عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 25-12-2025, 05:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث والعشرون

صـــ 112الى صـــ 121
(473)


ولا يقال : ينبغي أن لا يجب الأجر على الذي شرط النصف لنفسه ; لأنه ما أوجب للعامل شيئا من نصيبه ، وهذا لأنه استأجره للعمل ولكن شرط أن يكون الأجر على غيره ، وبهذا الشرط لا يبقى أصل الإجارة فعليه أجر مثله فيما عمل له . ولو اشترطوا أن للعامل نصف الخارج : ثلثه من نصيب أحدهما بعينه ، وثلثاه من نصيب الآخر ، وعلى أن النصف الباقي بين صاحبي النخل نصفين - فهو فاسد ، لأن الذي شرط ثلثي نصيبه للعامل لا يبقى له من نصيبه إلا الثلث ، فاشتراط نصف ما بقي لنفسه يكون طمعا في غير مطمع ، وهو بهذا الشرط يصير كأنه جعل بعض ما جعله أجرة للعامل من نصيب صاحبه ; لأنه لا يتصور بقاء نصف النصف له مع استحقاق ثلثي النصف عليه ، فكأنه شرط للعامل ما زاد على نصف النصف أجرة له من نصيب صاحبه . وقد ذكر قبل هذا في المزارعة نظير هذه المسألة ، وهو أن يكون الأرض والبذر منهما ، وقال : اشتراط المناصفة في النصف الباقي باطل ويقسم النصف الباقي بينهما على مقدار ما بقي من حق كل واحد منهما ، وهنا أفسد العقد فأما أن يقال : في الفصلين جميعا روايتان إذ لا فرق بينهما ، أو يقال : هناك موضوع المسألة أن أصل البذر غير مشترك بينهما قبل الإلقاء في الأرض فالشرط الفاسد بينهما لا يفسد المزارعة بينهما وبين المزارع ، وهنا أصل النخل كان مشتركا بينهما قبل المعاملة ، وقد جعلا الشرط الفاسد بينهما مشروطا في المعاملة فيفسد به العقد . ولو اشترطوا أن يقوم عليه العامل وأحد صاحبي النخل بعينه والخارج بينهما أثلاثا - فهو فاسد ; لأنها معاملة تنعدم فيها التخلية ، والعامل من ربي النخيل استأجر العامل ببعض نصيبه على أن يعمل هو معه ، وذلك مفسد للعقد . ولو اشترطوا للذي يعمل من صاحبي النخيل نصف الخارج والباقي بين الآخر والعامل نصفين - كان جائزا ; لأن العامل [ ص: 113 ] من ربي النخيل عامل في نخيل نفسه إذ لا عقد بينه وبين العامل ، ولكن العامل أجر الآخر بنصف نصيبه ليعمل له وذلك جائز . ولو اشترطوا أن يعملا جميعا مع العامل على أن الخارج بينهم أثلاثا - فهو فاسد ; لأن كل واحد منهما استأجر العامل ببعض نصيبه وشرط عمله معه فهذه معاملة لا يوجد فيها التخلية بين النخيل وبين العامل . ولو كانا شرطا العمل على العامل وحده في سنة بعد هذه السنة أو بعد ثلاث سنين - فهو جائز لأن المعاملة بمنزلة الإجارة ، وإضافة الإجارة إلى وقت معلوم في المستقبل جائز ، وعطف العقد الجائز على العقد الفاسد لا يفسد المعطوف ; لأنهما لا يجتمعان في وقت واحد . وكذلك المزارعة على هذا من أيهما كان البذر ; لأن في المزارعة استئجار الأرض واستئجار العامل إن كان البذر من رب الأرض .
وإذا دفع الرجلان إلى الرجلين نخلا لهما معاملة هذه السنة على أن يقوما عليه فما خرج فللعاملين نصفه : لواحد منهما بعينه ثلثا ذلك النصف ، وللآخر ثلثه ، والباقي بين صاحبي النخل نصفان - فهو جائز على ما اشترطوا ; لأنهما استأجرا كل واحد منهما بجزء معلوم من نصيبهما وفاوتا بين العاملين في مقدار الأجر ، وذلك لا يمنع جواز العقد ; لأنهما يستحقانه بعملهما وقد يتفاوتان في العمل من حيث الحذاقة أو الكثرة . ولو اشترطوا أن النصف بين العاملين نصفان ، وما بقي من صاحبي النخل : ثلثه لأحدهما بعينه ، وثلثاه للآخر - فالمعاملة فاسدة ; لأنه لا يبقى لكل واحد منهما بعد ما اشترطا للعاملين إلا ربع الخارج ، فاشتراط أحدهما الزيادة على ذلك لنفسه من نصيب صاحبه طمع في غير مطمع ; إذ هو اشتراط أجرة بعض أجره عملها له على شريكه ، وذلك مفسد لعقد المعاملة . ولو اشترطوا أن النصف للعاملين : من نصيب أحدهما بعينه ثلثا ذلك النصف ، ومن نصيب الآخر ثلثه ، والباقي بين صاحبي النخيل : ثلثاه للذي شرط الثلث ، وثلثه للذي شرط الثلثين - فهو جائز على ما اشترطوا ; لأن كل واحد منهما استأجر العاملين للعمل في نصيبه بجزء معلوم من نصيبه ، وما شرط لنفسه إلا مقدار الباقي من نصيبه بعد ما شرط للعاملين ، وهذا ثابت بدون الشرط فلا يزيده الشرط إلا وكادة . ولو اشترطوا أن النصف الباقي بين صاحبي النخل : ثلثاه للذي شرط الثلثين ، وثلثه للذي شرط الثلث - كانت المعاملة فاسدة ; لأن أحدهما شرط لنفسه زيادة على الباقي من نصيبه ، وذلك منه طمع في غير مطمع ، وهو بالشرط الثاني كأنه جعل بعض ما استوجبه للعاملين أجرة مشروطة على صاحبه . ولو اشترطوا ثلث الخارج لأحد العاملين بعينه ، وثلثاه لصاحبي النخل ، وللعامل الآخر أجر مائة درهم على صاحبي النخل - جاز ; لأنهما استأجرا أحد العاملين بثلث الخارج [ ص: 114 ] وهي معاملة صحيحة ، واستأجرا العامل الآخر للعمل بأجر مسمى ، وهي إجارة صحيحة . ولو كانوا اشترطوا المائة على أحد صاحبي النخل بعينه كانت المعاملة فاسدة ; لأن الذي استأجره أحدهما بالدراهم إن كان استأجره لنفسه فعمل أجيره كعمله بنفسه ، واشتراط عمله في المعاملة يفسدها ، وإن كان استأجره ليعمل لهما فاشتراط أجر أجيرهما على أحدهما خاصة يكون مفسدا للعقد ، وقد جعلا ذلك مشروطا في المعاملة فالخارج لصاحبي النخل ، وللعامل على الذي شرط له الثلث أجر مثله بالغا ما بلغ على صاحبي النخل ; لأنهما استوفيا عمله بعقد فاسد ، وتسمية الثلث له بعد فساد العقد لا يكون معتبرا عند محمد - رحمه الله - فكان له أجر مثله بالغا ما بلغ ، وللعامل الآخر أجر مثله لا يجاوز به مائة درهم على الذي شرط له المائة ; لأنه هو الذي عاقده عقد الإجارة والتزم البدل له بالتسمية ، ثم يرجع هو على شريكه بنصف ما لزمه من ذلك ; لأنه عمل لهما جميعا بحكم عقد فاسد ، وهو في نصيب صاحبه بمنزلة النائب عنه في الاستئجار ، فيرجع عليه بما يلحقه من الغرم في نصيبه . ولو كانوا اشترطوا أن المائة على العامل الذي شرطوا له الثلث كانت المعاملة فاسدة ، وقد بينا هذا فيما إذا كان العامل واحدا أنه يفسد العقد لاشتراط الإجارة في الإجارة ، فكذلك إذا كان العامل اثنين والخارج لصاحبي النخل ، وعليهما للذي شرط له الثلث أجر مثله ، وأجر مثل صاحبه بالغا ما بلغ ; لأن صاحبه أجره وعمل أجيره يقع له فيكون كعمله بنفسه ، ولصاحبه عليه أجر مثله لا يجاوز به مائة درهم ; لأنه استوفى عمله بعقد فاسد ، وقد صح رضاه بقدر المائة فلا يستحق الزيادة على ذلك .
وإذا دفع رجل إلى رجلين أرضا له هذه السنة يزرعانها ببذرهما وعملهما فما أخرج الله - تعالى - منها فنصفه لأحد العاملين بعينه ، وثلثه للآخر ، والسدس لرب الأرض - فهو فاسد ; لأنهما استأجرا الأرض وشرطا أن يكون جميع الأجر من نصيب أحدهما خاصة ، فإن الآخر شرط لنفسه جميع الخارج من بذره ، ولو اشترطوا لأحدهما أربعة أعشار الخارج ، وللآخر الثلث ، ولرب الأرض ما بقي - فهو جائز ; لأن كل واحد منهما استأجر الأرض بجزء معلوم من نصيبه من الخارج : أحدهما بخمسي نصيبه ، والآخر بثلث نصيبه ، وكما يجوز التفاوت في أجرة العاملين بالشرط فكذلك في إجارة الأرض منهما . ولو اشترطوا أن نصف الخارج لأحدهما بعينه ولرب الأرض عليه مائة درهم ، وللآخر الثلث ، ولرب الأرض السدس - جاز على ما اشترطوا ; لأن أحدهما استأجر نصف الأرض بأجر مسمى ، والآخر بجزء من الخارج ، وكل واحد منهما صحيح ، وبسبب اختلاف جنس الأجر أو منفعة العقد لا تتفرق [ ص: 115 ] الصفقة في حق صاحب الأرض ، ولا يتمكن الشيوع . ولو اشترطوا على أن ما أخرجت الأرض بينهم أثلاث ، ولرب الأرض على أحدهما بعينه مائة درهم - كان فاسدا ; لأن الذي التزم المائة جمع لصاحب الأرض من نصيبه بين أجر المسمى وبعض الخارج ، وذلك مفسد للعقد ، وكذلك لو اشترطوا المائة على رب الأرض لهما كان فاسدا ; لأن رب الأرض التزم لهما مع منفعة الأرض مائة درهم بمقابلة نصف الخارج ، ففيما يخص المائة من الخارج هو مشترى منهما ، وشراء المعدوم باطل ففسد العقد لذلك . ولو اشترطا المائة على رب الأرض لأحدهما بعينه ، وقد اشترطوا أن الخارج بينهما أثلاث . ففي قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله على قول من أجاز المزارعة : هذه مزارعة فاسدة ، والخارج لصاحبي البذر ، ولرب الأرض عليهما أجر مثل الأرض . وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - : المزارعة بين رب الأرض والمزارع الذي لم يشرط عليه المال جائزة ، فيأخذ هو الثلث ، ورب الأرض السدس ، ويكون نصف الخارج للمزارع الآخر ، وعليه لرب الأرض أجر مثل نصف أرضه ; لأن رب الأرض هنا إنما صار مشتريا بعض نصيب أحدهما بما شرط له من المائة ، فإنما تمكن المفسد فيما بينهما ، إلا أن من أصل أبي حنيفة - رحمه الله - أن الصفقة الواحدة إذا فسد بعضها فسد كلها . ومن أصلهما أن الفساد يقتصر على ما وجدت فيه العلة المفسدة ، وقد بينا نظائره في البيوع . وقيل : بل هذا ينبني على إجارة المشاع ، فإن العقد لما فسد بين رب الأرض وبين الذي شرط عليه المائة : فلو صح في حق العامل الآخر كان إجارة نصف الأرض مشاعا ، وذلك لا يجوز عند أبي حنيفة - رحمه الله - خلافا لهما ، والأول أصح ; لأن العقد مع الفساد منعقد عندنا فلا يتمكن بهذا المعنى الشيوع في أصل العقد . والله أعلم .
( قال رحمه الله ) : وإذا دفع الرجل لرجل نخلا له معاملة هذه السنة على أن يقوم عليه ويسقيه ، ويلقحه فما خرج منه فهو نصفان ، ولم يأمره أن يعمل في ذلك برأيه فدفعه العامل إلى رجل آخر ، معاملة على أن للآخر ثلث الخارج فعمل على ذلك - فالخارج كله لصاحب النخل ، وللعامل الآخر على الأول أجر مثله ، ولا أجر للأول على رب النخل ; لأن العامل الأول خالف أمر رب النخل حين دفعه إلى غيره معاملة ، فإن رب النخيل إنما رضي بشركته في الخارج لا بشركة الثاني ، فهو حين أوجب الشركة في الخارج للعامل الثاني صار مخالفا لرب النخل فيما [ ص: 116 ] أمره به بمنزلة الغاصب فلا يستوجب عليه الأجر بعد ما صار غاصبا ، سواء أقام العمل بنفسه أو بنائبه ، ثم العامل الأول استأجر الثاني بثلث الخارج ، وقد حصل الخارج ولم يسلم له لاستحقاق رب النخل ذلك عليه ، فإنه متولد من نخله فلا يستوجب عليه بدون رضاه ، وهو ما رضي بأن يستحق الثاني شيئا من الخارج ففسد العقد بينهما لاستحقاق الأجرة ، فيرجع على العامل الأول بأجر مثله ، فإن هلك الثمر في يد العامل الآخر من غير عمله ، وهو في رءوس النخل بآفة أصابته ، فلا ضمان عليه ولا على الأول ; لأنهما بمنزلة الغاصبين ، والزيادة المتولدة من عين المغصوب إذا تلفت من غير صنع أحد لا تكون مضمونة . وإن هلك من عمل الأجير شيء : فإن كان ذلك عملا خالف فيه ما أمره العامل الأول فالضمان فيه لصاحب النخل على العامل الآخر دون الأول ; لأنه مباشر للإتلاف ، وإنما أتلفه بفعل أنشأه من عنده ، ولم يكن مأمورا به من جهة العامل الأول ، فيقتصر حكم ذلك الفعل عليه ، كولد المغصوبة إذا أتلفه متلف في يد الغاصب كان الضمان على المتلف دون الغاصب . وإن هلك في يدي من عمل في شيء لم يخالف فيه ما أمره به الأول فلصاحب النخل أن يضمن أي العاملين شاء ; لأن الثاني وإن باشر الإتلاف ، ولكن كان عاملا ذلك العمل للأول حين استوجب بمعاملته الأجر عليه ، فيكون عمله كعمل الأول بنفسه فلصاحب العمل أن يضمن أيهما شاء فإن ضمن الآخر رجع على الأول بما ضمن ; لأنه مغرور من جهته حين عمل له بأمره ، وإن ضمن الأول لم يرجع على الآخر ; لأنه حين ضمن صار كالمالك ولو كان رب النخل أمر الأول أن يعمل فيه برأيه ، - والمسألة بحالها - فدفعه إلى الآخر - جاز ; لأنه فوض الأمر إلى رأيه على العموم والإشراك والدفع إلى الغير معاملة من رأيه ، ثم نصف الخارج لرب النخل ، وثلثه للآخر كما أوجبه له الأول من نصيبه ، وبقي السدس للأول وهو طيب له ; لأنه استحق ذلك بالتزام العمل بالعقد . ولو قال رب النخل للأول : ما رزقك الله فيه من شيء فهو بيننا نصفان ، أو ما أخرج الله لك ، أو قال له : اعمل فيه برأيك فدفعه إلى آخر معاملة بالثلث أو النصف - كان جائزا ، والباقي بعد المشروط للآخر بين الأول وصاحب النخل نصفين كما شرطا ; لأن الذي رزق الله العامل الأول هو الباقي ، وقد شرطا المناصفة فيه .

ولو دفع إلى رجل أرضا وبذرا مزارعة على أن للمزارع من الخارج عشرين قفيزا ، ولرب الأرض ما بقي ، وقال له : اعمل برأيك فيه أو لم يقل ، فدفع المزارع الأرض والبذر إلى رجل بالنصف مزارعة فعمل - فالخارج لرب الأرض ; لأنه نماء بذره ، وقد كان [ ص: 117 ] العقد بينه وبين الأول فاسدا باشتراط مقدار معلوم له من الخارج بالعقدين ، فلا يصح منه إيجاب الشركة للثاني في الخارج ، سواء قال له : اعمل فيه برأيك أو لم يقل ; لأنه أجيره لا شريكه في الخارج ، وإذا لم يصح منه إشراك الثاني في الخارج لم يصر مخالفا لصاحب الأرض والبذر فيما فعله فيكون الخارج كله لرب الأرض ، وللآخر على الأول أجر مثله ; لأنه استأجره بثلث الخارج وقد حصل الخارج ، ثم استحقه رب الأرض ، وللأول على رب الأرض أجر مثل ذلك العمل ; لأنه لما لم يصر مخالفا لرب الأرض كان عمل أجيره كعمله بنفسه ، وقد سلم ذلك لرب الأرض بعقد فاسد ، وكذلك إن لم تخرج الأرض شيئا ; لأن بفساد العقد الأول يفسد العقد الثاني ، فالثاني إنما أقام العمل بحكم إجارة فاسدة فيستوجب أجر المثل على من استأجره وإن لم تخرج الأرض شيئا ، كما لو استأجره رب الأرض إجارة فاسدة .
ولو دفع إليه الأرض والبذر مزارعة بالنصف ، وقال : اعمل فيه برأيك أو لم يقل فدفعها إلى آخر مزارعة على أن للآخر منه عشرين قفيزا - فالمزارعة بين الأول والثاني فاسدة ، وللثاني على الأول أجر مثل عمله ، والخارج بين الأول ورب الأرض نصفان ; لأن العقد بينهما صحيح ، وعمل أجيره كعمله بنفسه ، والأول لا يصير مخالفا وإن لم يكن رب الأرض قال له اعمل فيه برأيك لأنه إنما يصير مخالفا بإيجاب الشركة للغير في الخارج ولم يوجد ذلك .
ولو دفع إليه أرضا على أن يزرعها ببذره وعمله بعشرين قفيزا من الخارج والباقي للمزارع ، أو كان شرط أقفزة للمزارع والباقي لرب الأرض ، فدفعها المزارع إلى الآخر مزارعة بالنصف ، والبذر من عند الأول أو من عند الآخر فعمل - فالخارج بين المزارعين نصفان ; لأن الأول مستأجر للأرض إجارة فاسدة ، فيصح منه استئجار العامل للعمل فيه ، أو إجارتها من غيره بالنصف إذا كان البذر من عند الآخر ; لأن الفاسد من العقد معتبر بالجائز في حكم التصرف ، فالخارج بين المزارعين نصفان ، ولرب الأرض أجر مثل أرضه على الأول ، ولو لم يعمل الآخر في الأرض بعد ما تعاقدا المزارعة حتى أراد رب الأرض أخذ الأرض وبعض ما تعاقدا عليه - كان له ذلك ; لأن العقد بينه وبين الأول إجارة فاسدة ، والإجارة تنقض بالعذر ، فإن كان البذر في العقد الثاني من عند الآخر ينقض العقد الثاني بينه وبين الآخر ; لاستحقاق نقض العقد الأول بسبب الفساد ، وإن كان البذر من عند الأول ينقض استئجار الأول للثاني لفساد العقد أيضا ، فإن كان الآخر قد زرع لم يكن لرب الأرض أخذ أرضه حتى يستحصد الزرع ; لأن المزارع الآخر محق في إلقاء البذر في [ ص: 118 ] الأرض ، وفي القلع إضرار به من حيث إبطال حقه ، فيتأخر ذلك إلى أن يستحصد . ولو كان رب الأرض دفعها إلى الأول مزارعة بالنصف ، وقال له : اعمل فيها برأيك أو لم يقل ، فدفعها الأول وبذرا معها إلى الثاني مزارعة بعشرين قفيزا من الخارج شرطاه للثاني أو للأول - فالعقد الثاني فاسد ، وللآخر على الأول أجر عمله ، والخارج بين رب الأرض وبين الأول نصفان ; لأن إقامته العمل بأجيره كإقامته بنفسه ، واستئجار الأرض بنصف الخارج كان صحيحا بينهما ، ولو كان البذر من الآخر كان الخارج كله له ; لأن العقد بينه وبين الأول فاسد ، والخارج نماء بذره وعليه للأول أجر مثل الأرض ; لأن الأول أجر الأرض منه إجارة فاسدة ، وقد استوفى منافعها ، وعلى الأول لرب الأرض أجر مثل الأرض ; لأنه أجر الأرض بنصف الخارج وقد حصل الخارج ، ثم استحقه الآخر فيرجع رب الأرض على الأول بأجر مثل أرضه .
ولو دفع إلى رجل نخلا له معاملة بالنصف وقال له : اعمل فيه برأيك أو لم يقل ، فدفعه العامل إلى آخر معاملة بعشرين قفيزا من الخارج - فالخارج بين الأول وصاحب النخل نصفان ، وللآخر على الأول أجر مثله لفساد العقد الذي جرى بينه وبين الآخر ، ثم الأول هنا لم يصر مخالفا لرب النخل بالدفع إلى الثاني وإنما يصير مخالفا بإيجاب الشركة للغير في الخارج ولم يوجد حين وجد العقد الثاني ، وكان عمل أجيره كعمله بنفسه ; فلهذا كان الخارج بينه وبين صاحب النخل نصفين . ولو كان الشرط في المعاملة الأولى عشرين قفيزا لأحدهما بعينه ، وفي الثانية النصف - فالخارج لصاحب النخل ; لأن العقد الأول فاسد فيفسد به العقد الثاني ، إذ الأول ليس بشريك في الخارج فلا يكون له أن يوجب الشركة لغيره في الخارج ، وإذا لم تجز الشركة للثاني لم يصر الأول مخالفا فيكون الخارج كله لصاحب النخل ، وللآخر على الأول أجر عمله ، وللأول على صاحب النخل أجر ما عمل الآخر ، ولا ضمان عليهما في ذلك لانعدام سبب الضمان ، وهو الخلاف . والله أعلم .
( قال رحمه الله ) : وإذا دفع المرتد أرضه وبذره إلى رجل مزارعة بالنصف ، فعمل على ذلك وخرج الزرع : فإن أسلم فهو على ما اشترطا ، وإن قتل على ردته فالخارج للعامل وعليه ضمان البذر ونقصان الأرض للدافع في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله على قول من أجاز [ ص: 119 ] المزارعة ، أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج ، وعلى قولهما هذه المزارعة صحيحة والخارج بينهما على الشرط ، وهو بناء على اختلافهم في تصرفات المرتد . عندهما تنفذ تصرفاته كما تنفذ من المسلم ، وعند أبي حنيفة يوقف لحق ورثته ، فإن أسلم نفذ عقد المزارعة بينهما ، فكان الخارج على الشرط ، وإن قتل على ردته بطل العقد وبطل أيضا إذنه للعامل في إلقاء البذر في الأرض ; لأن الحق في ماله لورثته ولم يوجد منهم الرضا بذلك فيصير العامل بمنزلة الغاصب للأرض والبذر ، فيكون عليه ضمان البذر ونقصان الأرض ، أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج ، والخارج كله له ; لأنه ملك البذر بالضمان . وإن كان البذر على العامل ، وقتل المرتد على ردته : فإن كان في الأرض نقصان غرم العامل نقصان الأرض ; لأن إجارة الأرض بطلت حين قتل على ردته . وكذلك الإذن الثابت في ضمنه ، فيكون صاحب الأرض كالغاصب للأرض ، والزرع كله له . وإن لم يكن في الأرض نقصان فالقياس أن يكون الخارج له ولا شيء عليه ; لأنه بمنزلة الغاصب ، والغاصب للأرض لا يضمن شيئا إلا إذا لم يتمكن فيها نقصان وفي الاستحسان يكون الخارج على الشرط بين العامل وورثة المرتد ; لأن إبطال عقده كان لحق ورثته في ماله ، والنظر للورثة هنا في تنفيذ العقد ; لأنه إذا نفذ العقد سلم لهم نصف الخارج ، وإذا بطل العقد لم يكن لهم شيء فنفذ عقده استحسانا بخلاف الأول ، فهناك لو نفذ العقد لم يجب لهم نقصان الأرض ، وربما كان نقصان الأرض أنفع لهم من نصف الخارج ، وهو نظير العبد المحجور عليه إذا أجر نفسه للعمل ، فإن هلك في العمل كان المستأجر ضامنا ، ولا أجر عليه ، وإن سلم وجب الأجر استحسانا ; لأن ذلك أنفع للمولى . وهذا القياس والاستحسان على قول أبي حنيفة - رحمه الله - وأما عندهما فالمزارعة صحيحة إن كان المرتد هو المزارع والبذر منه - فالخارج له ولا شيء لرب الأرض من نقصان الأرض والبذر وغيره إذا قتل المرتد في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأن رب الأرض سلطه على عمل الزراعة ، وهو تسليط صحيح ، وشرط لنفسه عليه عوضا بمقابلته ، وقد بطل التزامه للعوض حين قتل على ردته لحق ورثته ، فلهذا كان الخارج لورثة المرتد ; لأنه نماء بذر المرتد ، ولا شيء عليهم لرب الأرض . وإن كان البذر من قبل الدافع فالخارج على الشرط في قولهم جميعا ; لأن صاحب الأرض مستأجر للمرتد بنصف الخارج ، وحق ورثته لا يتعلق بمنافعه .

( ألا ترى ) أنه لو أعان غيره لم يكن لورثته عليه سبيل لأن المنفعة للورثة في تصحيح العقد هنا فإنه لو لم تصح إجارته نفسه لم يكن لورثته من الخارج شيء ؟ والحجر بسبب الردة لا يكون فوق [ ص: 120 ] الحجر بسبب الرق . ولو كانا جميعا مرتدين والبذر من الدافع فالخارج للعامل ، وعليه غرم البذر ونقصان الأرض ; لأن العامل صار كالغاصب للأرض والبذر حين لم يصح أمر الدافع إياه بالزراعة فيكون الخارج له وعليه غرم البذر ونقصان الأرض لورثة الدافع . ولو أسلما أو أسلم صاحب البذر ، كان الخارج بينهما على الشرط كما لو كان مسلما عند العقد ، وهذا لأن العامل أجير له فإسلام من استأجره يكفي لفساد العقد ، سواء أسلم هو أو لم يسلم . وإن كان البذر من العامل وقد قتل على الردة - كان الخارج له وعليه نقصان الأرض ; لأن إذن الدافع له في عمل الزراعة غير صحيح في حق ورثته ، فيغرم لهم نقصان الأرض ، وإن لم يكن فيها نقصان فلا شيء لورثة رب الأرض ; لأن استئجار العامل الأرض بنصف الخارج من بذره باطل لحق ورثته ، وكذلك إذا أسلم رب الأرض فهو بمنزلة ما لو كان مسلما في الابتداء . وإن أسلما أو أسلم المزارع وقتل الآخر على الردة ضمن المزارع نقصان الأرض لورثة المقتول على الردة ; لأن أمره إياه بالمزارعة غير صحيح في حق الورثة ، وإن لم ينقصها شيئا فالقياس فيه أن الخارج للمزارع ، ولا شيء لرب الأرض ولا لورثته لبطلان العقد حين قتل رب الأرض على ردته . وفي الاستحسان الخارج بينهما على الشرط لأن معنى النظر بورثة المقتول في تنفيذ العقد هنا كما بينا وعند أبي يوسف ومحمد الخارج بينهما على الشرط إن قتلا أو أسلما أو لحقا بدار الحرب أو ماتا ، وكذلك قول أبي حنيفة - رحمه الله - في مزارعة المرتدة ومعاملتها ; لأن تصرفها بعد الردة ينفذ كما ينفذ من المسلمة بخلاف المرتد .
وإذا دفع المرتد إلى مرتد أو مسلم نخيلا له معاملة بالنصف فعمل على ذلك ثم قتل صاحب النخيل على ردته - فالخارج لورثته ; لأنه تولد من نخل هم أحق به ولا شيء للعامل ; لأن المرتد كان استأجره ببعض الخارج وقد بطل استئجاره حين قتل على ردته لحق ورثته . ولو كان صاحب النخيل مسلما والعامل مرتدا فقتل على ردته بعد ما عمل أو مات أو لحق بدار الحرب أو أسلم - فهو سواء ، والخارج بينهما على الشرط ; لأن المرتد أجر نفسه ببعض الخارج ولا حق لورثته في منافعه ، وفي تنفيذ هذا العقد منفعة ورثته . ولو كانا عقدا المزارعة والمعاملة في جميع هذه الوجوه ، وهما مسلمان ، والبذر من الدافع أو العامل ، ثم ارتد أحدهما أيهما كان ، ثم عمل العامل وأدرك الزرع ، ثم قتل على الردة - كان الخارج بينهما على الشرط عندهم جميعا ; لأن ردته إنما توجب التوقف في التصرفات التي ينشئها بعد الردة ، فأما ما نفذ من تصرفاته قبل الردة فلا يتغير حكمه بردته ، فوجود الردة في حكم تلك التصرفات كعدمها .

[ ص: 121 ] قال رحمه الله ) : وإذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان فدفع إليه رجل أرضا له وبذرا مزارعة هذه السنة بالنصف - فهو جائز ، والخارج بينهما على ما اشترطا ; لأنه التزم أحكامنا في المعاملات ما دام في ديارنا ، والمزارعة إجارة أو شركة ، وكل واحدة منهما معاملة تصح بين المسلم والحربي في هذه المدة ; لأن الحول كامل لاستيفاء الجزية ، والكافر لا يمكن من المقام في دارنا تمام مدة استيفاء الجزية بغير جزية ، فيتقدم إليه في الخروج ، فإن أقام سنة بعد ما تقدم إليه وضع عليه الخراج ، وجعله ذميا ، ولم يدعه يرجع إلى دار الحرب .
ولو اشترى الحربي المستأمن أرضا عشرية أو خراجية ، فدفعها إلى مسلم مزارعة - جاز ، والخارج بينهما على ما اشترطا ، ويوضع عليه في قول أبي حنيفة - رحمه الله - في أرضه الخراج ، ولا يترك أن يخرج إلى دار الحرب ، بل يجعله ذميا ; لأن خراج الرءوس تبع لخراج الأراضي ، فإذا التزم خراج الأرض كان ملتزما خراج الرأس أيضا ، والاختلاف بينه وبين صاحبيه - رحمهم الله - فيما إذا كانت الأرض عشرية ، وقد تقدم بيانه في كتاب الزكاة فيما إذا كان المشتري ذميا ، فكذلك إذا كان المشتري مستأمنا . ولو دخل المسلم دار الحرب بأمان فاشترى أرضا من أهل الحرب ، فدفعها إلى حربي مزارعة ، أو أخذ المسلم أرض الحربي مزارعة بالنصف - جاز ; لأنه يعاملهم ما دام في دار الحرب - بالشركة والإجارة والمزارعة - لا يخرج منها . ولو كان اشترط لأحدهما عشرون قفيزا من الخارج جاز في قول أبي حنيفة ومحمد ، يأخذها من سميت له من الخارج ، والباقي للآخر إن بقي شيء . وفي قول أبي يوسف : المزارعة فاسدة ، والخارج لصاحب البذر ، وللآخر الأجر إذا أسلم وخرج إلينا ، وهو بناء على أن العقود التي تفسد بين المسلمين كعقد الربا هل يجري بين المسلم والحربي في دار الحرب ، وقد بيناه في كتاب الصرف . والمزارعة بين المسلمين التاجرين في دار الحرب بمنزلتهما في دار الإسلام ; لأنهما مخاطبان بأحكام الإسلام ، ومعنى الإحراز في مالهما قائم ، ومباشرتهما المزارعة في دار الحرب وفي دار الإسلام سواء فيما يصح ويفسد . والمزارعة بين مسلم تاجر في دار الحرب وبين رجل أسلم هناك جائزة بالنصف ، وكذا بعشرين قفيزا من الخارج لأحدهما في قول أبي حنيفة ، خلافا لأبي يوسف ومحمد بمنزلة عقد الربا بين التاجر في دار الحرب والذي أسلم هناك وبين اللذين أسلما ولم يهاجرا .

وإذا اشترى المسلم أو التاجر أرضا في دار الحرب ، فدفعها إلى حربي مزارعة بالنصف ، فلما استحصد الزرع ظهر المسلمون على تلك الدار - فالزرع [ ص: 122 ] والأرض كلهما لمن افتتحها ; لأن الأرض وإن كانت مملوكة للمسلم فهي بقعة من بقاع دار الحرب ، فتصير غنيمة لظهور المسلمين على الدار ، والزرع قبل الحصاد تبع للأرض لاتصاله بها ، ولهذا يستحق بالشفعة . ولو كان الزرع حصد ولم يحمل من الأرض حتى ظهروا على الدار - كانت الأرض ونصيب الحربي من الزرع فيئا ، وللمسلم نصيبه من الزرع ; لأن التبعية زالت بالحصاد ، وصارت كسائر المنقولات فنصيب الحربي من ذلك يصير غنيمة كسائر أمواله ونصيب المسلم لا يصير غنيمة كسائر أمواله من المنقولات . والدليل على زوال التبعية حكم الشفعة ، فإن الزرع المحصود لا يستحق بالشفعة وإن لم يحمل من الأرض .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.42 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.65%)]