
25-12-2025, 05:48 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,794
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث والعشرون
صـــ 182الى صـــ 191
(480)
( ألا ترى ) أنه لو أراد أن يفتح بابين أو ثلاثة أو يرفع جميع الحائط لم يمنعه أحد من ذلك بخلاف الكوى فإنه إن أراد أن يزيد كوة أخرى منع من ذلك فكذلك إن أراد أن يحولها من جانب إلى جانب .
وسألته عن هذه الكوى لو أراد صاحبها أن يكريها فيسفلها عن موضعها ليكون أكثر لأخذها من الماء قال له ذلك ; لأنه بالكري يتصرف في خالص ملكه .
( ألا ترى ) أن له أن يكري جميع النهر فكذلك له أن يكري هذا الموضع قال رضي الله عنه ، وكان شيخنا الإمام رحمه الله يقول هذا إذا علم أنها في الأصل كانت مسفلة فارتفعت بانكباس ذلك الموضع من الماء فإنه بالكري يعيدها إلى الحالة الأولى ، وذلك حقه فأما إذا علم أنها كانت بهذه الصفة فأراد أن يسفلها منع من ذلك ; لأنه يريد أن يزيد على مقدار حقه من الماء ، وكذلك إن أراد أن يرفع الكوى ، وكانت متسفلة ليكون أقل للماء في أرضه فله ذلك ، وعلى ما قال شيخنا الإمام رحمه الله هذا إذا كان هو بالرفع يعيدها إلى ما كانت عليه في الأصل فأما إذا أراد أن يغيرها عما كانت عليه في الأصل فيمنع عنه ( قال الشيخ الإمام رحمه الله ) ، والأصح عندي أنه لا يمنع على كل حال ; لأن القسمة في الأصل باعتبار سعة الكوة ، وضيقها من غير اعتبار السفل ، والترفع هو العادة بين أهل مرو فإنما يمنع من يوسع الكوة ، ويضيقها ، ولا يمنع من أن يسفلها أو يرفعها ; لأنه ليس فيه تغيير ما ، وقعت القسمة عليه .
وسألته عن نهر خاص لرجل من هذا النهر الخاص أراد أن يقنطر فيه ، ويستوثق منه قال له ذلك ; لأنه يتصرف في خالص ملكه ، وإن كان مقنطرا أو مستوثقا منه فأراد أن ينقص ذلك لعلة أو لغير علة فإن كان ذلك لا يزيد في أخذ الماء فله ذلك ; لأنه يرفع بناء هو خالص ملكه ، وإن كان يزيد في أخذه الماء منع منه لحق الشركاء فإن أراد أن يوسع فم النهر منع من ذلك ; لأنه بهذا التوسع يرفع ضفة النهر المشترك من الجانبين ، وهو ممنوع من ذلك ثم يزيد على هذا مقدار حصة في أصل الماء أما في الموضع الذي لا تكون القسمة بالكوى فغير مشكل أو في الموضع الذي تكون القسمة بالكوى إذا ، وسع [ ص: 183 ] فم النهر ، واحتبس الماء في ذلك الموضع فيدخل في كواه أكثر مما يدخل إذا لم يوسع فم النهر ، وكذلك إذاأراد أن يؤخر الكوى عن فم النهر فجعلها في أربعة أذرع من فم النهر إلى أسفله فليس له ذلك ; لأن الماء يحتبس في ذلك الموضع فيدخل في كواه أكثر مما يدخل إذا كانت الكوى في فم النهر .
وسألته عن رجل مات ممن له هذا الشرب قال الشرب ميراث بين ، ورثته ; لأنهم خلفاؤه يقومون مقامه في أملاكه ، وحقوقه ، وقد تملك بالميراث ما لا يملك بسائر أسباب الملك كالقصاص ، والدين ، والخمر يملك بالإرث فكذلك الشرب ، وإن أوصى فيه بوصية جاز ; لأن الوصية أخت الميراث ثم ما امتنع البيع ، والهبة ، والصدقة في الشرب للغرور ، والجهالة أو لعدم الملك فيه في الحال ، والوصية بهذه الأسباب لا تبطل .
( ألا ترى ) أن الوصية بما يثمر نخيله العام يصح فكذلك الوصية بالشرب .
، وسألته عن أمير خراسان إذا جعل لرجل شربا في هذا النهر الأعظم ، وذلك الشرب لم يكن فيما مضى أو كان له شرب كوتين فزاد مثل ذلك ، وأقطعه إياه ، وجعل مفتحة في أرض يملكها الرجل أو في أرض لا يملكها قال إن كان ذلك يضر بالعامة لم يجز فإن كان لا يضر بهم فهو جائز إذا كان ذلك في غير ملك أحد ; لأن للسلطان ولاية النظر دون الإضرار بالعامة ففيما لا يضر بالعامة يكون هذا الإقطاع منه نظرا لمن أقطعه إياه ، وفيما يضر بهم يكون هذا الإقطاع إضرارا بالعامة ، وليس له ذلك يوضحه أن فيما يضر بهم لكل واحد منهم أن يمنع فالإمام في الإقطاع يكون مبطلا حقه ، وله ولاية استيفاء حق العامة لا ولاية الإبطال ، وفيما لا يضر بهم قد كان له أن يحدث ذلك بغير إقطاع من الإمام فبعد الإقطاع أولى ، وإذا أصفى أمير خراسان شرب رجل ، وأرضه ، وأقطعها لرجل آخر لم يجز ، ويرد إلى صاحبها الأول ، وإلى ، ورثته ، والمراد بالإصفاء الغصب ، ولكن حفظ لسانه ، ولم يذكر لفظ الغصب في أفعال السلاطين لما فيه من بعض الوحشة ، واختار لفظ الإصفاء ليكون أقرب إلى توقير السلطان ، وكان أبو حنيفة رحمه الله يوصي أصحابه بذلك فينبغي للمرء أن يكون مقبلا على شأنه حافظا للسانه موقرا لسلطانه ثم في هذا الفعل السلطان كغيره شرعا قال النبي صلى الله عليه وسلم { على اليد ما أخذت حتى ترد } ، وتمليك ملك غيره من غير المالك يكون لغوا فيجب رد ذلك على صاحبه إن كان حيا ، وعلى ، ورثته بعد موته ، وهكذا فيما حازه لنفسه من أملاك الناس .
( ألا ترى ) أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما استخلف أمر برد أموال بيت المال على أربابها ; لأن من كان قبله من بني أمية كانوا أخذوها ظلما .
وإذا تزوج الرجل المرأة على شرب بغير أرض [ ص: 184 ] فالنكاح جائز ، وليس لها من الشرب شيء ; لأن الشرب بدون الأرض لا يحتمل التمليك بعقد المعاوضة ; ولأنه ليس بمال متقوم ، ولهذا لا يضمن بالإتلاف بعقد ، ولا بغيره ثم هو مجهول جهالة متفاحشة فلا يصح تسميته ، ولكن بطلان التسمية لا يمنع جواز النكاح بمنزلة ترك التسمية فيكون لها مهر مثلها إن دخل بها ، والمتعة إن طلقها قبل الدخول بها .
ولو أن امرأة اختلعت من زوجها على شرب بغير أرض كان باطلا ، ولا يكون له من الشرب شيء ، ولكن الخلع صحيح ، وعليها أن ترد المهر الذي أخذت ; لأنها أطمعت الزوج بهذه التسمية فيما هو مرغوب فيه فتكون غارة له بهذه التسمية ، والغرور في الخلع يلزمها رد ما قبضت كما لو اختلعت بما في بيتها من المتاع فإذا ليس في بيتها شيء ، والصلح في الدعوى على الشرب باطل ; لأن المصالح عليه مما لا يملك بشيء من المعقود ، وقد بينا أن ما لا يستحق بشيء من المعقود فالصلح عليه باطل ، وصاحب الدعوى على دعواه ، وحقه فإن كان قد شرب من ذلك الشرب مدة طويلة فلا ضمان عليه فيه ; لأن الشرب ليس بمحل للعقد أصلا فكان العقد فيه كالإذن المطلق فإن كان الصلح عليه من قصاص في نفس أو فيما دونه فالصلح باطل ، وجاز العفو ، وعلى القاطع الدية ، وأرش الجراحة ; لأن الصلح من القود على شرب نظير الخلع على معنى أن جهالة البدل ، وإن تفاحشت في كل واحد منهما فالخلع ، والصلح صحيح باعتبار أنه إسقاط ليس فيه تمليك إلا أن في الصلح على القود إذا لم يثبت المسمى ، وتمكن في التسمية معنى الغرور يجب رد الدية ، وفي الخلع يجب رد المقبوض ; لأن النفس تتقوم بالدية ، والبضع عند خروجه من ملك الزوج لا يتقوم فيجب رد المقبوض لدفع الضرر ، والغرور .
ولو مات صاحب الشرب ، وعليه ديون لم يبع في دينه إلا أن يكون معه أرض فيباع مع أرضه ; لأن في حال حياته كان لا يجوز منه بيع الشرب بدون الأرض فكذا بعد موته ، وقد تكلم مشايخنا رحمهم الله في أن الإمام ماذا يصنع بهذا الشرب فمنهم من يقول يتخذ حوضا ، ويجمع فيه ذلك الماء في كل يومه ثم يبيع الماء الذي جمعه في الحوض بثمن معلوم - فيقضي به الدين .
( قال الشيخ الإمام الأجل ) رحمه الله ، والأصح عندي أنه ينظر صاحب أرض ليس له شرب فيضم ذلك الشرب إلى أرضه ، ويبيعها برضاه ثم ينظر إلى قيمة الأرض بدون الشرب ، ومع الشرب فيجعل تفاوت ما بينهما من الثمن مصروفا إلى قضاء دين الميت ، وما ، وراء ذلك لصاحب الأرض ، وإن لم يجد ذلك اشترى على تركة هذا الميت أرضا بغير شرب ثم ضم هذا الشرب إليها ، وباعها فيصرف الثمن إلى قضاء ثمن الأرض المشتراة ، وما يفضل [ ص: 185 ] من ذلك للغرماء ، وكذلك لو أوصى أن يباع من هذا الرجل أو يوهب له أو يتصدق عليه كان ذلك باطلا ; لأنه لو باعه بنفسه في حياته لم يجر فكذلك إذا أوصى أن يباع منه بعد موته قال إلا أن يكون معه أرض فيجوز من ثلثه يريد الهبة أو الصدقة أو المحاباة في البيع فإن ذلك يجوز من ثلثه .
قال : وإن أوصى أن يسقي أرض فلان يوما أو شهرا أو سنة من شربه أجزت ذلك من ثلثه لما بينا أن الوصية بالشرب كالوصية بالغلة المجهولة ، وذلك ينفذ من ثلثه ، وإن مات الذي له الوصية بطلت ، وصيته في الشرب قال ، وهي بمنزلة الخدمة يعني إذا أوصى بخدمة عبده لإنسان فمات الموصى له بطلت الوصية ، وهذا ; لأن الشرب كالمنفعة إلا أنها مجهولة جهالة لا تقبل الإعلام ، والخدمة تقبل الإعلام ببيان المدة فيجوز استحقاقها بالإجارة إذا كانت معلومة فيجوز استحقاقها بالوصية من الثلث ، وإن لم يكن معلوما ببيان المدة فكذلك استحقاق الشرب بالوصية يجوز ، وإن كانت مجهولة ، ولكن الاستحقاق للموصى له باعتبار حاجته فيبطل بموته ; لأن الورثة يخلفونه فيما كان ملكا أو حقا متأكدا له ، وذلك غير موجود في الشرب كما في الخدمة فإن أوصى أن يتصدق بشربه على المساكين فهذا باطل ; لأن حاجة المساكين إلى الطعام دون الماء ، وإنما يحتاج إلى الشرب من له أرض ، وليس للمساكين ذلك ، ولا بدل للشرب حتى يصرف بدله إلى المساكين فإنه لا يحتمل البيع ، والإجارة فكان باطلا ، وكذلك لو قال في حياته : هو صدقة في المساكين إن فعلت كذا ففعله لم يلزمه شيء ; لأنه لا طريق لتنفيذ هذه الوصية في عين الشرب ، ولا في بدله إلا أن يكون معه أرض فحينئذ تصح ، وصيته ، ونذره فتنعقد - يمينه فإذا حنث يجب تنفيذه في التصدق بعينه أو بقيمته بعد البيع .
ولو أوصى بأن يسقي مسكينا بعينه في حياته فذلك جائز فيه باعتبار عينه كما لو أوصى له - بعين بخلاف ما أوصى به في المساكين فتصحيح تلك الوصية باعتبار التقرب إلى الله تعالى يجعل شيء من ماله خالصا لله تعالى ليكون مصروفا إلى سد حاجة المحتاجين ، وذلك لا يتأتى في الشرب بدون الأرض .
ولو باع الشرب بعبد ، وقبض العبد ، وأعتقه جاز عتقه ، ويضمن قيمته لأن العقد في العبد فاسد فإن شراء العبد من غير تسمية الثمن يكون فاسدا فكذلك عند تسمية الشرب ، والمشترى شراء فاسدا يملك بالقبض فينفذ العتق فيه ، وعلى المشتري ضمان القيمة ، وكذلك لو كانت أمة فوطئها فولدت منه كانت أم ولد ، وعليه قيمتها ، وعقرها ، وذكر هذه المسألة في موضع آخر من هذا الكتاب ، ولم يذكر العقد ، وهو الأصح ، وقد قال في البيوع في المشتراة [ ص: 186 ] شراء فاسدا ، وليس عليه عقر في ، وطئها ، وقد بينا في البيوع ، وجه الروايتين ، والتوفيق بينهما ، وكذلك لو أجره بعبد فأعتقه ; لأن البدل في الإجارة إذا كان عينا فهو كالمبيع فيصير مملوكا بالقبض ، وينفذ العتق فيه ، ويجب رد قيمته .
ولو ادعى شربا في يدي رجل أنه بغير أرض فإنه ينبغي في القياس أن لا يقبل منه ذلك ; لأن شرط صحة الدعوى إعلام المدعي في الدعوى ، والشهادة ، والشرب مجهول جهالة لا تقبل الإعلام ، ولأنه يطلب من القاضي أن يقضي له بالملك في المدعى إذا أثبت دعواه بالبينة ، والشرب لا يحتمل التمليك بغير أرض فلا يسمع القاضي فيه الدعوى ، والخصومة . كالخمر في حق المسلمين ، ولكن في الاستحسان يقبل ببينة ، ويقضي له به ; لأن الشرب مرغوب فيه ، ومنتفع به ، وقد يكون الاستحقاق فيه للإنسان منفردا عن الأرض بالميراث ، والوصية ، وقد يبيع الأرض بدون الشرب فيبقى له الشرب ، وحده فإذا استولى عليه غيره كان له أن يدفع الظلم عن نفسه بإثبات حقه بالبينة ثم القاضي لا يملكه بالقضاء شيئا ابتداء ، ولهذا لا ينفذ قضاؤه باطنا في الأملاك المرسلة ، وإنما يظفر بقضاء حقه أو ملكه ، والشرب يحتمل ذلك .
( ألا ترى ) أنه يقضي له بالدين بالحجة ، والدين في ذمة الغير لا يحتمل التمليك ابتداء .
وإذا كانت لرجل أرض ، ولرجل فيها نهر يجري فأراد رب الأرض أن لا يجري النهر في أرضه لم يكن له ذلك بل يترك على حاله ; لأنه وجد كذلك ; لأن موضع النهر في يد صاحب النهر ; لأنه مستعمل له بإجراء مائه فيه فعند الاختلاف القول قوله في أنه ملكه فإن لم يكن في يده ، ولم يكن جاريا سألته البينة على أن هذا النهر له فإن جاء ببينة قضيت به له لإثباته حق نفسه بالحجة ، وإن لم يكن له بينة على أصل النهر ، وجاء ببينة أنه كان مجراه في هذا النهر يسوقه إلى أرضه حتى يسقيها منه أجزت ذلك ; لأنهم شهدوا له بحق مستحق في النهر ، وهو المجرى ، وقد بينا نظائر هذا في الطريق ، والمسيل ، وبينا أن الجهالة هناك لا تمنع قبول الشهادة فكذا المجرى هنا ، وكذلك المصب إذا كان نهره ذلك يصب في أرض أخرى فمنعه صاحب الأرض السفلى المجرى ، وأقام بينة على أصل النهر أنه له ، وأقام البينة على أن له فيه مصبا أجزت ذلك ; لأن المصب كالمسيل ، ولو أقام البينة أن له مسيل ماء على سطح جاره كانت البينة مقبولة فهذا مثله .
ولو سقى الرجل أرضه أو شجرها أو ملأها ماء فسال من مائها في أرض رجل فغرقها لم يكن عليه ضمانها لأنه في هذا التسبيب غير متعد بل هو متصرف في ملك نفسه ، وللإنسان أن يتصرف في ملك نفسه مطلقا ، والمتسبب إذا لم يكن متعديا في تسببه لا يكون ضامنا كحافر البئر ، وواضع الحجر في [ ص: 187 ] ملكه ، وهو نظير ما لو أوقد النار في أرضه فوقع الحريق بسبب ذلك فإنه لا يكون ضامنا لكونه متصرفا في خالص ملكه ، وكذلك لو نزت أرض جاره من هذا الماء .
ولو اجتمع في هذا الماء سمك فصاده رجل كان للصياد لقوله عليه الصلاة والسلام { الصيد لمن أخذه } ، وهو نظير ما لو اصطاد من أرض رجل ظبيا فإنه يكون له دون صاحب الأرض ، وإن كان لصاحب الأرض أن يمنعه من الدخول في أرضه .
وإذا كانت لرجل أرض فيها مراعي فأجر مراعيها أو باعها كل سنة بشيء مسمى ترعى فيها غنم مسماة فإن ذلك لا يجوز ; لأن المقصود هو الكلأ ، وهو على أصل شركة الإباحة لا اختصاص لصاحب المرعى به ثم هذا استئجار المقصود به استهلاك العين ، وشراء ما هو مجهول لا يعرف فيكون باطلا كبيع الشرب ، وإجارته .
ولو أخذ صاحب الأرض شيئا من هذا فأحرزه ثم باعه كان جائزا بمنزلة الماء الذي أحرزه في الأواني ، وهذا ; لأن ملكه بالإحراز فيه قد تم ، وهو متقوم لكونه منتفعا به .
ولو كان زرع رجل قصيلا في أرضه ثم أجره من رجل يرعى فيه غنمه كان باطلا ; لأن المقصود بهذا الاستئجار استهلاك العين ; ولأنه إنما يستحق بالإجارة ما لا يجوز بيعه ، والقصيل عين يجوز بيعه فلا يستحق بالإجارة على المستأجر قيمة ما رعت غنمه من ذلك ; لأنه صار مستوفيا مستهلكا له بحكم عقد فاسد ، وهذا بخلاف الكلإ في المراعي فقد نبت ذاك من غير إنبات أحد فكان على أصل الإباحة المشتري ، والبائع في الانتفاع به سواء ، وهذا مما استنبته صاحب الأرض فيكون مملوكا له حتى لو باعه جاز بيعه ، وإنما لم تجز إجارته لما قلنا ، ولمعنى الغرر فيه فإذا أتلف ملكا متقوما لغيره بسبب عقد فاسد كان مضمونا عليه بقيمته .
ولو استأجر مرعى لعبد بعينه فرعاه في تلك السنة لم يضمن ما رعى ، ويأخذ عبده ; لأن العقد كان فاسدا فيسترد عبده بحكم العقد الفاسد فإن كان المؤاجر قد أعتقه أو باعه جاز ذلك ، ويضمن قيمته ; لأنه ملكه بالقبض بحكم عقد فاسد فينفذ عتقه فيه ، وهذا ; لأن البيع محل للملك فينفذ العقد مقيدا بحكمه ، وهو نظير ما إذا اشترى عبدا بشرب بخلاف العبد بالربح فهناك ، وإن قبض المشتري لا يملكه ، ولا ينفذ عتقه فيه بمنزلة البيع بالميتة ، والدم ; لأن الربح لا يتقوم بالعبد بحال ، ولا يدخل في العقد أصلا فبتسميته يخرج السبب من أن يكون تمليك مال بمال فأما الشرب ، والكلأ فما يجوز أن يستحق بالعقد تبعا للأرض ، وهو منتفع به شرعا .
( ألا ترى ) أنه يتصور فيه الإحراز الموجب للملك ، وبعد الإحراز يكون مالا متقوما فقبل الإحراز ينعقد العقد بتسميته على [ ص: 188 ] ما هو محل للتمليك بالعقد فينفذ عتقه فيه بعد القبض .
ولو تزوج امرأة على أن يرعى غنمها في أرضه سنة كان لها مهر مثلها ; لأن شرط صحة التسمية أن يكون المسمى مالا متقوما في نفسه أو يستحق بذكره تسليم مال ، والكلأ ، والشرب قبل الإحراز ليس بمال فلا تصح تسميته في النكاح .
ولو أوصى بكلأ في أرضه سنين أو ، وهبه أو صالح عليه من قصاص أو مال كان القول فيه كالقول في الشرب لاستوائهما في المعنى فكل واحد منهما مبقى على شركة الإباحة قبل الإحراز .
ولو أحرق كلأ أو حصائد في أرضه فذهبت النار يمينا ، وشمالا ، وأحرقت شيئا لغيره لم يضمنه ; لأنه غير متعد في هذا السبب فإن له أن يوقد النار في ملك نفسه مطلقا ، وتصرف المالك في ملكه لا يتقيد بشرط السلامة قال بعض مشايخنا رحمهم الله : وهذا إذا كانت الرياح هادئة حين أوقد النار فأما إذا أوقد النار في يوم ريح على ، وجه يعلم أن الريح يذهب بالنار إلى ملك غيره فإنه يكون ضامنا بمنزلة ما لو أوقد النار في ملك غيره .
( ألا ترى ) أن من صب في ميزاب مائعا ، وهو يعلم أن ما تحت الميزاب إنسان جالس فأفسد ذلك المائع ثيابه كان الذي صبه ضامنا ، وإن كان صبه في ملك نفسه .
ولو أن رجلا أتى طائفة من البطيحة مما ليس لأحد فيه ملك مما قد غلب عليه الماء فضرب عليه المسناة ، واستخرجه ، وأحياه ، وقطع ما فيه من القصب رأيتها له بمنزلة أرض الميتة ، وكذلك ما عالج من أجمة أو جزيرة في بحر بعد أن لا يكون لأحد فيه ملك ; لأن هذا كله من جملة الموات ، وقد بينا حد الموات فأعاد ذلك هنا ، وذكر أن كل أرض من السواد ، والجبال التي لا يبلغها الماء من أرض العرب مما لم يكن لأحد فيها ملك فهو كله من الموات ، ومراده ما كان من فناء العمران ، وقد بينا أن ذلك من حق السكان في العمران ، ولو أحياه ، وكان له مالك قبل ذلك رددته إلى مالكه الأول ، ولم أجعل للثاني فيه حقا ، ولكنه ضامن لما قطع من قضبها ; لأن ملك الغير محترم لحرمة المالك فلا يكون له أن يتملك عليه بالأحياء بغير رضاه ، ولكنه أتلف ما قطع من قضبها ، وكانت مملوكة لصاحبها فعليه ضمانها ، وإن كان الثاني قد زرعها فالزرع له ، وهو ضامن لما نقص من الأرض بمنزلة من غصب أرضا فزرعها .
وإن احتفر الرجل بئرا في مفازة بإذن الإمام فجاء رجل آخر ، واحتفر في حريمها المذكورة بئرا كان للأول أن يسد ما احتفره الثاني ; لأن حريم البئر صار مملوكا لصاحب البئر إذا حفر بإذن الإمام ، والثاني متعد في تصرفه في ملكه فلا يستحق بهذا التصرف شيئا ; ولأنه ضامن للنقصان ، وللأول أن يأخذه بسد ما احتفر ، وهو عرق ظالم [ ص: 189 ] ولا حق له بظاهر الحديث ، وكذلك لو بنى أو زرع أو أحدث فيه شيئا للأول أن يمنعه من ذلك لملكه ذلك الموضع ، وما عطب في بئر الأول فلا ضمان عليه فيه ; لأنه غير متعد في حفره ، وما عطب في بئر الثاني فهو مضمون على الثاني ; لأنه متعد في تسببه .
ولو أن الثاني حفر بئرا بأمر الإمام في غير حريم الأول ، وهي قريبة منه فذهب ماء البئر الأول ، وعرف أن ذهاب ذلك من حفر الثاني فلا شيء له عليه ; لأنه غير متعد فيما صنع بل هو محق في الحفر في غير حريم الأول ، والماء تحت الأرض غير مملوك لأحد فليس له أن يخاصمه في تحويل ماء بئره إلى بئر الثاني كالتاجر إذا كان له حانوت فاتخذ آخر بجنبه حانوتا لمثل تلك التجارة فكسدت تجارة الأول بذلك لم يكن له أن يخاصم الثاني .
ولو احتفر قناة بغير إذن الإمام في مفازة ثم ساق الماء حتى أتى به أرضا فأحياها فإنه يجعل لقناته ، ومخرج مائه حريما على قدر ما يصلحه ، وهذا بناء على قولهما فأما عند أبي حنيفة رحمه الله إذا فعل ذلك بإذن الإمام يستحق الحريم للموضع الذي يقع الماء فيه على ، وجه الأرض فأما إذا كان بغير إذن الإمام فلا ، وهذا بمنزلة ما لو أخرج عينا إلا أنه تحرز عن بيان المقدار فيه بالرأي ، ولم يجد في القناة نصا بعينه فقال : حريمه بقدر ما يصلحه فأما في الموضع الذي لا يقع فيه ماؤه على الأرض من القناة فبمنزلة النهر إلا أنه يجري تحت الأرض ، وقد بينا الكلام في الحريم للنهر فكذلك القناة ، وإذا كانت القناة على هذا الوجه بين رجلين ، والأرض بينهما ثم استحيا أحدهما أرضا أخرى فأراد أن يسقيها لم يكن له ذلك بمنزلة نهر مشترك بين رجلين ، وهذا ; لأنه يريد أن يستوفي أكثر من حقه ، ويثبت لهذه الأرض الأخرى شربا من هذه القناة فلا يملك ذلك إلا برضا شريكه .
ولو كان نهر بين قوم لهم عليه أرضون لكل رجل منهم أرض معلومة فأراد بعضهم أن يسوق شربه إلى أرض أخرى لم يكن لها في ذلك النهر شرب فيما مضى فليس له ذلك ; لأنه يستوجب بذلك في النهر غير ما لم يكن له قبل ذلك أما إذا كان يسقي أرضه التي لها شرب من هذا النهر مع ذلك فهو يستوفي أكثر من حقه ، وإن كان يريد أن يسوق شربه الأول إلى هذه الأرض الأخرى لم يكن له ذلك أيضا ; لأنه إذا فعل ذلك ، وتقادم العهد ادعى للأرض شربا من هذا النهر مع الأول ، واستدل على ذلك بالنهر المعد لإجراء الماء فيه من ذلك النهر إلى هذه الأرض فهذا معنى قوله يستوجب بذلك في النهر شربا لم يكن له قبل ذلك ، وكذلك لو أراد أن يسوق شربه في أرضه الأولى حتى ينتهي إلى هذه الأخرى فليس له ذلك ; لأنه يستوفي فوق حقه فالأرض تنشف بعض [ ص: 190 ] الماء قبل أن ينتهي إلى هذه الأرض الأخرى ثم هذا بمنزلة طريق بين قوم إذا أراد أحدهم أن يفتح فيه طريقا في دار أخرى ، وساكن تلك الدار غير ساكن هذه الدار فهو ممنوع من ذلك ، وقد بينا الفرق في كتاب القسمة بين هذا ، وبين ما إذا كان ساكن الدارين واحدا ، وإذا أراد هذا الرجل أن يسقي من هذا النهر نخيلا في أرض أخرى ليس لها في هذا النهر شرب فليس له ذلك كما لو أراد أن يسقي زرعا من هذه الأرض الأخرى ، وإذا استأجر أصحاب النهر رجلا يقسم بينهم الشرب كل شهر بشيء معلوم ، ويقوم على نهرهم فذلك جائز ; لأن العقد يتناول منافعه التي توجد في المدة ، وهي معلومة ببيان المدة ، والبدل الذي بمقابلتها معلوم ، وإن استأجروه بشرب من النهر مكان الآخر لم يجز ; لأن الأجرة إذا كانت معينة فهي كالمبيع ، والشرب لا يجوز أن يكون مبيعا مقصودا ، ويكون له أجر مثله ; لأنه أوفاه منافعه بعقد فاسد .
ولو أعطوه كفيلا بذلك لم يجز ، ولو لم يكن على الكفيل شيء ; لأن الكفيل إنما التزم المطالبة بما هو مستحق على الأصيل ، وليس على الأصيل من تسليم الشرب شيء فكذلك لا يجب على الكفيل .
وإذا احتفر القوم بينهم نهرا على أن يكون بينهم على مساحة أراضيهم ، وتكون نفقته بينهم على قدر ذلك ، ووضعوا على رجل منهم أكثر مما عليه غلطا رجع بذلك عليهم ; لأنهم استوفوا ذلك منه بغير حق فعليهم رده ، ولو ، وضعوا عليه أقل من نصيبه - رجعوا عليه بالفضل ; لأنه تبين أنه ما أوفاهم بعض ما كان مستحقا عليه ، ولم يوجد منهم إسقاط شيء من حقهم عنه فيكون لهم أن يرجعوا عليه بالفضل .
وإذا كان نهرا بين قوم فاصطلحوا على أن يسموا لكل رجل منهم شربا مسمى ، وفيهم الغائب ، والشاهد فقدم الغائب فله أن ينقض ; لأن قسمتهم لم تكن بحضرته ، ولا بحضرة نائبه ، ولا ولاية لهم عليه في تمييز نصيبه بالقسمة فيكون له أن يبطلها ليستوفي حقه فإن كانوا أوفوه حقه ، وحازوه ، وقسموه ، وأبانوه فليس له أن ينقض ; لأنه لو نقض احتاج إلى إعادته من ساعته ، ولا يمكن من النقض لدفع الضرر عن نفسه ، ولا ضرر عليه في هذا الموضع فكان في النقض متعنتا .
، ولا تجوز الكفالة بثمن الشرب ، ولا بالأجرة بمقابلة الشرب ; لأن ذلك ليس بمستحق على المطلوب فلا يصلح التزام المطالبة بالكفالة فإن نقد الكفيل الثمن رجع به على البائع الذي نقده إن شاء ; لأنه استوفى منه ما لم يكن مستحقا له ، وإن شاء رجع به على المشتري ; لأنه أدى عنه بأمره ثم يرجع به المشتري على البائع ; لأنه ملك المؤدي بالضمان فكان بمنزلة ما لو أداه بنفسه ، وإذا ، وكل رجل ، وكيلا بشربه يسوقه إلى أرضه ، ويقوم عليه [ ص: 191 ] فهو جائز ; لأن جهة الانتفاع بالشرب تتعين ، وقد أناب الوكيل فيه مناب نفسه فلا يحتاج بيانه لصحة التوكيل ; لأن الحاجة إلى البيان لتمكن الوكيل من تحصيل مقصود الموكل ، وذلك فيما لا تكون الجهة متعينة فيه ، وليس له أن يبيع شرب أرضه كما ليس لصاحب الشرب أن يبيعه بنفسه ، ولا أن يسقي أرض غيره ; لأن ذلك تبرع ، وبمطلق التوكيل لا يملك التبرع كمن وكل غيره بماله ملك الحفظ بهذا اللفظ دون التبرع .
وإذا اتخذ الرجل مشرعة على شاطئ الفرات ليستقي منها السقاءون ، ويأخذ منهم الأجر لم يجز ذلك ; لأنه لم يبتعهم شيئا ، ولم يؤاجرهم أرضا ، معناه : أنهم يأخذون الماء من الفرات في أوانيهم ، والماء في الفرات غير مملوك لصاحب المشرعة ثم الموضع الذي اتخذ فيه المشرعة من الأرض غير مملوك له ، ولو كان مملوكا فهو لم يؤاجرهم ذلك الموضع .
( ألا ترى ) أنه في يده على حاله ، وشرط إجارة الأرض تسليمها إلى المستأجر ; ولأنهم لا ينتفعون بالأرض ، وإنما ينتفعون بالماء فما يعطونه من الماء لا يكون عوضا عن منفعة الأرض بل هو أكل مال الغير بالباطل ، ولو تقبل هذه المشرعة كل شهر بشيء مسمى تقوم فيه الدواب أجزت ذلك ; لأنه التزم الأجر بمقابلة منفعة الأرض فإن إيقاف الدواب في موضع من الأرض انتفاع بها ، ويد المستأجر تثبت عليه بإيقاف الدواب فيها ، وهي معلومة ببيان المدة فصحت الإجارة لذلك ، وكذلك لو استأجر رجل قطعة منها يوم يقيم فيها بغير آلة جاز ، وهذا بخلاف الأول فإن السقائين ما استأجروا موضعا معلوما ، ولا بينوا لوقوفهم مدة معلومة فبطلت الإجارة هناك للغرر ، والجهالة ، وإن كانت هذه المشرعة لا يملكها الذي اتخذها فلا ينبغي له هذا ، ولا يصح له بمنزلة من أراد أن يبني دكانا في الطريق ليؤاجره من الناس منع من ذلك ، وهذا ; لأن في الطريق حق عامة المسلمين فكذلك في موضع المشرعة من شط الفرات حق جميع المسلمين فلا ينبغي له أن يحول بينهم ، وبين حقهم باتخاذ المشرعة فيه ليؤاجره فيكتسب لنفسه .
ولو كانت في موضع لا حق فيه لأحد فاتخذ مشرعة في ذلك المكان كان للمسلمين أن يستقوا من ذلك المكان بغير أجر كما كان لهم ذلك قبل أن تتخذ فيه مشرعة ، وهذا ; لأن بتصرفه لا يملك إبطال حق المسلمين ، ولا أن يحول بينهم ، وبين حوائجهم ، وإنما أرخص له في ذلك إذا كانت الأرض له يملك رقبتها فحينئذ لا حق لأحد فيه خصوصا في غير وقت الضرورة .
ولو أراد المسلمون أن يمروا في تلك الأرض ليسقوا من ذلك الماء فمنعهم منه فإن لم يكن له طريق غيره لم يكن له أن يمنعهم ، وإن كان يملك رقبتها [ ص: 192 ] ولكنهم يمرون في أرضه ، ومشرعته بغير إذنه ; لأن الموضع موضع الحاجة ، والضرورة فالماء سبب لحياة العالم قال الله تعالى { ، وجعلنا من الماء كل شيء حي } فإذا لم يجدوا طريقا آخر كان هذا الطريق متعينا لوصولهم منه إلى حاجتهم فليس له أن يمنعهم من ذلك فإن كان لهم طريق غير ذلك كان له أن يمنعهم من ذلك ; لأنه لا ضرورة إلى التطرق في ملكه ، وهو نظير من أصابته مخمصة يباح له أن يتناول من طعام الغير فإن كان عنده مثل ذلك الطعام لم يكن له أن يتناول من طعام الغير بغير إذنه إلا أن هناك عند الضرورة يجب الضمان لما في التناول من إتلاف مال متقوم على صاحبه ، وهنا ليس في المرور بين أرضه إتلاف شيء عليه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|