
25-12-2025, 05:47 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,794
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث والعشرون
صـــ 172الى صـــ 181
(479)
وإذا كان نهر بين قوم لهم عليه أرضون ، ولا يعرف كيف كان أصله بينهم فاختلفوا فيه ، واختصموا في الشرب فإن الشرب بينهم على قدر أراضيهم ; لأن المقصود بالشرب سقي الأراضي ، والحاجة إلى ذلك تختلف بقلة الأراضي ، وكثرتها فالظاهر أن حق كل واحد منهم من الشرب بقدر أرضه ، وقدر حاجته ، والبناء على الظاهر ، واجب حتى يتبين خلافه فإن قيل : فقد استووا في إثبات اليد على المال في النهر ، والمساواة في اليد توجب المساواة في الاستحقاق عند الاشتباه قلنا لا كذلك فاليد لا تثبت على الماء في النهر لأحد حقيقة ، وإنما ذلك الانتفاع بالماء .
والظاهر أن انتفاع من له عشر قطاع لا يكون مثل انتفاع من له قطعة واحدة ثم الماء لا يمكن إحرازه بإثبات اليد عليه ، وإنما إحرازه بسقي الأراضي فإنما ثبت اليد عليه بحسب ذلك ، وهذا بخلاف الطريق إذا اختصم فيه الشركاء فإنهم يستوون في ملك رقبة الطريق ، ولا يعتبر في ذلك سعة الدار ، وضيقها ; لأن الطريق عين تثبت اليد عليه ، والمقصود التطرق فيه ، والتطرق فيه إلى الدار الواسعة ، وإلى الدار الضيقة بصفة واحدة بخلاف الشرب على ما ذكرنا فإن كان الأعلى لا يشرب حتى يسكر النهر على الأسفل ، ولكنه يشرب بحصته ; لأن في السكر قطع منفعة الماء عن أهل الأسفل في بعض المدة ، وليس لبعض الشركاء هذه الولاية في نصيب شركائه يوضحه أن في السكر [ ص: 173 ] إحداث شيء في وسط النهر ، ورقبة النهر مشتركة بينهم فليس لبعض الشركاء أن يحدث فيها شيئا بدون إذن الشركاء ، وربما ينكسر النهر بما يحدث فيها عند السكر فإن تراضوا على أن الأعلى يسكر النهر حتى تشرب حصته أجزت ذلك بينهم ; لأن المانع حقهم ، وقد انعدم بتراضيهم فإن اصطلحوا على أن يسكر كل واحد منهم في يومه أجزته أيضا فإن قسمة الماء في النهر تكون بالأجر تارة ، وبالأيام أخرى فإن تراضوا على القسمة بالأيام جاز لهم ذلك ، وهذا لحاجتهم إلى ذلك فقد يقل الماء في النهر بحيث لا يتمكن كل واحد منهم أن ينتفع بحصته من ذلك إلا بالسكر ، ولكنه إن تمكن من أن يسكر بلوح أو باب فليس له أن يسكر بالطين والتراب ; لأن به ينكسر النهر عادة ، وفيه إضرار بالشركاء إلا أن يظهروا التراضي على ذلك فإن اختلفوا لم يكن لأحد منهم أن يسكره على صاحبه .
وإن أراد أحد منهم أن يكتري منه نهرا لم يكن له ذلك إلا برضاء من أصحابه ; لأن في كري النهر كسر ضفة النهر المشترك بقدر فوهة النهر الذي يكريه ، وفي الملك المشترك ليس لبعض الشركاء أن يفعل ذلك إلا برضاء أصحابه كما لو أراد هدم الحائط المشترك أو إحداث باب فيه ، وكذلك إن أراد أن ينصب عليه رحا لم يكن له ذلك إلا برضا من أصحابه ; لأن ما ينصب من الرحا إنما يضعه في ملك مشترك إلا أن تكون رحا لا تضر بالنهر ، ولا بالماء فيكون موضعها في أرض خاص له فإن كان هكذا فهو جائز يعني إذا لم يكن يغير الماء عن سنته .
ولا يمنع جريان الماء بسبب الرحا بل يجري كما كان يجري قبل ذلك ، وإنما يضع الرحا في ملك خاص له فإذا كان بهذه الصفة فله أن يفعل ذلك بغير رضا الشركاء ; لأنه إنما يحدث ما يحدثه من الأبنية في خالص ملكه ، وبسبب الرحا لا ينتقص الماء بل ينتفع صاحب الرحا بالماء مع بقاء الماء على حاله فمن يمنعه عن ذلك يكون متعنتا قاصدا إلى الإضرار به لا دافعا الضرر عن نفسه فلا يلتفت إلى تعنته ، وإن أراد أن ينصب عليها دالية أو سانية ، وكان ذلك لا يضر بالنهر ، ولا بالشرب ، وكان بناء ذلك في ملكه خاصة كان له أن يفعل لما بينا أنه يتصرف في خالص ملكه ، ولا يلحق الضرر بغيره ، وإن أراد هؤلاء القوم أن يكروا هذا النهر فإن أبا حنيفة رحمه الله قال عليهم مؤنة الكراء من أعلاه فإذا جاوز أرض رجل دفع عنه ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الكراء عليهم جميعا من أوله إلى آخره بحصص الشرب ، والأراضي ، وبيان ذلك أن الشركاء في النهر إذا كانوا عشرة فمؤنة الكراء من أول النهر على كل واحد منهم عشرة إلى أن يجاوز أرض أحدهم فحينئذ تكون مؤنة الكراء على الباقين اتساعا إلى أن يجاوز أرضا [ ص: 174 ] أخرى ثم يكون على الباقين أثمان على هذا التفصيل إلى آخر النهر وعندهما المؤنة عليهم اعتبارا من أول النهر إلى آخره ; لأن لصاحب الأعلى حقا في أسفل النهر ، وهو تسييل الفاضل عن حاجته من الماء فيه فإذا سد ذلك فاض الماء على أرضه فأفسد زرعه فبهذا تبين أن كل واحد منهم ينتفع بالنهر من أوله إلى آخر ، والدليل عليه أنه يستحق الشفعة بمثل هذا النهر ، وحق أهل الأعلى ، وأهل الأسفل في ذلك سواء فإذا استووا في الغنم يستوون في الغرم أيضا ، وهو مؤنة الكراء وأبو حنيفة رحمه الله يقول مؤنة الكراء على من ينتفع بالنهر بسقي الأرض منه .
( ألا ترى ) أنه ليس على صاحب الشقة من مؤنة الكراء شيء ، وإذا جاوز الكراء أرض رجل فليس له في كراء ما بقي منفعة سقي الأرض فلا يلزمه شيء من مؤنة الكراء ثم منفعته في أسفل النهر من حيث إجراء فضل الماء فيه ، وصاحب المسيل لا يلزمه شيء من عمارة ذلك الموضع باعتبار تسييل الماء فيه ( ألا ترى ) أن من له حق تسييل ماء سطحه على سطح جاره لا يلزمه شيء من عمارة سطح جاره بهذا الحق ثم هو يتمكن من دفع الضرر عن نفسه بدون كري أسفل النهر بأن يسد فوهة النهر من أعلاه إذا استغنى عن الماء فعرفنا أن الحاجة المعتبرة في التزام مؤنة الكراء الحاجة إلى سقي الأرض . فرع بعض مشايخنا رحمهم الله أن الكراء إذا انتهى إلى فوهة أرضه من النهر فليس عليه شيء من مؤنة بعد ذلك ، والأصح أن عليه مؤنة الكراء إلى أن يجاوز حد أرضه كما أشار إليه في الكتاب ; لأن له رأيا في اتحاد فوهة الأرض من أعلاها ، وأسفلها فهو منتفع بالكراء منفعة سقي الأرض ما لم يجاوز أرضه ، ويختلفون فيما إذا جاوز الكراء أرض رجل فسقط عنه مؤنة الكراء هل له أن يفتح الماء لسقي أرضه . منهم من يقول له ذلك ; لأن الكراء قد انتهى في حقه حين سقطت مؤنته ، ومنهم من يقول ليس له ذلك ما لم يفرغ شركاؤه من الكري كما ليس له أن يسكر على شركائه فيختص بالانتفاع بالمأذون شركاؤه ، ولأجل التحرز عن هذا الخلاف جرى الرسم بأن يوجد في الكراء من أسفل النهر أو يترك بعض النهر من أعلاه حتى يفرغ من أسفله قال ، وقال أبو حنيفة رحمه الله فيما أعلم ليس على أهل الشقة من الكراء شيء ; لأنهم لا يحصون فمؤنة الكراء لا تستحق على قوم لا يحصون ; ولأنهم لا يستحقون الشفعة لحق الشفعة ; ولأنهم أتباع ، والمؤنة على الأصول دون الأتباع .
( ألا ترى ) أن الدية في القتيل الموجود في المحلة على عاقلة أصحاب الحطة دون المشترين ، والسكان . قال : والمسلمون جميعا شركاء في الفرات ، وفي كل نهر عظيم أو واد يستقون منه ، ويسقون منه [ ص: 175 ] الشقة ، والخف ، والحافر ليس لأحد أن يمنع أحدا من ذلك ; لأن الانتفاع بمثل هذه الأنهار كالانتفاع بالطرق العامة فكما لا يمنع أحد أحدا من التطرق في الطريق العام فكذلك لا يمنعه من الانتفاع بهذا النهر العظيم ، وهذا ; لأن الماء في هذه الأنهار على أصل الإباحة ليس لأحد فيه حق على الخصوص فإن ذلك الموضع لا يدخل تحت قهر أحد ; لأن قهر الماء يمنع قهر غيره فالانتفاع به كالانتفاع بالشمس ، ولكل قوم شرب أرضهم ، ونخلهم ، وشجرهم ، لا يحبس عن أحد دون أحد ، وإن أراد رجل أن يكري منه نهرا في أرضه فإن كان ذلك يضر بالنهر الأعظم لم يكن له ذلك ، وإن كان لا يضر به فله ذلك بمنزلة من أراد الجلوس في الطريق فإن كان لم يضر بالمارة لم يمنع من ذلك ، وإن كان يضر بهم في المنع من التطرق يمنع من ذلك لكل واحد منعه من ذلك الإمام وغيره في ذلك سواء فكذلك في النهر الأعظم فإن كسر ضفة النهر الأعظم ربما يضر بالناس ضررا عاما من حيث إن الماء يفيض عليهم ، وقال عليه الصلاة والسلام { لا ضرر ، ولا ضرار } في الإسلام ، وعند خوف الضرر يمنع من ذلك لدفع الضرر ، وعلى السلطان كراء هذا النهر الأعظم إن احتاج إلى الكراء ; لأن ذلك من حاجة عامة المسلمين ، ومال بيت المال معد لذلك فإن مال المسلمين أعد للصرف إلى مصالحهم .
( ألا ترى ) أن مال القناطر ، والجسور ، والرباطات على الإمام من مال بيت المال فكذا كراء هذا النهر الأعظم ، وكذلك إصلاح مسناته إن خاف منه غرقا فإن لم يكن في بيت المال مال فله أن يجبر المسلمين على ذلك ، ويحرجهم ; لأن المنفعة فيه للعامة ففي تركه ضرر عام ، والإمام نصب ناظرا فيثبت له ولاية الإجبار فيما كان الضرر فيه عاما ; لأن العامة قل ما ينفقون على ذلك من غير إجبار ، وفي نظيره قال عمر رضي الله عنه لو تركتم لبعتم أولادكم ، وليس هذا النهر خاص لقوم ليس لأحد أن يدخل عليهم فيه ، ولهم أن يمنعوا من أراد أن يسقي من نهرهم أرضه ، وشجره ، وزرعه ; لأن ذلك شركة خاصة .
( ألا ترى ) أنهم يستحقون به الشفعة بخلاف الشركة في الوادي ، والأنهار العظام فإنه لا تستحق به الشفعة ثم في الشركة الخاصة التدبير في الكراء إليهم ، ومؤنة الكراء عليهم في مالهم ، وإن طلب بعض الشركاء فللإمام أن يجبر الباقين على ذلك لدفع الضرر فأما إذا اتفقوا على ترك الكراء ففي ظاهر الرواية لا يجبرهم الإمام على ذلك كما لو امتنعوا من عمارة أراضيهم ، ودورهم ، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا رحمهم الله يجبرهم على ذلك لحق أصحاب الشقة في النهر .
. قال أبو يوسف ، وسألت أبا حنيفة رحمه الله عن الرجل استأجر النهر يصيد فيه السمك أو استأجر جهة يصيد [ ص: 176 ] فيها السمك قال لا يجوز ; لأن المقصود بهذا الاستئجار ما هو عين ، وهو السمك ; ولأن السمك في النهر والأجمة على أصل الإباحة لا اختصاص به لصاحب النهر والأجمة ، فلا يكون له أن يأخذ العوض عنهم بطريق الإجارة ، والبيع ثم استئجار النهر لصيد السمك كاستئجار المقابض للاصطياد فيها ، وذلك كله من باب الغرر .
ولو اشترى عشر نهر أو عشر قناة أو بئر أو عين ماء بأرضه جاز ; لأن الأرض أصلها مملوكة فقد اشترى جزءا مملوكا معلوما من عين مملوكة مقدور التسليم بخلاف ما لو اشترى الشرب بغير أرضه ، وهو بمنزلة ما لو باع عشر الطريق يجوز بخلاف ما لو باع حق التطرق فيه .
ولو استأجر حوضا أو بركة أو بئرا يستقي منه الماء كل شهر بأجر مسمى لم يجز ; لأن المقصود الماء ، وهو عين لا يستحق إتلافه بالإجارة .
نهر جار لرجل في أرض رجل فادعى كل واحد منهما المسناة ، ولا يعرف في يد من هي قال أبو حنيفة رحمه الله هي لرب الأرض يغرس فيها ما بدا له ، وليس له أن يهدمها ، وقال أبو يوسف ومحمد المسناة لصاحب النهر ، وأصل المسألة أن من حفر نهرا بإذن الإمام في موضع لا حق لأحد فيه عند أبي حنيفة لا يستحق له حريما وعندهما يستحق له حريما من الجانبين لملقى طينه ، والمشي عليه لإجراء الماء في النهر ، وحريم النهر عندهما بقدر عرض النهر حتى إذا كان قدر عرض النهر بقدر ثلاثة أذرع فله من الحريم بقدر ثلاثة أذرع من الجانبين جميعا ، وفي اختيار الطحاوي رحمه الله من كل جانب ذراع ، ونصف فيما نقل عنه الكرخي رحمه الله أنه يستحق من كل جانب بقدر عرض النهر عندهما فاستحقاق الحريم لأجل الحاجة ، وصاحب النهر محتاج إلى ذلك كصاحب البئر ، والعين ، ومتى كان المعنى في المنصوص عليه معلوما تعدى الحكم بذلك المعنى إلى الفرع ، وحاجة صاحب النهر إلى المشي على حافتي النهر ليجري الماء في النهر إذا احتبس بشيء وقع في النهر فإنه لا يمكنه أن يمشي في وسط النهر ، وكذلك يحتاج إلى موضع يلقي فيه الطين من الجانبين عند الكراء لما في النقل إلى أسفله من الحرج ما لا يخفى وأبو حنيفة رحمه الله يقول استحقاق الحريم ثابت بالنص بخلاف القياس فلا يلحق به ما ليس في معناه من كل ، وجه ، والنهر ليس في معنى البئر ، والعين ; لأن الحاجة إلى الحريم هناك متحققة في الحال ، وهنا الحاجة موهومة باعتبار الكراء ، وقد يحتاج إلى ذلك ، وقد لا يحتاج ثم هناك الانتفاع لا يتأتى بالبئر بدون الحريم ، وهنا يتأتى إلا في أن يلحقه ذلك بعض الحرج في نقل الطين أو المشي في ، وسط النهر فإذا لم يكن هذا في معنى المنصوص يؤخذ فيه بأصل القياس .
( ألا ترى ) أن من بنى قصرا في مغارة لا يستحق لذلك [ ص: 177 ] حريما ، وإن كان وقد يحتاج إلى ذلك لإلقاء الكناسة فيه ، وهذا ; لأن استحقاق الحريم لا يكون بدون التقدير فيه ، ونصب المقادير بالرأي لا يكون فإذا ثبت أن من أصلهما أن صاحب النهر يستحق الحريم قلنا عند المنازعة الظاهر شاهد له ، وعند أبي حنيفة لما كان لا يستحق للنهر حريما فالظاهر شاهد لصاحب الأرض ، وعلى سبيل الابتداء في هذه المسألة هما يقولان عند المنازعة القول قول ذي اليد ، وصاحب النهر مستعمل لحريم النهر لاستمساك الماء في النهر ، وإلقاء الطين عليه ، والاستعمال يدفعها فباعتبار أنه في يده جعل القول قوله كما لو اختصما في ثوب ، وأحدهما لابسه وأبو حنيفة يقول الحريم من جنس الأرض صالح لما تصلح له الأرض ، وليس من جنس النهر ، ومن حيث الانتفاع كما أن صاحب النهر يمسك الماء بالحريم في نهره فصاحب الأرض يدفع الماء بالحريم عن أرضه فقد استويا في استعمال الحريم ، ويترجح جانب صاحب الأرض من الوجه الذي قررنا فكان الظاهر شاهدا له فله أن يغرس فيه ما بدا له من الأشجار ، ولكن ليس له أن يهدمه ; لأن لصاحب النهر حق استمساك الماء في نهره فلا يكون لصاحب الأرض أن يبطل حقه بهدمه بمنزلة حائط لرجل ، ولآخر عليه جذوع لا يكون لصاحب الحائط أن يهدم الحائط ، وإن كان مملوكا له لمراعاة حق صاحب الجذوع .
وإذا قال الرجل لرجل اسقني يوما من نهرك على أن أسقيك يوما من نهري الذي في مكان كذا لم يجز ; لأن معاوضة الماء بالماء لا تجوز وإن كان البدل معلوما لجهالة الشرب ومعنى الغرر فلأن لا تجوز معاوضة الشرب بالشرب ، ومعنى الغرر ، والجهالة فيه أظهر وأولى ، وكذا لو قال اسقني يوما نخدمك عبدي هذا شهرا أو برقبته أو بركوب دابتي هذه شهرا أو بركوبها كذا كذا يوما ، وما أشبه ذلك فهو كله باطل لمعنى الغرر ، والجهالة ، وعلى الذي أخذ العبد رده إن كان قائما بعينه ، وقيمته إن كان مستهلكا ، وإن كان شرط خدمته شهرا ، وقد استوفاها فعليه أجر المثل ; لأن خدمة العبد ، ورقبته محل للعقد فإذا استوفاه بحكم عقد فاسد كان عليه عوضه ، وليس له بما أخذ الآخر من شربه قيمة ، ولا عوض ; لأن الشرب ليس بمحل للعقد فلا يتناوله العقد فاسدا ، ولا جائزا ، وكل عقد لا جواز له بحال فهو كالإذن فكما أنه لو سقى أرضه بإذنه لم يكن عليه من عوض الماضي فكذا بحكم العقد الباطل فيه لا يتقوم فلا يلزمه شيء .
وسئل أبو يوسف عن نهر مرو ، وهو نهر عظيم قريب من الفرات إذا دخل مرو كان ماؤه قسمة بين أهله بالحصص لكل قوم كوى معروفة فأخذ رجل أرضا كانت مواتا ، ولم يكن لها من ذلك [ ص: 178 ] النهر شرب ثم كرى لها نهرا من فوق مرو في موضع لا يملكه أحد فساق الماء إليها من ذلك النهر العظيم قال إن كان هذا النهر يضر بأهل مرو ضرارا بينا في مائهم فليس له ذلك ، ويمنعه السلطان منه ، وإن كان لا يضر بهم فله ذلك ، ولم يكن لهم أن يمنعوه ; لأن الماء في هذا الوادي على أصل الإباحة ، ولكل واحد من المسلمين حق الانتفاع به إذا كان لا يضر بغيره .
وهذا ; لأنه ما لم يدخل في المقاسم لا يصير الحق فيه خالصا للشركاء ، ولهذا وضع المسألة فيما إذا كرى نهرا من فوق مرو فإذا كان لا يضر بهم فبصرفه لا يمس حقوقهم ، ولا يلحق الضرر بهم فلا يمنعوه من ذلك ، وإذا كان لا يضر بهم فكل أحد ممنوع من أن يلحق الضرر بغيره فكيف لا يمنع من إلحاق الضرر بالعامة ، والسلطان نائب عنهم في النظر لهم فيمنعه من ذلك لا بطريق أنه يختص به بل ; لأنه إلى تسكين الفتنة أقرب فأما لكل أحد أن يمنعه من ذلك ، والضرر يتوهم من ، وجهين أحدهما من حيث كسر ضفة الوادي ، والثاني أنه يكثر دخول الماء في هذا النهر ، وربما يتحول أكثر الماء إلى هذا الماء ليضر بأهل مرو ، وقيل له فإن كان رجل له كوى معروفة أله أن يزيد فيها قال إن كانت الكوى في النهر الأعظم فزاد في ملكه كوة أو كوتين ، ولا يضر ذلك بأهل النهر فله ذلك ; لأن الماء في النهر الأعظم لم يقع في المقاسم بعد فهو على أصل الإباحة كما كان قبل أن يدخل مرو فزيادة كوة أو كوتين في خالص ملكه لا يكون أقوى من سبق نهر ابتداء من هذا النهر الأعظم ، وهو غير ممنوع من ذلك كما بينا فهذا مثله .
فإن كان نهر خاص لقوم فأخذ من هذا النهر الأعظم لكل رجل منهم في هذا النهر كوى مسماة لشربه لم يكن لأحد منهم أن يزيد كوة ، وإن كان لا يضر بأهل النهر الخاص ; لأن الماء في هذا النهر الخاص قد ، وقع في المقاسمة ، والشركة في هذا النهر شركة خاصة حتى يستحق فيها الشفعة ، وليس لبعض الشركاء أن يزيد فيما يستوفي على مقدار حقه سواء أضر ذلك بالشركاء أو لم يضر فزيادة كوة في فوهة أرضه يكون ليزداد فيه دخول الماء على مقدار حقه ، وهو كالشركاء في الطريق ليس لأحدهم أن يحدث فيه طريقا لدار لم يكن لها طريقا في هذه السكة الخاصة بفتح باب حادث فإن قيل : كيف يمنع من إحداث الكوة في لوح ، وهو خالص ملكه قلنا ; لأن الكوى منهم سبب لبيان مقدار كل واحد منهم فلو لم يمنع من ذلك لكان إذا تقادم العهد ادعى لنفسه زيادة حق ، واستدل بالكوى إن كان الماء يدخل في هذه الكوى في الحال فسبب المنع ظاهر فإن ما يدخل في هذه الكوى زيادة على حقه في النهر .
وكان هذه المسائل [ ص: 179 ] سأل عنها إبراهيم بن رستم ، وأبو عصمة سعد بن معاذ المرويان أبا يوسف أو ابن المبارك رضي الله عنهم ثم فرع محمد رحمه الله على ذلك فقال فسألته هل لأحد من أهل هذا النهر الخاص أن يتخذ عليه رحا ماء يكري لها نهرا منه في أرضه يسيل فيه ماء النهر ثم يعيده إليه ، وذلك لا يضر بأهل الشرب قال ليس له ذلك ; لأنه من أعلاه إلى أسفله مشترك بينهم فليس لأحد منهم أن يحدث فيه حدثا ، ولا يتخذ عليه جسرا ، ولا قنطرة إلا برضاهم بمنزلة طريق خاص بين قوم ، والجسر اسم لما يوضع ، ويرفع مما يتخذ من الخشب ، والألواح . والقنطرة ما يتخذ من الآجر ، والحجر ، ويكون موضوعا ، ولا يرفع ، وكل ذلك يحدثه من يتخذه في ملك مشترك فلا يملكه إلا برضاهم سواء كان منهم أو من غيرهم ثم من يتخذه إذا كرى له نهرا منه ففيه كسر ضفة النهر ، وتغيير الماء عن سننه فلا بد أن ينتقص الماء منه فإنه إذا كان يجري على سننه لا يتبين فيه نقصان ، وإذا انفرج يتبين فيه النقصان ، وإن عاد إلى النهر ، وكذلك العين أو البركة يكون بين قوم فالشركة فيهما خاصة كما بينا .
وسألته عن نهر بين رجلين له خمس كوى من هذا النهر الأعظم ، وأحد الرجلين أرضه في أعلى هذا النهر ، والآخر أرضه في أسفل هذا النهر فقال صاحب الأعلى أني أريد أن أشد بعض هذه الكوى ; لأن ماء النهر يكثر فيفيض في أرضي ، وأتأذى منه ، ولا يبلغك حتى يقل فيأتيك منه ما ينفعه قال ليس له ذلك ; لأنه يقصد الإضرار بشريكه ثم ضرر النزلاء يلحق صاحب الأعلى بفعل صاحب الأسفل بل تكون أرضه في أعلى النهر ، وبمقابلة هذا الضرر منفعة إذا قل الماء .
ولو سد بعض الكوى يلحق صاحب الأسفل ضرر لنقصان صاحب الأعلى ، وهو ممنوع من ذلك كما لو أراد أن يسكر النهر ، وكذلك لو قال اجعل لي نصف هذا النهر ، ولك نصفه فإذا كان في حصة سددت منها ما بدا لي ، وأنت في حصتك تفتحها كلها فليس له ذلك ; لأن القسمة قد تمت بينهما مرة بالكوى فلا يكون لأحد أن يطالب بقسمة أخرى ، وفي القسمة الأولى الانتفاع بالماء لكل واحد منهما مستدام ، وفيما يطالب هذا به يكون انتفاع كل واحد منهما بالماء في بعض المدة ، وربما يضر ذلك بصاحب الأسفل فإن تراضيا على ذلك فلهما ما تراضيا عليه فإن أقاما على هذا التراضي زمانا ثم بدا لصاحب الأسفل أن ينقض فله ذلك ; لأن كل واحد منهما معير لصاحبه نصيبه من الشرب في نوبته من الشهر ، وللمعير أن يرجع متى شاء ، وكذلك لورثته بعد موته ; لأنهم خلفاؤه في ذلك ، وهذا ; لأنه لا يمكن أن يجعل ما تراضيا عليه مبادلة فإن بيع الشرب بالشرب ، وإجارة الشرب [ ص: 180 ] بالشرب باطل .
وسألته عن نهر بين رجلين له أربع كوى فأضاف إليها رجل أجنبي كوتين في نهرهما برضاهما حتى إذا انتهى إلى أسفل النهر كرى منه نهرا إلى أرضه ثم بدا لأحدهما أن ينقضه بعد زمان أو بدا لورثته أو لبعضهم بعد موته نقضه فله ذلك ; لأنهم أعاروا الأجنبي النهر ليجري ماءه فيه إلى نهره خاصة فلهم أن يستردوا العارية متى شاءوا لكل واحد منهم ذلك في نصيبه .
( ألا ترى ) أن لأحدهم أن يأبى ذلك في الابتداء فله أن ينقضه أيضا في الانتهاء ، وهذا ; لأن رضا بعض الشركاء معتبر في حقه لا في حق بقية الشركاء .
( ألا ترى ) أن من أراد أن يتطرق في طريق مشترك شركة خاصة فيرضى به بعض الشركاء دون البعض لم يكن له أن يتطرق فيه ، وهذا ; لأنه لا يتصور انتفاعه بنصيب التراضي على الخصوص بل يكون انتفاعه بنصيب جميع الشركاء فليس له أن ينتفع بنصيب المانع إلا برضاه .
، وسألته عن نهر خاص من النهر الأعظم بين قوم لكل واحد منهم نهر منه فمنهم من يكون له كوتان ، ومنهم من يكون له ثلاث فقال صاحب الأسفل لصاحب الأعلى أنكم تأخذون أكثر من نصيبكم ; لأن دفقة الماء ، وكثرته ، وفي رواية ; لأن دفعة الماء ، وكثرته من أعلى النهر فدخل في كواكم شيء كثير ، ولا ماء هنا إلا ، وهو قليل غائر فنحن نريد أن ننقصكم بقدر ذلك ، ونجعل لكم أياما معلومة ، ونسد فيها كوانا ، ولنا أياما معلومة تسدون فيها كواكم قال ليس لهم ذلك ، ويترك على حاله كما كان قبل اليوم ; لأنها قسمت مرة فلا يكون لبعضهم أن يطالب بقسمة أخرى ثم الأصل إن ما وجد قديما فإنه يترك على حاله ، ولا يغير إلا بحجة ، وقد ذكرنا هذا في أول الوكالة في حديث عثمان رضي الله عنه حيث قال أرأيت هذا الضفير أكان على عهد عمر رضي الله عنه . ولو كان جور الماء تركه عمر رضي الله عنه .
وكذلك إن قال أهل الأسفل نحن نريد أن نوسع رأس النهر ، ونزيد في كواه ، وقال أهل الأعلى إن فعلتم ذلك كثر الماء حتى يفيض في أرضنا ، وينز لم يكن لأهل الأسفل أن يحدثوا فيه شيئا لم يكن ; لأنهم يتصرفون فيما هو مشترك على ، وجه يضر ببعض الشركاء فيمنعون من ذلك ، وإن باع رجل منهم كوة له فيه كل يوم بشيء معلوم أو أجرة لم يجز ; لأنه غرر لا يعرف ، وهو ليس بملك ، وبيع مجرد الحق باطل .
وسألته عن هذا النهر إذا خافوا أن ينبثق ، وأرادوا أن يحصنوه فامتنع بعضهم من الدخول معهم قال إن كان فيه ضرر عام أجبرتهم جميعا على تحصينه بالحصص ; لأن في ترك الإجبار هنا تهييج الفتنة ، وتسكين الفتنة لازم شرعا فلأجل التسكين يجبرهم الإمام على تحصينه بالحصص فإن لم يكن [ ص: 181 ] فيه ضرر عام أو أجبرهم عليه ، وأمرت كل إنسان أن يحصن نصيب نفسه يعني بطريق الفتوى ; لأن التدبير في الملك يكون إلى المالك فإذا لم يكن فيه ضرر عام كان له رأي في ذلك من التعجيل ، والتأجيل ، وربما لا يتمكن منه في كل ، وقت ، ولا يتفرغ لذلك بخلاف الكري فإن بعض الشركاء في هذا النهر الخاص إذا امتنع من الكري أجبر عليه إذا طلبه بعض الشركاء ; لأن ذلك شيء قد التزموه عادة فحاجة النهر إلى الكري في كل ، وقت معلوم بطريق العادة فالذي يأبى الكري يريد قطع منفعة الماء عن نفسه ، وشركائه ، وليس له ذلك فلهذا أجبر عليه فأما البثق فموهوم غير معلوم الوقوع عادة فإذا لم يكن فيه ضرر عام لا يجبر الممتنع من ذلك لحق موهوم لشريكه .
وسألته عن رجل اتخذ في أرض له رحا ماء على هذا النهر الأعظم الذي للعامة مفتحه في أرضه ، ومصبه في أرضه لا يضر بأحد فأراد بعض جيرانه أن يمنعوه من ذلك قال ليس له أن يمنعه ; لأن تصرفه في خالص ملكه ، وشق نهر من هذا النهر الأعظم لمنفعة الرحا كشق نهر من هذا النهر الأعظم ليسقي به أرضا أحياها ، وقد بينا أنه لا يمنع من ذلك ; لأنه لم يدخل الماء في المقاسم بعد فهذا مثله .
قال ، وسألته عن هذا النهر الأعظم إذا كانت عليه أرض لرجل خدها الماء فنقص الماء ، وجرز عن أرض فاتخذها هذا الرجل ، وجرها إلى أرضه قال ليس له ذلك ; لأن الأرض جرز عنها الماء من النهر الأعظم ، وهو حق العامة قد يحتاجون إليه إذا كثر الماء في النهر الأعظم أو تحول إلى هذا الجانب فليس له أن يجعلها لنفسه بأن يضمها إلى أرضه إذا كان ذلك يضر بالنهر ، ومنهم من يروي جرز ، وهو صحيح قال الله تعالى { أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز } .
وسألته فقلت بلغني أن الفرات بأرض الجزيرة يجرز عن أرض عظيمة فيتخذها الرجل مزرعة ، وهي في حد أرضه قال ليس له ذلك إذا كان يضر بالفرات ; لأن هذا حق عامة المسلمين ، وإن كان لا يضر بالفرات فله ذلك عندهما بغير إذن الإمام ، وعند أبي حنيفة رحمه الله إذن الإمام بمنزلة إحياء الموات قال ، وإذا حصنها من الماء فقد أحياها ; لأن هذه الأرض صالحة للزراعة ، وإن كان لا يتمكن من زراعتها لأجل الماء فإذا حصنها منه فقد أحياها فأما سائر الأراضي فبمجرد التحصين لا يتم الإحياء بل ذلك تحجر فإنها إنما تصير صالحة للزراعة إذا أحرق الحصائد فيها ، وبقي الحشيش منها ، وكربها فبذلك يتم إحياؤها .
وسألته عن نهر بين قوم يأخذ من هذا النهر الأعظم له فيه كوى مسماة ، ولكل رجل منهم نهر من هذا النهر الخاص فأراد رجل أن يسد كوة له ، ويفتح كوة أعلى من تلك في ذلك النهر قال [ ص: 182 ] ليس له ذلك ; لأنه يكسر ضفة النهر المشترك ، ويريد أن يزيد في حقه ; لأن دخول الماء في أعلى النهر من كوة يكون أكثر من دخوله من أسفل النهر في مثل تلك الكوة ، وهذا بخلاف الطريق فمن يكون طريقه في أعلى السكة الخاصة إذا أراد أن يجعله في أسفل السكة لا يمنع منه ; لأن هذا هو بتصرفه لا يزيد في حقه فهو الذي يتطرق في ذلك الطريق سواء كان باب داره في أعلى السكة أو في أسفلها ثم هناك إنما يتصرف في حائط هو ملكه بفتح باب في أسفله .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|