عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 25-12-2025, 05:16 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث والعشرون

صـــ 122الى صـــ 131
(474)


ومن أيهما كان البذر فالجواب سواء . وكذلك لو كان صاحب الأرض هو الحربي والزارع هو المسلم ، فإن كان الزرع لم يحصد فترك الإمام أهلها ، وتركه في أيديهم يؤدون الخراج كما فعل عمر - رضي الله عنه - بأهل السواد - كانت الأرض لصاحبها أيهما كان ، والزرع بينهما على ما اشترطا ; لأن الإمام قرر ملكهما فيه بالمن ، وإذا جاز ذلك في حصة الحربي ففي حصة المسلم أولى .
ولو دخل مسلمان دار الحرب بأمان فاشترى أحدهما أرضا فدفعها إلى صاحبه مزارعة بالنصف ، فاستحصد الزرع ولم يحصد حتى ظهر المسلمون على الدار - فالأرض والزرع فيء لما قلنا . وإن ظهروا علينا بعد ما حصد الزرع فالأرض فيء والزرع بينهما على ما اشترطا ; لأنه منقول مشترك بين المسلمين في دار الحرب ، فلا يصير غنيمة بالظهور على الدار . وإن دفعها المسلم إلى حربي مزارعة بالنصف والبذر من أحدهما بعينه ، والعمل عليهما جميعا ، فأخرجت الأرض الزرع ، ثم أسلم أهل وقد استحصد الزرع ، أو لم يستحصد - جاز في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - والخارج بينهما على الشرط . وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - الخراج لصاحب البذر ، وللآخر الأجر ، وهذا لأن اشتراط عمل صاحب الأرض مع المزارع في المزارعة إنما يفسد العقد في دار الإسلام ، فأما في دار الحرب بين المسلم والحربي فهو على الخلاف الذي بينا . ولو لم يسلم أهل الدار . ولكن ظهر المسلمون على الدار - كانت الأرض وما فيها فيئا ولا شيء لأحدهما على صاحبه من أجر ولا غيره ; لأن هذه المعاملة كانت في دار الحرب فلا يطالب أحدهما صاحبه بشيء منه بعد ما ظهر المسلمون على الدار ; لأن الأرض إن كانت للحربي فقد صارت غنيمة ، وكذلك إن كانت للمسلم فلا يكون له أن يطالب صاحبه بأجرها ، ونفس الحربي تبدلت بالرق فلا تتوجه له المطالبة بالأجر على المسلم ، ولا للمسلم عليه وإن تركهم الإمام في أرضهم كما ترك عمر - رضي الله عنه - أهل السواد [ ص: 123 ] فهذا بمنزلة إسلامهم عليها ; لأنه يقرر ملكهم في أراضيهم وحريتهم في رقابهم بالمن كما يتقرر ذلك بالإسلام لو أسلموا . والمعاملة كالمزارعة في جميع ما ذكرنا .

وإن كانت المزارعة في دار الحرب بين الحربيين بالنصف أو بأقفزة مسماة من الخارج ، فأسلم أهل الدار قبل أن يحصد الزرع وقد استحصد أو بعد ما حصد - جاز على ما اشترطا ; لأنهما باشرا العقد حين لم يكونا ملتزمين لأحكام الإسلام ، وقد كان الخارج بينهما على ما اشترطا قبل إسلامهما ، فيتأكد ملكهما بالإسلام . ولو أسلم أهل الدار قبل أن يزرع ثم زرع كانت المزارعة فاسدة على شرط الأقفزة المسماة ، والخارج لصاحب البذر ; لأن العقد لا يتم من الجانبين قبل إلقاء البذر في الأرض ، فالإسلام الطارئ قبل تمام العقد كالمقترن بأصل العقد . ولو كان زرع ثم أسلموا وهو بقل لم يسبل ، ثم عمل فيه بعد ذلك حتى استحصد - كان فاسدا أيضا ; لأن المقصود هو الحب والإسلام حصل قبل حصول ما هو المقصود ، وهو الشركة بينهما في الحب الذي هو مقصود ، بخلاف ما إذا أسلموا بعد الاستحصاد وهذا لأن كل حال يجوز ابتداء عقد المزارعة فيها ، فإسلامهم في تلك الحالة يفسد المزارعة بشرط عشرين قفيزا ، وكل حالة لا يجوز ابتداء عقد المزارعة فيها فإسلامهم في تلك الحالة لا يؤثر في العقد اعتبارا لحالة البقاء بحالة الابتداء ، وما دام الزرع بقلا فابتداء المزارعة فيه يصح ، فإذا أسلموا وكان العقد بشرط عشرين قفيزا فسد بخلاف ما بعد الاستحصاد والله أعلم .
باب مزارعة الصبي والعبد [ قال رحمه الله ] : والعبد المأذون له في التجارة بمنزلة الحر في المزارعة ، وكذلك الصبي الحر المأذون له في التجارة ; لأن عقد المزارعة من عقود التجارة فإنه استئجار للأرض أو للعامل ، أو هو عقد شركة في الخارج ، والتجار يتعاملون به ، فالمأذون فيه كالحر البالغ ، فإن زارع العبد إنسانا فلم يزرع حتى حجر عليه مولاه فحيث كان للحر أن يمتنع عن المضي في المزارعة فلمولى العبد أن يمتنع منه ويحجر عليه ، وحيث لم يكن للمولى منع العبد منه ولا يبطل العقد بحجر المولى عليه لأن منع المولى إياه بالحجر كامتناعه بنفسه ، وله أن يمتنع إذا كان البذر من قبله ، وليس له أن يمتنع إذا كان البذر من قبل الآخر ، فكذلك منع المولى إياه بالحجر عليه ، وهذا لأن الحجر لا يبطل العقد اللازم في حالة الإذن ولا يمكن المولى من إبطاله ، وما لم يكن لازما فللمولى أن [ ص: 124 ] يمتنع من التزامه بعد الحجر إلا أنه إذا كان البذر والأرض من العبد فحجر المولى عليه قبل الزراعة فله أن يمنع الزارع من الزراعة . وإذا أخذ العبد أرض الغير مزارعة ليزرعها ببذره ثم حجر المولى عليه فنفس الحجر منع منه للمزارعة وينفسخ العقد به ; لأن صاحب الأرض والبذر إذا كان هو العبد ففي إلقاء البذر في الأرض إتلاف له وللمولى أن لا يرضى بذلك ، فما لم يمتنع المزارع من إلقاء البذر في الأرض لا ينفسخ العقد ، وإذا كان العبد هو المزارع ببذره فبنفس الحجر فات المعقود عليه ، فإن العبد لا يملك البذر بعد ذلك بإلقائه في الأرض ولا في منافعه بإقامة عمل الزراعة بدون إذن المولى ، فلهذا جعل نفس الحجر عليه فسخا للزراعة . وكذلك الصبي الحر يحجر عليه أبوه أو وصيه . وكذلك المعاملة في الاستئجار إلا أن في المعاملة الحجر بعد العقد لا يبطل العقد ، أيهما كان العامل ، لأن المعاملة تلزم بنفسها من الجانبين ولو لم يحجر عليه ولكنه نهاه أو نهى مزارعه عن العمل بعد العقد أو نهاه عن العقد قبل أن يعقد كان نهيه باطلا وله أن يعقد ويعمل . وكذلك الصبي لأن هذا حجر خاص في إذن عام وهو باطل [ ألا ترى ] أن عند ابتداء الإذن لو استثنى المزارعة لم يصح استثناؤه ؟ فكذلك بعد الإذن إذا نهاه عن العقد أو المضي عليه من غير أن يحجر عليه . فإذا اشترى الصبي التاجر أرضا ثم حجر عليه أبوه فدفعها مزارعة إلى رجل بالنصف يزرعها ببذره وعمله فالخارج للعامل وعليه نقصان الأرض لأن إذن الصبي في زراعة الأرض بعد الحجر باطل فكان العامل بمنزلة الغاصب فعليه نقصان الأرض والخارج له ، وإن لم يتمكن في الأرض نقصان كان الخارج بينهما على الشرط استحسانا لأن منفعة الصبي في تصحيح العقد هنا ، فإنه لو بطل لم يسلم له شيء ، ولا يحجر الصبي عما يتمحض منفعته من العقود كقبول الهبة ولا يتصدق واحد منهما بشيء لأن العقد لما صح منه كان هو في ذلك كالبالغ أو المأذون . ولو كان البذر من قبل الدافع كان الخارج للعامل وعليه غرم البذر في الوجهين جميعا أو نقصان الأرض إن كان فيها نقصان ، سواء أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج لأن إذن الصبي في الزراعة وإلقاء بذره في الأرض باطل فيكون المزارع كالغاصب للأرض والبذر منه فعليه غرم البذر ونقصان الأرض ، والخارج له ويتصدق بالفضل لأنه حصل له بسبب حرام شرعا .
وإذا دفع الحر إلى العبد المحجور عليه أرضا وبذرا مزارعة بالنصف سنته هذه فزرعها فحصل الخارج ، وسلم العامل فالخارج بينهما على الشرط لأنه استأجر العبد للعمل بالنصف الخارج ; وقد بينا أن العبد المحجور [ ص: 125 ] عليه إذا أجر نفسه وسلم من العمل وجب له الأجر استحسانا ، وإن مات في العمل فصاحب الأرض والبذر ضامن لقيمته لأنه غاصب له بالاستعمال ، والزرع كله له سواء مات قبل الاستحصاد أو بعده لأنه يملك العبد بالضمان من حين دخل في ضمانه ، فإنما أقام عمل الزراعة بعبد نفسه ، فالخارج كله له ويطيب له ذلك لأنه ربى زرعه في أرض نفسه ، ولكونه غاصبا للعبد لا يتمكن الخبث في الزرع . وإن مات الصبي الحر من عمل الزراعة بعد ما استحصد الزرع فالزرع بينهما على ما اشترطا طيب لهما ، كما لو أسلم الصبي لأن باستحصاد الزرع تأكدت الشركة بينهما في الخارج ، والصبي لا يملك بالضمان ، فإن مات وجب على عاقلة صاحب الأرض دية الصبي لكونه سببا لإتلافه على وجه هو متعد فيه . لا يتغير حكم الشركة بينهما في الخارج بخلاف العبد ، وكذلك الحكم في المعاملة في النخيل والأشجار ، ولو كان البذر من العامل وهو حر كان الخارج كله للعامل لأنه نماء بذره اكتسبه بعمله ، والعبد في الاكتساب كالحر ، وإن كان محجورا فلا شيء لرب الأرض من نقصان ولا غيره ما لم يعتق لأنه شرط بعض الخارج لصاحب الأرض بعقده وذلك لا يصح من المحجور عليه حال رقه ، وإنما زرع الأرض بتسليط صاحب الأرض إياه على ذلك فلا يغرم نقصان الأرض ما لم يعتق العبد ، فإذا عتق رجع عليه رب الأرض بأجر مثل أرضه لأنه كان شرط له نصف الخارج بمقابلة منفعة الأرض وقد استوفى المنفعة وحصل الخارج ثم استحقه المولى فيكون عليه أجر مثل أرضه بعد العتق ، ولا يرجع على الصبي بشيء وإن كثر لأن التزامه بالعقد غير صحيح في حقه في الحال ولا بعد البلوغ . وإن مات العبد أو الصبي في عمل الأرض لم يضمنه رب الأرض لأنهما عملا لأنفسهما فلا يكون صاحب الأرض مستعملا للعبد ولا متسببا لإتلاف الصبي ، وإن كانت الأرض لم تخرج شيئا فلا شيء على رب الأرض من ضمان بذرهما ولا غيره لأنهما عملا لأنفسهما في إلقاء البذر في الأرض ولم يكن من صاحب الأرض عمل في بذرهما تسببا ولا مباشرة .
وإذا حجر الرجل على عبده أو ابنه وفي يده نخل فدفعه إلى رجل معاملة بالنصف فالخارج كله لصاحب النخل ولا شيء للعامل لأنهما شرطا للعامل نصف الخارج بمقابلة عمله وذلك باطل من الصبي ومن العبد المحجور ما لم يعتق ، فإذا عتق العبد كان عليه أجر مثل العامل لأن التزام العبد في حق نفسه صحيح وقد استحق المولى الخارج بعد ما حصل الخارج .
وإذا دفع العبد المحجور عليه أرضا مما كان في يده أو أرضا أخذها من أراضي مولاه إلى رجل يزرعها ببذره [ ص: 126 ] وعمله هذه السنة بالنصف فزرعها العامل فأخرجت زرعا كثيرا ونقص الزرع الأرض فالخارج للعامل وعليه نقصان الأرض لرب الأرض لأنه في حق المولى بمنزلة الغاصب للأرض ، فإن عقد المزارعة من المحجور عليه صحيح في حق المولى فإن عتق العبد رجع العامل عليه بما أدى إلى مولاه من نقصان الأرض ; لأنه صار مغرورا من جهة العبد بمباشرته عقد الضمان ، والعبد يؤاخذ بضمان الغرور بعد العتق بمنزلة الكفالة ثم يأخذ العبد من المزارع نصف ما أخرجت الأرض ; لأن العقد صح بينهما في حقهما فيكون الخارج بينهما على الشرط فإذا أخذا نصف الخارج باعه واستوفى من ثمنه ما غرمه للمزارع ، فإن كان فيه فضل كان لمولاه لأن ذلك كسب اكتسبه في حال رقه وما اكتسب العبد في حال رقه يقضى دينه منه ، فإن فضل منه شيء فهو للمولى . وإن قال المولى قبل أن يعتق العبد أنا آخذ نصف ما أخرجت الأرض ولا أضمن العامل نقصان الأرض كان له ذلك إن عتق العبد أو لم يعتق ; لأن العقد كان صحيحا بين العبد والمزارع ، وإنما امتنع بعوده في حق المولى لدفع الضرر عنه أو لانعدام الرضا منه به فيكون رضاه به في الانتهاء بمنزلة الرضا به في الابتداء . وإن كانت الأرض لم تنقصها الزراعة شيئا فالخارج بين المولى والمزارع نصفان لأن في تصحيح هذا العقد منفعة للمولى وهو سلامة نصف الخارج له ، وإنما كان يمتنع صحته في حقه لدفع الضرر ولا ضرر هنا .
وإذا دفع العبد المحجور عليه إلى رجل أرضا من أرض مولاه وبذرا من بذر مولاه أو ما كان من تجارته قبل أن يحجر عليه مزارعة بالنصف فزرعها المزارع فأخرجت زرعا أو لم تخرج وقد نقص الأرض الزرع أو لم ينقصها فللمولى أن يضمن المزارع بذره ونقصانه أرضه لأن الزارع غاصب لذلك في حق المولى ; فإن إذن العبد المحجور عليه بإلقاء البذر في الأرض في حق المولى باطل ، فإن ضمنه ذلك ثم عتق العبد رجع عليه المزارع بما ضمن من ذلك لأجل الغرور وكان نصف الخارج للعبد يستوفى منه ما ضمن ويكون الفضل لمولاه ، وإن شاء المولى أخذ نصف الزرع فكان له ولم يضمن الزارع من البذر والنقصان شيئا لأن العقد صحيح فيما بين العبد والمزارع ، وإنما كان لا ينفذ في حق المولى لانعدام رضاه به ، فإذا رضي به تم العقد . والله أعلم .
[ قال رحمه الله ] : وإذا دفع الرجل إلى رجل أرضا له يزرعها هذه السنة بالنصف وضمن [ ص: 127 ] له رجل الزراعة من الزارع فالضمان باطل ; لأن المزارع مستأجر للأرض عامل ، والمزارعة لنفسه إلا أن يكون العمل مستحقا لرب الأرض عليه ، وإنما يصح الضمان بما هو مستحق على الأصيل للمضمون له ، فإذا كان الضمان شرطا في المزارعة فالمزارعة فاسدة لأنها استئجار للأرض فتبطل بالشرط الفاسد ، وإن لم يجعلاه شرطا في المزارعة صحت المزارعة والضمان باطل ، وإن كان البذر من رب الأرض جاز الضمان والمزارعة في الوجهين جميعا ; لأن رب الأرض مستأجر للعامل ، وقد صارت إقامة العمل مستحقة عليه لرب الأرض وهو مما تجري فيه النيابة في تسليمه فيصح التزامه بالكفالة شرطا في العقد أو مقصودا بعد عقد المزارعة بمنزلة الكفالة بالأجرة ، والثمن في البيع ، وإن تعنت الزارع أخذ الكفيل بالعمل لأنه التزم المطالبة بإيفاء ما كان على الأصيل وهو عمل الزراعة ، فإذا عمل وبلغ الزرع ثم ظهر المزارع كان الخارج بينهما على ما اشترطا لأن الكفيل كان نائبا عنه في إقامة العمل ، وللكفيل أجر مثل عمله إن كان كفل بأمره لأنه التزم العمل بأمره وأوفاه فيرجع عليه بمثله ; ومثله أجر المثل ; كالكفيل بالدين إذا أدى ، وإن كان الشرط على الزارع أن يعمل بنفسه لم يجز الضمان ; لأن ما التزمه العامل هنا لا تجري النيابة في إيفائه وهو عمل المزارع بنفسه إذ ليس في وسع الكفيل إبقاء ذلك فيبطل الضمان ، وتبطل المزارعة أيضا إن كان الضمان شرطا فيها ، والمعاملة في جميع ذلك بمنزلة المزارعة ، ولو كان الكفيل كفل لرب الأرض بحصته مما تخرج الأرض - والبذر من صاحب الأرض أو من العامل - فالكفالة باطلة لأن نصيب رب الأرض من الزرع أمانة في يد المزارع ، سواء كان البذر من قبله أو من قبل رب الأرض حتى لا يضمن ما يهلك منه بغير صنعه ، والكفالة بالأمانة لا تصح بمنزلة الكفالة الوديعة ، إنما تصح الكفالة بما هو مضمون التسليم على الأصل ثم تبطل المزارعة إن كانت الكفالة شرطا فيها ، والمعاملة في هذا كالمزارعة . ولو كفل رجل لأحدهما عن صاحبه بحصته مما تخرج الأرض إن استهلكها صاحبها - فإن كان ذلك شرطا في أصل المزارعة فالمزارعة فاسدة ، وإن لم يكن شرطا فيها فالمزارعة جائزة والكفالة جائزة لأنها أضيفت إلى سبب وجوب الضمان وهو الاستهلاك ، وإضافة الكفالة إلى سبب وجوب الضمان صحيحة إلا أن هذا دين يجب لأحدهما على صاحبه لا بسبب عقد المزارعة . وعقد المزارعة بين اثنين بشرط أن يعطي أحدهما صاحبه كفيلا بدين آخر وجب له عليه - يكون صحيحا كعقد البيع على هذا الشرط ، فإذا شرطا الكفالة في المزارعة [ ص: 128 ] فسدت المزارعة لهذا ، وإن لم يكن شرطا فيها جازت المزارعة والكفالة ، فإن استهلك المضمون منه شيئا ضمنه الكفيل ويأخذ به الطالب أيهما شاء ، وإن كانت المزارعة فاسدة والبذر من قبل العامل وضمن رجل لصاحب الأرض حصته مما تخرج الأرض - فالضمان باطل ; لأنه مع فساد المزارعة لا يستحق صاحب الأرض شيئا من الخارج . والكفالة بما ليس بمضمون على الأصل باطل ، ولا يؤخذ الكفيل بأجر مثل الأرض لأنه لم يضمنه وإنما ضمن الطعام ، وأجر مثل الأرض دراهم فلا يجوز أن يجب عليه بالكفالة غير ما التزمه . وإذا كان الأجر للعامل أو لرب الأرض كر حنطة بعينها لم يكن لصاحبه أن يبيعه قبل القبض ; لأن الأجرة في الإجارة بمنزلة العوض في البيع ، وما كان بعينه من العروض المستحق بالمبيع لا يجوز بيعه قبل القبض ، فإن هلك بعد العمل أو استهلكه الذي في يده كان عليه أجر المثل ; لأن بهلاكه قبل التسليم فات القبض المستحق بالعقد فيفسد العقد ، ولزمه رد ما استوفى في تحكمه من المنفعة وقد تعذر عليه رده فيلزمه أجر مثله ، وإذا كان الشرط بعض الخارج في المزارعة والمعاملة فاستحصد الزرع أو لم يحصد أو بلغ التمر ولم يحرز ثم باع أحدهما حصته قبل أن يقبضها جاز بيعه ; لأن حصته أمانة في يد الآخر كالوديعة فينفذ تصرفه فيها قبل القبض ، وإن هلك فلا ضمان على واحد منهما لأن هلاك الأمانة في يد الأمين كهلاكها في يد صاحبها ، وإن استهلكها أحدهما ضمن نصيب صاحبه لأنه استهلك ملكا تاما مشتركا بينهما فيضمن نصيب صاحبه جبرانا لما أتلف من ملكه . والله أعلم .
[ قال رحمه الله ] : وإذا دفع المريض أرضه إلى رجل مزارعة يزرعها ببذره وعمله على أن الخارج بينهما على كذا فزرعها فأخرجت زرعا كثيرا ، وأجر مثل الأرض أكثر من نصيب صاحبه أضعافا ، وعليه دين يحيط بماله ، وأجر الأرض ثم مات ، والمزارع أجنبي أو أحد ورثته ، ونقصان الأرض أكثر من أجر مثلها - فالخارج بينهما على ما اشترطا ولا شيء للعامل من الأجر والنقصان ; لأن تصرف المريض حصل فيما لا حق فيه لغرمائه ولا لورثته وهي منفعة الأرض التي توجد في حياته ، فإن حق الورثة إنما يتعلق بما يتصور بقاؤه بعد موته ، وحق الغرماء إنما يتعلق بما يمكن إيفاء الدين منه [ ألا ترى ] أنه لو أعار المريض من صاحب البذر [ ص: 129 ] أرضه ولم يشترط عليه عوضا بمقابلة منافعها لم يعتبر ذلك من ثلثه ، وكان ذلك منه في مرضه وفي صحته سواء ، فكذلك إذا دفعها مزارعة بجزء يسير من الخارج وفي تصرفه محض منفعة للغرماء والورثة وهو سلامة مقدار المشروط بمقابلة الأرض من الزرع لهم ، ولولا عقد المزارعة ما سلم لهم ذلك ، وإذا ثبت صحة تصرفه وكان عمل العامل في الأرض بإذن صحيح فلا يلزمه شيء من نقصان الأرض . ولو كان البذر من صاحب الأرض وسمى للعامل تسعة أعشار الخارج ولا دين على المريض ، ولا مال غير الأرض والطعام فإنه ينظر إلى الزرع يوم خرج من الأرض وصار له قيمة كم يساوي تسعة أعشاره ؟ فإن كان مثل أجر الأرض أو أقل منه فلما قام عليه وسقاه حتى استحصد صار أكثر من أجر مثله وأكثر من ثلث مال رب الأرض فللمزارع تسعة أعشار الخارج ، فإن كانت قيمة تسعة أعشاره حين خرج أكثر من أجر مثل المزارع فقام عليه وسقاه حتى استحصد صار أكثر من أجر مثله وأكثر من ثلث ما ترك الميت فأبى الورثة أن يجيزوا - أخذ الزارع من حصته من الخارج أجر مثله وثلث ما ترك وصية له إن لم يكن من ورثته ، والباقي لورثة صاحب الأرض ; لأن صاحب الأرض استأجر العامل بما جعل له من الخارج ، وإنما يصير المزارع بإيجابه شريكا في الخارج حين ثبت الخارج ، فإذا كانت قيمة ما نبت مثل أجر مثله أو أقل لم تمكن في تصرفه محاباة فيقدر . ثم ملك المزارع في نصيبه بعقد صحيح ، ثم الزيادة بعد ذلك إنما حدثت على ملك صحيح له فلا يعتبر ذلك من ثلث مال الميت ، فأما إذا كانت قيمته حين نبت أكثر من أجر مثله فالزيادة على مقدار أجر المثل محاباة له والمحاباة لا تسلم إلا من الثلث بعد الدين ، فبقي الثابت كله موقوفا على حق المريض فيثبت حقه في الزيادة الحادثة فيه فلا يسلم للمزارع من جميع ذلك بعد ما استحصد الزرع إلا مقدار أجر مثله ، وما زاد على ذلك إلى تمام المشروط له يكون وصية فيعتبر من ثلث ماله ; فيحتاج هنا إلى معرفة شيئين : أحدهما أن عمل المزارع وإن لم يكن مالا متقوما فبالعقد يتقوم بمقدار أجر المثل ، ولا وصية في ذلك القدر من المشروط له ، كما لو استأجر المريض أجيرا لعمل آخر له بل أولى ; لأن هناك استأجره بما كان حاصلا له لا بعمله ، وهنا استأجره بمال يحصل أو يزداد بعمله . والثاني أنه يعتبر قيمة حصته حين يصير للزرع قيمة لا حين نبت ; لأنه يكون مملكا منه نصيبه بعوض ، والتمليك إنما يجوز في الزرع بعد ما يصير متقوما كالتمليك بالبيع ، وهو وإن صار شريكا فيما نبت ولكنه يحتاج إلى قيمة نصيبه ليقابل ذلك بأجر مثله ، وما ليس بمتقوم [ ص: 130 ] لا يمكن معرفة قيمته فيعتبر أول أحوال إمكان التقوم فيه ، كأحد الشريكين في الجنين إذا أعتق نصيبه وهو موسر يضمن لصاحبه قيمة نصيبه معتبرا بما بعد الانفصال . قال : وإنما هذا مثل رجل استأجر في مرضه رجلا ليخدمه سنته بجارية له بعينها لا مال له غيرها فدفعها إليه ، وخدمه الرجل السنة كلها وولدت الجارية وزادت في بدنها ، ثم صارت تساوي أكثر من أجر مثل الرجل ، ثم مات المريض ; فإن كانت قيمتها يوم وقعت الإجارة وقبضها الأجير مثل أجر مثله أو أقل كانت له بزيادتها لأنه لا محاباة فيها ولا وصية ، وإنما اعتبرت قيمتها وقت القبض لأن الأجرة قبل استيفاء المنفعة لا تملك بنفس العقد وإنما تملك بالقبض ، وإن كانت قيمتها يومئذ أكثر من أجر مثله فإنه يعطى الأجر منها مقدار أجر مثله وثلث ما ترك الميت بعد ذلك من الجارية وولدها وصية له ويرد قيمة البقية على الورثة لأنه يمكن فيها معنى الوصية بطريق المحاباة فلا تكون سالمة للأجير ، وتبقى موقوفة على حق المريض فيثبت حقه في الزيادة متصلة كانت أو منفصلة ، فلا يسلم للأجير منها إلا مقدار أجر مثله وثلث التركة بعد ذلك منها ومن ولدها بطريق الوصية ، وفيما زاد على ذلك يلزمه رده ، إلا أنه تعذر الرد لمكان الزيادة الحاصلة في يده بعد ما يملكها فرد قيمة الزيادة . فإن قيل : إنما يملكها بالقبض بحكم سبب فاسد فينبغي أن يرد عينها مع الزيادة . قلنا : لا كذلك بل كان السبب صحيحا يومئذ لأن تصرف المريض فيما يحتمل النقض بعد نفوذه يكون محكوما بصحته ، ثم ينقض بعد موته ما يتعذر تنفيذه ، والمقصود من هذا النقض دفع الضرر عن الورثة وذلك يحصل برد قيمة الزيادة عليهم ، ولو لم يكن في رد العين إلا ضرر التبعيض على الأجير لكان ذلك كافيا في تحول حقهم إلى القيمة . وإن كان المزارع وارث المريض كان الجواب كذلك ، إلا أنه لا وصية له لقوله عليه الصلاة والسلام : { لا وصية لوارث } . فإن كانت قيمة نصيبه أجر مثل المزارع أو أقل حين نبت الزرع وصارت له قيمة - فجميع المشروط سالم له ، وإن كان أكثر من أجر مثله فإنما يسلم له من الخارج مقدار أجر مثله حين استحصد الزرع ، والباقي كله ميراث عن الميت . وإن كان المزارع أجنبيا وعلى الميت دين يحيط بماله كان المزارع أسوة الغرماء فإنما يثبت له من الحصة في الزرع على ما تقدم ذكره ، حتى إذا لم يكن من قيمة حصته حين صار متقوما زيادة على أجر مثله فقد صح تسمية حصته له في الكل ، والزيادة الحادثة بعد ذلك تكون زيادة على ملكه ، إلا أن عين ذلك لا تسلم له لأن المريض لا يملك تخصيص بعض الغرماء بقضاء الدين [ ص: 131 ] إلا بائعا اشترى منه ما تكون ماليته مثل ما أعطاه من الثمن لأنه يدخل في ملكه ما يقوم مقام ما يخرجه في تعلق حق الغرماء به وذلك لا يوجد به ; فلهذا لا يختص العامل به ، ولكن لما ثبت حقه بسبب لا محاباة فيه ولا تهمة كان هو أسوة الغرماء في تركته ، وإن كانت حصته أكثر من أجر مثل عمله فإنما يضرب مع الغرماء في الخارج بمقدار أجر مثل عمله حين استحصد الزرع ; لأن ما زاد على ذلك كان وصية له ولا وصية مع الدين ، وكذلك مسألة الجارية هو أسوة الغرماء فيما ثبت له فيها على الوجه الذي بينا من الفرق ، بينما إذا كانت قيمتها حين قبضها مثل أجر مثله في خدمته أو أكثر من ذلك ، ولا تشبه المزارعة في هذا المضاربة ; فإن المريض لو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة على أن للمضارب تسعة أعشار الربح وربح عشرة آلاف ثم مات المريض وأجر مثل المضارب في عمله مائة درهم فإن الورثة يأخذون رأس المال والباقي بينهم وبين المضارب على الشرط ، ولا ينظر في هذا إلى أجر مثله لأن هناك رأس المال قد رجع إلى ورثته ، والربح بمال لم يكن لرب المال ولا يتعلق به حق ورثته وغرمائه . [ ألا ترى ] أنه لو لم يشترط شيئا من الربح لنفسه بأن أقرض المال منه كان صحيحا ؟ ففي اشتراطه بعض الربح لنفسه منفعة لغرمائه وورثته .

والبذر في المزارعة ليس يرجع إلى رب الأرض وإنما يكون جميع الخارج بينهما ; فيكون تصرف المريض فيما تعلق به حق غرمائه وورثته ، ولو كان يرجع إلى صاحب البذر رأس ماله ويكون ما بقي بينهما لكنا نجوز ذلك أيضا كما نجوزه في المضاربة . فإن قيل : ينبغي أن ينظر إلى قيمة البذر ويقابل ذلك بأجر مثله ولا ينظر إلى قيمة الخارج . قلنا : إنما ينظر إلى قيمة ما يوجبه للمزارع بمقابلة عمله ، وهو لا يوجب له شيئا من البذر إنما يوجب له حصته من الخارج ; فلهذا ينظر إلى قيمة ما يوجبه له وإلى أجر مثله .

وإذا دفع الصحيح إلى مريض أرضا له على أن يزرعها هذه السنة ببذره فما خرج منها فهو بينهما نصفان ، فزرعها المريض ببذره من قبله ليس له مال غيره فأخرجت زرعا كثيرا ثم مات من مرضه فإنه ينظر إلى حصة رب الأرض مما أخرجت الأرض يوم صار الزرع متقوما ، كم قيمته ؟ لأن المريض استأجر الأرض هنا بما أوجب لصاحبها من الحصة ، فإن كانت حصته يومئذ مثل أجر مثل الأرض أو أقل فإن الخارج بينهما على الشرط ; لأنه لا وصية فيها ولا محاباة ، وقد تم ملك رب الأرض في نصيبه ، ثم الزيادة حادثة بعد ذلك على ملكه ، وهذا لأنه قابض لنصيبه باتصاله بأرضه أو بكونه في يد أمينة ; لأن المزارع أمين في نصيب رب [ ص: 132 ] الأرض ، ولهذا لو أصاب الزرع آفة لم يغرم له شيئا ، وإن كانت حصته يومئذ أكثر من أجر مثل الأرض نظر إلى حصته يوم تقع القسمة ; لأنه تمكن معنى الوصية هنا بطريق المحاباة فيثبت حق المريض فيما يحدث من الزيادة ، فإنما يعطى رب الأرض منها مقدار أجر مثل أرضه ، وثلث تركة الميت مما بقي بطريق الوصية ، وكذلك إن كان رب الأرض أحد ورثته إلا أنه لا وصية له فلا يأخذ إلا قدر أجر مثله من الخارج يوم تقع القسمة في الموضع الذي تتمكن فيه الوصية .

ولو كان غير وارث وعلى الميت دين يحيط بماله كان الجواب كذلك إلا أنه أسوة الغرماء بما ثبت له من ذلك ، فإن المريض لم يدخل في ملكه ما يقوم مقام ما أوجبه له في تعلق حق الغرماء به فيبطل تخصيصه إياه بذلك ، ويكون هو أسوة الغرماء بما ثبت له . ولو كان الذي عليه دين أقر في مرضه بدئ بحق رب الأرض لأن حقه ثبت بسبب لا تهمة فيه فيكون هو بمنزلة غريم الصحة يقدم حقه على المقر له في المرض ، إلا أنه لا وصية له ما لم يقض الدين لأن الدين مقدم على الوصية وإن كان واجبا بإقراره في المرض لكونه أقوى من الوصية . [ ألا ترى ] أن الدين يعتبر من جميع المال والوصية من الثلث ؟ .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.77 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.68%)]