل عنها بين يدي الله، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6)، فكل كلمة نقولها، وكل موقف نغرسه، وكل قدوة نقدمها تحدث أثرا في قلوبهم لتكون أنتَ يومًا في ميزانهم؛ فربّي أبناءك باللين، وازرعي فيهم حب الله ومراقبته قبل الخوف من الناس ومراقبتهم.
أمٌّ تصنع أمَّة
الأم تصنع أمَّة؛ عندما تغرس في أبنائها الإيمان، وتعلمهم الصبر، والصدق، والاحترام، وحب الخير، وتعلّمهم كيف يكونوا عبادًا لله قبل أن يكونوا مواطنين صالحين؛ فهي مدرسة الحياة الأولى، ومعلمتها الأولى، ومثالها الحي في الأخلاق والخلق؛ فالأم الصالحة لا تقتصر مهمتها على التربية الجسدية أو العلمية، بل تشمل التربية الإيمانية والأخلاقية؛ فهي تزرع في أبنائها الثقة بالله، وحبّ العمل الصالح، حتى يصبحوا شبابًا قادرين على حمل الأمانة، والنهضة بالأمة، ونشر الخير في مجتمعهم؛ فطوبى لكل أمٍّ تُدرك قيمة رسالتها، وتستثمر أيامها في تربية الصالحين؛ فالأمة الحقيقية تُصنع بين جدران بيتٍ صغير؛ حيث قلب الأم وروحها يهتمان بغرس الخير والخلق الطيب في نفوس الأبناء.
مفاتيحُ السعادةِ الزوجيّة
السعادة الزوجية بناءٌ متدرّج، وأمانةٌ مشتركة، تقوم على الوعي، وحسن العشرة، واستحضار مراقبة الله في كل تفاصيل الحياة، ومن أراد سعادةً دائمة، فليبحث عنها في المفاتيح التي أرشد إليها الشرع، وزكّتها التجربة، ومن هذه المفاتيح:
  • أولًا: التقوى أساس السعادة: فإذا راعينا الله في الحياة الزوجية، صلحت النيات، واستقامت التصرفات، ووجد كل طرفٍ رقيبًا على نفسه قبل أن يطالب غيره بحقوقه، قال -تعالى-: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}.
  • ثانيًا: المودّة والرحمة: فالحياة الزوجية لا تخلو من تقصير وضعف، ولا يجبر ذلك إلا المودّة والرحمة، قال الله -تعالى-: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}؛ فالمودّة في الرخاء، والرحمة في الشدّة، وبهما تدوم البيوت وتستقر.
  • ثالثًا: الحوار وحسن الاستماع: كثيرٌ من المشكلات تكبر؛ لأن الكلام غاب، أو لأن أحد الطرفين لا يسمع إلا صوته، والحوار الهادئ، القائم على الاحترام، يطفئ نار الخلاف قبل أن تشتعل، ويقوّي جسور الفهم والثقة.
  • رابعًا: التغافل والتنازل: ليس من الحكمة تتبّع الزلّات، ولا من السعادة تسجيل الأخطاء؛ فالتغافل فنّ، والتنازل رفعة، وقد قيل: ما استقصى كريمٌ قط، ومن أحسن التغافل عاش مرتاحًا، وأراح من معه.
  • خامسًا: العدل في الحقوق والواجبات: السعادة لا تقوم على الاستئثار، بل على العدل والتوازن؛ لكلٍّ حقوقه، وعليه واجباته، وأعظم ما يفسد الحياة الزوجية الظلم أو الأنانية، قال -تعالى-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
  • سادسًا: الدعاء والاستعانة بالله: فالقلوب بيد الله، والسكينة من عنده، وما خاب بيتٌ جعل الدعاء زاده، والتجأ إلى الله في أوقاته العصيبة قبل أن يلجأ إلى الخصام والقطيعة.
الأب عمود البيت
الأب هو السند والعمود الذي يقوم عليه استقرار الأسرة، ودونه تهتزّ الموازين، وتضعف أركان البيت؛ فهو المعيل، والمربي، والموجّه، والقدوة، بمحبته ورعايته وحكمته، والأب ليس مجرد جالب للمال، بل هو صانع أجيال، وراع للقيم والأخلاق، وموفر للأمان والطمأنينة، ومُعلمٌ في الصبر والمسؤولية، فعندما يحسن الأب توجيه أبنائه، ويضبط سلوكه، ويقدّم القدوة، تتماسك الأسرة، ويشعر الأبناء بالثقة والاستقرار، وينشأ جيل قادر على مواجهة الحياة، ومن أعظم مهام الأب الصبر والتوجيه بحكمة، والعدل في التعامل، والمساواة بين الأبناء، والحرص على غرس القيم الإسلامية والإنسانية في نفوسهم. فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته... والرجل راعٍ على أهل بيته»، والأب الذي يحرص على تربية أبنائه على الطاعة، والصدق، وحسن الأخلاق، ويكون لهم عونًا وحماية، يبني بيتًا متينًا، ويترك أثرًا باقيا في أجيال قادمة، فتصير الأسرة واحة أمان وسكينة، ويكون الأب بذلك عمود البيت بحق.
سكينة البيوت من سكينة القلوب
السكينة الحقيقية تبدأ من الداخل، من قلب يطمئن عند ذكر الله -تعالى-، يغفر عند الزلل، ويحبّ عند الإخلاص، ويصبر عند الشدة، فإذا راقب كل فرد قلبه، وأحسن معاملاته مع الآخرين في البيت، انتشرت المحبة والود، وتراجعت الخلافات، فصار البيت واحة طمأنينة، والذي يعكر سكينة البيوت ويقطع المودة، الكلام الجارح، أو التجريح والسبّ، فهي كلمات تجري على اللسان سريعا، لكنها تترك أثرًا طويلًا في القلوب، أما القول الحسن، فهو يفتح القلوب، ويرسخ الثقة، ويجعل الإنسان محبوبًا بين الناس، وصاحب تأثير حسن في محيطه، والقول الحسن يبدأ بالكلمات اليومية البسيطة: السلام، والشكر، والثناء، والنصيحة، والمواساة، ويمتد إلى التوجيه الإيجابي، وتصحيح الخطأ بلطف، والتخفيف عن الآخرين؛ فكم من كلمة لطيفة غيّرت موقفًا، وهدأت نفسًا، ونصحت قلبًا، وصدّقت قول الله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، فلنجعل القول الحسن عادة، وخلقًا متجددًا، حتى تصير حياتنا مليئة بالمحبة، وبيوتنا ومجتمعاتنا بساتين سلام، وقلوبنا مطمئنة، وصدورنا مطيعة لربها، كما أراد الله -تعالى- ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.56 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.96%)]