
24-12-2025, 10:53 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (2)
من صـــ 211 الى صـــ 230
الحلقة (27)
ونقل صاحب «المحكم» عن الزجاج (١) في معنى قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] كنى ببناته عن نسائهم، ونساءُ أمةِ كلِّ نبيٍّ بمنزلة بناته، وأزواجه بمنزلة أمهاتهم.
وحكى جماعة من المفسرين في ذَلِكَ قولين:
أحدهما: أنه أراد بنتيه حقيقة؛ لأن الجمع يقع عَلَى الاثنين.
والثاني: أنه أراد نساء أمته؛ لأنه وليُّ أمته (٢).
وأما الراوي عن عائشة فهو أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي المدني التابعي الجليل المجمع عَلَى إمامته وتوثيقه ووفور علمه، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وفي السابع ثلاثة أقوال:
أحدها: أبو سلمة بن عبد الرحمن.
ثانيها: سالم بن عبد الله بن عمر.
ثالثها: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وقد جمعهم الشاعر على هذا القول الأخير فقال:
ألا إن من لا يقتدي بأئمةٍ … فقسمته ضيزى من الحق خارجة
فخذهم عبيد الله عروة قاسم … سعيد أبو بكر سليمان خارجة
----------------------
(١) «المحكم» ٤/ ٢٥٦ [أهل] لكن في معنى قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك﴾ [هود: ٤٦].
(٢) انظر: «تفسير الطبري» ١٢/ ٨٤، «تفسير القرطبي» ٩/ ٧٦، «تفسير الماوردي» ٢/ ٤٨٨، «زاد المسير» ٤/ ١٣٧ - ١٣٨، «الدر المنثور» ٣/ ٦١٩ - ٦٢٠.
وأم عروة: أسماء بنت الصديق، وقد جمع الشرف من وجوه، فرسول الله - ﷺ - صهره، وأبو بكر جده، والزبير والده، وأسماء أمه، وعائشة خالته، سمع أباه وأمه وخالته وأخاه عبد الله بن الزبير وخلائق من كبار الصحابة وجماعة من التابعين، وروى عنه جماعة من التابعين وغيرهم.
قَالَ الزهري: كان عروة بحرًا لا تكدره الدلاء (١). وفي رواية: بحرًا لا يُنْزَف (٢).
وقال ولده هشام: والله ما (تعلمنا) (٣) منه جزءًا من ألفي جزء من حديثه (٤)، وقال: صام أبي الدهر وما مات إلا وهو صائم (٥).
وقال سفيان بن عيينة: كان أعلم الناس بحديث عائشة: القاسم بن محمد وعروة وعمرة.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أعلم أحدًا أعلم منه.
ولد سنة عشرين، ومات سنة أربع وتسعين. وقيل: سنة ثلاث.
وقيل: سنة تسع روى له الجماعة، وليس في الستة عروة بن الزبير سواه، ولا في الصحابة أيضا (٦).
--------------------
(١) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٩٦، أبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٣٦٦، وابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٦، ولفظ أبي فعيم: «فأما عروة فبئر لا تكدره الدلاء».
(٢) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٥/ ١٨١.
(٣) في (ج): (بلغنا).
(٤) انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٢.
(٥) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٥/ ١٨٠.
(٦) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٧٨ - ١٨٢، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣١، ٣٢ (١٣٨)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٣ (١٢٢٩)، «الثقات» ٥/ ١٩٤ - ١٩٥، «تهذيب الكمال» ١١/ ٢٠ - ٢٥ (٣٩٠٥).
وأما الراوي عنه فهو ولده هشام أبو المنذر. وقيل: أبو عبد الله أحد الأعلام، تابعي مدني، رأى ابن عمر ومسح برأسه ودعا له، وجابرًا وغيرهما، وسمع أباه وعمه عبد الله بن الزبير وخلقًا. وروى عن بكر بن وائل وهو أصغر منه، وعنه شعبة ومالك والقطان.
وكان سيدًا جليلًا ثقة (ثبتًا) (١) كثير الحديث، وُلِدَ مقتل الحسين سنة إحدى وستين ومات ببغداد سنة خمس وأربعين ومائة وقيل: سنة ست وقيل: سنة سبع، روى لَهُ الجماعة، ولا يحضرني أحد شاركه في اسمه مع اسم أبيه (٢).
وأما الراوي عنه فهو الإمام -إمام دار الهجرة- أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك تابعي -سمع عثمان- بن أبي عامر نافع -وله إدراك- ابن عمرو بن الحارث بن غيمان -بغين معجمة مفتوحة ثم مثناة تحت ساكنة- بن خثيل -بخاء معجمة مضمومة، وقيل بالجيم حكاه أبو نصر عن الدارقطني (٣) ثمَّ مثلثة مفتوحة، ثمَّ مثناة تحت ساكنة، ثمَّ لام -بن عمرو بن الحارث وهو ذو أصبح، عدادهم بالحلف في تيم -بن مرة من قريش الأصبحي (٤) المدني، ومناقبه جمة أفردت بالتأليف.
سمع خلقًا من التابعين وغيرهم، قَالَ أبو القاسم الدولعي (٥): أخذ
--------------------
(١) في (ج): تقيًّا.
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٢١، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٩٣، ١٩٤ (٢٦٧٣)، «التاريخ الصغير» ١/ ٥٧، ٢٣١، «الجرح والتعديل» ٩/ ٦٣، ٦٤ (٢٤٩)، «الثقات» ٥/ ٥٠٢، «تهذيب الكمال» ج ٣/ ٢٣٢ - ٢٤٢ (٦٥٨٥).
(٣) «الإكمال» ٢/ ٥٦٦.
(٤) قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» ١/ ٩٠: وأنا أستغرب نسب مالك إلى ذي أصبح، وأعتقد أن فيه نقصانًا كثيرًا؛ لأن ذا أصبح قديم جدًّا. اهـ.
(٥) هو أبو القاسم ضياء الدين عبد الملك بن زيد بن ياسين الأرقمي الموصلي الدولعي =
عن تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائة من التابعين وستمائة من تابعيهم ممن اختاره وارتضى دينه وفقهه وقيامه بحق الرواية وشروطها وسكنت النفس إليه، وحصلت الثقة به، وترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية (١).
روى عنه جماعة من التابعين منهم: الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وهما من شيوخه، وروى عنه ممن بعد التابعين خلائق من الأعلام منهم الأوزاعي (٢) والثوري وشعبة والليث والشافعي وآخرون.
وحديث أبي هريرة الحسن في الترمذي أنه - ﷺ - قَالَ: «يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة» (٣) قيل: إنه ليس المراد رجلًا بعينه، وإنما هذا في آخر الزمان عند ضعف الدين، والمعروف أن المراد به الإمام مالك، هذا هو الذي حمله العلماء عليه، وإن كان سفيان بن عيينة قَالَ مرة: إنه (العمري) (٤) عبد العزيز بن عبد الله الزاهد (٥).
---------------------
= الشافعي خطيب دمشق، ولد سنة ٥٠٧ هـ، ومات سنة ٥٩٨ هـ. والدولعية من قرى الموصل. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ٣٥٠. «طبقات الشافعيه» ٧/ ١٨٧، «البداية والنهاية» ١٣/ ٤٠ - ٤١.
(١) انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٧٨ - ٧٩.
(٢) ستأتي ترجمته في حديث (١٧٨).
(٣) رواه الترمذي (٢٦٨٠)، وأحمد ٢/ ٢٩٩، وابن حبان (٣٧٣٦)، والحاكم ١/ ٩١ من حديث أبي هريرة بلفظ: «أكباد الابل» ورواه الحميدي في «مسنده» ٢/ ٤٨٥ بهذا اللفظ، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو حديث سفيان بن عيينة. اهـ.
وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم، والحديث أعله الألباني في «الضعيفة» (٤٨٣٣) بعنعنة ابن جريج وأبي الزبير.
(٤) في (ج): (العمر بن)
(٥) انظر: الترمذي (٢٦٨٠)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ١١٧. وقيل: إنه ابنه عبد الله كما =
مات - رضي الله عنه - صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول من سنة تسع وسبعين ومائة، عن خمس وثمانين سنة، وقيل: غير ذَلِكَ، وقبره بالبقيع معروف في قبة مفردة، وقد زرته غير مرة، ونسأل الله العودة، وكان حمل به البطن ثلاث سنين (١)، ولما حضرته الوفاة تشهد ثمَّ قَالَ: لله الأمر من قبل ومن بعد (٢)، وكان نقش خاتمه: حسبي الله ونعم الوكيل (٣). روى لَهُ الجماعة (٤).
-----------------
= في «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٥٧، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٧٧ والله أعلم.
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» القسم المتمم (٤٣٤)، «الثقات» ٧/ ٤٥٩،
«وفيات الأعيان» ٤/ ١٣٧.
وقد اختلف الفقهاء في أقصى مدة للحمل على أقوال:
القول الأول: أنه أربع سنين. وهو المشهور عن مالك، وبه قال الشافعي، وهو المذهب عند الحنابلة.
القول الثاني: أنه سنتان. وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، وهو رواية عن أحمد، وهو مروي عن عائشة أم المؤمنين.
القول الثالث: أنه سبع سنين. وهو قول ابن وهب وأشهب.
القول الرابع: أنه ست سنين. وهو منقول عن مالك.
القول الخامس: أنه ثلاث سنين. وهو قول الليث.
القول السادس: أنه خمس سنين. وهو قول عبّاد بن العوام.
القول السابع: أنه ليس لأقصاه وقت يوقف عليه. وهو قول أبي عبيد.
انظر: «تبين الحقائق» ٣/ ٤٥، «البحر الرائق» ٤/ ٢٧٦، «المنتقى» ٤/ ٨٠، «حاشية الدسوقي» ٢/ ٤٧٤، «العزيز» ٩/ ٤٥١، «روضة الطالبين» ٨/ ٣٧٧، «المغني» ١١/ ٢٣٢ - ٢٣٣، «الإنصاف» ٢٤/ ٢٣ - ٢٤.
(٢) انظر: «طبقات ابن سعد» القسم المتمم (٤٤٣)، «صفوة الصفوة» ٢/ ١٢١، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ١١٩.
(٣) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٢٩، وابن عبد البر في «التمهيد» ١/ ٩٢، وانظر: «الطبقات» القسم المتمم (٤٣٤)، «سير أعلام النبلاء» ٨/ ١١٣.
(٤) انظر ترجمته في: «الحلية» ٦/ ٣١٦، «صفة الصفوة» ٢/ ١٢٠ - ١٢١، "وفيات =
فائدة:
مالك - رضي الله عنه - أحد المذاهب الستة المتبوعة.
وثانيهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت مات ببغداد سنة خمسين ومائة عن سبعين سنة (١).
وثالثهم: الشافعي محمد بن إدريس، مات بمصر سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة (٢).
ورابعهم: أحمد بن حنبل، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين عن ثمانين سنة ببغداد.
---------------------
= الأعيان«٤/ ١٣٥ - ١٣٩،»تهذيب الكمال«٢٧/ ٩١ - ١٢٠،»سير أعلام النبلاء«٨/ ٤٨ - ١٣٥.
(١) الإمام فقيه الملة، عالم العراق، أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي الكوفي، مولى بني تميم بن ثعلبة يقال: إنه من أبناء الفرس، ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة، ورأى أنس بن مالك لما قدم عليه الكوفة، وقد قال عنه الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة توفي سنة خمسين ومائة.
انظر ترجمته في:»التاريخ الكبير«٨/ ٨١ (٢٢٥٣)،»الجرح والتعديل«٨/ ٤٤٩، ٤٥٠ (٢٠٦٢)،»وفيات الأعيان«٥/ ٤٠٥ - ٤١٥ (٧٦٦)،»سير أعلام النبلاء«٦/ ٣٩٠ - ٤٠٣ (١٦٣).
(٢) الشافعي: محمد بن إدريس بن العباس، أبو عبد الله، الشافعي، القرشي، يجتمع مع النبي - ﷺ - في عبد مناف بن قصي، أحد المجتهدين الأربعة، ناصر السنة، وسيد الفقهاء في عصره، مناقبه كثيرة شهيرة، أفردها العلماء بتصانيف مستقلة، منها:»آداب الشافعي ومناقبه«لابن أبي حاتم، و»مناقب الشافعي«للبيهقي.
ولد بغزة سنة خمسين ومائة، وقيل: بعسقلان وتوفي بالقاهرة ليلة الجمعة الأخيرة من رجب سنة أربع ومائتين.
من مؤلفاته»الحجة«،»رسالة الأصول«،»المبسوط«،»فضائل قريش«وغيرها كثير.
انظر ترجمته في:»التاريخ الكبير«١/ ٤٢ (٧٣)،»حلية الأولياء«٩/ ٦٣، ٦٤،»تاريخ بغداد«٢/ ٥٦ - ٧٣ (٤٥٤»سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٥ - ٩٩.
وخامسهم: أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة عن أربع وستين سنة (١).
وآخرهم: داود بن علي بن خلف أبو سليمان الأصبهاني، مات سنة تسعين ومائتين عن ثمان وثمانين سنة ببغداد، وهو إمام الظاهرية (٢) أخذ العلم عن إسحاق بن راهويه (٣)، وأبي ثور (٤)، وقد جمع الإمام أبو الفضل يحيى بن سلامة الحصكفي (٥) من أصحابنا الفقهاء
-------------------
(١) ستأتي ترجمته أثناء شرح حديث (٣٤).
(٢) انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٨/ ٣٦٩ - ٣٧٥، «وفيات الأعيان» ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٧، «تهذيب الأسماء» ١/ ١٨٢، «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٩٧، «لسان الميزان» ٢/ ٤٢٢.
(٣) ستأتى ترجمته في حديث رقم (١٢٨).
(٤) أبو ثور: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، البغدادي، كان حنفيا من أصحاب محمد، فلما قدم الشافعي بغداد صحبه وأخذ عنه الفقه، وتبعه ونشر مذهبه، ثم استقل بعد ذلك بمذهبٍ، فهو مجتهد مطلق، صاحب مذهب فقهي مستقل، قال ابن حبان: كان أبو ثور أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا وخيرا، ممن صنَّف الكتب، وفرَّع على السنن، وقال أحمد: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة، هو عندي كسفيان الثوري، وقال ابن عبد البر: له مصنفات كثيرة، منها: كتاب ذكر فيه اختلاف مالك والشافعي وذكر مذهبه في ذلك. ولد سنة سبعين ومائة، وتوفي سنة أربعين ومائتين.
انظر ترجمته في: «طبقات الشيرازي» ١٠١، ١٠٢، «وفيات الأعيان» ١/ ٢٦ (٢)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٨٠ - ٨٣ (١٦٩)، «تاريخ الإسلام» ١٧/ ٦٣ - ٦٥ (٣٤) «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٧٢ - ٧٦ (١٩)، «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٥١٢ - ٥١٣ (٥٢٨).
(٥) يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد المعروف بالخطيب الحصكفي، الشافعي أبو الفضل معين الدين أديب، كاتب، شاعر، خطيب، فقيه، ولد في طنزة سنة ٤٥٩ هـ، ونشأ بحصن كيفا وقدم بغداد فقرأ الفقه، وأخذ الأدب عن الخطيب التبريزي، وتولى قضاء وخطابة ميافارقين وبها مات سنة ٥٥١ هـ. =
(القراء) (١) السبعة في بيت وأئمة المذاهب في بيت، فقال:
جمعت لك القراء لما أردتهم … ببيت تراه للأئمة جامعًا
أبو عمرو وعبد الله حمزة عاصم … علي ولا تنس المديني نافعًا
وإن شئت أركان الشريعة فاستمع … لتعرفهم فاحفظ إِذَا كنت سامعًا
محمد والنعمان مالك أحمد … وسفيان واذكر بعد داود تابعا
فائدة ثانية:
ليس في الرواة مالك بن أنس غير هذا الإمام وغير مالك بن أنس الكوفي (٢)، روي عنه حديث واحد عن هانئ بن حزام وقيل: جزام، ووَهمَ بعضهم فأدخل حديثه في حديث الإمام نبه عليه الخطيب في (كتابه) (٣) «المتفق والمفترق».
وأما الراوي عن الإمام مالك فهو أبو محمد عبد الله بن يوسف -بتثليث السين مع الهمز ودونه- المصري التنيسي شيخ البخاري، وتنيس -بمثناة فوق مكسورة ثمَّ نون مكسورة ثمَّ ياء مثناة تحت ساكنة ثمَّ سين مهملة- بلدة بمصر سميت بتنيس بن حام بن نوح -عليه السلام-، أصله من دمشق ثم نزل تنيس، قَالَ البخاري: لقيته بمصر سنة سبع عشرة ومائتين، ومنه سمع البخاري «الموطأ» عن مالك، قَالَ يحيى بن معين: ما بقي عَلَى أديم الأرض أحد أصدق في «الموطأ» منه، سمع
--------------------------
= انظر ترجمته في: «اللباب» ١/ ٣٦٩، «الكامل في التاريخ» ١١/ ٢٣٩، «وفيات الأعيان» ٦/ ٢٠٥ - ٢١٠ (٨٠٤)، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٣٢٠، ٣٢١ (٢١٣)، «شذرات الذهب» ٤/ ١٦٨، ١٦٩، «معجم المؤلفين» ٤/ ٩٧.
(١) من (ف).
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣١٠، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٠٤، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٨ - ٩.
(٣) من (ف).
الأعلام مالكًا والليث وغيرهما، وعنه الأعلام يحيى بن معين والذهلي وغيرهما، وأكثر عنه البخاري في «صحيحه» وقال: كان أثبت الشاميين، وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم، مات بمصر سنة ثمان عشرة ومائتين، وليمس في الكتب الستة عبد الله بن يوسف سواه (١).
فائدة:
هذا الإسناد كلُّه مدنيون، خلا شيخ البخاري وفيه أيضًا طرفة ثانية، وهي رواية تابعي عن تابعي.
الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه:
وهو بيان لكيفية الوحي لا لكيفية بدوه، فتنبه له:
الأول: قد أسلفنا أول الباب أن الوحي أصله الإعلام في خفاء وسرعة، ثمَّ الوحي في حق الأنبياء عَلَى ثلاثة أضرب، كما نبه عليه القاضي عياض رحمه الله:
أحدها: سماع الكلام القديم (٢) كسماع موسى عليه أفضل الصلاة والسلام بنص القرآن ونبينا - ﷺ - بصحيح الآثار.
ثانيها: وحي رسالة بواسطة الملك.
ثالثها: وحي تلقٍّ بالقلب، وقيل: كان هذا حال داود - ﷺ - كقوله:
-------------------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٢٣٣ (٧٦٤)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٣٣٨، «معرفة الثقات» ٦٧/ ٢ (٩٩٩)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٣٣ - ٣٣٦ (٣٦٧٣)، «شذرات الذهب» ٢/ ٤٤.
(٢) وصف كلام الله -سبحانه وتعالى- بأنه قديم من الألفاظ المبتدعة المخترعة، التي لم ينطق بها سلف الأمة وأئمتها كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من «مجموع الفتاوى» فقال في ٥/ ٥٣٢ - ٥٣٣ ما معناه. =
«إن روح القدس نفث في روعي» (١) أي: في نفسي والوحي إلى غير الأنبياء بمعنى الإلهام كالوحي إلى النحل.
--------------------------
= إن أهل السنة متفقون على أنه ليس بمخلوق منفصل، ومتفقون على أن كلام الله قائم بذاته، وكان أئمة السنة كأحمد وأمثاله والبخاري وأمثاله، وداود وابن المبارك وابن خزيمة والدارمي وابن أبي شيبة وغيرهم متفقين على أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، ولم يقل أحد منهم إن القرآن قديم، وأول من شهر عنه أنه قال ذلك هو ابن كلاب. اهـ.
وقال في ٧/ ٦٦١: ولم يقل أحد منهم إن القرآن قديم، لا معنى قائم بالذات، ولا أنه تكلم به في القديم بحرف وصوت، ولا تكلم به في القديم بحرف قديم، لم يقل أحد منهم لا هذا ولا هذا، وأن الذي اتفقوا عليه أن كلام الله منزل غير مخلوق، والله لم يزل متكلمًا إذا شاء، وكلامه لا نهاية له. اهـ.
وقال في ١٢/ ٥٤ ما معناه: والسلف يقولون إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وقالوا لم يزل متكلمًا إذا شاء، فبينوا أن كلام الله قديم أي جنسه قديم لم يزل، ولم يقل أحد منهم أن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم القرآن قديم، بل قالوا: إنه كلام الله منزل غير مخلوق، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن، بمشيئته كان القرآن كلامه، وكان منزلًا غير مخلوق، ولم يكن أزليًّا قديمًا بقدم الله، وإن كان الله لم يزل متكلمًا إذا شاء فجنس كلامه قديم. اهـ.
لكن قال شيخ الإسلام في ١٢/ ٥٦٧: فإذا قيل: كلام الله قديم بمعنى أنه لم يصر متكلمًا بعد أن لم يكن متكلمًا، ولا كلامه مخلوق، ولا معنى واحد قديم قائم بذاته، بل لم يزل متكلمًا إذا شاء فهذا كلام صحيح. اهـ.
وقال في «درء التعارض» ١/ ٦٧: إذا قال قائل: القرآن قديم وأراد به أنه نزل من أكثر من سبعمائة سنة وهو القديم في اللغة، أو أراد أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزول القرآن فإن هذا مما لا نزاع فيه. اهـ.
(١) رواه الحاكم ٢/ ٤ من حديث ابن مسعود، وله طريق آخر عن جابر، رواه ابن حبان (٣٢٣٩)، والحاكم ٢/ ٤ وصححه على شرط الشيخين، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٨٦٦)، وفي الباب عن حذيفة وأبي أمامة.
وذكر السهيلي (١) أن في كيفية نزول الوحي عَلَى سيدنا رسول الله - ﷺ - سبع صور:
الأول: المنام. كما جاء في هذا الحديث (٢).
ثانيها: أن يأتيه الوحي في مثل صلصة الجرس كما جاء فيه أيضًا.
ثالثها: أن ينفث في روعه الكلام كما جاء في الحديث السالف، وقال مجاهد وغيره في قوله تعالى: ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] هو أن ينفث في روعه بالوحي.
رابعها: أن يتمثل له الملك رجلًا كما جاء في هذا الحديث وقد كان يأتيه في صورة دحية (٣).
خامسها: أن يتراءى له جبريل في صورته التي خلقها الله تعالى، له
----------------------
(١) «الروض الأنف» ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠.
(٢) كذا في الأصول: في هذا الحديث، وهو غير صحيح، بل المعنى يكون صحيحًا دون لفظة (هذا)؛ لأن الحديث، لم يأت فيه الوحي في المنام بل قال: «يَأْتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ» وقال: «وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا»، ففي الحالتين يكون الوحي في اليقظة، وأما دليل كون الوحي يكون في المنام فحديث عائشة التالي وفيه: أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم …
(٣) دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن امرئ القيس بن الخزج، واسمه زيد مناة، بن عامر بن بكر بن عامر بن عامر الأكبر بن زيد اللات، وقيل: عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي، صاحب رسول الله - ﷺ -، ورسوله إلى قيصر ملك الروم، وكان جبريل يأتي رسول الله على صورته، وكان أجمل الناس وجهًا.
أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشهد المشاهد مع رسول الله - ﷺ - بعد بدر، وبقي إلى خلافة معاوية. انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٢/ ١٠١٢ - ١٠١٤ (٨٧٨)، «الاستيعاب» ٢/ ٤٤، ٤٥ (٧٠٠)، «أسد الغابة» ٢/ ١٥٨ (١٥٠٧)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٤٧٣ - ٤٧٥ (١٧٩٤)، «الإصابة» ١/ ٤٧٣.
ستمائة جناح ينتثر منها اللؤلؤ والياقوت.
سادسها: أن يكلمه الله من وراء حجاب إما في اليقظة كليلة الإسراء، أو في النوم كما جاء في الترمذي مرفوعًا: «أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ ..» الحديث (١).
وحديث عائشة الآتي: «فجاءه الملك فقال: اقرأ» (٢) ظاهره أن ذَلِكَ كان يقظة، وفي «السيرة»: «فأتاني وأنا نائم» (٣) ويمكن الجمع بأنه جاءه أولًا منامًا توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به.
وفي «صحيح مسلم» من حديث ابن عباس مكث - ﷺ - بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئًا، وثمان سنين يوحى إليه (٤).
سابعها: وَحْيُ إسرافيل كما جاء عن الشعبي أن النبي - ﷺ - وكِّل به إسرافيل فكان يتراءى لَهُ ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء ثمَّ وكَّل به جبريل (٥)، وأنكر الواقدي وغيره كونه وكَّل به غير جبريل.
وقال أحمد بن محمد البغدادي: أكثر ما في الشريعة مما أوحي إلى رسول الله - ﷺ - على لسان جبريل -عليه السلام-.
قَالَ الغزالي: وسماع النبي - ﷺ - والملك الوحي من الله تعالى بغير
-------------------------
(١) رواه الترمذي (٣٢٣٣، ٣٢٣٤)، وأحمد ١/ ٣٦٨ عن ابن عباس قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (٦٨٤).
(٢) سيأتي برقم (٣) باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
(٣) رواه ابن إسحاق في «السيرة» ص ١٠٠ - ١٠١.
(٤) مسلم (٢٣٥٣/ ١٢٣) كتاب: الفضائل، باب: كم أقام النبي بمكة والمدينة.
(٥) رواه الطبري في «تاريخه» ١/ ٥٧٣، ٥٧٤، وابن عبد البر فى «الاستيعاب» ١/ ١٤٠، وقال القرطبي في «التفسير» ١٠/ ١٧٧: سنده صحيح.
واسطة يستحيل أن يكون بحرف أو صوت لكن يكون بخلقه تعالى للسامع علمًا ضروريًّا بثلاثة أمور: (بالمتكلم) (١) وبأن ما سمعه كلامه وبمراده من كلامه، والقدرة الأزلية لا تقتصر عن اضطرار النبي والملك إلى العلم بذلك. وكما أن كلامه تعالى ليس من جنس كلام البشر فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات، ولذلك عسر علينا فهم كيفية سماع موسى -عليه السلام- لكلامه تعالى الذي ليس بحرف ولا صوت كما يعسر عَلَى الأكمه كيفية إدراك البصر للألوان، أما سماعه - ﷺ - فيحتمل أن يكون بحرف وصوت دال عَلَى معنى كلام الله.
والمسموع الأصوات الحادثة، وهي فعل الملك دون نفس الكلام، ولا يكون هذا سماعًا لكلام الله تعالى من غير واسطة، وإن كان يطلق عليه أنه سماع كلام الله تعالى، وسماع الأمة من الرسول كسماع الرسول من الملك، وطريق الفهم فيه تقديم المعرفة بوضع اللغة التي يقع بها المخاطبة (٢).
-------------------------
(١) في الأصول: للمتكلم، والصواب ما أثبتناه كما في «عمدة القاري» ١/ ٤٥ وهو الموافق للسياق.
(٢) مذهب أهل السنة والجماعة أن الكلام صفة من صفاته تعالى، ليس شيئًا بائنًا منه مخلوقًا، فهو يتكلم بكلام حقيقي، متى شاء، كيف شاء، بما شاء، بحرف وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين.
قال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» ١٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤: والصواب الذي عليه سلف الأمة -كالإمام أحمد والبخاري وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم- اتباع النصوص الثابتة، وإجماع السلف، وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره؛ ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف، بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط؛ ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم =
وحكى القرافي خلافًا للعلماء في ابتداء الوحي هل كان جبريل -عليه السلام- ينقل له ملك عن الله تعالى أو يخلق لَهُ علم ضروريًّا بأن الله تعالى طلب منه أن يأتي محمدًا وغيره من الأنبياء بسور كذا، أو خلق له علمًا ضروريًا بأن يأتي اللوح المحفوظ فينقل منه كذا.
الثاني: قوله - ﷺ -: («أَحْيَانًا يَأْتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ») الأحيان: الأوقات جمع حين يقع عَلَى القليل والكثير، قَالَ تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]، أي مدة من الدهر والصلصلة -بفتح الصادين المهملتين-: الصوت المتدارك الذي لا يفهم أول وهلة، قَالَ الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا ينتبه أول ما يقرع سمعه حتَّى يفهمه من بَعدُ (١).
قيل: الحكمة في ذَلِكَ أن يتفرغ سمعه، ولا يبقى فيه مكان لغير صوت الملك ولا في قلبه (٢)، وكذلك قَالَ المهلب يعني قوة صوت الملك الوحي ليشغله عن أمور الدنيا، وتفرغ حواسه فلا يبقى في سمعه ولا في قلبه مكان لغير صوت الملك.
-------------------
= الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله تعالى يتكلم بصوت. كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كاصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره. وأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه، ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد، فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته. اهـ.
(١) «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ١٢١.
(٢) «شرح النووي على مسلم» ١٥/ ٨٨.
قَالَ أبو الحسن علي بنُ بطال (١): وعلى مثل هذِه الصفة تتلقى الملائكة الوحي من الله تعالى، وقد ذكر البخاري في كتاب التوحيد وغيره عن ابن مسعود: إِذَا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا: ماذا قَالَ ربكم؟ قالوا: الحق (٢).
وعن أبي هريرة قَالَ: «إِذَا قضى الله تعالى الأمرَ في السماءِ ضربت الملائكةُ بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة عَلَى صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قَالَ ربكم؟ قالوا: الحق. وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعض -ووصف سفيان بكفه فحركها وبدد بين أصابعه- فيستمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثمَّ يقليها الآخر إلى من تحته حتَّى يلقيها عَلَى لسان الساحر والكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، وقال: أليس قَدْ كان كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمه التي سمعت من السماء» (٣)، وقيل: معنى فزع: كشف. وهو دال عَلَى
----------------------------
(١) هو العلامة أبو الحسن، على بن خلف بن بطال البكري، القرطبي، ثم البلنسي، ويعرف بابن اللّجّام قال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة، عني بالحديث العناية التامة، شرح «الصحيح» في عدة أسفار، رواه الناس عنه، واستقضى بحصن لُوْرَقَة. اهـ. وقد كان من كبار المالكية. توفي في صفر سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «الصلة» ٢/ ٤١٤، «الوافي بالوفيات» ١٢/ ٥٦، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٤٧ - ٤٨، «شذرات الذهب» ٣/ ٢٨٣.
(٢) علقه البخاري عن ابن مسعود قبل الرواية (٧٤٨١) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾. ورواه في «خلق أفعال العباد» ص ١٣٩، ورواه مرفوعًا أبو داود (٤٧٣٨)، والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (١٢٩٣).
(٣) سيأتي في التفسير برقمي (٤٧٠١، ٤٨٠٠).
أنه يصيبهم فزع شديد من شيء يحدث من أمر الله تعالى، والمراد بالحق: الوحي، وقال ابن جبير: ينزل الأمر من رب العزة فيسمعون مثل وقع الحديد عَلَى الصفا فيفزع أهل السماء حتَّى (يستبين) (١) لهم الأمر الذي نزل فيه، فيقول بعضهم لبعض: ماذا قَالَ ربكم؟ فيقول: قَالَ: الحق.
وروي مرفوعًا: «إِذَا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماء منه رجفة -أو قَالَ: رعدة- شديدة خوفًا من الله، فإذا سمع ذَلِكَ أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول ما يرفع رأسه جبريل فيكلمه من وحيه بما (أراد) (٢)، ثمَّ يمر جبريل عَلَى الملائكة، كلما مر على سماء سأله ملائكتها: ماذا قَالَ ربنا يا جبريل؟ قَالَ: الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قَالَ جبريل، فينتهي جبريل حيث أمره الله» (٣).
الوجه الثالث: قَدْ أسلفنا أن الصلصلة الصوت المتدارك، قَالَ أبو علي الهَجَري في «أماليه»: الصلصلة للحديد والنحاس والصفر ويابس الطين، وما أشبه ذَلِكَ صوته.
وقال في «المحكم»: صل يصل صليلًا، وصلصل صلصلة (وتصلصلًا) (٤): صَوَّت (٥). فإن توهمت ترجيع صوت قُلْتَ: صلصل وتصلصل (٦).
---------------------------
(١) في (ج): يتبين.
(٢) في (ف): أراه.
(٣) رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (٥١٥) عن النواس بن سمعان وضعفه الألباني.
(٤) في (ج): وتصليلًا.
(٥) عبارة «المحكم»: صلصل صلصلة مصلصلا، ثم قال: وصل اللجام امتد صوته.
(٦) «المحكم» ٨/ ١٧٦.
وعبارة القاضي: الصلصلة: صوت: الحديد فيما له طنين. وقيل: معنى الحديث هو: قوة صوت حفيف أجنحة الملائكة لشغله عن غير ذَلِكَ، ويؤيده الرواية الأخرى: «كأنه سلسلة عَلَى صفوان» (١) أي: حفيف الأجنحة. والجرس هو الجلجل الذي يعلق في رأس الدواب، كره - ﷺ - صحبته في السفر؛ لأنه مزمار الشيطان كما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان (٢). وقيل: كرهه لأنه يدل عَلَى أصحابه بصوته، وكان يحب ألا يعلم العدو به حتَّى يأتيهم فجأة، حكاه ابن الأثير (٣) قَالَ ابن دريد: واشتقاقه من الجرس أي: الصوت والحس (٤).
وقال ابن سيده: الجَرْس والجِرْس والجَرَس-الأخير عن كراع- الحركة والصوت من كل ذي صوت، وقيل: الجرس بالفتح إِذَا أفرد، فإذا قالوا: ما سمعت له حسًّا ولا جرسًا كسروا فأتبعوا اللفظ اللفظ (٥).
وقال الصغاني: قَالَ ابن السكيت: الجَرَس والجِرْس الصوت ولم يفرق. وقال الليث: الجَرْسُ: مصدر الصوت المجروس، والجِرس بالكسر: الصوت نفسه.
الوجه الرابع: قوله: («وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا») يحتمل تمثيل جبريل له رجلًا أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقه ثمَّ أعاده إليه، ويحتمل أنه يزيله عنه ثمَّ يعيده إليه بعد التبليغ، نبه عَلَى ذَلِكَ
-----------------------
(١) ستأتى برقم (٤٨٠٠)، كتاب: التفسير، باب: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
(٢) رواه مسلم (٢١١٤) كتاب: اللباس والزينة، باب: كراهة الكلب والجرس في السفر، وأبو داود (٢٥٥٦)، وابن حبان (٤٧٠٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٢٦١.
(٤) «جمهرة اللغة» ١/ ٤٥٦.
(٥) «المحكم» ٧/ ١٨٩.
إمام الحرمين، وأما التداخل فلا يصح عَلَى مذهب أهل الحق، وأبدى الشيخ عِزُّ الدين ابن عبد السلام سؤالًا، فقال: إن قيل: إِذَا لقي جبريل النبي - ﷺ - في صورة دحية، فأين تكون روحه؟ فإن كان في الجسد الذي له ستمائة جناح، فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كانت في هذا الذي هو في صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية؟ ثم أجاب بأنه لا يبعد أن لا يكون انتقالها موجب موته فيبقى الجسد حيًّا لا ينقص من معارفه شيء، ويكون انتقال روحه (إلى) (١) الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر، قَالَ: وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلًا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بني آدم، فلا تلزم في غيرهم (٢).
الوجه الخامس: قوله: («فَيُفْصَمُ عَنِّي») فيه روايات: أصحها: «يَفْصِم» بفتح الياء المثناة تحت وإسكان الفاء وكسر الصاد، قَالَ الخطابي: معناه: يقطع وينجلي ما يغشاني منه، قَالَ: وأصل الفصم القطع ومنه: ﴿لَا انْفِصَامَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقيل: إنه الصدع بلا إبانة، وبالقاف قطع مع إبانة (٣). فمعنى الحديث: أن الملك فارقه ليعود.
الثانية: بضم أوله وفتح ثالثه، وهي رواية أبي ذر الهروي.
والثالثة: بضم أوله وكسر ثالثه من أفصم المطر إِذَا أقلع رباعي، وهي لغة قليلة.
-------------------------
(١) في (ج): من.
(٢) الأسلم للمرء في دينه ترك الخوض في مثل هذا، والإعراض، واقتضاء طريقة السلف، فإنهم لم يخوضوا في شيء من هذا ولم يبحثوا عنه.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ١٢٠ - ١٢١.
السادس: قوله: («وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ») أي: فهمت وجمعت وحفظت. قَالَ صاحب «الأفعال»: وعيت العلم: حفظته، ووعيت الأذان: سمعته، وأوعيت المتاع جمعته في الوعاء.
قَالَ ابن القطاع: وأوعيت العلم مثل وعيته، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ [الانشقاق: ٢٣]، أي: بما يضمرون في قلوبهم من التكذيب (١)، وقال الزجاج: بما يحملون في قلوبهم، فهذا من أوعيت المتاع.
السابع: قوله («يَتَمَثَّلُ») أي: يتصور وانتصب (رَجُلًا) عَلَى التمييز، والملَك هنا بفتح اللام المراد به واحد الملائكة، ويقال للجمع أيضًا.
الثامن: قولها: (وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا) الجبين غير الجبهة وهو فوق الصدغ، والصدغ: ما بين العين إلى الأذن، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، ومعنى (يتفصد) بالفاء والصاد المهملة يسيل.
و(عرقًا): منصوب عَلَى التمييز، والمعنى: أن الوحي إِذَا كان ورد عليه يجد لَهُ مشقة ويغشاه كرب لثقل ما يُلقى عليه، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥] ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، كما روي أنه كان يأخذه عند الوحي الرحضاء يعني: البُهْر والعرق من الشدة، وأكثر ما يسمى به عرق الحمى، فكان جبينه يتفصد عرقًا كما يتفصد لذلك، وإنما كان ذَلِكَ ليبلو صبره ويحسن تأديبه، ويرتاض لاحتمال ما كُلِّف من أعباء النبوة.
وفي حديث يعلى: ورآه حين نزل عليه الوحي مُحَمرَّ الوجه وهو
--------------------
(١) «الأفعال» ٣/ ٣٣٣.
يغطُّ. سيأتي في المناسك حيث ذكره البخاري (١).
ومنه في حديث عبادة بن الصامت أنه - ﷺ - كان إِذَا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه (٢).
وفي حديث الإفك قالت عائشة: فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتَّى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه (٣).
وفي «صحيح مسلم»: كان إِذَا نزل عليه الوحي نكس رأسه ونكص أصحابه رءوسهم، فإذا انجلى عنه رفع رأسه (٤).
التاسع: ذكر في هذا الحديث حالين من أحوال الوحي وهما: «مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ»، وتمثيل الملك لَهُ رجلًا، ولم يذكر الرؤيا في النوم مع إعلامه لنا أن رؤياه حق لوجهين:
أحدهما: أن الرؤيا الصالحة قَدْ يشركه فيها غيره بخلاف الأولين.
ثانيهما: لعله علم أن قصد السائل بسؤاله ما خص به ولا يعرف إلا من جهته.
-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٥٣٦) كتاب: الحج، باب: غسل الخلوق ثلاث مراتٍ من الثياب، و(١٧٨٩) كتاب: العمرة، باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج، و(١٨٤٧) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص.
(٢) رواه مسلم (١٦٩٠) كتاب: الحدود، باب: حد الزنا، وأبو داود (٤٤١٥ - ٤٤١٧)، والترمذي (١٤٣٤)، وابن ماجه (٢٥٥٠)، وأحمد ٥/ ٣١٣.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٥٠) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾. ورواه مسلم: (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف.
(٤) مسلم (٢٣٣٥) كتاب: الفضائل، باب: عرق النبي - ﷺ - في البرد وحين يأتيه الوحي.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|