
25-12-2025, 06:32 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,794
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع والعشرون
صـــ32 الى صـــ 41
(486)
وإذا أكره على شرب الخمر لا يحد ; لأن الشرب في حال الإكراه مباح له على ما بينا أن موضع الضرورة مستثنى من الحرمة ; ولأن الحد مشروع للزجر ، وقد كان منزجرا حين لم يقدم على الشرب ما لم تتحقق الضرورة بالإكراه .
. وإذا أسلم الحربي ، وجاء إلى دار الإسلام ثم شرب الخمر قبل أن يعلم أنها محرمة عليه لم يحد ; لأن الخطاب لم يبلغه ، فلا يثبت حكم الخطاب في حقه ، وهذا بخلاف المسلم المولود في دار الإسلام إذا شرب الخمر ، ثم قال : لم أعلم أنها حرام ; لأن حرمة الخمر قد اشتهرت بين المسلمين في دار الإسلام ، فالظاهر يكذب المولود في دار الإسلام فيما يقول ، والظاهر لا يكذب الذي جاء من دار الحرب فيما يقول ، فيعذر بجهله ، ولا يقام عليه الحد بخلاف ما إذا زنى ، أو شرب ، أو سرق ، فإنه يقام عليه الحد ، ولا يعذر بقوله لم أعلم ; لأن حرمة الزنا ، والسرقة في الأديان كلها ، فالظاهر يكذبه إذا قال لم أعلم بحرمتها ; ولأن حد السرقة ، والزنا مما تجوز إقامته على الكافر في حال كفره ، وهو الذمي ، فبعد الإسلام ، أولى أن يقام بخلاف حد الخمر ; ولأن حد الزنا ، والسرقة ثبت بنص يتلى ، وحد الخمر بخبر يروى ، فكان أقرب إلى الدرء من حد الزنا ، والسرقة ، ويستوي في حد الزنا إن طاوعته المرأة على ذلك في دار الإسلام ، أو أكرهها ; لأن حرمة الزنا في حقهما جميعا قد اشتهرت ، وإذا شرب قوم نبيذا ، فسكر بعضهم دون بعض حد من سكر ; لأن مشروب بعضهم غير مشروب البعض ، فيعتبر في حق كل واحد منهم حاله كأنه ليس معه غيره .
( ألا ترى ) أن القوم إذا سقوا خمرا على مائدة ، فمن علم أنه خمر لزمه الحد ، ومن لم يعلم ذلك منهم لم يلزمه الحد ، والمحرم في حد الخمر كالحلال ; لأنه لا تأثير للمحرم ، والإحرام في إباحة الشرب ، ولا في المنع من إقامة هذا الحد .
وإذا قذف السكران رجلا حبس حتى يصحو ، ثم يحد للقذف ، ويحبس حتى يخف عنه الضرب ، ثم يحد للسكر ; لأن حد القذف في معنى حق العباد ، وسكره لا يمنع وجوب الحد عليه بقذفه ; لأنه مع سكره مخاطب .
( ألا ترى ) أن بعض الصحابة رضي الله عنهم أخذ حد الشرب من القذف على ما روي عن علي رضي الله عنه قال : إذا شرب هذى ، وإذا هذى افترى ، وحد المفترين في كتاب الله ثمانون جلدة .
وإذا شرب الخمر في نهار رمضان حد حد الخمر ، ثم يحبس حتى يخف عنه الضرب ، ثم يعزر [ ص: 33 ] لإفطاره في شهر رمضان ; لأن شرب الخمر ملزم للحد ، ومهتك حرمة الشهر ، والصوم يستوجب التعزير ، ولكن الحد أقوى من التعزير ، فيبتدأ بإقامة الحد عليه ، ثم لا يوالي بينه ، وبين التعزير لكي يؤدي إلى الإتلاف ، والأصل فيه حديث علي رضي الله عنه أنه أتي بالنجاشي الحارثي قد شرب الخمر ، فحده ، ثم حبسه حتى إذا كان الغد أخرجه ، فضربه عشرين سوطا ، وقال : هذا لجراءتك على الله ، وإفطارك في شهر رمضان .
رجل ارتد عن الإسلام ، ثم أتي به الإمام ، وقد شرب خمرا ، أو سكر من غير الخمر ، أو سرق ، أو زنى ثم تاب ، وأسلم ، فإنه يحد في جميع ذلك ما خلا الخمر ، والسكر ، فإنه لا يحد فيهما ; لأن المرتد كافر ، وحد الخمر ، والسكر لا يقام على أحد من الكفار لما بينا أنه يعتقد إباحة سببه ، فإذا كان ارتكابه سببه في حال يعتقد إباحته لا يقام ذلك عليه ، فأما حد الزنا ، والسرقة ، فيقام على الكافر لاعتقاده حرمة سببه ، فيقام على المرتد بعد إسلامه أيضا كالذمي إذا باشر ذلك ، ثم أسلم .
وإن لم يتب ، فلا حد عليه في شيء من ذلك غير حد القذف ; لأن حد الزنا ، والسرقة خالص حق الله تعالى ، وقد صارت مستحقة لله تعالى ، فإنه يقتل على ردته ، ومتى اجتمع في حق الله تعالى النفس ، وما دونها يقتل ، ويلغى ما سوى ذلك ، وأما حد السرقة ، ففيه معنى حق العبد ، فيقام عليه ، ويضمن السرقة لحق المسروق منه ، فإن شرب ، وهو مسلم ، فلما ، وقع في يد الإمام ارتد ، ثم تاب لم يحد ، وإن كان زنى ، أو سرق أقيم عليه الحد ; لأن ما اعترض من الردة يمنع وجوب حد الخمر ، والسكر عليه ، فيمنع بقاءه ، ولا يمنع وجوب حد الزنا ، والسرقة ، فكذلك لا يمنع البقاء ، وقد قال في آخر الكتاب : إذا ارتد عن الإسلام ، ثم سرق ، أو زنى ، أو شرب الخمر ، أو سكر من غير الخمر ، ثم تاب ، وأسلم لم يحد في شيء من ذلك إلا في القذف ، فإن لم يتب لم يقم عليه أيضا شيء من الحدود غير حد القذف ، ويقتل ، وإن أخذته ، وهو مسلم شاربا خمرا ، أو زانيا ، أو سارقا ، فلما ، وقع في يدك ارتد عن الإسلام ، فاستتبته ، فتاب أقيم عليه الحدود إلا حد الخمر .
وهذه الرواية تخالف الرواية الأولى في فصل واحد ، وهو أنه إذا زنى ، أو سرق في حال ردته لا يقام عليه الحد بعد توبته كما لا يقام قبل توبته ; لأن المرتد بمنزلة الحربي ، فإنه اعتقد محاربته لو تمكن منها ، والحربي إذا ارتكب شيئا من الأسباب الموجبة للحد ، ثم أسلم لا يقام عليه الحد ، فكذلك المرتد ، وفرق على هذه الرواية بين هذا ، وبين ما إذا زنى ، أو سرق ، وهو مسلم ، ثم ارتد ، ثم أسلم ، فقال هناك حين ارتكب السبب ما كان حربيا للمسلمين ، فيكون مستوجبا للحد ، ولم يزل تمكن الإمام من إقامته عليه بنفس الردة إلا أنه كان لا يشتغل به قبل توبته لاستحقاق نفسه بالردة [ ص: 34 ] وقد انعدم بالإسلام ، فلهذا يقام عليه ، وتزويج السكران ، ولده الصغير ، وهبته ، وما أشبه ذلك من تصرفاته قولا ، أو فعلا صحيح ; لأنه مخاطب كالصاحي ، وبالسكر لا ينعدم عقله إنما يغلب عليه السرور ، فيمنعه من استعمال عقله ، وذلك لا يؤثر في تصرفه سواء كان شرب مكرها ، أو طائعا ، فأما إذا شرب البنج ، أو شيئا حلوا ، فذهب عقله لم يقع طلاقه في تلك الحالة ; لأنه بمنزلة المعتوه في التصرفات .
وإن شهد رجلان على شهادة سكران ، أو شهد السكران على شهادة رجلين لم يصح ذلك من قبل أنه رجل ، فاسق ، وأنه سكران لا يستقر على شيء واحد فيما يخبر به ، ولهذا لو ارتد في حال سكره لا تبين منه امرأته استحسانا قال : لا أظن سكرانا ينفلت من هذا ، وأشباهه ، وقد بينا هذا في السير ، وإذاأتي الإمام برجل شرب خمرا ، وشهد به عليه شاهدان ، فقال : إنما أكرهت عليها ، أو قال : شربتها ، ولم أعرفها أقيم عليه الحد ; لأن السبب الموجب للحد قد ظهر ، وهو يدعي عذرا مسقطا ، فلا يصدق على ذلك ببينة إذ لو صدق عليه من غير بينة لانسد باب إقامة حد الخمر أصلا ، وهذا بخلاف الزاني إذا ادعى النكاح ; لأنه هناك ينكر السبب الموجب للحد ، فبالنكاح يخرج الفعل من أن يكون زنا محضا ، وهنا بعد الإكراه ، والجهل لا ينعدم السبب ، وهو حقيقة شرب الخمر إنما هذا عذر مسقط ، فلا يثبت إلا ببينة يقيمها على ذلك .
، ويكره للرجل أن يأكل على مائدة يشرب عليها الخمر هكذا نقل { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يأكل المسلم على مائدة يشرب عليها الخمر } ; ولأن في ذلك تكثير جمع الفسقة ، وإظهار الرضا بصنيعهم ، وذلك لا يحل للمسلم في عشر دواريق عصير عنب في قدر ، ثم يطبخ ، فيغلى ، فيقذف بالزبد ، فجعل يأخذ ذلك الزبد حتى جمع قدر دورق ، فإنه يطبخ حتى يبقى ثلاثة دواريق ثلث الباقي ; لأن ما أخذه من الزبد انتقص من أصل العصير ، فيسقط اعتباره في الحساب ، فظهر أن الباقي من العصير تسعة دواريق ، فإنما يصير مثلثا إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ، ويبقى ثلثه ثلاثة دواريق ، وإن نقص منه دورق آخر في ذلك الغليان ، فكذلك الجواب لأن ما نقص بالغليان في معنى الداخل فيما بقي ، فلا يصير ذلك كأن لم يكن ، وإنما يلزمه الطبخ إلى أن يذهب ثلثا العصير .
ولو صب رجل في قدر عشرة دواريق عصيرا ، وعشرين دورقا ماء ، فإن كان الماء يذهب بالطبخ قبل العصير ، فإنه يطبخه حتى يذهب ثمانية أتساعه ، ويبقى التسع ; لأنه إذا ذهب ثلثاه بالغليان ، فالذاهب هو الماء فقط ، فعليه أن يطبخه بعد ذلك حتى يذهب ثلثا العصير ، ويبقى ثلثه ، وهو سبع الجملة ، وإن كانا يذهبان بالغليان معا طبخه حتى يذهب ثلثاه ; لأنه ذهب بالغليان ثلثا [ ص: 35 ] العصير ، وثلثا الماء ، والباقي ثلث العصير ، وثلث الماء ، فهو ، وما لو صب الماء في العصير بعد ما طبخه على الثلث ، والثلثين سواء .
وإذا طبخ عصير حتى ذهب ثلثه ، ثم صنع منه مليقا ، فإن كان ذلك قبل أن يتغير عن حاله ، فلا بأس به ، وإن صنعه بعد ما غلى فتغير عن حال العصير ، فلا خير فيه ; لأنه لما غلى ، واشتد صار محرما ، والمليق المتخذ من عين المحرم لا يكون حلالا كالمتخذ من الخمر ، فأما قبل أن يشتد ، فهو حلال الشرب ، فأما صنيع المليق من عصير ، فحلال ، وإذا طبخ الرجل عصيرا حتى ذهب ثلثه ، ثم تركه حتى برد ، ثم أعاد عليه الطبخ حتى ذهب نصف ما بقي ، فإن كان أعاد عليه الطبخ قبل أن يغلي ، أو يتغير عن حال العصير ، فلا بأس به ; لأن الطبخ في دفعتين إلى ذهاب الثلثين منه ، وفي دفعة سواء ، وإن صنعه بعد ما غلى ، وتغير عن حال العصير ، فلا خير فيه ; لأن الطبخ في المرة الثانية لاقى شيئا محرما ، فهو بمنزلة خمر طبخ حتى ذهب ثلثاه به ، وإذا طبخ الرجل عصيرا حتى ذهب ثلاثة أخماسه ، ثم قطع عنه النار ، فلم يزل حتى ذهب منه تمام الثلثين ، فلا بأس به ; لأنه صار مثلثا بقوة النار ، فإن الذي بقي منه من الحرارة بعد ما قطع عن النار أثر تلك النار ، فهو ، وما لو صار مثلثا ، والنار تحته سواء ، وهذا بخلاف ما لو برد قبل أن يصير مثلثا ; لأن الغليان بعدما انقطع عنه أثر النار لا يكون إلا بعد الشدة ، وحين اشتد ، فقد صار محرما بنفسه ; ولأن الغليان بقوة لا ينقص منه شيئا بل يزيد في رقته بخلاف الغليان بقوة النار ، فإن شرب الطلاء الذي قد طبخ حتى ذهب عشره ، فلا حد عليه إلا أن يسكر لما بينا أنه ذهب بالطبخ شيء ، فيخرج من أن يكون خمرا ، وفي غير الخمر من الأشربة لا يجب الحد إلا بالسكر . .
وإذا استعط الرجل بالخمر ، أو اكتحل بها ، أو اقتطرها في أذنه ، أو داوى بها جائفة ، أو آمة ، فوصل إلى دماغه ، فلا حد عليه ; لأن وجوب الحد يعتمد شرب الخمر ، وهو بهذه الأفعال لا يصير شاربا ، وليس في طبعه ما يدعوه إلى هذه الأفعال لتقع الحاجة إلى شرع الزاجر عنه .
ولو عجن دواء بخمر ، ولته ، أو جعلها أحد أخلاط الدواء ، ثم شربها ، والدواء هو الغالب ، فلا حد عليه ، وإن كانت الخمر هي الغالبة ، فإنه يحد ; لأن المغلوب يصير مستهلكا بالغالب إذا كان من خلاف جنسه ، والحكم للغالب ، والله أعلم بالصواب .
( قال رحمه الله ) ذكر عن الشعبي رحمه الله قال : لا يبلغ بالتعزير أربعون سوطا ، وبه أخذ [ ص: 36 ] أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا ; لأن الأربعين سوطا أدنى ما يكون من الحد ، وهو حد العبيد في القذف ، والشرب ، وقال عليه الصلاة والسلام { من بلغ حدا في غير حد ، فهو من المعتدين } ، وهذا قول أبي يوسف الأول ، ثم رجع ، وقال يبلغ بالتعزير خمسة ، وسبعين سوطا ; لأن أدنى الحد ثمانون سوطا ، وحد العبد نصف الحر ، وليس بحد كامل ، وهذا مروي عن محمد أيضا ، وعن أبي يوسف أنه يجوز أن يبلغ بالتعزير تسعة ، وسبعين سوطا ، وهذا ظاهر على الأصل الذي بينا ، وأما تقدير النقصان بالخمسة على الرواية الأولى ، فهو بناء على ما كان من عادته أنه كان يجمع في إقامة الحد ، والتعزير بين خمسة أسواط ، ويضرب دفعة ، فإنما نقص في التعزير ضربة واحدة ، وذلك خمسة أسواط . .
وإذا أخذ الرجل مع المرأة ، وقد أصاب منها كل محرم غير الجماع عزر بتسعة ، وثلاثين سوطا ، وقد بينا في كتاب الحدود أن كل من ارتكب محرما ليس فيه حد مقدر ، فإنه يعزر ، ثم الرأي في مقدار ذلك إلى الإمام ، ويبني ذلك على قدر جريمته ، وهذه جريمة متكاملة ، فلهذا قدر التعزير فيها بتسعة ، وثلاثين سوطا ، وقد بينا أن الضرب في التعزير أشد منه في الحدود ; لأنه دخله تخفيف من حيث نقصان العدد ، وأنه ينزع ثيابه عند الضرر ، ويضرب على ظهره ، ولا يفرق على أعضائه إنما ذلك في الحدود ، وإذا نقب السارق النقب ، وأخذ المتاع ، فأخذ في البيت ، أو أخذ ، وقد خرج بمتاع لا يساوي عشرة دراهم ، فإنه يعزر لارتكابه محرما ، والمرأة في التعزير كالرجل ; لأنها تشاركه في السبب الموجب للتعزير ، وإذا كان الرجل ، فاسقا متهما بالشر كله ، فأخذ عزر لفسقه ، وحبس حتى يحدث توبة ; لأنه متهم ، وقد {حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في تهمة . } .
والذي يزني في شهر رمضان نهارا ، فيدعي شبهة يدرأ بها الحد عن نفسه يعزر لإفطاره ; لأنه مرتكب للحرام بإفطاره ، وإن خرج من أن يكون زانيا بما ادعى من الشبهة ، ولا يحبس هنا ; لأن الحبس للتهمة ، فأما جزاء الفعل الذي باشره ، فالتعزير ، وقد أقيم عليه ، والمسلم الذي يأكل الربا ، أو يبيع الخمر ، ولا ينزع عن ذلك إذا رفع إلى الإمام يعزره ، وكذلك المخنث ، والنائحة ، والمغنية ، فإن هؤلاء يعزرون بما ارتكبوا من المحرم ، ويحبسون حتى يحدثوا التوبة ; لأنهم بعد إقامة التعزير عليهم مصرون على سوء صنيعهم ، وذلك ، فوق التهمة في إيجاب حبسهم إلى أن يحدثوا التوبة ، وإذا شتم المسلم امرأة ذمية ، أو قذفها بالزنا عزر ; لأن الذمية غير محصنة ، فلا يجب الحد على قاذفها ، ولكن قاذفها مرتكب ما هو محرم ، فيعزر ، وكذلك إذا قذف مسلمة قد زنت ، أو مسلما قد زنى ، أو أمة مسلمة ; لأن المقذوف من هؤلاء غير محصن ، ولكن القاذف [ ص: 37 ] مرتكب ما هو حرام ، وهو إشاعة الفاحشة ، وهتك للستر على المسلم من غير حاجة ، وذلك موجب للتعزير عليه ، وإذا قطع اللصوص الطريق على قوم ، فلهم أن يقاتلوهم دفعا عن أنفسهم ، وأموالهم قال عليه الصلاة والسلام { من قتل دون ماله ، فهو شهيد } ، وإذا استعانوا بقوم من المسلمين لم يحل لهم أن يعينوهم ، ويقاتلوهم معهم ، وإن أتوا على أنفسهم ; لأن النهي عن المنكر ، فرض ، وبذلك ، وصف الله تعالى هذه الأمة بأنهم خير أمة ، فلا يحل لهم أن يتركوا ذلك إذا قدروا عليه .
قلت ، والرجل يخترط السيف على الرجل ، ويريد أن يضربه ، ولم يفعل ، أو شد عليه بسكين ، أو عصا ، ثم لم يضربه بشيء من ذلك هل يعزر قال : نعم ; لأنه ارتكب ما لا يحل من تخويف المسلم ، والقصد إلى قتله ، قلت ، والرجل يوجد في بيته الخمر بالكوفة ، وهو فاسق ، أو يوجد القوم مجتمعين عليها ، ولم يرهم أحد يشربونها غير أنهم جلسوا مجلس من يشربها هل يعزرون قال : نعم ; لأن الظاهر أن الفاسق يستعد الخمر للشرب ، وأن القوم يجتمعون عليها لإرادة الشرب ، ولكن بمجرد الظاهر لا يتقرر السبب على وجه لا شبهة فيه ، فلا يمكن إقامة الحد عليهم ، والتعزير مما يثبت مع الشبهات ، فلهذا يعزرون ، وكذلك الرجل يوجد معه ركوة من الخمر بالكوفة ، أو قال ركوة ، وقد كان بعض العلماء في عهد أبي حنيفة رحمه الله يقول : يقام عليه الحد كما يقام على الشارب ; لأن الذي يسبق إلى وهم كل أحد أنه يشرب بعضها ، ويقصد الشرب فيما بقي معه منها إلا أنه حكي أن أبا حنيفة رحمه الله قال لهذا القائل لم تحده قال : لأن معه آلة الشرب ، والفساد قال : رحمه الله ، فارجمه إذا ، فإن معه آلة الزنا ، فهذا بيان أنه لا يجوز إقامة الحد بمثل هذا الظاهر ، والتهمة ، والله أعلم .
( قال رحمه الله ) رجل طبخ عشرة أرطال عصير حتى ذهب منه رطل ، ثم أهراق ثلاثة أرطال منه ثم أراد أن يطبخ البقية حتى يذهب ثلثاها كم يطبخها قال : يطبخها حتى يبقى منها رطلان ، وتسعا رطل ; لأن الرطل الذاهب بالغليان في المعنى داخل فيما بقي ، وكان الباقي قبل أن ينصب منه شيء تسعة أرطال ، فعرفنا أن كل رطل من ذلك في معنى رطل ، وتسع ; لأن الذاهب بالغليان اقتسم على ما بقي أتساعا ، فإن انصب منه ثلاثة أرطال ، وثلاثة أتساع رطل يكون الباقي ستة أرطال ، وستة أتساع رطل ، فيطبخه حتى يبقى منه الثلث ، وهو رطلان ، وتسعا رطل .
ولو كان ذهب بالغليان رطلان ثم إهراق منه رطلان قال : يطبخه حتى يبقى منه رطلان ، ونصف ; لأنه لما [ ص: 38 ] ذهب بالغليان رطلان ، فالباقي ثمانية أرطال كل رطل في معنى رطل ، وربع ، فلما انصب منه رطلان ، فالذي انصب في المعنى رطلان ، ونصف ، والباقي من العصير سبعة أرطال ، ونصف ، وإن ذهب بالغليان خمسة أرطال ، ثم انصب رطل واحد منه ، أو أخذ رجل منه رطلا قال يطبخ الباقي حتى يبقى منه رطلان ، وثلثا رطل ; لأنه لما ذهب بالغليان خمسة أرطال ، فما ذهب في المعنى داخل فيما بقي ، وصار كل رطل بمعنى رطلين ، فلما انصب من الباقي رطل كان الباقي بعده من العصير ثمانية أرطال ، فيطبخه إلى أن يبقى ثلث ثمانية أرطال ، وذلك رطلان ، وثلثا رطل ، وفي الكتاب أشار إلى طريق آخر في تخريج جنس هذه المسائل ، فقال : السبيل أن يأخذ ثلث الجميع ، فيضربه فيما بقي بعد ما انصب منه ، ثم يقسمه على ما بقي بعد ما ذهب بالطبخ قبل أن ينصب منه شيء ، فما خرج بالقسمة ، فهو حلال ما بقي منه ، وبيان هذا : أما في المسألة الأولى ، فتأخذ ثلث العصير ثلاثة ، وثلثا ، وتضربه فيما بقي بعدما انصب منه ، وهو ستة ، فيكون عشرين ، ثم تقسم العشرين على ما بقي بعد ما ذهب بالطبخ منه قبل أن ينصب منه شيء ، وذلك تسعة ، وإذا قسمت عشرين على تسعة ، فكل جزء من ذلك اثنان وتسعان ، فعرفنا أن حلال ما بقي رطلان ، وتسعا رطل .
وفي المسألة الثانية تأخذ أيضا ثلاثة وثلثا ، وتضربه فيما بقي بعد الانصباب ، وهو ستة ، فيكون عشرين ، ثم تقسم ذلك على ما بقي بعد الطبخ قبل الانصباب ، وهو ثمانية ، فكل قسم من ذلك اثنان ، ونصف ، فعرفنا أن حلال ما بقي منه رطلان ، ونصف .
وفي المسألة الثالثة تأخذ ثلاثة ، وثلثا ، وتضربه فيما بقي بعد الانصباب ، وهو أربعة ، فيكون ثلاثة عشر ، وثلثا ، ثم تقسمه على ما بقي قبل الانصباب بعد الطبخ ، وذلك خمسة ، فيكون كل قسم اثنين ، وثلثين ، فلهذا قلنا يطبخه حتى يبقى رطلان ، وثلثا رطل ، وفي الأصل قال : حتى يبقى رطلان ، وثلاثة أخماس ، وثلث خمس ، وذلك عبارة عن ثلثي رطل إذا تأملت ، وربما يتكلف بعض مشايخنا - رحمهم الله - لتخريج هذه المسائل على طريق الحساب من الجبر ، والمقابلة ، وغير ذلك ، ولكن ليس في الاشتغال بها كثير فائدة هنا ، والله أعلم .
قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله تعالى إملاء الإكراه : اسم لفعل يفعله المرء بغيره ، فينتفي به رضاه ، أو يفسد به اختياره من غير أن تنعدم به الأهلية في حق المكره أو يسقط عنه الخطاب ; لأن المكره [ ص: 39 ] مبتلى ، والابتلاء يقرر الخطاب ، ولا شك أنه مخاطب في غير ما أكره عليه ، وكذلك فيما أكره عليه حتى يتنوع الأمر عليه فتارة يلزمه الإقدام على ما طلب منه ، وتارة يباح له ذلك ، وتارة يرخص له في ذلك ، وتارة يحرم عليه ذلك ، فذلك آية الخطاب ، ولذلك لا ينعدم أصل القصد ، والاختيار بالإكراه ، كيف ينعدم ذلك ، وإنما طلب منه أن يختار أهون الأمرين عليه ، وزعم بعض مشايخنا رحمهم الله : أن أثر الإكراه التام في الأفعال في نقل الفعل من المكره إلى المكره ، وهذا ليس بصحيح ، فإنه لا يتصور نقل الفعل الموجود من شخص إلى غيره ، والمسائل تشهد بخلاف هذا أيضا ، فإن البالغ إذا أكره صبيا على القتل يجب القود على المكره ، وهذا الفعل في محله غير موجب للقود ، فلا يصير موجبا بانتقاله إلى محل آخر ، ولكن الأصح أن تأثير الإكراه في جعل المكره آلة للمكره ، فيصير الفعل منسوبا إلى المكره بهذا الطريق ، وجعل المكره آلة لا باعتبار أن بالإكراه ينعدم الاختيار منه أصلا ، ولكن ; لأنه يفسد اختياره به لتحقق الإلجاء فالمرء مجبول على حب حياته ، وذا يحمله على الإقدام على ما أكره عليه فيفسد به اختياره من هذا الوجه ، والفاسد في معارضة الصحيح كالمعدوم فيصير الفعل منسوبا إلى المكره لوجود الاختيار الصحيح منه ، والمكره يصير كالآلة للمكره لانعدام اختياره حكما في معارضة الاختيار الصحيح ، ولهذا اقتصر على ما يصلح أن يكون آلة له فيه دون ما لا يصلح كالتصرفات قولا ، فإنه لا يتصور تكلم المرء بلسان غيره ، وتأثير الإكراه في هذه التصرفات في انعدام الرضا من المكره بحكم الشبه . وشبهه بعض أصحابنا رحمهم الله بالهزل ، فإن الهزل عدم الرضا بحكم السبب مع وجود القصد ، والاختيار في نفس السبب ، فالإكراه كذلك إلا أن الهازل غير محمول على التكلم ، والمكره محمول على ذلك ، وبذلك لا ينعدم اختياره كما بينا ، وشبهه بعضهم باشتراط الخيار ، فإن شرط الخيار يعدم الرضا بحكم السبب دون نفس السبب ، ثم في الإكراه يعتبر معنى في المكره ، ومعنى في المكره ، ومعنى فيما أكره عليه ، ومعنى فيما أكره به ، فالمعتبر في المكره تمكنه من إيقاع ما هدده به ، فإنه إذا لم يكن متمكنا من ذلك ، فإكراهه هذيان .
وفي المكره المعتبر أن يصير خائفا على نفسه من جهة المكره في إيقاع ما هدده به عاجلا ; لأنه لا يصير ملجأ محمولا طبعا إلا بذلك ، وفيما أكره به بأن يكون متلفا ، أو مزمنا ، أو متلفا عضوا ، أو موجبا عما ينعدم الرضا باعتباره ، وفيما أكره عليه أن يكون المكره ممتنعا منه قبل الإكراه إما لحقه ، أو لحق آدمي آخر ، أو لحق الشرع ، وبحسب اختلاف هذه الأحوال [ ص: 40 ] يختلف الحكم في الكتاب لتفصيل هذه الجملة ، وقد ابتلي محمد رحمه الله بسبب تصنيف هذا الكتاب على ما حكي عن ابن سماعة رحمه الله قال لما صنف محمد رحمه الله هذا الكتاب سعى به بعض حساده إلى الخليفة .
فقال : إنه صنف كتابا سماك فيه لصا غاليا فاغتاظ لذلك ، وأمر بإحضاره ، وأتاه الشخص ، وأنا معه ، فأدخله على الوزير أولا في حجرته ، فجعل الوزير يعاتبه على ذلك فأنكره محمد أصلا ، فلما علمت السبب أسرعت الرجوع إلى داره ، وتسورت حائط بعض الجيران ; لأنهم كانوا سمروا على بابه ، فدخلت داره ، وفتشت الكتب حتى وجدت كتاب الإكراه ، فألقيته في جب في الدار ; لأن الشرط أحاطوا بالدار قبل خروجي منها ، فلم يمكني أن أخرج ، واختفيت في موضع حتى دخلوا ، وحملوا جميع كتبه إلى دار الخليفة بأمر الوزير ، وفتشوها ، فلم يجدوا شيئا مما ذكره الساعي لهم ، فندم الخليفة على ما صنع به ، واعتذر إليه ، ورده بجميل ، فلما كان بعد أيام أراد محمد رحمه الله أن يعيد تصنيف الكتاب ، فلم يجبه خاطره إلى مراده ، فجعل يتأسف على ما فاته من هذا الكتاب ، ثم أمر بعض وكلائه أن يأتي بعامل ينقي البئر ; لأن ماءها قد تغير ، فلما نزل العامل في البئر ، وجد الكتاب في آجرة ، أو حجر بناء من طي البئر لم يبتل ، فسر محمد رحمه الله بذلك ، وكان يخفي الكتاب زمانا ، ثم أظهره ، فعد هذا من مناقب محمد ، وما يستدل به على صحة تفريعه لمسائل هذا الكتاب ، ثم بدأ الكتاب بحديث رواه عن إبراهيم رحمه الله قال في الرجل يجبره السلطان على الطلاق ، والعتاق ، فيطلق ، أو يعتق ، وهو كاره إنه جائز واقع ، ولو شاء الله لابتلاه بأشد من هذا ، وهو يقع كيفما كان ، وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله ، وقالوا : طلاق المكره ، واقع سواء كان المكره سلطانا ، أو غيره أكرهه بوعيد متلف ، أو غير متلف ، والخلاف في هذا الفصل كان مشهورا بين السلف من علماء التابعين رحمهم الله ، ولهذا استكثر من أقاويل السلف على موافقة قول إبراهيم .
وفي قوله : ولو شاء الله لابتلاه بأشد من هذا إشارة إلى ما ذكرنا من بقاء الأهلية ، والخطاب مع الإكراه ، وإنه غير راض في ذلك ، ولكن عدم الرضا بحكم الطلاق لا يمنع الوقوع ، ولهذا وقع مع اشتراط الخيار عند الإيقاع ، ومع الهزل من الموقع ، وإن كان معلوما ، وكأنه أخذ هذا اللفظ مما ذكره علي رضي الله عنه في امرأة المفقود : إنها ابتليت فلتصبر ، ولو شاء الله لابتلاها بأشد من هذا ، وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه أجاز طلاق المكره ، وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أنه ذكر له أن رجلا ضرب غلامه حتى طلق امرأته ، فقال : بئس ما صنع ، وإنما فهموا منه بهذا الفتوى بوقوع الطلاق حتى [ ص: 41 ] قال يحيى بن سعيد راوي الحديث : أي هو جائز عليه في معنى قوله بئس ما صنع أي حين فرق بينه ، وبين امرأته بغير رضاه ، وإنما يكون ذلك إذا وقعت الفرقة ، ومن قال : لا يقع طلاق المكره يقول : مراد سعيد رضي الله عنه بئس ما صنع في اكتسابه بالإكراه ، وتضييعه ، وقت نفسه ، وقد رد عليه الشرع قصده ، وجعل طلاق المكره لغوا ، ولكن الأول أظهر .
وأصل هذا فيما إذا باع رجلا عينا من مال غيره بغير أمره ، ثم أخبر المالك به ، فقال : بئس ما صنعت ، وهذا اللفظ في رواية هشام عن محمد لا يكون إجازة للبيع بخلاف قوله : نعم ما صنعت ، أو أحسنت ، أو أصبت ، فإن في اللفظ الأول إظهار الكراهة لصنعه ، وفي اللفظ الثاني إظهار الرضا به ، وروى ابن سماعة رحمه الله على عكس هذا : أن قوله نعم ما صنعت يكون على سبيل الاستهزاء به في العادة ، فيكون ردا لا إجازة ، وقوله بئس ما صنعت يكون إجازة ; لأنه إظهار للتأسف على ما فاته ، وذلك إنما يتحقق إذا نفذ البيع ، وزال ملكه ، فجعلناه إجازة لذلك ، وعن صفوان بن عمرو الطائي أن { رجلا كان مع امرأته نائما ، فأخذت سكينا ، وجلست على صدره ، فوضعت السكين على حلقه ، وقالت : لتطلقني ثلاثا ألبتة أو لأذبحنك ، فناشدها الله ، فأبت عليه ، فطلقها ثلاثا ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : لا قيلولة في الطلاق } ، وفيه دليل وقوع طلاق المكره ; لأن لقوله عليه الصلاة والسلام { لا قيلولة في الطلاق } تأويلين : أحدهما أنها بمعنى الإقالة ، والفسخ أي لا يحتمل الطلاق ، والفسخ بعد وقوعه ، وإنما لا يلزمه عند الإكراه ما يحتمل الإقالة ، أو يعتمد تمام الرضا ، والثاني - أن المراد إنما ابتليت بهذا لأجل يوم القيلولة ، وذلك لا يمنع وقوع الطلاق .
وبطريق آخر يروى هذا الحديث { أن رجلا خرج مع امرأته إلى الجبل ليمتار العسل ، فلما تدلى من الجبل بحبل ، وضعت السكين على الحبل ، فقالت لتطلقني ثلاثا ، أو لأقطعنه ، فطلقها ثلاثا ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستفتي ، فقال : عليه الصلاة والسلام لا قيلولة في الطلاق ، وأمضى طلاقه } ، وذكر نظير هذا عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه أن امرأة كانت مبغضة لزوجها ، فراودته على الطلاق ، فأبى ، فلما رأته نائما قامت إلى سيفه فأخذته ، ثم وضعته على بطنه ، ثم حركته برجلها ، فلما استيقظ قالت له ، والله لأنفذنك به ، أو لتطلقني ثلاثا فطلقها ، فأتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فاستغاث به فشتمها ، وقال : ويحك ما حملك على ما صنعت ، فقالت بغضي إياه ، فأمضى طلاقه . ، وهو دليل لنا على أن طلاق المكره واقع ، ولا يقال : في هذا كله إن هذا الإكراه كان من غير السلطان ; لأن الإكراه بهذه [ ص: 42 ] الصفة يتحقق بالاتفاق ، فإنه صار خائفا على نفسه لما كانت متمكنة من إيقاع ما خوفته به ، وإن كان ذلك يعارض قوله : فشتمها أي نسبها إلى سوء العشرة ، والصحبة ، وإلى الظلم كما يليق بفعلها لا أن يكون ذكر ما ليس بموجود فيها ; لأن ذلك بهتان لا يظن به ، وعن أبي قلابة قال : طلاق المكره جائز ، وعن عمر رضي الله عنه قال : أربع واجبات على من تكلم بهن : الطلاق ، والعتاق ، والنكاح ، والنذر يعني النذر المرسل إذ اليمين بالنذر يمين ، وبه نأخذ ، فنقول : هذا كله جائز لازم إن كان جادا فيه ، أو هازلا أكره عليه ، أو لم يكره ; لأنه لا يعتمد تمام الرضا ، ولا يحتمل الفسخ بعد وقوعه ، وعن علي رضي الله عنه قال : ثلاث لا لعب فيهن : الطلاق ، والعتاق ، والصدقة يعني النذر بالصدقة ، ومراده أن الهزل ، والجد في هذه الثلاثة سواء ، فالهازل لاعب من حيث إنه يريد بالكلام غير ما وضع له الكلام .
وذكر نظيره عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ثلاث لا لعب بهن ، واللعب فيهن جد النكاح ، والطلاق ، والعتاق ، وعن ابن المسيب رضي الله عنه قال : ثلاث ليس فيهن لعب : الطلاق ، والنكاح ، والعتاق ، وأيد هذا كله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { : ثلاث جدهن جد ، وهزلهن جد الطلاق ، والرجعة ، والنكاح } ، وإنما ، أورد هذه الآثار ليستدل بها على صحة هذه التصرفات من المكره ، فللوقوع حكم الجد من الكلام ، والهزل ضد الجد ، ثم لما لم يمتنع الوقوع مع وجود ما يضاد الجد ، فلأن لا يمتنع الوقوع بسبب الإكراه أولى ; لأن الإكراه لا يضاد الجد ، فإنه أكره على الجد ، وأجاب إلى ذلك ، وإنما ضد الإكراه الرضا ، فيثبت بطريق البينة لزوم هذه التصرفات مع الإكراه ; لأنه لما لم يمتنع لزومها بما هو ضد الجد ، فلأن لا يمتنع لزومها مع جد أقدم عليه عن إكراه أولى ،

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|