
24-12-2025, 09:47 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,995
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (2)
من صـــ 191 الى صـــ 210
الحلقة (26)
الثالث بعد الثلاثين:
قوله - ﷺ -: («أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا») هو بمعنى: ينكحها كما جاء في الرواية الأخرى، وقد يستعمل بمعنى الاقتران بالشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤]، أي: قرناهم، قاله الأكثرون. وقال مجاهد والبخاري وطائفة: أنكحناهم (١).
الرابع بعد الثلاثين:
إن قُلْتَ: كيف ذكرت المرأة مع الدنيا مع أنها داخلة فيها، فالجواب عنه من أوجه:
أحدها: أنه لا يلزم دخولها في هذِه الصيغة؛ لأن (لفظة) (٢) دنيا نكرة وهي لا تعم في الإثبات. فلا يلزم دخول المرأة فيها.
الثاني: أن هذا الحديث ورد على سبب، وهو أنه لما أُمر بالهجرة من مكة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمَّهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ)﴾ الآية [النساء: ٩٧]، ولم يهاجر جماعة لفقد استطاعتهم فَعَذَرهُم واسْتَثْنَاهُم بقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النساء: ٩٨]، الآية، وهاجر المخلصون إليه، فمدحهم في غير ما موضع من كتابه، وكالت في المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين، منهم من كانت نيته تزوج امرأة كانت بالمدينة من المهاجرين يقال لها: أم قيس (٣)، وادعى ابن دحية: أن اسمها قيلة،
--------------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٢٤٨، ٢٤٩ (٣١١٧٦).
(٢) في (ج): لفظ.
(٣) رواه الطبراني في «الكبير» ٩/ ١٠٣ (٨٥٤٠) من طريق سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله ومن طريقه المزي في «تهذيب الكمال» ١٦/ ١٢٦، والذهبي في «السير» ١٠/ ٥٩٠، قال الهيثمي في «المجمع» ١٠١/ ٢ (٢٥٨٠): رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله رجال الصحيح. اهـ. =
فسمي مهاجر أم قيس، ولا يعرف اسمه بعد البحث عنه، ولعله للستر عليه، فكان قصده بالهجرة من مكة إلى المدينة (بنية) (١) التزوج بها لا لقصد فضيلة الهجرة، فقال النبي - ﷺ - ذَلِكَ، وبين مراتب الأعمال بالنيات، فلهذا خص ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية؛ لأجل تبيين السبب، وإن كانت أعظم أسباب فتنة الدنيا قَالَ - ﷺ -: «ما تركت بعدي فتنة أضر عَلَى الرجال من النساء» (٢)، وذكر الدنيا معها من باب زيادة النص عَلَى السبب، كما أنه لما سُئِلَ عن طهورية ماء البحر زاد: «حل ميتته» (٣) ويحتمل أن يكون هاجر لمالها مع نكاحها، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها وغيره لتحصيل دنيا من جهة ما، فعرض بها.
الثالث: أن ذكرها من باب التنبيه على زيادة التحذير منها كذكر الخاص بعد العام؛ تنبيهًا عَلَى مزيته، كما في ذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة وغير ذَلِكَ، وليس منه قوله تعالى: ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، بعد ذكر الفاكهة، وإن غلط فيه بعضهم؛ لأن فاكهة نكرة في سياق الإثبات فلا تعم، (لكن وردت في معرض الامتنان) (٤)، وقد جاء أيضا في القرآن عكس هذا وهو ذكر العام بعد الخاص
-----------------------
= وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ١٠: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. اهـ.
(١) ساقطة من: ج.
(٢) سيأتي برقم (٥٠٩٦) كتاب: النكاح، باب: ما يتقى من شؤم المرأة، ورواه مسلم (٢٧٤٠) كتاب: الرقاق، من حديث أسامة بن زيد.
(٣) رواه أبوداود (٨٣) عن أبي هريرة أن رجلًا سأل ..، والترمذي (٦٩) عن أبي هريرة، وفي الباب عن جابر والفراسي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي ١/ ٥١ عن أبي هريرة سأل رجل ..، وابن ماجه (٣٨٧) عن الفراسي.
(٤) ساقط من: (ج). =
كقوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم -عليه السلام-: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقوله تعالى إخبارًا عن نوح -عليه السلام-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨]
الخامس بعد الثلاثين:
إن قُلْتَ لم ذم على طلب الدنيا وهو أمر مباح والمباح لا ذم فيه ولا مدح؟ قُلْتُ: إنما ذم لكونه لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا. وإنما خرج في صورة طالب فضيلة الهجرة فأبطن خلاف ما أظهر.
السادس بعد الثلاثين:
إنما لم يعد - ﷺ - ما بعد الفاء الواقعة جوابًا للشرط بقوله: «فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» ولم يعده باللفظ الأول في الرواية الأخرى: «فهجرته إلى الله ورسوله» للإعراض عن تكرير ذكر الدنيا والغض منها وعدم الاحتفال بأمرها؛ ولئلا يجمع بين ذكر الله ورسوله في الضمير (فقد نهى عنه) (١) في حديث الخطيب (٢).
السابع بعد الثلاثين:
هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد اختلف في عدها على عشرة أقوال ذكرتها مجموعة في كتابنا «الإعلام بفوائد
--------------------
= وما قاله المصنف فيه نظر؛ لأن النكرة في سياق الإثبات إن كانت للامتنان عمت كما قاله جماعة من الأصوليين.
انظر:»التمهيد«للإسنوي ص ٣٢٥،»القواعد والفوائد الأصولية«ص ٢٠٤.
وقال العيني في»عمدة القاري" ١/ ٣٠: الفاكهة اسم لما يتفكه به: أي يتنعم به زيادة على المعتاد، وهذا المعنى موجود في النخل والرمان فحينئذ يكون ذكرهما بعد ذجر الفاكهة من قبيل عطف الخاص على العام. اهـ.
(١) من (ج).
(٢) رواه مسلم (٧٨٠) عن عدي بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي - ﷺ - …
عمدة الأحكام» (١) فراجعه (منها) (٢) فإنه من المهمات، نذكر منها هنا أربعة:
أحدها: أنها ثلاثة: هذا الحديث، وحديث: «حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٣)، وحديث: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن» (٤).
ثانيها: أنها أربعة بزيادة حديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله» (٥)، وقد نظمها بعضهم فقال:
-------------------------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ١٥٣ - ١٥٧.
(٢) في (ج): منه.
(٣) كذا في الأصول والحديث رواه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وابن حبان (٢٢٩) من حديث أبي هريرة، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه. اهـ. والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩١١).
(٤) سيأتي برقم (٥٢) كتاب: الإيمان، ورواه مسلم (١٥٩٩) كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات.
(٥) رواه ابن ماجه (٤١٠٢)، والعقيلي في «الضعفاء» ٢/ ١١، والطبراني في «الكبير» ٦/ ١٩٣ (٥٩٧٢)، والحاكم ٤/ ٣١٣، وأبو نعيم ٧/ ١٣٦، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ٣٧٣، من طريق خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. وتعقبه الذهبي ففال: خالد وضاع. اهـ. وقال العقيلي: ليس له من حديث الثوري أصل، وقد تابعه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذ عنه ودلسه؛ لأن المشهور به خالد هذا. اهـ. وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ص ٥٣١: إسناد حديث سهل بن سعد ضعيف، خالد بن عمرو متفق على ضعفه، واتهم بالوضع. اهـ. وخالد هذا قال عنه أحمد: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة يروي أحاديث بواطيل. اهـ. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. اهـ. وقال مرة: كان كذابًا يكذب. اهـ. وقال أبو حاتم: متروك الحديث ضعيف. اهـ.
وأما متابعة محمد بن كثير فقد رواها ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩، والخليلي في «الإرشاد» ٢/ ٤٧٩، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ٣٤٤. قال ابن عدي: =
عمدة الدين عندنا كلمات … أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات وازهد وع … ما ليس يعنيك واعملنَّ بنية (١)
الثالث: أنها اثنان.
الرابع: أنها واحد وهو حديث: «الحلال بَيِّن».
----------------------
= لا أدري ما أقول في رواية ابن كثير عن الثوري لهذا الحديث؛ فإن ابن كثير ثقة وهذا الحديث عن الثوري منكر. اهـ. وذكر ابن أبي حاتم في «العلل» ٢/ ١٠٧: أنه سأل أباه عن حديث محمد بن كثير، عن سفيان فذكر هذا الحديث فقال: هذا حديث باطل يعني بهذا الإسناد. اهـ.
وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مرسل خرجه ابن منده في «مسند إبراهيم بن أدهم» ص ٢٩ - ٣٠ من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا المفضل بن يونس، عن إبراهيم، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد به. ورواه أبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٤١ من طريق أبي أحمد إبراهيم بن محمد بن أحمد الهمداني، ثنا أبو حفص عمر بن إبراهيم المستملي، ثنا أبو عبيدة بن أبي السفر، ثنا الحسين بن الربيع، ثنا المفضل بن يونس، ثنا إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن مجاهد، عن أنس به. فال أبو نعيم: ذكر أنس في هذا الحديث وهم من عمر أو أبي أحمد؛ فقد رواه الأثبات عن الحسن بن الربيع فلم يجاوز فيه مجاهدًا. اهـ.
وبالجملة فالحديث حسنه النووي في «أربعينه» كما في «جامع العلوم والحكم» ٢/ ١٧٤ فقال: حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة. اهـ. وكذلك العراقي كما في «المقاصد الحسنة» ص ٧٥، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٤/ ٧٤ - ٧٥: رواه ابن ماجه، وقد حسن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بُعد لأنه من رواية خالد بن عمرو القرشي الأموي السعيدي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل، وخالد هذا قد تُرك واتهم، ولم أر من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة، ولا يمنع كون راويه ضعيفًا أن يكون النبي - ﷺ - قاله، وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني، عن سفيان، ومحمد هذا قد وثق على ضعفه، وهو أصلح حالًا من خالد. اهـ. والحديث حسنه الألباني في «الصحيحه» (٩٤٤).
(١) انظر: «جامع العلوم والحكم» ١/ ٦٣.
الثامن بعد الثلاثين:
هذا الحديث عظيم الموقع كثير الفائدة أصل من أصول الدين، قَالَ أبو داود: إنه نصف الفقه، وقال الشافعي فيما رواه البويطي عنه: يدخل في هذا الباب ثلث العلم (١)، وقال في رواية الربيع: هذا الحديث ثلث العلم؛ وسببه كما قَالَ البيهقي وغيره أن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاث وأرجحها؛ لأنها تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين؛ ولأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه بخلاف النية (٢)، فهذا الحديث يتضمن النية، وحديث: «من حسن إسلام المرء» يتضمن القول، وحديث: «الحلال بين» (٣) يتضمن العمل فكمل بالمجموع الإسلام؛ لأنه قول وعمل ونية، وقال عبد الرحمن بن مهدي: يدخل هذا الحديث في ثلاثين بابًا من الإرادات والنيات.
وقال أبو عبيد: ليس شيء من أخبار النبي - ﷺ - حديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة وأبلغ من هذا الحديث. وقال البخاري في «صحيحه» في أواخر الإيمان فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام. وقال ابن دحية: لم أجد فيما أرويه من الدينيات أنفع من قوله: («إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»)، إذ مدار العلم عليه، وهو نور يسعى بين يديه.
(قُلْتُ (٤) وقول إمامنا الشافعي السالف: إن هذا الحديث يدخل في سبعين بابًا من الفقه، مراده الأبواب الكلية كالطهارة بأنواعها
------------------------
(١) رواه البيهقي في «الكبرى» ٢/ ١٤.
(٢) «السنن الصغرى» للبيهقي ١/ ٢٠.
(٣) سبق تخريج الحديثين.
(٤) ساقطة من (ج).
والصلاة بأقسامها والزكاة والصيام والاعتكاف والحج والعمرة والأيمان والنذور والأضحية والهدي والكفارة والجهاد والطلاق والخلع والظهار والعتق والكتابة والتدبير والإبراء ونحوها والبيع والإجارة وسائر المعاملات والرجعة والوقف والهبة وكناية الطلاق وغيرها عند من يقول: كنايتها مع النية كالصريح وهو الصحيح، وكذلك إِذَا كان عليه ألفان بأحدهما رهن دون الآخر فأوفاه ألفا صرفه إلى ما نواه منهما وشَبَهِ ذَلِكَ.
وذكر القاضي حسين من أصحابنا في آخر حَدِّ الخمر أنه لابد للإمام في إقامة الحدود من النية حتَّى لو ضربه لمصادرة أو لمعنى آخر وعليه حدود لا تحسب عنه.
وأما المسائل الجزئية فلا تحصى، ثمَّ يحتمل أن يكون أراد بالسبعين التحديد. ويحتمل أن يكون أراد المبالغة في التكثير؛ لأن العرب تستعمل السبعين في ذَلِكَ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠].
ومن المسائل الجزئية التي ينبغي استحضار النية فيها: الصدقات، وقضاء حوائج الناس، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وابتداء السلام ورده، وتشميت العاطس وجوابه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإجابة الدعوة، وحضور مجلس العلم والأذكار، وزيارة الأخيار، والقبور، والنفقة عَلَى الأهل والضيفان، وإكرام أهل الود والفضل وذوي الأرحام، ومذاكرة العلم والمناظرة فيه وتكراره وتدريسه وتعلمه وتعليمه ومطالعته وكتابته وتصنيفه، والفتوى، والقضاء، وإماطة الأذى عن الطريق، والنصيحة، والإعانة عَلَى البر والتقوى، وقبول الأمانات وأدائها، وما أشبه ذَلِكَ، حتَّى ينبغي
استحضارها عند إرادة الأكل والشرب والنوم ويقصد بها التقوِّي عَلَى الطاعة، وإراحة البدن لينشط لها، وكذا إِذَا جامع موطوءته بقصد المعاشرة بالمعروف وإيصالها حقها، وتحصيل ولد صالح يعبد الله تعالى، وإعفاف الزوجة، وإعفاف نفسه وصيانتها، من التطلع إلى حرام أو الفكر فيه أو مكابدة المشاق بالصبر، وهذا معنى قوله - ﷺ -: «وفي بضع أحدكم صدقة» (١)، وكذا ينبغي لمن عمل حرفة للمسلمين مما هو فرض كفاية أن يقصد إقامة فرض الكفاية ونفع المسلمين، كالزراعة وغيرها من الحرف التي هي قوام عيش المسلمين.
والضابط لحصول النية أنه متى قصد بالعمل امتثال أمر الشرع وبتركه الانتهاء بنهي الشرع كانت حاصلة مثابًا عليها وإلا فلا، وإن لم يقصد ذَلِكَ كان عملًا بهيميًّا، ولهذا قَالَ السلف: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية (٢).
الوجه التاسع بعد الثلاثين:
هذا الحديث من أجل أعمال القلوب والطاعة المتعلقة بها وعليه مدارها، وهو قاعدتها، فهو قاعدة الدين لتضمنه حكم النيات التي محلها القلب بخلاف الذكر الذي محله اللسان، ولهذا لو نوى الصلاة بلسانه دون قلبه لم يصح، ولو قرأ الفاتحة بقلبه دون لسانه لم
------------------------
(١) رواه مسلم (١٠٠٦) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، والبخاري في «الأدب المفرد»، (٢٢٧)، والترمذي (١٩٥٦)، وابن حبان (٥٢٩)، كلهم عن أبي ذر.
(٢) قلت: ومصداق هذا ما قاله بعض العلماء من أن الله لو كلفنا عملًا بلا نية لكلفنا ما لا يطاق، والله أعلم.
يصح، فهو أصل في وجوب النية في سائر العبادات كما (سلف) (١) عن الجمهور.
الوجه الأربعون:
هذا الحديث أصل في الإخلاص أيضًا، فهو إرادة تمثيل الفعل إلى وجه الله تعالى وحده خالصًا، والنية هي القصد المتعلق بتمثيل الفعل إلى وجه الله تعالى، وللإخلاص مرجع إلى الكتاب والسنة، أما الكتاب فكل آية تضمنت مدح الإخلاص وذم الرياء، وقد ذكرت جملة منها في الوجه التاسع، وكذا من السنة أيضًا.
الوجه (الحادي بعد الأربعين) (٢):
استنبط من الحديث أنه لا يجوز الإقدام عَلَى الفعل قبل معرفة حكمه، ووجهه أنه لابد للمكلَّف من الإتيان بما أمر به على وجهه، وقد نفى أن يكون العلم منتفعًا به إلا بالنية أي: بنية التقرب لما طلبه الله من العبد ولا يتصور ذَلِكَ إلا بعد معرفة المطلوب.
الوجه (الثاني بعد الأربعين) (٣):
قد يستدل به بَعْدَ العبادات في أحكام المعاملات كالإكراه عَلَى الطلاق والعتاق، وفي باب الأيمان حتَّى لو حلف: والله ما رأيت زيدًا، وهو ينوي أنه لم يصب رئته، وما كلمت محمدًا يريد ما جرحته، كان عَلَى ما نوى. وكذلك يدل عَلَى أن من باع واشترى بغش وخلابة أو ربا بحيلة، فإنه محظور في حق الدين. فأما طلاق
------------------------
(١) في: (ف): سلفت.
(٢) في (ج): الحادي والأربعون.
(٣) في (ج): الثاني والأربعين.
السكران فلا يدخل فيه؛ لأن صريح الطلاق لا يحتاج إلى النية إلا أن يكون ذَلِكَ بلفظ كناية.
وقال قوم: إن الاستدلال بهذا الحديث في غير العبادات لا يجوز؛ لأنه غير ما قصد به، وحاصله: أن الألف واللام في الأعمال هل هي لاستغراق الجنس فيدخل (فيه) (١) جميع الأعمال؟ أو لتعريف العهد؟ (٢) لأن المراد أعمال البر والقربات.
الثالث والأربعون:
وهو ينعطف عَلَى ما مضى: من الأعمال ما تشترط النية فيه لصحته (ولحصول) (٣) - الثواب بفعله كالصلاة والصيام والحج والاعتكاف والطواف في غير حج ولا عمرة وغيرها، وهذا مجمع عليه.
ومنها مختلف فيه كالوضوء، والغسل، والتيمم، والطواف في الحج والعمرة، وغيرها.
ومنها ما لا يشترط فيه النية لصحته بل لحصول الثواب بفعله كستر العورة، والأذان، والابتداء بالسلام ورده، وبناء المدارس، والوقف، والهبة، والوصية، والأمر بالمعروف، وحضور مجالس العلم، وزيارة
----------------------
(١) من (ج).
(٢) (أل) الجنسية قسمان: أحدهما: حقيقي، وهي التي ترد لشمول أفراد الجنس نحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ والآخر: مجازي، وهي التي ترد لشمول خصائص الجنس على سبيل المبالغة، نحو: أنت الرجل علما، أي الكامل في هذِه الصفة، ويقال لها: التي للكمال. و(أل) العهدية: هي التي عُهد مصحوبها بتفدم ذكره، نحو: جاءني رجل فأكرمت الرجل، أو بحضوره حسًّا أو علمًا، نحو: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠].
(٣) في (ج): (وبحصول).
(الأحياء (١) والقبور، والنفقة عَلَى الأهل والضيف، وإكرام ذوي الود، والأرحام، ومذاكرة العلم، والمناظرة به، وتكراره ودرسه، وتعليمه، وتعلمه، وتصنيفه، والفتوى، والنصيحة، وقبول الأمانات، وأدائها، والقضاء، وإماطة الأذى عن الطريق، والإعانة عَلَى البر والتقوى، وشبهها كالأكل والشرب ينوي بها التقوِّي عَلَى الطاعة، والنوم ينوي به راحة البدن لينشط للعبادة، والجماع ينوي به المعاشرة بالمعروف وإيصالها حقها، وحصول ولد صالح يعبد الله، وإعفاف نفسه، وتحصين فرجه، وصيانة زوجه ونفسه من التطلع إلى الحرام، والفكر فيه، ومكابدة المشاق بالصبر عليه. وهو معنى قوله - ﷺ -: «وفي بضع أحدكم صدقة» وكذا ينوي بعمل معيشته منفعة المسلم، وأداء فرض الكفاية وما أشبه ذَلِكَ (٢).
---------------------
(١) في (ج): الأخيار.
(٢) ورد بهامش (ف): بلغ إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي قراءة على المصنف وسمعه الأئمة: الصفدي والحاضري … وابن بهرام ومحمد بن بحر البرموي والعاملي وآخرون …
٢ - باب
٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضي الله عنها - أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ - رضي الله عنه - سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «أَحْيَانًا يَأْتِينِى مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ -وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَىَّ- فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِىَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْىُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. [٣٢١٥ - مسلم ٢٢٣٣ - فتح ١/ ١٨]
الحديث الثاني:
نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ كَيْفَ يأتيك الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ -وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ- فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث رواه البخاري أيضًا في بدء الخلق عن فروة، عن علي بن مسهر، عن هشام (١)، ورواه مسلم أيضًا في الفضائل عن أبي بكر، عن ابن عيينة، وعن أبي كريب، عن أبي أسامة، وعن
---------------------
(١) سيأتي برقم (٣٢١٥) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة.
ابن نمير، واللفظ له عن ابن بشر عنه (١).
ثانيها:
هذا الحديث أدخله الحفاظ في مسند عائشة دون الحارث، وليس للحارث هذا في الصحيحين رواية، وإنما له رواية في سنن ابن ماجه فقط (٢)، وعده ابن الجوزي فيمن روى من الصحابة حديثين، مراده في غير الصحيحين، وليس في الصحابة في الصحيحين من اسمه الحارث غير الحارث بن ربعي أبي قتادة، على أحد الأقوال في اسمه، والحارث بن عوف أبي واقد الليثي، وهما بكنيتيهما أشهر، وأما خارج الصحيحين فجماعات كثيرون فوق المائة وخمسين.
والحارث الواقع هنا هو الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أخو أبي جهل لأبويه، وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدرًا كافرًا وانهزم، وله يقول حسان:
إن كنت كاذبة بما حدثتني … فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم … ونجا برأسي طمرة ولجام
فاعتذر الحارث عن فراره فقال:
القوم أعلم ما تركت قتالهم … حتَّى حَبَوا مهري بأشقر مزبد
وعرفت أني إن أقاتل واحدًا … أقتل ولا ينكى عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم … طمعًا لهم بعقاب يوم مفسد (٣)
فقال الأصمعي: لم أسمع أحسن من اعتذاره في الفرار.
----------------------
(١) مسلم (٢٣٣٣) في الفضائل، باب: عرق النبي - ﷺ - في البرد وحين يأتيه الوحي.
(٢) «سنن ابن ماجه» (١٩٩١).
(٣) رواه الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٣١٣، وانظر: «الاستيعاب» ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥.
أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وأعطاه النبي - ﷺ - يوم حنين مائة من الإبل، وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم، خرج هو وسُهيل بن عمرو إلى الشام؛ ليستدركا ما فاتهما من سابقة الإسلام بالجهاد، فقاتل الكفار حتَّى قتل باليرموك سنة خمس عشرة أو بعمواس وهو الذي أجارته أم هانئ يوم الفتح، وقيل: بل هو غيره.
روى عنه ولده عبد الرحمن، وكان شريفًا في قومه، وله اثنان وثلاثون ولدًا، منهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أحد الفقهاء السبعة عَلَى قول، كان يقال له: الراهب (١).
فائدة:
ليس في الصحابة الحارث بن هشام إلا هذا، وإلا الحارث بن هشام الجهني.
روى عنه المصريون، ذكره ابن عبد البر (٢).
الثالث: في التعريف برواته.
أما عائشة (٣) فهي: الصديقة بنت الصديق، (الحبيبة بنت الحبيب) (٤)، أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة، عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب،
---------------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٤٤، «الاستيعاب» ١/ ٣٦٤ - ٣٦٧ (٤٥٢)، «أسد الغابة» ١/ ٤٢٠، ٤٢١ (٩٧٩).
(٢) «الاستيعاب» ١/ ٣٦٧ (٤٥٣).
(٣) انظر ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٤٣٥ - ٤٣٩ (٣٤٦٣)، «أسد الغابة» ٧/ ١٨٨ - ١٩٢ (٧٠٨٥)، «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٢٢٧ - ٢٣٦ (٧٨٨٥)، «شذرات الذهب» ١/ ٩.
(٤) في (ف): الحسيبة بنت الحسيب.
أم المؤمنين كنيتها أم عبد الله كنيت بابن أختها عبد الله بن الزبير، وأبعد من قَالَ: بسقط لها.
وعائشة مأخوذة من العيش، وحكي عيشة -لغة فصيحة-، وأُمُّها أم رومان -بفتح الراء وضمها- زينب بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة، وهي أم عبد الرحمن، أخي عائشة أيضًا، ماتت سنة ست في قول الواقدي والزبير وهو الأصح. تزوجها - ﷺ - بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وقيل: سنة ونصف أو نحوها في شوال بنت ست وقيل سبع، وبنى بها في شوال أيضًا بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وقال الواقدي: في الأولى بنت تسع. فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، وتوفي عنها وهي بنت ثماني عشرة، وعاشت خمسًا وستين سنة. وكانت من أكبر فقهاء الصحابة، وأحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية.
رُوي لها ألفا حديثٍ ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم عَلَى مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم (بتسعة) (١) وستين.
روت عن خلق من الصحابة، وروى عنها جماعات من الصحابة والتابعين قريب من المائتين.
ماتت بعد الخمسين، إما سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان في رمضان، وقيل: في شوال، وأمرت أن تدفن ليلًا بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة. ولها عدة خصائص ذكرتها في غير هذا
-------------------
(١) في (ج): ثمانية، والمثبت من (ف) وهو الصواب كما في «السير» ٢/ ١٣٩.
الموضع خشية الطول (١)، ومناقبها والأحاديث الصحيحة في فضلها كثيرة مشهورة، قَالَ عروة: كانت عائشة أعلم الناس بالقرآن وبالحديث وبالطب وبالشعر (٢).
وقال أبو موسى الأشعري: ما أشكل على أصحاب رسول الله - ﷺ - شيء (٣) فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا (٤). وقال قبيصة بن ذؤيب: كانت عائشة أعلم الناس يسألها كبار الصحابة (٥).
وقال القاسم بن محمد: استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت (٦).
فوائد مهمة تتعلق بترجمتها رضي الله عنها:
الأولى: مات - ﷺ - عن تسع نسوة، وعائشة أفضلهن قطعًا، وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد؟ فيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أن خديجة أفضل، وبه قَالَ القاضي والمتولي، وقطع به ابن العربي المالكي (٧)، وغيره.
----------------------
(١) ورد بهامش في (ف): منها أنها ابنة الخليفة.
(٢) رواه أحمد ٦/ ٦٧ (٢٤٣٨٠)، والبزَّار كما في «كشف الأستار» (٢٦٦٢)، والطبراني ٢٢/ ٢٩٤، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٤٩. قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٢٤٢: فيه عبد الله بن معاوية الزبيري. قال أبو حاتم: مستقيم الحديث، وفيه ضعف، وبقية رجال أحمد والطبراني في «الكبير» ثقات إلا أن أحمد قال: عن هثام بن عروة أن عروة كان يقول لعائشة. فظاهره الانقطاع، وقال الطبراني في «الكبير» عن هشام بن عروة، عن أبيه. فهو متصل، والله أعلم. اهـ.
(٣) في (ف): (شيئًا)، والمثبت من (ج).
(٤) رواه الترمذي (٣٨٨٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٥) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٢/ ٣٧٤.
(٦) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٢/ ٣٧٥.
(٧) «عارضة الأحوذي» ١٣/ ٢٥٣.
والثاني: أن عائشة أفضل، وقد بسطت ذَلِكَ في كتابي «غاية السول في خصائص الرسول» مع حكاية خلاف آخر في أن عائشة أفضل من فاطمة أيضًا فراجع ذَلِكَ منه (١).
الثانية: جملة من في الصحابة اسمه عائشة عشرة: عائشة هذِه الجليلة، وبنت سعد (٢)، وبنت (جرير) (٣)، وبنت الحارث القرشية (٤)، وبنت أبي سفيان الأشهلية (٥)، وبنت عبد الرحمن بن عتيك زوج رفاعة (٦)، وبنت (عمير) (٧) الأنصارية (٨)، وبنت معاوية بن المغيرة أم
-------------------------
(١) «غاية السول في خصائص الرسول» ص ١٥٤ - ١٥٦، مطبوع باسم «خصائص الرسول».
(٢) عائشة بنت سعد بن أبي وقاص القرشية الزهرية المدنية روت عن أبيها سعد وبعض أزواج النبي - ﷺ - وروى لها البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي ماتت سنة ١١٧ هـ. انظر ترجمتها في: «الطبقات الكبرى» ٨/ ٤٦٧ «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٢٣٦ (٧٨٨٦) «الإصابة» ٤/ ٣٦١.
(٣) في الأصول: جزء، والمثبت هو الصواب، وهي عائشة بنت جرير بن عمرو بن زارح الأنصارية. انظر ترجمتها في: «أسد الغابة» ٧/ ١٩٢، «الإصابة» ٤/ ٣٦١.
(٤) عائشة بنت الحارث بن خالد بن صخر القرشية التيمية، ولدت هي وأختها فاطمة وزينب بأرض الحبشة، وقيل: إنهن متن في إقبالهن من أرض الحبشة من ماء شربنه في الطريق، وقد قيل: إن فاطمة نجت منهن وحدها. انظر ترجمتها رضي الله عنها في: «الاستيعاب» ٤/ ٤٣٩ (٣٤٦٤)، «أسد الغابة» ٧/ ١٩٣ (٧٠٨٧).
(٥) عائشة بنت أبي سفيان بن الحارث بن زيد الأنصارية من بني عبد الأشهل ذكرها ابن حبيب في المبايِعات. انظر ترجمتها في: «أسد الغابة» ٧/ ١٩٣، «الإصابة» ٤/ ٣٦١ (٧٠٧).
(٦) عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضرية كانت تحت ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك فطلقها فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي ثم طلقها فأرادت أن ترجع للأول فأبى رسول الله - ﷺ -. انظر ترجمتها في: «أسد الغابة» ٢/ ٢٣٣، «الإصابة» ١/ ٥١٨.
(٧) في (ج): عمر.
(٨) وهي عائشة بنت عمير بن الحارث بن ثعلبة الأنصارية ذكرها ابن حبيب في =
عبد الملك بن مروان، وبنت قدامة بن مظعون (١)، وعائشة من الأوهام وإنما هي بنت عجرد (٢) سمعت ابن عباس. وليس في الصحيحين من اسمه عائشة من الصحابة سوى الصديقة، وفيهما عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، عن خالتها (٣) عائشة أصدقها مصعب ألف ألف، وكانت بديعة جدًّا (ضخمة) (٤)، وفي البخاري عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، روت عن أبيها (٥). وفي ابن ماجه عائشة بنت مسعود بن
------------------------
= المبايِعات. انظر ترجمتها في: «الطبقات الكبرى» ٨/ ٣٩٨، «أسد الغابة» ٧/ ١٩٤ (٧٠٩١)، «الإصابة» ٤/ ٣٦٢.
(١) هي عاشة بنت قدامة بن مظعون القرشية الجمحية، هي وأمها رائطة بنت سفيان الخزاعية من المبايِعات.
انظر ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٤٣٩، «أسد الغابة» ٧/ ١٩٤، «الإصابة» ٤/ ٣٦٢.
(٢) عائشة بنت عجرد، روت عن ابن عباس، وروى عنها أبو حنيفة، قال الدارقطني: لا تقوم بها حجة. اهـ. وقال الذهبي: لا تكاد تعرف، ويقال: لها صحبة ولم يثبت ذلك، بلى أرسلت فأوهمت: أنها صحابية. اهـ.
انظر ترجمتها في: «ميزان الاعتدال» ٣/ ٨٧، «تعجيل المنفعة» ٢/ ٦٥٧ (١٦٤٨).
(٣) عائشة بنت طلحة بن عبيد الله القرشية التيمية، أم عمران المدنية، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق. تزوجها ابن خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فمات عنها، ثم خلف عليها مصعب بن الزبير، فقتل عنها فخلف عليها عمر بن عبد الله بن معمر التيمي، وكانت من أجمل نساء قريش، أصدقها مصعب بن الزبير ألف ألف درهم، وثقها ابن معين والعجلي وأبو زرعة وابن حبان روى لها الجماعة.
انظر ترجمتها في: «معرفة الثقات» ٢/ ٤٥٥ (٢٣٤٢)، «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٢٣٧، ٢٣٨ (٧٨٨٨)، «تقريب التهذيب» (٨٦٣٦).
(٤) في (ف): صحيحة.
(٥) البخاري (١٨٧٧) كتاب: الحج، باب: إثم من كاد أهل المدينة، (٥٦٥٩) كتاب: المرضى، باب: وضع اليد على المريض.
العجماء العدوية عن أبيها. وعنها ابن أختها محمد بن طلحة (١)، وليس في مجموع الكتب الستة غير ذَلِكَ، وثم عائشة بنت سعد (٢) أخرى بصرية تروي عن الحسن.
الثالثة: قولهم في عائشة وغيرها من أزواج النبي - ﷺ - ورضي عنهن: أم المؤمنين تبعوا فيه قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقرأ مجاهد: (وهو أب لهم) (٣) وقيل: إنها قراءة أُبي بن كعب (٤)، وهن أمهات في وجوب احترامهن وبِرِّهن وتحريم نكاحهن، لا في جواز الخلوة والمسافرة وتحريم نكاح بناتهن، وكذا النظر في الأصح، وبه جزم الرافعي (٥) ومقابله حكاه الماوردي (٦).
وهل يقال لإخوتهن أخوال المسلمين، ولأخواتهن: خالات المؤمنين، ولبناتهن: أخوات المؤمنين؟ فيه خلاف عندنا وعند غيرنا، والأصح المنع لعدم التوقيف. ووجه مقابله أنه مقتضى ثبوت الأمومة، وهو ظاهر النص، لكنه مؤول (٧)، قالوا: ولا يقال: آباؤهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وجداتهم (٨). وهل يقال فيهن: أمهات المؤمنات؟ فيه
----------------------------
(١) ابن ماجه (٢٤٥٨).
(٢) عائشة بنت سعد، من أهل البصرة، تروي عن الحسن البصري، وحفصة بنت سيرين، ويروي عنها عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة البصري أحد الضعفاء المتروكين.
انظر ترجمتها في: «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٢٣٧ (٧٨٨٧).
(٣) رواه الطبري في «التفسير» ١٠/ ٢٥٨ (٢٨٣٣٦).
(٤) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» ٧/ ٦٩.
(٥) «العزيز» ٧/ ٤٥٧.
(٦) «الحاوي الكبير» ٩/ ١٩.
(٧) انظر: «العزيز» ٧/ ٤٥٧، «روضة الطالبين» ٧/ ١١، «غاية السول في خصائص الرسول» ص ١٦٧ - ١٦٨.
(٨) المصادر السابقة.
خلاف عندنا، والأصح أنه لا يقال؛ بناء عَلَى الأصح أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال (١)، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أنا أم (الرجال) (٢) لا أم النساء (٣). وهل يقال للنبي - ﷺ -: أبو المؤمنين؟ فيه وجهان عندنا، والأصح: الجواز (٤)، ونص عليه الشافعي أيضا (٥)، أي: في الحرمة. ومعنى قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، لصُلبه، وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه لا يقال: أبونا، وإنما يقال: هو كأبينا، لما روي أنه - ﷺ - قَالَ: «إنما أنا لكم كالوالد» (٦).
---------------------------
(١) انظر: «الحاوي» ٧/ ١٩، «تفسير الماوردي» ٤/ ٣٧٤، «التهذيب» ٥/ ٢٢٧،
«روضة الطالبين» ٧/ ١١ - ١٢.
أما مسألة دخول النساء في خطاب الرجال أو عدمه، فقد اتفق العلماء على أن كل واحد من المذكر والمؤنث لا يدخل في الجمع الخاص بالآخر، كالرجال والنساء، وعلى دخولهما في الجمع الذي لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث كالناس، وإنما وقع الخلاف بينهما في الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير، كالمسلمين والمؤمنين هل هو ظاهر في دخول الإناث فيه أو لا؟ فذهب الجمهور إلى نفيه، وذهب الحنابلة وأبو بكر بن داود وأصحاب أبي حنيفة إلى إثباته.
انظر المسألة بالتفصيل في: «الإحكام» للآمدي ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٩، «إرشاد الفحول» ١/ ٥٦٣ - ٥٦٦، «مذكرة الشنقيطي» ص ٢١٢، «معالم أصول الفقه» ص ٤٢٤.
(٢) في (ف): (رجالكم).
(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٨/ ٢٠٠، والبيهقي في «الكبرى» ٧/ ٧٠.
(٤) انظر: «التهذيب» ٥/ ٢٢٨، «روضة الطالبين» ٧/ ١٢.
(٥) «الأم» ٥/ ١٢٦.
(٦) رواه أبو داود (٨)، والنسائي ١/ ٣٨، وابن ماجه (٣١٣)، وأحمد ٢/ ٢٤٧، وابن خزيمة (٨٠). وهو جزء من حديث أبي هريرة في الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة. والحديث حسن إسناده الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٦).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|