
25-12-2025, 06:59 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,962
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع والعشرون
صـــ72 الى صـــ 81
(490)
( قال رحمه الله ) وإذا بعث الخليفة عاملا على كورة ، فقال لرجل لتقتلن هذا الرجل عمدا بالسيف ، أو لأقتلنك ، فقتله المأمور ، فالقود على الآمر المكره في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، ولا قود على المكره ، وقال زفر رحمه الله القود على المكره دون المكره ، وقال الشافعي رحمه الله يجب القود على المكره قولا واحدا ، وله في إيجاب القود على المكره قولان .
، وقال أهل المدينة رحمهم الله عليهما القود ، وزادوا على هذا ، فأوجبوا القود على الممسك حتى إذا أمسك رجلا ، فقتله عدوه قالوا يجب القود على الممسك ، وقال أبو يوسف أستحسن أن لا يجب القود على واحد منهما ، ولكن تجب الدية على المكره في ماله في ثلاث سنين أما زفر رحمه الله ، فاستدل بقوله تعالى { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } ، والمراد سلطان استيفاء القود من القاتل والقاتل هو المكره حقيقة ، والمعنى فيه أن من قتل من يكافئه لإحياء نفسه يعتمد بحق مضمون ، فيلزمه القود كما لو أصابته مخمصة ، فقتل إنسانا ، وأكل من لحمه ، والدليل على أن القاتل هو المكره أن القتل فعل محسوس ، وهو يتحقق من المكره ، والطائع بصفة واحدة فيعرف به أنه قاتل حقيقة ، ومن حيث الحكم أنه يأثم إثم القتل ، وإثم القتل على من [ ص: 73 ] باشر القتل ، والدليل عليه أن المقصود بالقتل إذا قدر على قتل المكره كان له أن يقتله كما لو كان طائعا ، وبه نعلل .
، فنقول : كل حكم يتعلق بالقتل ، فإنه لا يسقط عن المكره بالإكراه كالإثم ، والتفسيق ، ورد الشهادة ، وإباحة قتله للمقصود بالقتل بل أولى ; لأن تأثير الضرورة في إسقاط الإثم دون الحكم حتى إن من أصابته مخمصة يباح له تناول مال الغير ، ويكون ضامنا ، ثم هنا لا يسقط إثم الفعل عن المكره ، فلأن لا يسقط عنه حكم القتل أولى ، ولما جعل هذا نظير الإكراه بالحبس في إثم الفعل ، فكذلك في حكمه ، ولا يقال : إنما يأثم إثم سوء الاختيار ، أو إثم جعل المخلوق في معصية الخالق ; لأنه مكره على هذا كله كما هو مكره على القتل .
والشافعي يستدل بهذا أيضا إلا أنه يوجب القود على المكره أيضا للسبب القوي ; لأن القصد إلى القتل بهذا الطريق ظاهر من المتخيرين ، والقصاص مشروع بطريق الزجر ، فيقام السبب القوي مقام المباشرة في حق المكره لتغليظ أمر الدم ، وتحقيق معنى الزجر كما قال في شهود القصاص يلزمهم القود قال ، وعلى أصلكم حد قطاع الطريق يجب على الردى بالسبب القوي ، والدليل عليه أن الجماعة يقتلون بالواحد قصاصا لتحقيق معنى الزجر ، ومن أوجب القود على الممسك يستدل بها أيضا ، فنقول الممسك قاصد إلى قتله مسبب له ، فإذا كان التسبيب يقام مقام المباشرة في أخذ بدل الدم ، وهو الدية يعني حافر البئر في الطريق ، فكذلك في حكم القصاص إلا أن المتسبب إذا قصد شخصا بعينه يكون عامدا ، فيلزمه القود ، وإذا لم يقصد بتسببه شخصا بعينه ، فهو بمنزلة المخطئ ، فتلزمه الدية وللشافعي رحمه الله طريق آخر أن المكره مع المكره بمنزلة الشريكين في القتل ; لأن القصد وجد من المكره ، وما هو المقصود به ، وهو الانتقام يحصل له ، والمباشرة وجدت من المكره ، فكانا بمنزلة الشريكين ، ثم وجب القود على أحدهما ، وهو المكره فكذلك على الآخر ، والدليل على أنهما كشريكين أنهما مشتركان في إثم الفعل ، وأن المقصود بالقتل أن يقتلهما جميعا .
، وحجة أبي حنيفة ومحمد أن المكره ملجأ إلى هذا الفعل ، والإلجاء بأبلغ الجهات يجعل الملجأ آلة للملجئ ، فلا يصلح أن يكون آلة له كما في إتلاف المال ، فإن الضمان يجب على المكره ، ويصير المكره آلة له حتى لا يكون عليه شيء من حكم الإتلاف ، ومعلوم أن المباشر ، والمتسبب إذا اجتمعا في الإتلاف ، فالضمان على المباشر دون المتسبب ، ولما وجب ضمان المال على المكره علم أن الإتلاف منسوب إلى المكره ، ولا طريق للنسبة إليه سوى جعل المكره آلة للمكره ، فكذلك في القتل ; لأن المكره يصلح أن يكون آلة للمكره فيه بأن يأخذ بيده [ ص: 74 ] مع السكين ، فيقتل به غيره ، وتفسير الإلجاء أنه صار محمولا على ذلك الفعل بالتهديد بالقتل ، فالإنسان مجبول على حب الحياة ، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالإقدام على القتل ، فيفسد اختياره بهذا الطريق ، ثم يصير محمولا على هذا الفعل ، وإذا فسد اختياره التحق بالآلة التي لا اختيار لها ، فيكون الفعل منسوبا إلى من فسد اختياره ، وحمله على هذا الفعل لا على الآلة ، فلا يكون على المكره شيء من حكم القتل من قصاص ، ولا دية ، ولا كفارة .
( ألا ترى ) أن شيئا من المقصود لا يحصل للمكره ، فلعل المقتول من أخص أصدقائه ، فعرفنا أنه بمنزلة الآلة ، فأما الإثم ، فبقاء الإثم عليه لا يدل على بقاء الحكم كما إذا قال لغيره : اقطع يدي ، فقطعها كان آثما ، ولا شيء عليه من حكم القطع بل في الحكم يجعل كأن الآمر فعله بنفسه ، وقد بينا أنه مع ، فساد الاختيار يبقى مخاطبا ، فلبقائه مخاطبا كان عليه إثم القتل ، ولفساد اختياره لم يكن عليه شيء من حكم القتل ، ثم حقيقة المعنى في العذر عن فعل الإثم من وجهين : أحدهما أن تأثير الإلجاء في تبديل النسبة لا في تبديل محل الجناية ، ولو جعلنا المكره هو الفاعل في حكم الضمان لم يتبدل به محل الجناية ، ولو أخر جناية المكره من أن يكون فاعلا في حق الآثم تبدل به محل الجناية ; لأن الآثم من حيث إنه جناية على حد الدين ، وإذا جعلنا المكره في هذا آلة كانت الجناية على حد دين المكره دون المكره ، وإذا قلنا : المكره آثم ، ويكون الفعل منسوبا إليه في حق الآثم كانت جناية على دينه بارتكاب ما هو حرام محض ، وبسبب الإكراه لا يتبدل محل الجناية ، فأما في حق الضمان فمحل الجناية نفس المقتول سواء كان الفعل منسوبا إلى المكره ، أو إلى المكره ، وبهذا تبين أن في حق الإثم لا يصلح أن يكون آلة ; لأن الإنسان في الجناية على حد دين نفسه لا يصلح أن يكون آلة لغيره ، والثاني - أنا لو جعلنا المكره آلة في حق الإثم كان ذلك إهدارا ، وليس تأثير الإلجاء في الإهدار .
( ألا ترى ) أن في المال لا يجعل فعل المكره كفعل بهيمة ليس لها اختيار صحيح ، والمكره آثم بإكراهه ، فإذا لم يجعل المكره آثما كان هذا إهدارا للآثم في حقه أصلا ، ولا تأثير للإلجاء في ذلك بخلاف حكم الفعل ، فإنه إذا جعل المكره آلة فيه كان المكره مؤاخذا به إلا أن يكون هدرا ، ولا يقال : الحربي إذا أكره مسلما على قتل مسلم ، فإن الفعل يصير منسوبا إلى المكره عندكم ، وفي هذا إهدار ; لأنه ليس على المكره شيء من الضمان ، وهذا ; لأنه ليس بإهدار بل هو بمنزلة ما لو باشر الحربي قتله فيكون المقتول شهيدا ، ولا يكون قتل الحربي إياه هدرا ، وإن كان لا يؤاخذ بشيء من الضمان إذا أسلم ، وبه ، فارق المضطر ; لأنه غير ملجأ إلى ذلك الفعل من جهة غيره ليصير [ ص: 75 ] هو آلة للملجئ .
( ألا ترى ) أن في المال الضمان ، واجب عليه ، فعرفنا به أن حكم الفعل مقصور عليه ، والدليل على أن الفاعل هو المكره أن القصاص يلزمه عند الشافعي رحمه الله ، والقصاص عقوبة تندرئ بالشبهات ، فيعتمد المساواة حتى أن بدون المساواة لا يجب القصاص كما بين المسلم ، والمستأمن ، وكما في كسر العظام ، ولا مساواة بين المباشرة ، والتسبب ، ولا طريق لجعل المكره شريكا إلا بنسبة بعض الفعل إليه ، وإذا كان للإلجاء تأثير في نسبة بعض الفعل إلى الملجئ ، فكذلك في نسبة جميع الفعل إليه ، ولا معنى لإيجاب القود على الممسك ; لأن القصاص جزاء مباشرة الفعل ، فإنه عقوبة تندرئ بالشبهات ، وفي التسبب نقصان ، فيجوز أن يثبت به ما يثبت مع الشبهات ، وهو المال ، ولا يجوز أن يثبت ما يندرئ بالشبهات بخلاف حد قطاع الطريق ، فإن ذلك جزاء المحاربة ، والردء مباشر للمحاربة كالقاتل ، وقد بينا هذا في السرقة ، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام { يصبر الصابر ، ويقتل القاتل } أي يحبس الممسك ، ويقتل القاتل .
فأما أبو يوسف رحمه الله ، فقال أستحسن أن لا يجب القود على واحد منهما ; لأن بقاء الإثم في حق المكره دليل على أن الفعل كله لم يصر منسوبا إلى المكره ، والقصاص لا يجب إلا بمباشرة تامة ، وقد انعدم ذلك من المكره حقيقة ، وحكما ، فلا يلزمه القود ، وإن كان هو المؤاخذ بحكم القتل فيما يثبت مع الشبهات ، والدليل عليه أن وجوب القصاص يعتمد المساواة ، ولا مساواة بين المباشرة ، والإكراه ، فلا يمكن إيجاب القود على المكره إلا بطريق المساواة ، ولكنا نقول : المكره مباشر شرعا بدليل أن سائر الأحكام سوى القصاص نحو حرمان الميراث ، والكفارة في الموضع الذي يجب ، والدية يختص بها المكره فكذلك القود ، والأصل فيه قوله تعالى { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم } ، فقد نسب الله الفعل إلى المعين ، وهو ما كان يباشر صورة ، ولكنه كان مطاعا فأمر به ، وأمره إكراه إذا عرفنا هذا ، فنقول : سواء كان المكره بالغا عاقلا ، أو كان معتوها ، أو غلاما غير يافع فالقود على المكره ; لأن المكره صار كالآلة ، والبلوغ .
والعقل لا معتبر به في حق الآلة ، وإنما المعتبر تحقق الإلجاء لخوف التلف على نفسه ، وكذلك حكم حرمان الميراث ، فإنه يثبت في حق المكره دون المكره ، وإن كان الآمر غير بالغ ، ولكنه مطاع بتحقق الإكراه منه ، أو كان رجلا مختلط العقل ، ولكن يتحقق الإكراه منه ، فإن الفعل يصير منسوبا إليه ، وذلك يكون بمنزلة جنايته بيده في أحكام القتل ، واستدل بقول الحسن البصري رحمه الله في أربعة شهدوا على رجل بالزنا ، ورجمه الناس فقتلوه ، ثم رجع بعض الشهود - إن على الراجع [ ص: 76 ] القتل ، وهذا شيء لا يؤاخذ به ، ولكن قصد بهذا الاستشهاد دفع النسبة عمن تمسك بالصورة ، ويقول كيف أوجبتم القتل على المكره ، ولم يباشر القتل حسا ؟ واستدل عليه بقول أهل المدينة في الممسك : ويقتل الردء في قطع الطريق ، وإن لم يباشروا قتل أحد حسا ، وكذلك لو قال العامل له لتقطعن يده ، أو لأقتلنك لم ينبغ له أن يفعل ذلك ; لأن لأطراف المؤمن من الحرمة مثل ما لنفسه .
( ألا ترى ) أن المضطر لا يحل له أن يقطع طرف الغير ليأكله كما لا يحل له أن يقتله ، وكذلك لو أمره بقطع أصبع أو نحوه ، فإن حرمة هذا الجزء بمنزلة حرمة النفس ، فإن القتل من المظالم ، والمكره مظلوم ، فليس له أن يظلم أحدا ، ولو ظلم ، وإن أقدم على القتل ، فليس عليه إلا الإثم ، فأما الفعل في حق الحكم ، فقد صار منسوبا إلى المكره لوجود الإلجاء بالتهديد بالقتل ، وإن رأى الخليفة أن يعزر المكره ، ويحبسه ، فعل لإقدامه على ما لا يحل له الإقدام عليه ، وإن أمره أن يضربه سوطا واحدا ، أو أمره أن يحلق رأسه ، أو لحيته ، أو أن يحبسه ، أو أن يقيده ، وهدده على ذلك بالقتل رجوت أن لا يكون آثما في فعله ، ولا في تركه أما في تركه ، فلأنه من المظالم ، والكف عن المظالم ، هو العزيمة ، والمتمسك بالعزيمة لا يكون آثما ، وأما إذا قدم عليه ، فلأنه يدفع القتل عن نفسه بهم ، وحزن يدخل على غيره ، فإن بالحبس ، والقيد ، وبحلق اللحية ، وضرب سوط يدخله هم ، وحزن ، ولا يخاف على نفسه ، ولا على شيء من أعضائه ، ولدفع الهلاك عن نفسه قد رخص له الشرع في إدخال الهم ، والحزن على غيره .
( ألا ترى ) أن المضطر يأخذ طعام الغير بغير رضاه ، ولا شك أن صاحب الطعام يلحقه حزن بذلك إلا أنه علق الجواب بالإلجاء ; لأنه لم يجد في هذا بعينه نصا ، والفتوى بالرخصة فيما هو من مظالم العباد بالرأي لا يجوز مطلقا ، فلهذا قال رجوت ، وإن كان يهدده على ذلك بحبس ، أو قيد ، أو ضرب سوط ، أو حلق رأسه ، ولحيته لم ينبغ له أن يقدم على شيء من الظلم قل ذلك ، أو كثر ; لأن الرخصة عند تحقق الضرورة ، وذلك إذا خاف التلف على نفسه ، وهو بما هدده هنا لا يخاف التلف على نفسه . .
ولو أكرهه بالحبس على أن يقتل رجلا ، فقتله كان القود فيه على القاتل ; لأن بالتهديد بالحبس لا يتحقق الإلجاء ، ولهذا كان الضمان في المال عند الإكراه بالحبس على المكره دون المكره ، ولو أمره بقتله ، ولم يكرهه على ذلك إلا أنه يخاف إن لم يفعل أن يقتله ، ففعل ما أمره به كان ذلك بمنزلة الإكراه ; لأن الإلجاء باعتبار خوفه التلف على نفسه أن لو امتنع من الإقدام على الفعل ، وقد تحقق ذلك هنا ، ومن عادة المتجبرين الترفع عن التهديد بالقتل ، ولكنهم يأمرون [ ص: 77 ] ثم لا يعاقبون من خالف أمرهم إلا بالقتل ، فباعتبار هذه العادة كان الأمر من مثله بمنزلة التهديد بالقتل .
ولو أكرهه بوعيد تلف حتى يفتري على مسلم رجوت أن يكون في سعة منه .
( ألا ترى ) أنه لو أكرهه بذلك على الكفر بالله تعالى كان في سعة من إجراء كلمة الكفر على اللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان ، فكذلك إذا أكرهه بالافتراء على مسلم ; لأن الافتراء على الله تعالى ، والشتم له يكون أعظم من شتم المخلوق إلا أنه علقه بالرجاء ; لأن هذا من مظالم العباد ، وليس هذا في معنى الافتراء على الله تعالى من كل وجه ، فإن الله تعالى مطلع على ما في ضميره ، ولا اطلاع للمقذوف على ما في ضميره ، ولأن الله تعالى يتعالى أن يدخله نقصان بافتراء المفترين ، وفي الافتراء على هذا المسلم هتك عرضه ، وذلك ينقص من جاهه ، ويلحق الحزن به ، فلهذا علق الجواب بالرجاء .
قال ( ألا ترى ) أنه لو أكرهه على شتم محمد صلى الله عليه وسلم بقتل كان في سعة إن شاء الله ، فهذا أعظم من قذف امرئ مسلم ، ولو تهدده بقتل حتى يشتم محمدا صلى الله عليه وسلم أو يقذف مسلما ، فلم يفعل حتى قتل كان ذلك أفضل له لما بينا أن في الامتناع تمسك بما هو العزيمة ، ولما { امتنع خبيب رضي الله عنه حتى قتل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الشهداء . } .
ولو تهدده بقتل حتى يشرب الخمر ، فلم يفعل حتى قتل خفت أن يكون آثما ، وقد بينا هذا الفصل إلا أنه ذكره هنا بلفظ يستدل به على أنه كان من مذهبه أن الأصل في الأشياء الإباحة ، وأن الحرمة بالنهي عنها شرعا ، فإنه قال ; لأن شرب الخمر ، وأكل الميتة لم يحرم إلا بالنهي عنهما ، وبين أهل الأصول في هذا كلام ليس هذا موضع بيانه . .
ولو أكرهه بوعيد تلف على أن يأخذ مال فلان ، فيدفعه إليه رجوت أن يكون في سعة من أخذه ، ودفعه إليه ; لأنه بمنزلة المضطر ، وقد بينا أنه يباح للمضطر أخذ مال الغير ليدفع به الضرورة عن نفسه ، ولكنه علق الجواب بالرجاء ; لأن هذا ليس في معنى المضطر من وجه فالعذر هناك ، وهو الجوع ما كان بصنع مضاف إلى العباد ، والخوف هنا باعتبار صنع مضاف إلى العبد ، وبينهما ، فرق .
( ألا ترى ) أن المقيد إذا صلى قاعدا يلزمه الإعادة إذا أطلق عنه القيد بخلاف المريض قال : والضمان فيه على الآمر ; لأن الإلجاء قد تحقق فيصير الأخذ ، والدفع كله منسوبا إلى الآمر ، والمكره بمنزلة الآلة له ، وإنما يسعه هذا ما دام حاضرا عند الآمر ، فإن كان أرسله ليفعل ، فخاف أن يقتله إن ظفر به ، ولم يقل إن لم يفعل ما هدد به لم يحل الإقدام على ذلك ; لأن الإلجاء إنما يتحقق ما دام في يد المكره بحيث يقدر على إيقاع [ ص: 78 ] ما هدده به عاجلا ، وقد انعدم ذلك حين بعد عنه ، ولا يدري أيقدر عليه بعد ذلك ، أو لا يقدر ؟ ، وبهذا الفصل تبين أنه لا عذر لأعوان الظلمة في أخذ الأموال من الناس ، فإن الظالم يبعث عاملا إلى موضع ليأخذ مالا ، فيتعلل العامل بأمره ، وإنه يخاف العقوبة من جهته إن لم يفعل ، وليس ذلك بعذر له إلا أن يكون بمحضر من الآمر ، فأما بعد ما بعد من الظالم ، فلا إلا أن يكون رسول الآمر معه على أن يرده عليه إن لم يفعل ، فيكون هذا بمنزلة الذي كان حاضرا عنده ; لأن كونه تحت يد رسوله ككونه في يده ، ويتمكن الرسول من رده إليه ليعاقبه بتحقق الإلجاء ، ولو لم يفعل ذلك حتى قتله كان في سعة إن شاء الله ; لأنه تحرز عما هو من مظالم العباد ، وذلك عزيمة .
( ألا ترى ) أن للمضطر أن يأخذ طعام صاحبه بقدر ما تندفع عنه الضرورة به ، ولو لم يأخذه حتى تلف لم يكن مؤاخذا به ، فهذا مثله ، ولو كان المكره هدده بالحبس ، أو القيد لم يسعه الإقدام على ذلك لأن الإلجاء والضرورة بهذا التهديد لا يتحقق .
ولو أكره رجلا على قتل أبيه ، أو أخيه بوعيد قتل ، فقتله ، فقد بينا حكم المسألة أن الفعل يصير منسوبا إلى المكره فيما هو من أحكام القتل ، فكأنه هو المباشر بيده ، وعلى هذا الحرف ينبني ما بعده من المسائل حتى قالوا : لو أن لصين أكرها رجلا بوعيد تلف على أن يقطع يد رجل عمدا كان ذلك كقطعهما بأيديهما ، فعليهما أرش اليد في مالهما في سنتين ، ولا قود عليهما ; لأن اليدين لا يقطعان بيد ، واحدة ، وإن مات فيهما ، فعلى المكرهين القود ; لأن القطع إذا اتصلت به السراية كان قتلا من أصله ، ولو باشرا قتله لزمهما القود ، ولو كان الآمر واحدا ، والمأمور اثنين كان على الآمر القصاص في اليد إن عاش ، وفي البدن إن مات من ذلك ; لأن الفعل منسوب إلى المكره ، وهو واحد لو باشر قطع يده ، أو قتله يجب القود عليه ، فكذلك إذا أكرهه على ذلك رجلان ، والله أعلم بالصواب .
( قال رحمه الله ) ولو أن لصا أكره رجلا بوعيد تلف حتى أعطى رجلا ماله ، وأكره الآخر بمثل ذلك حتى قبضه منه ، ودفعه ، فهلك المال عنده ، فالضمان على الذي أكرههما دون القابض ; لأن الدافع والقابض كل واحد منهما ملجأ من جهة المكره ، فيصير الفعل في الدفع ، والقبض منسوبا إلى المكره ، والقابض مكره على قبضه بوعيد تلف ، فلا يبقى في جانبه فعل موجب للضمان عليه ، ولأنه قبضه ليرده على صاحبه إذا تمكن منه ، ومثل هذا القبض لا يوجب [ ص: 79 ] الضمان على القابض ، وإن كان قبضه بغير أمر صاحبه كمن أخذ آبقا ، أو ، وجد لقطة ، وأشهد أنه أخذه ليرده على صاحبه لم يكن عليه ضمان إن هلك عنده ، وكذلك لو كان أكره القابض على قبضه ليدفعه إلى الذي أكرهه فقبضه ، وضاع عنده قبل أن يدفعه إليه ، فلا ضمان على القابض إذا حلف بالله ما أخذه إلا ليدفعه إليه طائعا ، وما أخذه إلا ليرده على صاحبه إلا أن يكره على دفعه ; لأن الظاهر يشهد له في ذلك ، فإن فعل المسلم محمول على ما يحل ، ويحل له الأخذ مكرها على قصد الرد على صاحبه ، ولا يحل له الأخذ على قصد الدفع إلى المكره طائعا ، ودينه ، وعقله يدعوانه إلى ما يحل دون ما لا يحل إلا أن في اللقطة لا يقبل قوله على هذا إذا لم يشهد في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأنه متمكن من الإشهاد على ذلك ، وهنا هو غير متمكن من الإشهاد على ما في ضميره من قصد الرد على المالك ; لأنه إن أظهر ذلك عاقبه المكره ، فلهذا قبلنا قوله في ذلك مع اليمين .
ولو كان أكره صاحب المال على أن يهبه لصاحبه ، وأكره الآخر على أن يقبل الهبة منه ، ويقبضها بوعيد تلف ، فقبضها ، فضاعت عنده ، فإن قال القابض : أخذتها على أن تكون في يدي مثل الوديعة حتى أردها على صاحبها ، فالقول قوله مع يمينه ; لأن الإكراه شاهد له على أنه غير راغب في تمليكها ، فيكون الضمان على المكره خاصة ، وإن قال أخذتها على وجه الهبة لتسلم لي كان لرب المال أن يضمنه إن شاء ، وإن شاء المكره ; لأن الموهوب له قبض مال الغير على وجه التملك بغير رضا صاحبه ، وهو طائع في ذلك القبض على هذا القصد ، فيكون ضامنا للمال ، وأما المكره ، فلأن الدافع ملجأ من جهته ، فيجعل كأنه قبضه بنفسه ، ودفعه إليه ، فإن ضمن المكره - رجع على الموهوب له ; لأنه قائم مقام من ضمنه ; لأن المكره ما قصد مباشرة الهبة من جهته ، فلا يمكن تنفيذ الهبة من جهته بملكه إياه ، وفي الأصل أشار إلى حرف آخر ، فقال ; لأنه إنما ضمن المال بقبض الموهوب له ، وقد كانت الهبة قبل القبض ، فلا يجعل الذي أكرههما بمنزلة الواهب ، وما قلناه أوضح ; لأنا إذا جعلنا القابض مكرها ، وكان المكره ضامنا باعتبار نسبة القبض إليه لا يبقى في جانب القابض سبب موجب للضمان عليه ، والدليل عليه أنه قال : فإن ضمن الموهوب له لم يكن على الذي أكرهه شيء ; لأنه أخذه على أنه له .
ولو كان القبض منسوبا إلى المكره كان للقابض أن يرجع على المكره بما يلحقه من الضمان بسببه ، فإن كان الموهوب له بحيث يتمكن من الإشهاد عند الهبة أن يقبضه للرد ، فلم يفعل كان ضامنا بترك الإشهاد ; لأن القبض بحكم الهبة عمل منه لنفسه ، فلا يقبل قوله بخلاف ما صرح به إلا عند [ ص: 80 ] الضرورة ، وهو ما إذا لم يكن متمكنا من الإشهاد ; لأنا رأينا أن في موضع الضرورة يجعل القول قوله فيما في ضميره كالمكره على الكفر إذا قال بعد ما تكلم بالكفر كنت مطمئن القلب بالإيمان قبل قوله ، ولم تبن منه امرأته ، فأما عند تمكنه من الإشهاد بلا ضرورة ، فلا يقبل قوله بمنزلة من وجد عبدا آبقا لرجل في يد غيره ، فلم يقدر على استرداده منه إلا بشراء ، أو هبة فطلب ذلك منه حتى ، وهب له ، أو اشتراه كان ضامنا له إلا أن يشهد عند ذلك أنه يأخذه ليرده على مولاه ، فإذا أشهد لم يضمن ، وكذلك إن لم يكن متمكنا من الإشهاد يقبل قوله في ذلك .
ولو أكرهه على بيع عبده ، وأكره المشتري على شرائه ، وأكرههما على التقابض ، فهلك الثمن ، والعبد ، ثم اختصموا ، فضمان العبد للبائع ، وضمان الثمن للمشتري على الذي أكرههما ; لأن كل ، واحد منهما ملجأ على دفع ماله إلى الآخر من جهته ، فإن أراد أحدهما أن يضمن صاحبه سئل كل واحد منهما عما قبضه على وجه قبضه ، فإن قال : قبضته على البيع الذي أكرهنا عليه ليكون لي ، وقالا ذلك جميعا فالبيع جائز ، ولا ضمان على المكره فيه ; لأن قبض كل ، واحد منهما على هذا القصد دليل الرضا منه بالبيع ، ودليل الرضا كصريح الرضا .
( ألا ترى ) أنهما لو أكرها على البيع ، ثم تقابضا بغير إكراه تم البيع بينهما ، فكذلك إذا أقر كل واحد منهما أنه قبضه على وجه التملك ، وإن قال قبضته مكرها لأرده على صاحبه ، وآخذ منه ما أعطيت ، وحلف كل ، واحد منهما لصاحبه على ذلك لم يكن لواحد منهما على صاحبه ضمان ; لأن الإكراه دليل ظاهر لكل واحد منهما على ما يخبر به عن ضميره إلا أن صاحبه يدعي عليه ما لو أقر به لزمه الضمان ، فإذا أنكر يحلف على ذلك فإن حلف أحدهما ، وأبى الآخران يحلف لم يضمن الذي حلف ; لأن بيمينه قد انتفى عنه بسبب الضمان إلا أن يثبته صاحبه بالحجة ، ويضمن الذي لم يحلف ما قبض ; لأن نكوله كإقراره ، وذلك يثبت عليه سبب الضمان عند قضاء القاضي ، فإن كان الذي أبى اليمين هو الذي قبض العبد ضمن البائع قيمة العبد أيهما شاء ; لأن فعله بالدفع صار منسوبا إلى المكره ، والقابض كان طائعا حين قبضه لنفسه على وجه التملك ، فإن ضمنها المكره رجع بها على المشتري ; لأنه ملك بالضمان ، وما قصد تنفيذ البيع من جهته ، ولأنه إنما ضمنها بالإكراه على القبض ، وقد كان البيع قبل ذلك ، فلا يكون بمنزلة البائع .
وقد بينا أن الوجه الأول أصح ، وإن ضمنها المشتري لم يرجع بها على المكره ; لأنه أقر أنه لم يقبضه على وجه الإكراه ، وإنما قبضه على وجه الشراء ، ولم يرجع على البائع بالثمن أيضا ; لأن البائع قد حلف أنه قبض الثمن للرد [ ص: 81 ] عليه ، وقد هلك في يده ، فلا يضمن له شيئا من ذلك ، ولا يرجع بالثمن على المكره أيضا ; لأنه أقر أنه دفع الثمن طوعا ، وأنه كان راضيا بالبيع ، وإن كان المشتري حلف ، وأبى البائع اليمين ، فلا ضمان في العبد على من أخذه ، وأما الثمن ، فإن شاء المشتري ضمنه المكره ، وإن شاء ضمنه البائع ; لأن البائع بنكوله أقر أنه قبض الثمن لنفسه طائعا ، وفعل الدافع منسوب إلى المكره للإلجاء ، فإن ضمن البائع لم يرجع به على المكره ; لأنه ضمن بفعل كان عاملا فيه لنفسه طائعا ، وإن ضمنه المكره رجع به على البائع ; لأنه قام مقام من ضمنه ، ولأنه ملكه بالضمان ، والقابض كان طائعا في قبضه لنفسه ، فيضمن له ذلك .
ولو أكرههما على البيع ، والشراء ، ولم يذكر لهما قبضا ، فلما تبايعا لم يتقابضا حتى فارقا الذي أكرههما ، ثم تقابضا على ذلك البيع ، فهذا رضا منهما بالبيع ، وإجازة له ; لأن البيع مع الإكراه كان منعقدا ، ولم يكن نافذا جائزا لانعدام الرضا منهما ، فإذا وجد دليل الرضا نزل ذلك منزلة التصريح بالرضا بالإجازة طوعا ، وقد بينا الفرق بين الهبة ، وبين البيع ; لأن الإكراه على البيع لا يكون إكراها على التسليم ، والإكراه على الهبة يكون إكراها على التسليم ، ولو كان الإكراه في الوجه الأول على البيع ، والقبض بغير تلف بل بحبس ، أو قيد ، وتقابضا على ذلك مكرهين لم يجز البيع ; لأن نفوذ البيع يعتمد تمام الرضا ، وبالتهديد بالحبس ينعدم تمام الرضا ، فإن ضاع ذلك عندهما ، فلا ضمان لواحد منهما على المكره ; لأن فعلهما لم يصر منسوبا إلى المكره ، فإن نسبة الفعل إليه بالإلجاء ، والتهديد بالحبس لا يتحقق الإلجاء ، ولكن كل واحد منهما ضامن لما قبض من مال صاحبه ; لأنه قبضه بحكم عقد ، فاسد ، وفعل كل واحد منهما في القبض مقصور عليه ، وقد قبضه بغير رضا صاحبه ، ولو قبضه بحكم العقد الفاسد برضا صاحبه كان مضمونا عليه فهنا أولى أن يكون مضمونا عليه . .
ولو أكرهه بالحبس على أن يودع ماله هذا الرجل ، وأكره الآخر بالحبس على قبوله ، وديعة ، فقبله ، وضاع عنده فلا ضمان على المكره ، ولا على القابض أما على المكره ، فلانعدام الإلجاء من جهته ، وأما على القابض ، فلأنه ما قبض لنفسه ، وإنما قبضه ليحفظه وديعة ، ويرده على صاحبه إذا تمكن منه ، ومثل هذا القبض لا يكون موجبا للضمان عليه ، وإن انعدم الرضا من صاحبه كما لو هبت الريح بثوب إنسان ، وألقته في حجر غيره ، فأخذه ليرده على صاحبه ، فهلك لم يكن ضامنا شيئا .
ولو أكرهه بالحبس على أن يهب ماله لهذا ، أو يدفعه إليه ، وأكره الآخر بالحبس على قبوله ، وقبضه ، فهلك ، فالضمان على القابض ; لأنه قبضه على وجه التملك ، وفعله في القبض مقصور عليه [ ص: 82 ] فإنه غير ملجأ من جهة المكره ، فلهذا كان الضمان عليه دون المكره ، ولو كان أكره القابض بوعيد تلف على ذلك لم يضمن القابض ، ولا المكره شيئا .
أما القابض ، فلأنه ملجأ إلى القبض ، وذلك بعدم الفعل الموجب للضمان في حقه ، وأما المكره ، فلأن الدافع لم يكن ملجأ في دفع المال إليه ; لأنه كان مكرها بالحبس ، فبقي حكم الدفع مقصورا على الدافع قاله أبو حازم رحمه الله ، وهذا غلط ; لأن فعل الدافع إن لم يكن منسوبا إلى المكره ، ففعل القابض صار منسوبا إليه ، وإنما قبضه بغير رضا المالك ، فكأن المكره قبضه بنفسه ، فينبغي أن يكون المكره ضامنا من هذا الوجه ، وما قاله في الكتاب أصح ; لأن هذا القبض متمم للهبة ، وفي مثله لا يصلح المكره آلة للمكره ( ألا ترى ) أن المكره لو قبضه بنفسه لا تتم الهبة به ، ثم الموجب للضمان على المكره تفويت اليد على المالك ، وذلك بالدفع ، والإخراج من يدهما لا بالقبض ; لأن الأموال محفوظة بالأيدي ، وفعل الدافع لم يصر منسوبا إلى المكره ، ولو أكره الواهب بتلف ، وأكره الموهوب له بحبس كان لصاحب المال أن يضمن - إن شاء - المكره ، - وإن شاء - القابض ; لأن فعل الدافع منسوب إلى المكره لكونه ملجأ من جهته ، فيكون المكره ضامنا له ، وفعل القابض مقصور عليه ; لأنه كان مكرها على القبض بالحبس ، وقد قبضه على وجه التملك ، فكان للدافع أن يضمن أيهما شاء ، فإن ضمن المكره رجع به على القابض لما قلنا ، وكذلك في البيع إذا أكره البائع بوعيد تلف على البيع ، والتقابض ، وأكره المشتري على ذلك بالحبس ، فتقابضا ، وضاع المال ، فلا ضمان على البائع فيما قبض بعد أن يحلف ما قبضه إلا ليرده على صاحبه ; لأنه ملجأ قبل القبض ، فيكون مقبول القول في أنه قبضه للرد مع يمينه ، وللبائع أن يضمن المكره قيمة عبده ; لأنه كان ملجأ إلى تسليم العبد من جهته ، ثم يرجع بها المكره على المشتري لما بينا أن البيع لم ينفذ من جهة المكره ، وقد ملكه بالضمان .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|