عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 25-12-2025, 06:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,962
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع والعشرون

صـــ42 الى صـــ 51
(487)





وعن عمر رضي الله عنه : أربع مبهمات مقفلات ليس فيهن رد يد الطلاق ، والعتاق ، والنكاح ، والنذر ، وقوله مبهمات أي واقعات على صفة واحدة في اللزوم مكرها كان الموقع أو طائعا يقال : فرس بهيم إذا كان على لون واحد ، وقوله مقفلات أي لازمات لا تحتمل الرد بسبب العذر ، وقد بين ذلك بقوله : ليس فيهن رد يد ، وعن الشعبي رضي الله عنه قال إذا أجبر السلطان على الطلاق فهو جائز ، وإن كان لصا فلا شيء ، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله قال : الإكراه يتحقق من السلطان ، ولا يتحقق من غيره ، ثم ظاهر هذا اللفظ يدل على أنه كان من مذهب الشعبي أن المكره على الطلاق إذا كان سلطانا يقع ، ولا يقع طلاق المكره إذا كان المكره لصا ، ولكنا نقول : مراده بيان الوقوع بطريق التشبيه يعني أن المكره على الطلاق ، وإن كان سلطانا فالطلاق واقع جائز [ ص: 43 ] فإذا كان لصا ، أولى أن يكون واقعا ; لأن إكراه اللص ليس بشيء .

وعن علي وابن عباس رضي الله عنهم قالا : كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي ، والمعتوه ، وإنما استدل بقولهما على وقوع طلاق المكره ; لأنهما حكما بلزوم كل طلاق إلا طلاق الصبي ، والمعتوه ، والمكره ليس بصبي ، ولا معتوه ، ولا هو في معناهما لبقاء الأهلية ، والخطاب مع الإكراه ، وعن الزهري رحمه الله أن فتى أسود كان مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكان يقرأ القرآن ، فبعث أبو بكر رضي الله عنه رجلا يسعى على الصدقة ، وقال له : اذهب بهذا الغلام معك يرع غنمك ، ويعنك ، فتعطيه من سهمك فذهب بالفتى فرجع ، وقد قطعت يده فقال : ويحك مالك ؟ قال : زعموا أني سرقت فريضة من فرائض الإبل ، فقطعني قال أبو بكر رضي الله عنه والله لئن وجدته قطعك بغير حق لأقيدنك منه قال فلبثوا ما لبثوا ، ثم إن متاعا لامرأة أبي بكر سرق ، وذلك الأسود قائم يصلي ، فرفع يده إلى السماء ، وقال : اللهم أظهر على السارق اللهم أظهر على السارق ، فوجدوا ذلك المتاع عنده ، فقال أبو بكر رضي الله عنه ، ويحك ما أجهلك بالله ، ثم أمر به ، فقطعت رجله ، فكان أول من قطعت رجله ، وقد بينا ، فوائد هذا الحديث في كتاب السرقة ، واختلاف الروايات أنه ذكر هناك أن الفتى كان أقطع اليد ، والرجل ، فقطعت يده اليسرى ، وهنا ذكر أنه كان أقطع اليد ، فقطع أبو بكر رضي الله عنه رجله ، وإنما أورد الحديث هنا لحرف ، وهو قوله ، ( والله لئن وجدته قطعك بغير حق لأقيدنك منه ) وبه نأخذ ، فنقول إذا بعث الخليفة عاملا ، فأمر رجلا بقطع يد غيره ، أو قتله بغير حق ، فعله أن القصاص على العامل الذي أمر به لأن أمر مثله إكراه ، فإن من عادة العمال أنهم يأمرون بشيء ، ثم يعاقبون من امتنع من ذلك بالقتل ، وغيره ، والفعل يصير منسوبا إليه بمثل هذا الأمر قال الله تعالى { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } ، واللعين ما كان يباشر حقيقته ، ولكنه كان مطاعا بأمره ، والأمر من مثله إكراه ، والكلام في الإكراه على القتل يأتي في موضعه . .

، وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال { أخذ المشركون عمار بن ياسر رضي الله عنه ، فلم يتركوه حتى سب الله ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ، ثم تركوه ، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام ما وراءك ؟ قال : شر ما تركوني حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير قال عليه الصلاة والسلام : فكيف تجد قلبك ؟ قال : أجده مطمئنا بالإيمان قال : عليه الصلاة والسلام إن عادوا ، فعد } ، ففيه دليل أنه لا بأس للمسلم أن يجري كلمة الشرك على اللسان مكرها بعد أن يكون مطمئن [ ص: 44 ] القلب بالإيمان ، وإن ذلك لا يخرجه من الإيمان ; لأنه لم يترك اعتقاده بما أجراه على لسانه .

( ألا ترى ) أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عمار بن ياسر رضي الله عنه عن حال قلبه ، فلما أخبر أنه مطمئن بالإيمان لم يعاتبه على ما كان منه ، وبعض العلماء رحمهم الله يحملون قوله عليه الصلاة والسلام { ، فإن عادوا فعد } على ظاهره يعني إن عادوا إلى الإكراه ، فعد إلى ما كان منك من النيل مني ، وذكر آلهتهم بخير ، وهو غلط ، فإنه لا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يأمر أحدا بالتكلم بكلمة الشرك ، ولكن مراده عليه الصلاة والسلام ، فإن عادوا إلى الإكراه ، فعد إلى طمأنينة القلب بالإيمان ، وهذا ; لأن التكلم وإن كان يرخص له فيه ، فالامتناع منه أفضل .

( ألا ترى ) { أن خبيب بن عدي رضي الله عنه لما امتنع حتى قتل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الشهداء ، وقال : هو رفيقي في الجنة وقصته أن المشركين أخذوه ، وباعوه من أهل مكة ، فجعلوا يعاقبونه على أن يذكر آلهتهم بخير ، ويسب محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهو يسب آلهتهم ، ويذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير ، فأجمعوا على قتله ، فلما أيقن أنهم قاتلوه سألهم أن يدعوه ليصلي ركعتين ، فأوجز صلاته ، ثم قال إنما أوجزت لكي لا تظنوا أني أخاف القتل ، ثم سألهم أن يلقوه على وجهه ليكون هو ساجدا لله حين يقتلونه ، فأبوا عليه ذلك ، فرفع يديه إلى السماء ، وقال اللهم إني لا أرى هنا إلا وجه عدو ، فأقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام اللهم احص هؤلاء عددا ، واجعلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا ، ثم أنشأ يقول :
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان لله مصرعي
، فلما قتلوه ، وصلبوه تحول ، وجهه إلى القبلة ، وجاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئه سلام خبيب رضي الله عنه ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له ، وقال هو أفضل الشهداء ، وهو رفيقي في الجنة
} ، فبهذا تبين أن الامتناع أفضل .

وعن أبي عبيدة أيضا في قوله تعالى { من كفر بالله من بعد إيمانه } قال ذلك عمار بن ياسر رضي الله عنه { ولكن من شرح بالكفر صدرا } { عبيد الله بن أبي سرح ، فإنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخذه المشركون ، وأكرهوه على ما أكرهوا عليه عمار بن ياسر رضي الله عنه أجابهم إلى ذلك معتقدا ، فأكرموه ، وكان معهم إلى أن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، فجاء به عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يبايعه ، وفيه قصة ، وهو المراد بقوله تعالى { ، ولكن من شرح بالكفر صدرا } } ، فعرفنا أنه إذا بدل الاعتقاد يحكم بكفره مكرها كان ، أو طائعا ، وهذا [ ص: 45 ] لأنه لا ضرورة إلى تبديل الاعتقاد ، فإنه لا اطلاع لأحد من العباد على اعتقاده ، وهو المراد أيضا من قوله تعالى { من كفر بالله من بعد إيمانه } ، فأما قوله تعالى { إلا من أكره ، وقلبه مطمئن بالإيمان } ، فهو عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وقد ذكرنا قصته ، وعن جابر الجعفي أنه سأل الشعبي رحمه الله عن الرجل يأمر عبده أن يقتل رجلا قال فيها ثلاثة أقاويل : قائل : يقتل العبد ، وآخر قال : يقتل المولى ، والعبد ، وآخر قال : يقتل المولى ، والمراد بيان حكم القصاص عند القتل مكرها أنه على من يجب ، فإن أمر المولى عبده بمنزلة الإكراه ; لأنه يخاف على نفسه إن خالف أمره كأمر السلطان في حق رعيته ، ثم لم يذكر القول الرابع ، وهو الذي ذهب إليه أبو يوسف أنه لا يقتل واحد منهما ، وكان هذا القول لم يكن في السلف ، وإنما سبق به أبو يوسف رحمه الله ، واستحسنه ، وبيان المسألة يأتي في موضعه .

وفي الحديث دليل أن المفتي لا يقطع الجواب على شيء ، ولكن يذكر أقاويل العلماء في الحادثة كما ، فعلها الشعبي رحمه الله ، ولكن هذا إذا كان المستفتي ممن يمكنه التمييز بين الأقاويل ، ويرجح بعضها على البعض ، فإن كان بحيث لا يمكنه ذلك ، فلا يحصل مقصوده ببيان أقاويل العلماء رحمهم الله ، فلا بد للمفتي من أن يبين له أصح الأقاويل عنده للأخذ به ، وعن الحسن البصري رحمه الله التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية ، وبه نأخذ .

، والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره ، وإن كان يضمر خلافه ، وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ، ويقول : إنه من النفاق ، والصحيح أن ذلك جائز لقوله تعالى { إلا أن تتقوا منهم تقاة } ، وإجراء كلمة الشرك على اللسان مكرها مع طمأنينة القلب بالإيمان من باب التقية ، وقد بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيه لعمار بن ياسر رضي الله عنه إلا أن هذا النوع من التقية يجوز لغير الأنبياء ، والرسل عليهم الصلاة والسلام ، فأما في حق المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ، فما كان يجوز ذلك فيما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدين الحق ، وقد جوزه بعض الروافض لعنهم الله ، ولكن تجويز ذلك محال ; لأنه يؤدي إلى أن لا يقطع القول بما هو شريعة لاحتمال أن يكون قال ذلك أو فعله تقية ، والقول بهذا محال ، وقوله إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية : يعني إذا أكره على قتل مسلم ليس له أن يقتله لما فيه من طاعة المخلوق في معصية الخالق ، وإيثار روحه على روح من هو مثله في الحرمة ، وذلك لا يجوز ، وبهذا يتبين عظم حرمة المؤمن ; لأن الشرك بالله أعظم الأشياء وزرا ، وأشدها تحريما قال الله تعالى : { تكاد السموات يتفطرن منه } إلى قوله عز ، وجل { أن دعوا للرحمن ، ولدا } ، ثم يباح له إجراء كلمة الكفر في حالة الإكراه [ ص: 46 ]

ولا يباح الإقدام على القتل في حالة الإكراه فيه يتبين عظم حرمة المؤمن عند الله تعالى ، وهو مراد ابن عباس رضي الله عنه إنما التقية باللسان ليس باليد يعني القتل ، والتقية باللسان هو إجراء كلمة الكفر مكرها ، وعن حذيفة رضي الله عنه قال : فتنة السوط أشد من فتنة السيف قالوا له : وكيف ذلك ؟ قال إن الرجل ليضرب بالسوط حتى يركب الخشب يعني الذي يراد صلبه يضرب بالسوط حتى يصعد السلم ، وإن كان يعلم ما يراد به إذا صعد ، وفيه دليل أن الإكراه كما يتحقق بالتهديد بالقتل يتحقق بالتهديد بالضرب الذي يخاف منه التلف ، والمراد بالفتنة العذاب ، قال الله تعالى : { ذوقوا فتنتكم } ، وقال الله تعالى { : إن الذين فتنوا المؤمنين ، والمؤمنات } أي عذبوهم ، فمعناه عذاب السوط أشد من عذاب السيف ; لأن الألم في القتل بالسيف يكون في ساعته ، وتوالي الألم في الضرب بالسوط إلى أن يكون آخره الموت ، وقد { كان حذيفة رضي الله عنه ممن يستعمل التقية على ما روي أنه يداري رجلا ، فقيل له : إنك منافق ، فقال لا ، ولكني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله ، وقد ابتلي ببعض ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي أن المشركين أخذوه ، واستحلفوه على أن لا ينصر رسول الله في غزوة ، فلما تخلص منهم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام أوف لهم بعهدهم ، ونحن نستعين بالله عليهم } ، وذكر عن مسروق رحمه الله قال : بعث معاوية رضي الله عنه بتماثيل من صفر تباع بأرض الهند ، فمر بها على مسروق رحمه الله قال : والله لو أني أعلم أنه يقتلني لغرقتها ، ولكني أخاف أن يعذبني ، فيفتنني ، والله لا أدري أي الرجلين معاوية رجل قد زين له سوء عمله ، أو رجل قد يئس من الآخرة ، فهو يتمتع في الدنيا ، وقيل هذه تماثيل كانت أصيبت في الغنيمة ، فأمر معاوية رضي الله عنه ببيعها بأرض الهند ليتخذ بها الأسلحة ، والكراع للغزاة ، فيكون دليلا لأبي حنيفة رحمه الله في جواز بيع الصنم ، والصليب ممن يعبده كما هو طريقة القياس .

وقد استعظم ذلك مسروق رحمه الله كما هو طريق الاستحسان الذي ذهب إليه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في كراهة ذلك ومسروق من علماء التابعين ، وكان يزاحم الصحابة رضي الله عنهم في الفتوى ، وقد رجع ابن عباس إلى قوله في مسألة النذر بذبح الولد ، ولكن مع هذا قول معاوية رضي الله عنه مقدم على قوله ، وقد كانوا في المجتهدات يلحق بعضهم الوعيد بالبعض كما قال علي رضي الله عنه من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم ، فليقل في الحديث يعني بقول زيد رضي الله عنه ، وإنما قلنا هذا ; لأنه لا يظن بمسروق رحمه الله أنه قال في [ ص: 47 ] معاوية رضي الله عنه ما قال عن اعتقاد ، وقد كان هو من كبار الصحابة رضي الله عنهم ، وكان كاتب الوحي ، وكان أمير المؤمنين ، وقد أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملك بعده ، فقال له عليه السلام يوما إذا ملكت أمر أمتي ، فأحسن إليهم إلا أن نوبته كانت بعد انتهاء نوبة علي رضي الله عنه ، ومضى مدة الخلافة ، فكان هو مخطئا في مزاحمة علي رضي الله عنه تاركا لما هو واجب عليه من الانقياد له ; لا يجوز أن يقال فيه أكثر من هذا ، ويحكى أن أبا بكر محمد بن الفضل رحمه الله كان ينال منه في الابتداء ، فرأى في منامه كأن شعرة تدلت من لسانه إلى موضع قدمه ، فهو يطؤها ، ويتألم من ذلك ، ويقطر الدم من لسانه ، فسأل المعبر عن ذلك فقال إنك تنال من واحد من كبار الصحابة رضي الله عنه فإياك ، ثم إياك .

وقد قيل : في تأويل الحديث أيضا أن تلك التماثيل كانت صغارا لا تبدو للناظر من بعد ، ولا بأس باتخاذ مثل ذلك على ما روي أنه وجد خاتم دانيال عليه السلام في زمن عمر رضي الله عنه كان عليه نقش رجل بين أسدين يلحسانه ، وكان على خاتم أبي هريرة ذبابتان ، فعرفنا أنه لا بأس باتخاذ ما صغر من ذلك ، ولكن مسروقا رحمه الله كان يبالغ في الاحتياط ، فلا يجوز اتخاذ شيء من ذلك ، ولا بيعه ، ثم كان تغريق ذلك من الأمر بالمعروف عنده ، وقد ترك ذلك مخافة على نفسه ، وفيه تبيين أنه لا بأس باستعمال التقية ، وأنه يرخص له في ترك بعض ما هو فرض عند خوف التلف على نفسه ، ومقصوده من إيراد الحديث أن يبين أن التعذيب بالسوط يتحقق فيه الإكراه كما يتحقق في القتل ; لأنه قال لو علمت أنه يقتلني لغرقتها ، ولكن أخاف أن يعذبني ، فيفتنني ، فتبين بهذا أن فتنة السوط أشد من فتنة السيف .

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : لا جناح علي في طاعة الظالم إذا أكرهني عليها ، وإنما أراد بيان جواز التقية في إجراء كلمة الكفر إذا أكرهه المشرك عليها ، فالظالم هو الكافر قال الله تعالى { : والكافرون هم الظالمون } ، ولم يرد به طاعة الظالم في القتل ; لأن الإثم على المكره في القتل لا يندفع بعذر الإكراه بل إذا قدم على القتل كان آثما إثم القتل على ما بينه ، والله أعلم .

( قال رحمه الله ) ولو أن لصوصا من المسلمين غير المتأولين ، أو من أهل الذمة تجمعوا ، فغلبوا على مصر من أمصار المسلمين ، وأمروا عليهم أميرا ، فأخذوا رجلا ، فقالوا لنقتلنك [ ص: 48 ] أو لتشربن هذا الخمر ، أو لتأكلن هذه الميتة ، أو لحم هذا الخنزير ، ففعل شيئا من ذلك كان عندنا في سعة ; لأن حرمة هذه الأشياء ثابتة بالشرع ، وهي مفسدة بحالة الاختيار ، فإن الله تعالى استثنى حالة الضرورة من التحريم بقوله عز وجل { إلا ما اضطررتم إليه } ، والكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى ، فظهر أن التحريم مخصوص بحالة الاختيار ، وقد تحققت الضرورة هنا لخوف التلف على نفسه بسبب الإكراه ، فالتحقت هذه الأعيان في حالة الضرورة بسائر الأطعمة والأشربة ، فكان في سعة من التناول منها ، وإن لم يفعل ذلك حتى يقتل كان آثما ، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يكون آثما ، وكذلك هذا فيمن أصابته مخمصة ، فلم يتناول من الميتة حتى مات ، فعلى ظاهر الرواية يكون آثما ، وعلى رواية أبي يوسف لا يكون آثما ، فالأصل عند أبي يوسف أن الإثم ينتفي عن المضطر ، ولا تنكشف الحرمة بالضرورة قال الله تعالى { : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } ، وقال تعالى { : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } .

وهذا لأن الحرمة بصفة أنها ميتة ، أو خمر ، وبالضرورة لا ينعدم ذلك ، فإذا امتنع كان امتناعه من الحرام ، فلا يكون آثما فيه وجه ظاهر الرواية أن الحرمة لا تتناول حالة الضرورة ; لأنها مستثناة بقوله تعالى { إلا ما اضطررتم إليه } ، فأما أن يقال : يصير الكلام عبارة عما وراء المستثنى ، وقد كان مباحا قبل التحريم فبقي على ما كان في حالة الضرورة ، أو يقال : الاستثناء من التحريم إباحة ، وإذا ثبتت الإباحة في حالة الضرورة ، فامتناعه من التناول حتى تلف كامتناعه من تناول الطعام الحلال حتى تلفت نفسه ، فيكون آثما في ذلك ، وصفة الخمرية توجب الحرمة لمعنى الرفق بالمتناول ، وهو أن يمنعه من استعمال عقله ، ويصده عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، وكذلك لحم الخنزير لما في طبع الخنزير من الانتهاب ، وللغذاء أثر في الخلق ، والرفق هنا في الإباحة عند الضرورة ; لأن إتلاف البعض أهون من إتلاف الكل ، وفي الامتناع من التناول هلاك الكل ، فتثبت الإباحة في هذه الحالة لهذا المعنى ، وكذلك لو أوعد بقطع عضو ، أو بضرب مائة سوط ، أو أقل منها مما يخاف على نفسه ، أو عضو من أعضائه ; لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس .

( ألا ترى ) أن المضطر كما لا يباح له قتل الإنسان ليأكل من لحمه لا يباح له قطع عضو من أعضائه ، والضرب الذي يخاف منه التلف بمنزلة القتل على ما بينا أن فتنة السوط أشد من فتنة السيف ، والأعضاء في هذا سواء حتى لو أوعده بقطع أصبع ، أو أنملة يتحقق به الإلجاء ، فكل ذلك محرم باحترام النفس تبعا لها ، ولو أوعده بضرب سوط ، أو سوطين لم يسعه [ ص: 49 ] تناول ذلك ; لأنه لا يخاف على نفسه ، ولا على عضو من أعضائه بما هدده به إنما يغمه ذلك ، أو يؤلمه ألما يسيرا ، والإلجاء لا يتحقق به .

( ألا ترى ) أن بالإكراه بالحبس ، والقيد لا يتحقق الإلجاء حتى لا يباح له تناول هذه الأشياء ، والغم الذي يصيبه بالحبس ربما يزيد على ما يصيبه بضرب سوط ، أو سوطين .

( ألا ترى ) أن الجهال يتهازلون فيما بينهم بهذا المقدار ، وكذلك كل ضرب لا يخاف منه تلف نفس ، أو ذهاب عضو في أكثر الرأي ، وما يقع في القلب ; لأن غالب الرأي يقام مقام الحقيقة فيما لا طريق إلى معرفته حقيقة ، قال : وقد وقت بعضهم في ذلك أدنى الحدود أربعين سوطا ، فإن هدد بأقل منها لم يسعه الإقدام على ذلك ; لأن ما دون الأربعين مشروع بطريق التعزير ، والتعزير يقام على وجه يكون زاجرا لا متلفا ، ولكنا نقول : نصب المقدار بالرأي لا يكون ، ولا نص في التقدير هنا ، وأحوال الناس تختلف باختلاف تحمل أبدانهم للضرب ، وخلافه ، فلا طريق سوى رجوع المكره إلى غالب رأيه ، فإن وقع في غالب رأيه أنه لا تتلف به نفسه ، ولا عضو من أعضائه لا يصير ملجأ ، وإن خاف على نفسه التلف منه يصير ملجأ .

وإن كان التهديد بعشرة أسواط ، وهكذا نقول في التعزير للإمام أن يبلغ بالتعزير تسعة وثلاثين سوطا إذا كان في أكثر رأيه أنه لا يتلف به نفسه ، ولا عضوا من أعضائه ، وكذلك إن تغلب هؤلاء اللصوص على بلد ، ولكنهم أخذوا رجلا في طريق ، أو مصر لا يقدر فيها على غوث ; لأن المعتبر خوفه التلف على نفسه ، وذلك بتمكنهم من إيقاع ما هددوه به قبل أن يحضر الغوث ، ولو توعدوه على شيء من ذلك بحبس سنة ، أو بقيد ذلك من غير أن يمنعوه طعاما ، ولا شرابا لم يسعه الإقدام على شيء من ذلك ; لأن الحبس ، والقيد يوجب الهم ، والحزن ، ولا يخاف منه على نفس ، ولا عضو ، ولدفع الحزن لا يسعه تناول الحرام ( ألا ترى ) أن شارب الخمر في العادة إنما يقصد بشربها دفع الهم ، والحزن عن نفسه ، ولو تحقق الإلجاء بالحبس لتحقق بحبس يوم ، أو نحوه ، وذلك بعيد ، وإن قالوا لنجيعنك أو لتفعلن بعض ما ذكرنا لم ينبغ له أن يفعل ذلك حتى يجيء من الجوع ما يخاف منه التلف ; لأن الجوع شيء يهيج من طبعه ، وبادي الجوع لا يخاف منه التلف إنما يخاف التلف عند نهاية الجوع بأن تخلو المعدة عن مواد الطعام فتحترق ، وشيء منه لا يوجد عند أدنى الجوع .

( ألا ترى ) أن الإكراه في هذا معتبر بالضرورة ، والمضطر الذي يخاف على نفسه من العطش ، والجوع يباح له تناول الميتة ، وشرب الخمر ، ولا يباح له ذلك عند أدنى الجوع ما لم يخف التلف على نفسه ، وهذا بخلاف ما تقدم إذا هددوه بضرب سوط [ ص: 50 ] فإن هناك يباح له التناول ، ولا يلزمه أن يصبر إلى أن يبلغ الضرب حدا يخاف منه التلف على نفسه ; لأن الضرب فعل الغير به ، فينظر إلى ما هدده به ، فإذا كان يخاف منه التلف يباح الإقدام عليه باعتبار أن تمكنه من إيقاع ما هدده به يجعل كحقيقة الإيقاع ، والرجوع هنا يهيج من طبعه ، وليس هو فعل الغير به ، فإنما يعتبر القدر الموجود منه .

وقد قيل : إنما يعتبر إذا كان يعلم أن الجوع صار بحيث يخاف منه التلف ، وأراد أن يتناول مكنوه من ذلك ، فأما إذا كان يعلم أنه لو صبر إلى تلك الحالة ، ثم أراد أن يتناول لم يمكنوه من ذلك ، فليس له أن يتناول إلا إذا كان بحيث يلحقه الغوث إلى أن ينتهي حاله إلى ذلك ، فحينئذ لا يسعه الإقدام عليه بأدنى الجوع قال : وكل شيء جاز له فيه تناول هذه المحرمات من الإكراه ، فكذلك يجوز عندنا الكفر بالله إذا أكره عليه ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، وهذا يجوز في العبادة ، فإن حرمة الكفر حرمة ثابتة مضمنة لا تنكشف بحال ، ولكن مراده أنه يجوز له إجراء كلمة الشرك على اللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان ; لأن الإلجاء قد تحقق ، والرخصة في إجراء كلمة الشرك ثابتة في حق الملجأ بشرط طمأنينة القلب بالإيمان إلا أن هنا إن امتنع كان مثابا على ذلك ; لأن الحرمة باقية ، فهو في الامتناع متمسك بالعزيمة ، والمتمسك بالعزيمة أفضل من المترخص بالرخصة قال : وقد بلغنا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما من كلام أتكلم به يدرأ عني ضربتين بسوط غير ذي سلطان إلا كنت متكلما به ، وإنما نضع هذا على الرخصة فيما فيه الألم الشديد ، وإن كان من سوطين ، فأما أن يقول السوطان اللذان لا يخاف منهما تلف يوجبان الرخصة له في إجراء كلمة الشرك ، فهذا مما لا يجوز أن يظن بعبد الله رضي الله عنه أما تصرف هذا اللفظ منه على سبيل المثل ، فلبيان الرخصة عند خوف التلف ، وقيل السوطان في حقه كان يخاف منهما التلف لضعف نفسه ، فقد كان بهذه الصفة على ما روي أنه { صعد شجرة يوما ، فضحكت الصحابة رضي الله عنهم من دقة ساقيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تضحكوا ، فهما ثقيلان في الميزان } .

ولو أن هؤلاء اللصوص قالوا شيئا من ذلك للرجل ، والرجل لا يرى أنهم يقدمون عليه لم يسعه الإقدام على المحرم ; لأن المعتبر خوف التلف ، ولا يصير خائفا التلف إذا كان يعلم أنهم لا يقدمون عليه ، وإن هددوه به ، وقد بينا أن ما لا طريق إلى معرفته حقيقة يعتبر فيه غالب الرأي ، فإن كان لا يخاف أن يقدموا عليه في أول مرة حتى يعاودوه لم ينبغ له أن يقدم على ذلك حتى يعاودوه ، وهذا على ما يقع في القلب .

( ألا ترى ) أنك لو رأيت رجلا ينقب عليك دارك من [ ص: 51 ] خارج ، أو دخل عليك ليلا من الثقب بالسيف ، وخفت إن أنذرته يضربك ، وكان على أكثر رأيك ذلك وسعك أن تقتله قبل أن تعلمه إذا خفت أن يسبقك إن أعلمته ، وفي هذا إتلاف نفس ، ثم أجاز الاعتماد على غالب الرأي لتعذر الوقوع على حقيقته ، فكذلك فيما سبق .

، ولو هددوه بقتل ، أو إتلاف عضو ، أو بحبس ، أو قيد ليقر لهذا الرجل بألف درهم فأقر له به ، فالإقرار باطل أما إذا هددوه بما يخاف منه التلف ، فهو ملجأ إلى الإقرار محمول عليه ، والإقرار خبر متميل بين الصدق ، والكذب ، فإنما يوجب الحق باعتبار رجحان جانب الصدق ، وذلك ينعدم بالإلجاء ، وكذلك إن هددوه بحبس ، أو قيد ; لأن الرضا ينعدم بالحبس ، والقيد بما يلحقه من الهم ، والحزن به ، وانعدام الرضا يمنع ترجيح جانب الصدق في إقراره ، ثم قد بينا أن الإكراه نظير الهزل ، ومن هزل بإقراره لغيره ، وتصادقا على أنه هزل بذلك لم يلزمه شيء ، فكذلك إذا أكره عليه فإن قيل : لماذا لم يجعل هذا بمنزلة شرط الخيار ؟ ، وشرط الخيار يمنع صحة الإقرار قلنا لا كذلك بل متى صح شرط الخيار مع الإقرار بالمال لا يجب المال حتى لو قال : كفلت لفلان عن فلان بألف درهم على أني بالخيار لا يلزمه المال .

فأما إذا أطلق الإقرار بالمال ، وهو خبر عن الماضي ، فلا يصح معه شرط الخيار ، والإكراه هنا متحقق ، فإنما يعتبر بموضع يصح فيه اشتراط الخيار ، وهذا بخلاف ما تقدم من تناول الحرام ; لأن المؤثر هناك الإلجاء ، وذلك ما يخاف منه التلف ، وهنا المانع من وجوب المال انعدام الرضا بالالتزام ، وقد انعدم الرضا بالإكراه ، وإن كان بحبس ، أو قيد قال شريح رحمه الله : القيد كره ، والوعيد كره ، والضرب كره ، والسجن كره ، وقال عمر رضي الله عنه : ليس الرجل على نفسه بأمين إذا ضربت ، أو بغيت ، أو جوعت أي هو ليس بطائع عند خوف هذه الأشياء ، وإذا لم يكن طائعا كان مكرها ، ولو توعدوه بضرب سوط واحد ، أو حبس يوم ، أو قيد يوم على الإقرار بألف ، فأقر به كان الإقرار جائزا ; لأنه لا يصير مكرها بهذا القدر من الحبس ، والقيد ، فالجهال قد يتهازلون به فيما بينهم ، فيحبس الرجل صاحبه يوما ، أو بعض يوم ، أو يقيده من غير أن يغمه ذلك ، وقد يفعل المرء ذلك بنفسه فيجعل القيد في رجله ، ثم يمشي تشبيها بالمقيد أرأيت لو قالوا له لنطرقنك طرقة ، أو لنسمنك ، أو لتقرن به - أما كان إقراره جائزا ، والحد في الحبس الذي هو إكراه في هذا ما يجيء منه الاغتمام البين ، وفي الضرب الذي هو إكراه ما يجد منه الألم الشديد ، وليس في ذلك حد لا يزاد على ذلك ، ولا ينقص منه ; لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون .

، ولكن ذلك على قدر [ ص: 52 ] ما يرى الحاكم إذا رفع ذلك إليه ، فما رأى أنه إكراه أبطل الإقرار به ; لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس ، فالوجيه الذي يضع الحبس من جاهه تأثير الحبس ، والقيد يوما في حقه ، فوق تأثير حبس شهر في حق غيره ، فلهذا لم تقدر فيه بشيء ، وجعلناه موكولا إلى رأي القاضي ليبني ذلك على حال من ابتلي به . .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.67 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]