
25-12-2025, 05:23 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,897
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث والعشرون
صـــ 142الى صـــ 151
(476)
ثم هنا نص على الشركة في الخارج والإجارة بكر من حنطة ليس فيها معنى الشركة فكان هذا مخالفة في الجنس في العقد الذي أمره به ، فإن زرعها المستأجر كان الخارج للمزارع وعليه كر حنطة وسط للمؤاجر ; لأن المؤاجر صار غاصبا للأرض ، ولرب الأرض أن يضمن نقصان الأرض : إن شاء المزارع ، وإن شاء الوكيل في قول أبي يوسف الأول ، وهو قول محمد - رحمهما الله - لأن الوكيل غاصب والمزارع متلف ، فإن ضمنها المزارع رجع بها على الوكيل لأجل الغرور ، ويأخذ المؤاجر من الكر الذي أخرجته الأرض ما ضمن ويتصدق بالفضل ; لأنه كسب خبيث .
وإن وكله بأن يؤجرها بكر حنطة وسط فدفعها مزارعة بالنصف على أن يزرعها حنطة فزرعها فهو مخالف ; لأن ما أتى به أضر على الموكل مما أمره به ; لأنه أمره بعقد يتقرر به حقه في الأجر إذا تمكن المستأجر من الانتفاع بها وإن لم ينتفع ; ولأنه نص على إجارة محضة وقد أتى بعقد الشركة فكان مخالفا ، وتفريع هذه كتفريع الأولى . ولو وكله أن يأخذ هذه الأرض مزارعة فاستأجرها الوكيل بكر حنطة - لم يجز على الآمر ; لأن ما أتى به أضر عليه ; لأنه ألزمه الكر دينا في ذمته عند تمكنه من الزراعة وإن لم يزرع ، وهو ما أمره بذلك فلا ينفذ تصرفه عليه إلا أن يرضى به .
ولو وكله بأن يأخذها له مزارعة بالثلث فأخذها الوكيل على أن يزرعها المزارع ويكون للمزارع ثلث الخارج ولرب الأرض ثلثاه - لم يجز هذا على المزارع ; لأن الكلام الذي قاله المزارع إنما يقع على أن لرب الأرض الثلث لما بينا أن رب الأرض هو الذي يستحق الخارج عوضا عن منفعة الأرض ، فما يصحبه حرف الباء يكون حصته من الخارج ، وقد أتى بضده . ولو كان أمره أن يأخذ الأرض والبذر - والمسألة بحالها - جاز ذلك على المزارع ; لأن المعقود عليه هنا هو عمل العامل وهو الذي يستحق الخارج بمقابلة عمله ، فإذا شرط الثلث له كان ممتثلا أمره . ولو وكله أن يدفع نخله هذا معاملة بالثلث فدفعها على أن الثلثين للعامل - لم يجز ذلك على رب [ ص: 143 ] النخيل ; لأن العامل هو الذي يستحق الخارج بالشرط فإنما ينصرف أمر رب النخيل بهذا اللفظ إلى اشتراط الثلث له .
ولو وكله أن يأخذ له نخل فلان هذه السنة معاملة بالثلث فأخذه على أن الثلثين لرب النخل جاز عليه لما قلنا ولو وكله أن يأخذ هذه الأرض هذه السنة وبذرا معها مزارعة فأخذ الوكيل البذر والأرض على أن الخارج كله لرب الأرض وعليه للمزارع كر حنطة وسط - فهذا جائز ، كان البذر من حنطة أو من غيرها ; لأن ما باشره من العقد أنفع للموكل فإنه يستوجب الأجر بتسليم النفس وإن لم يستعمله أو أصاب الزرع آفة ، وإن شرط الآخر دراهم أو متاعا بعينه لم يجز ، وإنما استحسن إذا شرط له شيئا مما تخرجه الأرض إن أجره لما بينا في الفصل الأول . ولو أمره أن يأخذها له بالثلث - والمسألة بحالها - لم يجز في شيء من ذلك ; لأنه نص على عقد الشركة في الخارج هنا ; ولأنه لا يدري أن ثلث الخارج يكون مثل ما شرط له من الأجر أو أقل أو أكثر . ولو وكله أن يأخذ هذا النخل معاملة فأخذه على أن الخارج لصاحب النخل وللعامل كر من تمر فارسي عليه - جاز ; لأنه اشترط له أفضل ما يخرج من النخل ، وهذا العقد أنفع له من الوجه الذي قلنا .
وإن كان شرط له كرا من دقل جيد نظر في النخل ، فإن كان ذلك دقلا جاز ، وإن كان فارسيا لم يجز ذلك على العامل ، بمنزلة ما لو شرط له كرا من حنطة أو شعير أو درهما ، وذلك لا ينفذ عليه إلا أن يرضى به ; لأن تعيينه النخل في المعاملة يكون تنصيصا على أن يكون أجره من جنس ما يخرج ذلك النخل . ولو وكله بأن يأخذ له نخل فلان معاملة بالثلث فأخذه بكر تمر فارسي جيد لم يلزم العامل إلا أن يشاء ; لأنه لا يدري لعل الثلث أكثر مما شرط له ، فإن كان يعلم أن الثلث يكون أقل من ذلك فهو جائز ; لأنه متيقن بتحصيل مقصوده . فإن قيل : قد قلتم إنه أمر بعقد الشركة بهذا اللفظ وما أتى به من الإجارة غير الشركة - قلنا : نعم . ولكن الأسباب غير مطلوبة بعينها بل بمقاصدها ، فإنما يعتبر اختلاف السبب إذا لم يعلم بأنه حصل مقصوده الذي نص عليه على وجه هو أنفع له ، فأما إذا علمنا ذلك يقينا فلا معنى لاعتبار الاختلاف في السبب ; فلهذا ينفذ تصرفه عليه . والله أعلم .
[ قال رحمه الله ] : الأصل أن عقد المزارعة والمعاملة في حكم الزيادة في البدل والحط [ ص: 144 ] نظير البيع والإجارة ، وقد بينا أن الزيادة هناك تصح حال قيام المعقود عليه على وجه يبطل ابتداء العقد ، ولا يصح بعد هلاك المعقود عليه . والحط صحيح بعد هلاك المعقود عليه ; لأن الحط إسقاط محض ، وفي الزيادة معنى التمليك ، فكذلك في المزارعة والمعاملة . وإذا تعاقد الرجلان مزارعة أو معاملة بالنصف وعمل فيها العامل حتى حصل الخارج ثم زاد أحدهما الآخر من نصيبه السدس وحصل له الثلثين ورضي بذلك الآخر : فإن كان ذلك قبل استحصاد الزرع ولم يتناهى عظم البسر - جاز ; لأن ابتداء العقد بينهما في هذه الحالة يصح ما دام المعقود عليه بحيث يزداد بعمل العامل فتصح الزيادة أيضا من أيهما كان لصاحبه ، وإن كان بعد استحصاد الزرع وتناهي عظم البسر : فإن كان الزائد صاحب النخل وصاحب البذر في المعاملة فهو باطل ; لأن ابتداء العقد بينهما في هذه الحالة لا يصح فكان بمعنى الزيادة في الثمن بعد هلاك المعقود عليه ، وهذا لأن العقد قد انتهى فلا يمكن إسناد الزيادة على سبيل الالتحاق بأصل العقد وهي في الحال هبة غير مقسوم فلا يكون صحيحا ، وإن كان الآخر هو الزائد فهو جائز ; لأنه يستوجب بالشرط فيكون هذا منه حطا لا زيادة ، فإن كان شرط بمقابلة عمله نصف الخارج ثم حط ثلث هذا النصف واكتفى بثلث الخارج والحط بعد هلاك المعقود عليه صحيح ، وكذلك إن كان صاحب الأرض الذي لا بذر من قبله هو الذي زاد صاحب البذر لأنه يستوجب بالشرط بمقابلة منفعة أرضه فيكون هذا منه حطا لا زيادة ، وإذا اشترطا الخارج في المعاملة والمزارعة نصفين واشترطا لأحدهما على صاحبه عشرين درهما فسدت المزارعة والمعاملة .
من أيهما كان البذر أو الشرط - ; لتضمن هذا العقد شراء المعدوم أو الجمع بين الشركة في الخارج والأجرة دينا في الذمة بمقابلة عمل العامل أو منفعة الأرض ثم الخارج كله لصاحب البذر في المزارعة ولصاحب النخل في المعاملة - هذا هو حكم فاسد المزارعة والمعاملة . وكذلك لو زاد أحدهما صاحبه عشرين قفيزا إلا أن هذا الشرط يؤدي إلى قطع الشركة بينهما في الخارج مع حصول الخارج وهو مفسد للعقد . والله أعلم .
باب النكاح والصلح من الجناية والخلع والعتق والمكاتبة في المزارعة والمعاملة . [ قال - رحمه الله - : ] وإذا تزوج الرجل امرأة بمزارعة أرضه هذه السنة على أن يزرعها ببذرها وعملها فما خرج فهو بينهما نصفان - فالنكاح جائز والمزارعة فاسدة ; لاشتراط أحد العقدين [ ص: 145 ] في الأجر والمزارعة كالبيع تبطل بالشروط الفاسدة ، والنكاح لا يبطل . هكذا قال إبراهيم : النكاح يهدم الشرط ، والشرط يهدم البيع . وعلى قول أبي يوسف : التسمية صحيحة ، وصداقها أجر مثل نصف الأرض . وعلى قول محمد - رحمه الله - : التسمية فاسدة ، ولها مهر مثلها إلا أن يجاوز ذلك بأجر مثل جميع الأرض ، فحينئذ لها أجر مثل جميع الأرض ; لأن التزوج بذل منفعة الأرض بمقابلة نصف الخارج ، وبمقابلة نصفها فإن المشروط لها على الزوج ملك النكاح ونصف الخارج ; لأن البذر من قبلها ، فإنما تتوزع منفعة الأرض عليهما باعتبار القيمة - كما هو قضية المقابلة - ونصف الخارج مجهول أصلا وجنسا وقدرا ; فكان ما يقابل البضع من منفعة الأرض مجهولا أيضا جهالة التسمية .
ومثل هذه الجهالة تمنع صحة التسمية ; فيكون لها مهر مثلها ، كما لو تزوجها بثوب إلا أن يتيقن بوجود الرضا منها ، يكون صداقها منفعة جميع الأرض ; لأنها لما رضيت به بمقابلة سنين كانت بمقابلة أحدهما أرضى ; فلهذا لا يجاوز بالصداق أجر مثل جميع الأرض . وأبو يوسف يقول : الانقسام بين البضع ونصف الخارج باعتبار التسمية لا باعتبار القيمة ; فيتوزع نصفين - كما هو قضية المقاسمة بين المجهول والمعلوم - بمنزلة ما لو أوصى بثلث ماله لفلان وللمساكين ، كان لفلان نصف الثلث ، فهنا أيضا يكون الصداق منفعة نصف الأرض ، والمنفعة مال متقوم في حكم الصداق ، فتصح التسمية ، ويلزم تسليم منفعة نصف الأرض إليها ، وقد عجز عن ذلك لفساد المزارعة ; فيكون لها أجر مثل نصف الأرض . فإن طلقها قبل الدخول بها ، كان لها - في قول أبي يوسف - رحمه الله - نصف المسمى ، وهو ربع أجر مثل الأرض . وفي قول محمد - رحمه الله - : لها المنفعة لفساد التسمية .
وإن زرعت المرأة زرعا فأخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج ، فجميع الخارج للمرأة ; لأنه نماء بذرها ، وعليها - في قياس قول أبي يوسف - نصف أجر مثل الأرض ، ولا صداق لها على الزوج ; لأنها استوفت منفعة جميع الأرض ، ونصف ذلك صداقها ، والنصف الآخر استوفته بحكم مزارعة فاسدة ; فعليها أجر مثل نصف الأرض . وعند محمد - رحمه الله - عليها أجر مثل جميع الأرض ; فيتقاصان ويترادان فضلا إن كان . وإن كان البذر من قبل الزوج فتزوجها على أن دفع أرضا وبذرا مزارعة بالنصف - والمسألة بحالها - فالنكاح صحيح والمزارعة فاسدة ، وللمرأة مهر مثلها بالغا ما بلغ عندهم جميعا ; لأن الزوج شرط لها نصف الخارج بمقابلة البضع وبمقابلة العمل ، والخارج مجهول الجنس والقدر ، ووجود أصله على خطر ; فلم يصح تسميته صداقا ، فكان لها مهر مثلها بالغا ما بلغ ، وهو الأصل في هذا الجنس ، أنه متى كان المشروط بمقابلة البضع بعض [ ص: 146 ] الخارج فالتسمية فاسدة عندهم جميعا ، ومتى كان المشروط منفعة الأرض أو منفعة العامل بمقابلة البضع ففي صحة التسمية اختلاف - كما بينا - حتى لو تزوجها على أن يأخذ أرضها ليزرعها ببذره وعمله بالنصف - فللمرأة مهر المثل بالاتفاق ; لأن الزوج شرط لها نصف الخارج بمقابلة بضعها ومنفعة الأرض .
ولو تزوجها على أن يأخذ أرضها وبذرا معها مزارعة بالنصف - فالمسألة على الاختلاف ; لأنها شرطت عمل الزوج بمقابلة بضعها ونصف الخارج ; فيكون الصداق نصف عمل الزوج في قول أبي يوسف كما بينا . ولو تزوجها على أن يدفع إليها نخلا معاملة بالنصف - فلها مهر مثلها ; لأن الزوج شرط لها نصف الخارج بمقابلة بضعها وعملها . ولو تزوجها على أن دفعت إليه نخلا معاملة بالنصف - فالمسألة على الخلاف ; لأن الزوج التزم العمل بمقابلة بضعها ونصف الخارج .
فهذه ست مسائل في النكاح ، وست أخرى في الخلع على هذه الصورة . فالمرأة في الخلع بمنزلة الزوج في النكاح ; لأن بذل الخلع عليها له ، ففي كل موضع ذكرنا في النكاح أنه يكون لها صداق مثلها ففي الخلع يجب عليها رد المقبوض ; لأن البضع لا يتقوم عند خروجه من ملك الزوج ، وإنما يقوم باعتبار رد المقبوض . وكذلك هذه المسائل الست في الصلح من جناية العهد ، إلا أن في كل موضع كان الواجب في النكاح صداق مثلها - ففي الصلح من دم العمد الواجب الدية ; لأن بذل النفس هو الدية عند فساد التسمية في الصلح بمنزلة مهر المثل في النكاح . وأما كل جناية ليس فيها قصاص أو جناية خطأ وقعت على الصلح عنها عقدة مزارعة أو معاملة على ما وصفنا - فإن العقد في جميع ذلك فاسد بالاتفاق ، وأرش الجناية واجب ; لأن هذا صلح عن مال على مال فيكون بمنزلة البيع يبطل بالشرط الفاسد كما تبطل المزارعة ، فاشتراط كل واحد من العقدين في الآخر يفسد كل واحد منهما . فأما العتق على شرط المزارعة في جميع هذه الوجوه - فعلى العبد فيه قيمة نفسه بالغا ما بلغت ; لأن المولى إنما يزيل عن ملكه في العتق مالا متقوما ، فعند فساد التسمية يكون رجوعه بقيمة العبد ، كما لو أعتق عبده على خمر .
ولا يدخل هنا الخلاف بين أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - على قياس جعل العتق إذا كان شيئا بعينه فاستحق أو هلك قبل القبض ; لأن هناك التسمية كانت صحيحة وهنا التسمية فاسدة فيكون هذا نظير العتق على الخمر . وأما الكتابة على نحو ذلك فالكتابة فاسدة مع المزارعة والمعاملة ; لأن الكتابة لا تصح إلا بتسمية البدل ، وهو عقد محتمل للفسخ بمنزلة البيع ; فاشتراط كل واحد من العقدين في الآخر يفسدهما جميعا . فإن عملها المكاتب عتق إن خرج [ ص: 147 ] شيء أو لم يخرج إذا كان محله محل آخر بأن كان المولى صاحب النخل أو صاحب الأرض والبذر ; لأنه أوفى العمل المشروط عليه بمقابلة رقبته ، ومع فساد التسمية يترك العتق بإيفاء المشروط ، كما لو كاتبه على خمر فأدى الخمر . ثم للمكاتب على مولاه أجر مثله ، وللمولى عليه رقبته ، فإن كانت قيمة رقبته أكثر من أجر المثل فعليه أن يؤدي الفضل ، وإن كان أجر مثله أكثر من قيمة رقبته - لم يكن على مولاه شيء ; لأنه نال العتق بمقابلة ما أوفى من العمل فلا يتمكن استرداد شيء منه ، واسترداد بدله كاسترداده .
ثم في الكتابة الفاسدة المولى أحق بمنافعه فلا يتقوم عليه منافعه إلا بقدر ما يحتاج إليه المكاتب ، وذلك مقدار قيمة رقبته وإذا كان محل المكاتب محل المستأجر بأن كان البذر من قبل المكاتب لم يعتق وإن زرع الأرض وحصل الخارج ; لأن الجعل هنا بعض الخارج وهو مجهول اللون والجنس والقدر ، ومثل هذه الجهالة تمنع العتق وإن أدى ، كما لو كاتبه على ثوب ، ثم الخارج كله في يد العبد هنا إلى أن يرده المولى رقيقا ، وإذا رده المولى رقيقا كان الخارج للمولى باعتبار أنه كسب عبده لا باعتبار أنه مشروط في الكتابة ، فلهذا لا يعتق العبد به . والله أعلم .
[ قال رحمه الله ] : وإذا دفع إلى رجل أرضا وبذرا على أن يزرعها هذه السنة بالنصف فبذره العامل وسقاه فلما نبت قام عليه رب الأرض بنفسه وأجرائه وسقاه حتى استحصد بغير أمر المزارع - فالخارج بينهما نصفان ، ورب الأرض متطوع فيما صنع ; لأن الشركة بينهما قد انعقدت في الخارج حين بذره العامل وسقاه ، وصار العقد بحيث لا يملك رب الأرض فسخه ، فإقامة العمل بعد ذلك كإقامة أجنبي آخر ، ولو عمل أجنبي آخر فيها كان متطوعا فيما صنع والخارج بين رب الأرض والمزارع على الشرط ، فكذلك إذا فعل رب الأرض ذلك . فإن كان استأجر لذلك فعمل أجيره كعمله وأجر الأجير عليه ; لأنه هو الذي استأجره ، ثم رب الأرض إنما عمل فيما هو شريك فيه فلا يستوجب الأجر على غيره . ولو كان المزارع بذر البذر فلم ينبت ولم يسقه حتى سقاه رب الأرض بغير أمره ، فنبت فلم يزل يقوم عليه ويسقيه حتى استحصد - فالخارج لرب الأرض والمزارع متطوع في عمله ولا أجر له ، وهو القياس . ولكنا نستحسن أن يجعل بينهما على ما اشترطا ويجعل رب الأرض متطوعا فيما عمل .
وجه القياس أن [ ص: 148 ] رب الأرض استرد الأرض والبذر قبل انعقاد الشركة بينهما ; لأن الشركة بينهما في الخارج لا في البذر وبمجرد إلقاء البذر في الأرض وكونه في الجوالق سواء ولو أخذ رب الأرض البذر وزرع بنفسه كان الخارج كله إليه لأنه صار مستردا في حال هو يملك فسخ المزارعة في تلك الحالة ، فكذلك إذا استرده بعد الإلقاء في الأرض قبل السقي . وجه الاستحسان أن سبب الشركة في الخارج إلقاء البذر فيقام هذا السبب مقام حقيقة الشركة ببيان الزرع . [ ألا ترى ] أنه يقام مقامه في لزوم العقد حتى لا يملك رب الأرض فسخه بعد ذلك قصدا ومنع المزارع من العمل فيكون هذا منه إعانة للمزارع أو عمله فيما هو شريك فيه فيكون الخارج بينهما على الشرط كما في الفصل الأول . وهو نظير ما استشهد به لو أن رجلا بذر أرضا له فلم ينبت حتى سقاه رجل فنبت كان الزرع الذي سقاه في القياس بمنزلة من غصب بذرا وزرعه ، وفي الاستحسان الزرع لصاحب الأرض والذي سقاه معين له ، وهذا لأنه بعد الزراعة يكون إذنا لكل واحد منهما في سقيه والقيام عليه مستعينا به دلالة فينزل ذلك منزلة أمره إياه بذلك نصا ، بخلاف ما قبل الزراعة فله تدبير في تقديم عمل الزراعة وتأخيره واختيار ما يزرعه في كل أرض ، فلا يكون هو آمرا للغاصب بأن يزرع بذره في أرضه فيكون الغاصب عاملا لنفسه ، فكذلك في مسألة المزارعة بعد ما بذره المزارع هو كالمستعين بصاحب الأرض في سقيه والقيام عليه ، فكأنه أمره بذلك نصا ، فيكون رب الأرض عاملا له لا لنفسه .
ولو بذره رب الأرض ولم يسقه ولم ينبت حتى سقاه المزارع وقام عليه حتى استحصد - فالخارج بينهما على ما اشترطا ، أما إذا كان ذلك بأمر المزارع فهو غير مشكل ; لأنه لو بذره وسقاه كان معينا للمزارع ، فإذا بذره ولم يسقه أولى ، وإن كان بغير أمره فلأن بمجرد إلقاء البذر في الأرض لم يحصل الخارج وإنما حصل بالسقي والعمل بعد ، وقد باشره المزارع فيكون الخارج بينهما على الشرط ، وهذا الفعل من رب الأرض محتمل يجوز أن يكون على طريق الفسخ منه لعقد المزارعة ، ويجوز أن يكون على وجه النظر لنفسه وللعامل كي لا يفوت الوقت لاشتغال المزارع بعمل آخر أو لمرض حل به ، وبالاحتمال لا ينفسخ العقد فلهذا كان الخارج بينهما على الشرط . ولو أخذه رب الأرض فبذره في الأرض وسقاه فنبت ثم إن المزارع يقوم عليه ويسقيه حتى استحصد - فالخارج لرب الأرض والمزارع متطوع في عمله ولا أجر له ; لأنه قد استحكم استرداد رب الأرض حين بذره وسقاه حتى نبت من حيث إن بالنبات تحصل الشركة [ ص: 149 ] في الخارج ولم يوجد من جهة المزارع ليكون شريكا في الخارج فإنما نبت الخارج كله على ملك رب الأرض ، وانفسخ عقد المزارعة فصار كأن لم يكن ، ثم المزارع بالعمل بعد ذلك بغير أمره متطوع فلا يستوجب عليه الأجر .
وإن كان البذر من قبل المزارع فبذره ولم يسقه حتى سقاه رب الأرض وقام عليه حتى استحصد فالخارج بينهما على الشرط استحسانا . وكذلك لو بذره رب الأرض ولم يسقه حتى سقاه المزارع وقام عليه حتى استحصد فالخارج بينهما على الشرط . ولو بذره رب الأرض وسقاه حتى نبت ثم قام عليه المزارع وسقاه فالخارج كله لرب الأرض ، وهو ضامن لمثل ما أخذ من البذر ، والمزارع متطوع في عمله لأنه كان غاصبا لما أخذ من البذر ، وقد استحكم ذلك بنبات الخارج على ملكه فكانت زراعته في هذه الأرض وفي أرض له أخرى سواء فيكون الخارج كله له ، والمزارع متطوع ; لأنه عمل في زرع غيره بغير أمره .
وإذا دفع إلى رجل نخلا له معاملة بالنصف فقام عليه العامل وسقاه وحفظه فلما خرج طلعه أخذه صاحب النخل بغير أمر العامل وقام عليه وسقاه ولقحه حتى أدرك الخارج فهو بينهما على ما اشترطا ; لأن الشركة قد تأكدت بخروج الطلع فيكون رب النخل بعد ذلك معينا للعامل في النخل بمنزلة أجنبي آخر بعينه ، ولا أجر لصاحب النخل في تلقيحه وعمله لأنه متبرع فيه لم يأمره العامل به ، ولو كان العامل حين قبض النخل أخذه صاحبه بغير أمره فسقاه وقام عليه حتى طلع طلعه ثم قبض منه العامل فلقحه وسقاه وقام عليه حتى صار تمرا - فجميع ما خرج لصاحب النخل ولا شيء للعامل منه ، لأن الشركة إنما تنعقد بينهما بخروج الطلع ، وحين خرج لم يكن وجد من العامل عمل فيه لا حقيقة ولا حكما ، فيكون الخارج كله على ملك صاحب النخل ، ثم لا يتغير ذلك بعمل العامل بل هو فيما عمل كأجنبي آخر ، ولو كان صاحب النخل قبضه وسقاه وقام عليه فلم يخرج طلعه حتى قبضه العامل بغير أمر صاحبه فسقاه وقام عليه حتى خرج طلعه ثم لقحه وقام عليه حتى صار تمرا - فالخارج بينهما على الشرط ; لما بينا أن الشركة إنما تنعقد عند حصول الطلع ، وقد وجد العمل من العامل عند ذلك على الوجه الذي اقتضته المعاملة فيصير الخارج مشتركا بينهما كما في مسألة المزارعة بل أولى ; لأن هناك رب الأرض والبذر يملك فسخ العقد قصدا قبل إلقاء البذر في الأرض ، وهنا لا يملك ، ثم هناك لا يجعل رب الأرض مستردا فيما أقام من العمل ويجعل الخارج بينهما على الشرط ، فهنا أولى ، وفي جميع هذه المسائل لو كان لرب الأرض والنخل فعل ما فعل بأمر العامل والمزارع كان الخارج [ ص: 150 ] بينهما على الشرط ; لأن المزارع استعان به في العمل وهو قصد إعانته لا إقامة العمل لنفسه ، فتكون الاستعانة به بمنزلة الاستعانة بغيره .
ولو كان استأجر رب الأرض والبذر أو رب النخل على ذلك بأجر معلوم - فالخارج بينهما على الشرط ، ولا أجر له على المزارع لأنه عمل فيما هو شريك فيه ، ولو أمره أن يستأجر لذلك أجراء ففعل فالخارج بينهما على الشرط وأجر الأجراء عليه . ولو كانت المزارعة والمعاملة الأولى بالنصف ثم دفعها العامل إلى رب الأرض والنخل ليعمل على أن له الثلثين من الخارج والثلث للعامل - فالخارج بينهما نصفان على المزارعة الأولى ; لأن العامل استأجر رب الأرض والنخل للعمل بجزء من نصيبه . ولو استأجره بدراهم لم يستوجب الأجر ، فكذلك إذا استأجره بجزء من نصيبه ، ولا يجعل هذا حطا منه لبعض نصيبه من الخارج ; لأن هذا الحط من ضمن العقد الثاني لا مقصودا بنفسه ، وقد بطل العقد الثاني فيبطل ما في ضمنه . والله أعلم .
[ قال رحمه الله ] : وإذا دفع رجل نخلا له معاملة على أن يلقحه ; فما خرج منه فهو بينهما نصفان ، ولم يشترط صاحب النخل على العامل من السقي والحفظ والعمل شيئا غير التلقيح - نظرت فيه : فإن كان النخل يحتاج إلى الحفظ والسقي فالمعاملة فاسدة لأن العمل يستحق على العامل بالشرط ولا يستحق عليه إلا المشروط ، وإذا كان الثمن لا يحصل بالعمل المشروط عليه فما سواه من الأعمال يكون على رب النخل . ولو شرط عليه ذلك فسد العقد ; لأن موجب المعاملة التخلية بين العامل وبين النخيل ، فاشتراط بعض العمل على رب النخل بعدم التخلية يفسد به العقد ، فكذلك استحقاق ذلك عليه .
وإنما قلنا إن ذلك استحق عليه لأن المقصود هو على الشركة في الخارج ، فلا بد من إقامة العمل الذي به يحصل الخارج ، ولا يمكن إيجاب ذلك على العامل من غير شرط فيكون على رب النخل ذلك ليتمكن من تسليم نصيب العامل من الخارج إليه كما شرطه له ، فإن لقحه العامل فله أجر مثله فيما عمل وقيمة ما لقحه به ; لأنه صرف عين ماله ومنافعه إلى إصلاح ملك الغير بعقد فاسد فيستحق عليه أجر مثله بإزاء منافعه وقيمة ما لقحه به بإزاء العين الذي صرفه إلى ملك الغير ، فإن ابتغى العوض عن جميع ذلك ولم ينل حين كان الخارج كله لصاحب النخل فكان له أجر مثله وقيمة ما لقحه به ، وإن كان [ ص: 151 ] لا يحتاج إلى حفظ ولا إلى سقي ولا عمل غير التلقيح - فالمعاملة جائزة ; لأن العمل الذي يحصل به الخارج مستحق على العامل بالشرط ، وما وراء ذلك غير محتاج إليه فيكون مستحقا على رب النخل ما لا يحتاج إليه ، فذكره والسكوت عنه سواء . وإن كان لا يحتاج إلى سقي ولكن لو سقي كان أجود لثمرته إلا أن تركه لا يضره - فالمعاملة جائزة ; لأن المستحق بعقد المعاوضة صفة السلامة في العوض ، فأما صفة الجودة فلا تستحق بمطلق العقد ، فلا يكون على رب النخل شيء من العمل هنا .
وإن كان ترك السقي يضره ويفسد بعضه إلا أنه لا يفسد كله - فالمعاملة فاسدة ، لأن بمطلق المعاوضة يستحق صفة السلامة عن العيب وذلك لا يحصل بالعمل المشروط على العامل ; فلا بد من القول باستحقاق بعض العمل على رب النخل وهو ما تحصل به صفة السلامة ، وذلك مفسد للعقد وإن كان ترك اشتراط التلقيح عليه وقد اشترط ما سواه لم يجز ; لأن ترك التلقيح يضره على ما بينا أن النخيل إذا لم يلقح أحشف التمر ، فقد بقي بعض العمل على صاحب النخل وهو ما تحصل به صفة السلامة . وكذلك كل عمل لا يصلح النخل إلا به ولم يشترطه على العامل . ولو كان النخل نخلا لا يحتاج إلى التلقيح ، وكان بحيث يحصل ثمره بغير تلقيح إلا أن التلقيح أجود له - فالمعاملة جائزة ; لأن بمطلق العقد يستحق صفة السلامة لا صفة الجودة .
ولو دفع إليه النخل ملقحا واشترط عليه الحفظ والسقي جاز ; لأن التخلية بين النخل والعامل إنما تشترط بعد العقد وقد وجد ، بخلاف ما إذا دفع إليه غير ملقح ، واشتراط التلقيح على رب النخل فإن ذلك لا يجوز ; لأن التخلية تنعدم عقيب العقد وما يلقحه صاحب النخل ، والمعاملة تلزم بنفسها من الجانبين ، فاشتراط ما يفوت موجبها يفسد العقد ، وفي الأول التلقيح من رب النخل كان قبل العقد فما هو موجب العقد وهو التخلية بين العامل والنخل عقيب العقد موجود ، وإن اشترطا أن يلقحه صاحبه ثم يحفظه العامل ويسقيه لم يجز ; لأن العقد انعقد بينهما في الحال ، فالشرط مفوت موجب العقد ، وإن كان مضافا إلى ما بعد فراغ صاحب النخل من التلقيح - فذلك مجهول لا يدري يعجله صاحب النخل أو يؤخره ، والجهالة في ابتداء مدة المعاملة مفسدة للمعاملة إلا أن يشترط أن يلقحه في هذا الشهر صاحب النخل على أن يحفظه العامل ويسقيه من غرة الشهر الداخل - فيجوز ; لأن ابتداء مدة المعاملة هنا في غرة الشهر الداخل وهو معلوم ، والمعاملة عقد إجارة فتجوز إضافتها إلى وقت في المستقبل .
ولو دفعه إليه واشترط التلقيح والسقي على العامل والحفظ على رب النخل - لم يجز ; لأن هذا الشرط يعدم التخلية في [ ص: 152 ] جميع مدة المعاملة ، فالحفظ محتاج إليها الآن لدرك الثمار ; إلا أن يكون في موضع لا يحتاج إلى الحفظ فتجوز المعاملة والشرط باطل ; لأنه إنما يعتبر من الشروط ما يكون مفيدا ، فأما ما لا يفيد فالذكر والسكوت عنه سواء . ولو اشترط التلقيح والحفظ على العامل والسقي على رب النخل لم يجز أيضا ; لأن هذا الشرط يعدم التخلية ، فإن كان قد يصلح بغير سقي إلا أن السقي أفضل له لم يجز أيضا لأن صفة الجودة تستحق بالشرط ، فإذا كانت هذه تحصل بما شرط على رب النخل لم يكن بد من اعتباره ، وإن كان السقي لا يزيد فيه شيئا ولا يضره تركه فالمعاملة جائزة والشرط باطل ; لأنه ليس في هذا الشرط فائدة ، فذكره والسكوت عنه سواء .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|