
24-12-2025, 05:43 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث والعشرون
صـــ 82الى صـــ 91
(470)
والمطالبة بالوفاء بالشرط يكون لتوفر المنفعة أو لدفع الضرر ، فإذا انعدم ذلك في هذا الشرط عرفنا أنه لا مطالب به فلا يفسد العقد به ، واستدل في الكتاب بحديث ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أجر أرضه اشترط على صاحبها أن لا يدخلها كلبا ، ولا يعذرها ، وقد بينا أنه إنما كان يشترط ذلك لمعنى التقذر ، ولو كان هذا من الشروط التي تفسد الإجارة ما اشترطه ابن عمر رضي الله عنه على من استأجر منه أرأيت لو اشترط عليه أن لا يدخلها كلبا ، كما اشترطه ابن عمر رضي الله عنه كان هذا مفسدا للمزارعة ، وليس يفسدها هذا ، ويتخير المزارع إن شاء أدخلها كلبا ، وإن شاء لم يدخلها ، فكذلك إذا شرط عليه أن لا يعذرها ، ولا يسرقنها يتخير المزارع في ذلك ، فلو اشترط العامل على رب الأرض دولابا أو دالية بأداتها ، وذلك بعينه عند رب الأرض أو لم يكن عنده ، فاشتراه ، فأعطاه إياه ، فعمل على هذا ، والبذر من العامل فالمزارعة فاسدة ، وإن شرط ذلك لرب الأرض على العامل جاز ، وكان ذلك على العامل ، وإن لم يشترط رب الأرض ; لأنه مما يسقي به الأرض ، والسقي على العامل ، فاشتراطه ما يتأتى به السقي عليه يكون مقررا لمقتضى العقد ، وليس السقي على رب الأرض ، فاشتراط ما يتأتى به السقي على رب الأرض بمنزلة اشتراط السقي عليه ، وذلك مفسد للعقد ، وكذلك الدواب التي يسقي عليها بالدولاب إن اشترطها على رب الأرض فالمزارعة فاسدة ، [ ص: 83 ] وإن اشترطها على العامل جاز ; لأن اشتراط الدولاب للسقي ، كاشتراط البقر للكراب ، وقد بينا أن اشتراط البقر على رب الأرض مفسد للعقد إذا كان البذر من قبل العامل ، واشتراطها على العامل لا يفسد العقد ، فكذلك اشتراط الدواب للسقي ، وكذلك لو اشترط الدولاب والدواب على العامل ، وشرط علف الدواب كذا مختوما شعيرا وسطا كل شهر وكذا من القت وكذا من التبن بشيء معروف من ذلك على رب الأرض فالمزارعة فاسدة ; لأن ما يشترط على رب الأرض لعلف دواب المزارع يكون مشروطا للمزارع ، واشتراط شيء له من غير ما تخرجه الأرض يكون مفسدا للمزارعة ; فإنها شركة في الخارج ، فلا يجوز أن يستحق بها مال آخر ، فإن حصل الخارج فهو كله لصاحب البذر ، ولصاحب الأرض أجر مثل أرضه ومثل ما أخذ من المزارع من الشعير والقت والتبن ; لأنه استوفى ذلك بعقد فاسد ، ولو كان اشتراط ذلك كله على العامل جاز ; لأن علف دوابه عليه بغير شرط ، فالشرط لا يزيده إلا وكادة ، ولو كان البذر من رب الأرض فاشتراط ذلك كله على صاحب العمل جاز بمنزلة اشتراط البقر للكراب عليه ، وكذلك إن اشترط على رب الأرض ; لأنه لو اشترط عليه البقر للكراب في هذه الحالة يجوز ، فكذلك إذا شرط عليه الدولاب والدواب للسقي ، وهذا ; لأن المزارع أجيره ، فإنما استأجره ; ليقيم العمل بأداة المستأجر ، وذلك صحيح ، وإذا اشترطا الدواب والدولاب على رب الأرض وعلف الدواب شيئا معروفا على المزارع فسدت المزارعة ; لأنه شرط على المزارع علف دواب غيره ، وذلك بمنزلة اشتراط رب الأرض على المزارع طعام غلامه ، وذلك مفسد للمزارعة سواء سمى طعاما معروفا أو لم يسم ; لأن ذلك بمنزلة الاشتراط منه لنفسه ، وكذلك لو اشترطا الدواب والدولاب على المزارع وعلف الدواب على رب الأرض ولو اشترطا الدابة وعلفها على أحدهما ، والدولاب على الآخر جاز ; لأن علف الدابة مشروط على صاحب الدابة ، وهو عليه بغير شرط ثم في هذا الفصل اشتراط الدواب والدولاب على أحدهما صحيح أيهما كان ، فكذلك اشتراط كل واحد منهما على أحدهما بعينه يكون صحيحا . والله أعلم .
( قال - رحمه الله ) - : وإذا دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء مزارعة ، وفيها نخيل على أن [ ص: 84 ] يزرعها ببذره وعمله على أن ما خرج من ذلك فهو بينهما نصفان ، واشترطا ذلك سنين معلومة فهذا فاسد ; لأن في حق الأرض العامل مستأجر لها بنصف الخارج على أن يزرعها ببذره ، وفي حق النخيل رب النخيل مستأجر للعامل ليعمل فيها بنصف الخارج ، فهما عقدان مختلفان لاختلاف المعقود عليه في كل واحد بينهما ، وقد جعل أحد العقدين شرطا في الآخر ، وذلك مفسد للعقد لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن صفقتين في صفقة . ثم الخارج من الأرض كله لصاحب البذر ، وعليه أجر مثل الأرض لصاحب الأرض ، ويتصدق المزارع بالفضل ; لأنه ربى زرعه في أرض غيره بعقد فاسد ، والخارج من النخل كله لصاحب النخل ، وللعامل أجر مثل عمله فيما عمل في النخيل ، ويطيب الخارج كله لصاحب النخل ، وكذلك لو كان الشرط بينهما في النخل على الثلث والثلثين أو في الزرع على الثلث والثلثين فالجواب واحد ، وهذا أبين للمعنى الذي بينا أن العقد مختلف فيها ، ولو كان البذر من صاحب الأرض ، والمسألة بحالها جاز العقد ; لأنه استأجر العامل ليعمل في أرضه ونخله ، فيكون العقد بينهما واحدا لاتحاد المعقود عليه ، وهو منفعة العامل ، فهو بمنزلة ما لو دفع إليه أرضين مزارعة ; ليزرعها ببذر صاحب الأرض ، وكذلك لو اشترطا على العامل في النخيل تسعة أعشار الثمار ، وفي الزرع النصف ; لأن العقد لا يختلف باختلاف مقدار البذر المشروط ، كما لو استأجره لعمل معلوم بمائة درهم ، وبدينار يكون العقد واحدا ، وإنما يختلف العقد باختلاف المعقود عليه ، والمعقود عليه واحد ، وهو عمل العامل ، ولو دفع إليه أرضا وكرما على نحو هذا كان الجواب كالجواب في النخل ; لاتفاقهما في المعنى ، ولو دفع إليه أرضا بيضاء فيها نخيل فقال : أدفع إليك هذه الأرض تزرعها ببذرك وعملك على أن الخارج من ذلك بيني وبينك نصفان ، وأدفع إليك ما فيها من النخيل معاملة على أن تقوم عليه ، وتسقيه ، وتلقحه ، فما خرج من ذلك فهو بيني وبينك نصفان أو قال : لك منه الثلث ، ولي الثلثان ، وقد وقتا لذلك سنين معلومة فهو جائز ; لأنه لم يجعل أحد العقدين هنا شرطا في الآخر ، وإنما جعله معطوفا على الآخر ; لأن الواو للعطف لا للشرط بخلاف الأول ، فهناك جعل أحد العقدين شرطا في الآخر لأن حرف على للشرط ( ألا ترى ) أنه لو قال أبيعك هذه الدار بألف درهم على أن تستأجر مني هذه الدار الأخرى شهرا بخمسة دراهم كان هذا فاسدا ; لأن هذا بيع شرطت فيه إجارة ، ولو قال : أبيعك هذه الدار بألف وأؤجر كهذه الدار الأخرى شهرا بخمسة دراهم كان جائزا ; لأنه لم يجعل أحدهما شرطا في صاحبه ، وكذلك لو قال : أبيعك هذه الدار [ ص: 85 ] بألف درهم على أن أبيعك هذه الأمة بمائة دينار كان العقد فاسدا بخلاف ما لو قال : وأبيعك هذه الأمة ، وقد أجاب في الزيادات في مسألة البيع بخلاف هذا ، وقد بينا وجه الروايات والتوفيق فيما أملينا من شرح الزيادات ، وكذلك لو دفع إليه أرضا وكرما ، وقال : ازرع هذه الأرض ببذرك على هذا الكرم فاكسحه واسقه ، فهذا صحيح ; لأنه ما شرط أحد العقدين في الآخر فلا يفسد واحد منهما والله أعلم
قال - رحمه الله - : وإذا دفع رجل إلى رجل أرضا مزارعة بالنصف سنته هذه فهو فاسد ; لأنهما لم يسميا البذر من أحدهما بعينه ، والمعقود عليه يختلف باختلاف من البذر من قبله ; لأنه إن كان البذر من قبل رب الأرض فالمعقود عليه منفعة العامل ، وإن كان من قبل العامل فالمعقود عليه منفعة الأرض ، وجهالة المعقود عليه مفسدة للعقد ثم هذه جهالة تفضي إلى المنازعة بينهما ; لأن كل واحد منهما يقول لصاحبه : البذر من قبلك ، وليس الرجوع إلى قول أحدهما بأولى من الرجوع إلى قول الآخر ، ويحكى عن الهندواني - رحمه الله - أنه قال : هذا في موضع ليس فيه عرف ظاهر يكون البذر من أحدهما بعينه ، أو كان العرف مشتركا فأما في موضع يكون فيه عرف ظاهر يكون البذر من أحدهما بعينه فإن العقد يكون صحيحا ، والبذر من قبله ; لأن الثابت بالعرف كالثابت بالشرط ، كما لو اشترى بدراهم مطلقة تنصرف إلى نقد البلد للعرف ، فتنقطع المنازعة بينهما بالرجوع إلى الظاهر المتعارف ، وكذلك لو قال للمزارع : على أن تزرعها سنتك هذه ; لأن من البذر من قبله لا يتعين بهذا اللفظ فالمزارع هو الذي يزرع البذر سواء كان البذر من رب الأرض أو من قبله ، ولو قال : على أن تزرعها سنتك هذه لنفسك بالنصف فهو جائز استحسانا ، والبذر من قبل المزارع ; لأنه إنما يكون عاملا لنفسه إذا كان البذر من قبله فيكون هو مستأجرا للأرض ، فأما إذا كان البذر من قبل رب الأرض ، فيكون هو أجيرا عاملا لرب الأرض ، ففي لفظه ما يدل على اشتراط البذر على المزارع ، فيكون ذلك كالتصريح به ، وكان القياس أن لا يجوز حتى يسمي ما يزرعها ; لأن بعض الزرع أضر على الأرض من بعض ، فما لم يبين جنس البذر لا يصير مقدار ما يستوفيه من منفعة الأرض معلوما ، وهذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة ; لأن رب الأرض يطالبه بأن يزرع فيها أقل ما يكون ضررا على الأرض ، والمزارع [ ص: 86 ] يأبى إلا أن يزرع فيها أضر الأشياء بالأرض ، وكذلك في جهالة جنس البذر جهالة جنس الأجر ; لأن الأجر جزء من الخارج ، وذلك لا يصير معلوما إلا بتسمية جنس البذر ، ولكنا نستحسن أن نجيز العقد ، ونجعل له أن يزرعها ما بدا له من غلة الشتاء والصيف من الحنطة والرطبة والسمسم والشعير ، ونحو ذلك ، إما لأن بطريق العرف يحصل تعيين جنس البذر بتعيين الأرض ، فإن أهل الصنعة يعلمون كل أرض صالحة لزراعة شيء معلوم فيها أو ; لأنه لا تجري المنازعة بين رب الأرض والمزارع فيها لما لكل واحد منهما من الحظ من ذلك أو ; لأن المزارع مستأجر للأرض ، ومنفعة الأرض معلومة بتعيين الأرض ، والضرر في أنواع ما يزرعها فيها يتفاوت فلا يفسد العقد ، كما لو أستأجر دارا للسكنى ، ولم يبين من يسكنها ، وليس له أن يغرس فيها كرما ولا شجرا ; لأنه قال في العقد : ازرعها لنفسك ، وعمل الغرس غير عمل الزراعة ، والتفاوت بينهما في الضرر على الأرض فاحش فلا يستفيد أعظم الضررين عند التصريح بأدناهما ، كما لو استأجر حانوتا ليسكنها لم يكن له أن يقعد فيها قصارا ، ولا حدادا ، ولو كان دفعها إليه على أن يزرع سنته هذه لصاحب الأرض بالنصف فهو جائز ، والبذر من رب الأرض ; لأنه إنما يكون زارعا لصاحب الأرض إن كان هو أجيرا له في العمل ، ولرب الأرض أن يستعمل الزارع في زراعة ما بدا له فيها من غلة الشتاء والصيف استحسانا ، وكان القياس أن لا يجوز حتى يبين ما يزرع ، أو يشترط التعميم ، فيقول : على أن يزرع لي ما بدا لي من غلة الشتاء والصيف ; لأن العمل يتفاضل في ذلك ، والعمل في بعض أنواع الزرع يكون أشد على العامل من بعض ، فأما أن يبين جنس البذر ليصير مقدار العمل به معلوما ، أو يصرح باشتراط الخيار لنفسه في ذلك ، ولكن في الاستحسان لا يشترط هذا ; لما قلنا ، ولو دفعها إليه على أن يزرعها سنته هذه ما بدا للمزارع من غلة الشتاء والصيف فهو جائز ، والبذر من قبل العامل ; لأن تفويض الأمر إلى رأيه على العموم دليل على أن يكون عاملا لنفسه في الزراعة ، ولو قال : ما بدا لرب الأرض كان البذر من رب الأرض ; لأن التنصيص على كون الرأي فيه إليه دليل على أن المزارع عامل له ، وذلك إذا كان البذر من قبل رب الأرض ، وكذلك لو قال رب الأرض : تزرعها ما أحببت أنا أو ما شئت أنا أو ما أردت أنا فهذا كله دليل على أن البذر من قبل رب الأرض ، ولو قال : ما شئت أنت أو ما أحببت أنت ، أو ما أردت أنت فهو دليل على أن البذر من العامل ، والعقد جائز في الفصلين استحسانا ، وفي القياس : لا يجوز حتى يبينا من البذر من قبله أيهما هو ; لأن مع اشتراط [ ص: 87 ] الرأي لأحدهما يجوز أن يكون البذر من قبل الآخر .
( ألا ترى ) أنهما لو صرحا بذلك كان البذر من قبله ، فإذا سكتا عن ذكره كان من البذر من قبله مجهولا منهما ، ولكن استحسن فقال : الظاهر أنه إنما شرط المشيئة والمحبة والإرادة في البذر على العموم لمن البذر من قبله ، وهذا الظاهر يسقط اعتباره عند التصريح بخلافه ، وعند عدم التصريح بخلافه يبقى معتبرا ، كتقديم المائدة بين يدي إنسان يكون إذنا في التناول بدليل العرف ، وإن صرح بخلافه ، فقال : لا تأكل ، لم يكن ذلك إذنا في التناول
ولو دفع إليه أرضا وبذرا على أن يزرعها سنته هذه بالربع ، ولم يسميا غير ذلك فالمزارعة جائزة ، والربع للزارع إن اختلفا فيه قبل العمل أو بعده ; لأن حرف الباء للإلصاق ، وإنما يصحب الأعواض ، فيكون هذا اشتراط الربع لمن يستحق الخارج عوضا ، وهو المزارع ، فإنه يستحقه عوضا عن عمله ، فأما صاحب الأرض والبذر ، فإنما يستحقه لأنه نماء بذره يوضحه أن المزارع هو المحتاج إلى بيان نصيبه بالشرط ، فاشتراط الربع مطلقا إنما ينصرف إلى بيان نصيب من يحتاج إلى الشرط ، ولو قال : دفعت إليك هذه الأرض على أن تزرعها ببذرك وعملك بالربع كان الربع لرب الأرض ; لأنه هو الذي يستحق الخارج هنا عوضا عن منفعة الأرض ، وهو المحتاج إلى الشرط للاستحقاق ، ولو دفعها إليه على أن يزرعها حنطة من عنده بالنصف لم يكن له أن يزرعها غير الحنطة ، وإن كان أقل ضررا على الأرض ; لأنهما شرطا زراعة الحنطة في عقد لازم ، وهذا شرط مفيد فيجب الوفاء به بخلاف ما إذا استأجرها بدراهم ليزرعها حنطة ، فزرعها شيئا هو أقل ضررا على الأرض لم يضمن ، وعليه الأجر ; لأن تعيين الحنطة هناك غير مفيد في حق رب الأرض ; فإن حقه في الأجر ، وهو دراهم يستوجبها بالتمكن من الزراعة ، وإن لم يزرعها فلا يعتبر تعيينها بالحنطة إلا في معرفة مقدار الضرر على الأرض ، فإذا زرع فيها ما هو أقل ضررا لم يكن مخالفا أما في المزارعة فتعيين الحنطة شرط مفيد في حق رب الأرض ; لأن حق رب الأرض في نصف الخارج ، فإنما جعل له الأجر من الحنطة ، فلا يكون له أن يحول حقه إلى شيء آخر بزراعته فيها ، وإن كان ذلك أقل ضررا لم يكن مخالفا ، وكذلك لو قال : خذ هذه الأرض لتزرعها حنطة ، فهذا شرط بمنزلة قوله : على أن تزرعها الحنطة ، وقد بينا هذه الفصول في المضاربة
ولو دفع إليه الأرض والبذر على أن يكون للمزارع ربع الخارج ، ولرب الأرض نصفه فهو جائز ، وثلاثة أرباع الزرع لرب الأرض والبذر ، لأن المزارع هو الذي يستحق بالشرط فلا يستحق غير ما شرط له ، وما وراء ذلك مما هو مسكوت عنه يكون لصاحب البذر ; [ ص: 88 ] لأن استحقاقه يكون نماء بذره بالشرط ، ولو دفع إليه أرضا ، فقال : قد أجرتك هذه الأرض هذه السنة مزارعة بالنصف أو لتزرعها بالنصف فهو جائز ، والبذر من العامل ; لأن رب الأرض نص على أنه مؤاجر للأرض ، وإنما يكون كذلك إذا كان البذر من قبل العامل ، وكذلك لو قال : أجرتك هذه الأرض هذه السنة على أن تزرعها بالنصف فهو جائز والبذر من قبل العامل ، ولو قال : أجرتك هذه الأرض هذه السنة بالنصف كان فاسدا ; لأنه لم يسم زرعا ولا غرسا ، والتفاوت بينهما في الضرر على الأرض فاحش ، ورب الأرض هو المؤاجر لأرضه لكل واحد منهما ، فإذا لم يبينا ذلك كان العقد فاسدا ، فإن لم يتفاسخا حتى زرعها أو غرسها ، وقد أجرها إياه سنين مسماة كان الخارج بينهما نصفين استحسانا لأنه تعين المعقود عليه في الانتهاء قبل وجوب البدل فيجعل كتعينه في الابتداء ، وهو نظير ما تقدم في الإجارات إذا استأجر دابة للركوب أو ثوبا للبس ، ولم يبين من يركبها ، ولا من يلبسها ، ولو قال له : استأجرتك هذه السنة تزرع في هذه الأرض بالنصف جاز ، والبذر من رب الأرض ، فما أعطاه من حبوب أو رطبة فعليه أن يزرعها ; لأنه صرح باستئجاره للزراعة ، وإنما يكون رب الأرض مستأجرا للزرع إذا كان البذر من قبله ، ولو أراد رب الأرض أن يدفع إليه شجرا أو كرما يغرسه فيها فللعامل أن يمتنع من ذلك ; لأنه استأجره للزراعة ، وهذا العمل لا يقع عليه اسم الزراعة مطلقا إنما يسمى غراسة ، وما شرط عليه في العقد عمل الغراسة ، فليس له أن يكلفه ذلك ، ولو قال استأجرتك تعمل في هذه الأرض عشر سنين بالنصف ، فهذا فاسد ; لأن العمل المشروط عليه مجهول ، وبين عمل الزراعة والغراسة تفاوت عظيم ، فإن لم يتفاسخا حتى أعطاه رب الأرض بذرا فبذره ، أو غرسا فغرسه ، وعمله كان الخارج منهما على شرطهما استحسانا ، وجعل التعيين في الانتهاء بتراضيهما ، كالتعيين في الابتداء ، وهو نظير الأول على ما بينا . والله أعلم
قال - رحمه الله - : وإذا كان البذر من رب الأرض ، فأخرجت الأرض زرعا كثيرا فقال رب الأرض : شرطت لك الثلث ، وقال المزارع : شرطت لي النصف فالقول قول رب الأرض مع يمينه ; لأن المزارع يستحق عليه الخارج بمقابلة عمله بالشرط ، فهو يدعي زيادة فيما شرط له ، ورب الأرض ينكر تلك الزيادة فالقول قوله مع يمينه ، وعلى المزارع البينة على ما ادعى وتترجح [ ص: 89 ] بينته عند المعارضة ; لما فيها من إثبات الزيادة ، ولا يصار إلى التحالف عند أصحابنا جميعا - رحمهم الله - بعد استيفاء المنفعة لخلوه عن الفائدة ، وقد بينا ذلك في الإجارات وإن اختلفا قبل أن يزرع شيئا تحالفا ، وترد اليمين عليه أيضا ، وهنا أول المزارعة ; لأن المزارعة عقد محتمل للفسخ ، فإذا اختلفا في مقدار البدل فيه حال قيام المعقود عليه تحالفا ، وترادا ، ويبدأ بالمزارع في اليمين ، وهذا قول أبي يوسف الآخر ، وهو قول محمد - رحمه الله - وقد بينا ذلك في البيوع أن البداءة في البيع بيمين المشتري ; لأن أول التسليمين عليه ، فأول التسليمين على المزارع ثم العقد لازم في جانبه حتى لا يتمكن من الفسخ من غير عذر ، وصاحب البذر يتمكن من ذلك ، فكانت اليمين في جانبه ألزم ، وأيهما نكل عن اليمين لزمه دعوى صاحبه ; لأن نكوله كإقراره ، وإن أقاما البينة قبل التحالف أو بعده فالبينة بينة المزارع ; لأنها مثبتة للزيادة ، واليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة ، ولو اختلفا ، والبذر من العامل ، وقد أخرجت الأرض الزرع فالقول قول العامل ; لأن رب الأرض هو الذي يستحق الخارج عليه بالشرط ، فإذا ادعى زيادة فيما شرط له كان عليه أن يثبت تلك الزيادة بالبينة ، وعلى الآخر اليمين ; لإنكاره وإن اختلفا قبل أن يزرع تحالفا ، ويبدأ بيمين صاحب الأرض ; لأن أول التسليمين عليه ; ولأن لزوم العقد هنا في جانبه
وإذا دفع الرجل إلى رجل أرضا وبذرا يزرعها سنته هذه على أن للمزارع ثلث الخارج ثلثه من نصيب أحدهما بعينه ، والثلثان من نصيب الآخر فهذا جائز ، وله ستة من ثمانية عشر سهما ، والباقي بين صاحبي الأرض خمسة أسهم منه للذي شرط للمزارع الثلثين من نصيبه ، وسبعة للآخر ; لأن المزارع أجيرهما في العمل ، وقد استأجراه بجزء معلوم من الخارج ، وبينا مقدار ما له من نصيب كل واحد منهما من ذلك الجزء ، وذلك مستقيم ، فالأجير قد تسامح مع أحد المستأجرين دون الآخر ، وقد تعينت مع أحدهما ، وطلب الأجر من الآخر ، فإذا صح هذا الشرط احتجنا في التخريج إلى حساب له ثلث ينقسم أثلاثا ، وذلك تسعة إلا أن أصل الخارج بينهما نصفان ، فليس لتسعة نصف صحيح فيضعف الحساب ، ويجعل الخارج على ثمانية عشر سهما نصيب كل واحد منهما تسعة ، وقد شرطا للمزارع ثلث الخارج ، وهو ستة ثلثا ذلك ، وهو أربعة من نصيب أحدهما ، ونصيبه كان تسعة ، فإذا استحق المزارع من ذلك أربعة بقي له خمسة ، وثلث ذلك ، وهو سهمان من نصيب الآخر ، وقد كان نصيبه تسعة ، فلما استحق المزارع من ذلك أربعة بقي له خمسة ، وثلث ذلك هو سهمان من نصيب الآخر ، وقد كان نصيبه تسعة ، فلما استحق المزارع من ذلك سهمين بقي له سبعة ، ولو كان اشترطا للمزارع الثلث ولم يزد على هذا كان الزرع بينهما أثلاثا ; لأن المشروط [ ص: 90 ] للمزارع مطلقا يكون من النصيبين على السواء ، فإذا استحق المزارع ثلث الخارج بقي الباقي بينهما على ما كان أصل الخارج فيكون بينهم أثلاثا ولو كانا اشترطا الثلث للزارع ثلثه من نصيب هذا بعينه ، والثلث من نصيب الآخر ، وما بقي من صاحبي الأرض نصفين ، فللمزارع الثلث ستة من ثمانية عشر ، والباقي بينهما لأحدهما خمسة ، وللآخر سبعة ، كما خرجنا ، واشتراط المناصفة فيما بينهما فيما بقي باطل ; لأن الذي شرط للمزارع ثلثي الثلث من نصيبه باشتراط المناصفة في الباقي يستوهب من نصيب صاحبه سهما واحدا ; ليكون ستة له من الباقي ، ولصاحبه ستة ، واستيهاب المعدوم باطل ، وهو طمع منه في غير مطمع ; ولأنه طمع في شيء من نصيب صاحبه من الخارج من غير أن يكون له أرض ولا بذر ولا عمل ، وعقد المزارعة إنما كان بينهما وبين المزارع ، والشرط الباطل فيما بينهما لا يؤثر في العقد الذي بينهما ، وبين المزارع ،
ولو دفع رجل إلى رجلين أرضا بينهما نصفين ; ليزرعاها ببذرهما وعملهما على أن لصاحب الأرض ثلث الخارج ثلثه من نصيب أحدهما بعينه ، وثلثاه من نصيب الآخر فهو جائز ; لأنه أجر الأرض منهما بجزء معلوم من الخارج ، وفاوت بينهما ذلك الأجر ، وذلك مستقيم ; فإنه لا تتفرق الصفقة في حقه بهذا التفاوت ، فإذا حصل الخارج كان له الثلث ستة من ثمانية عشر والباقي بين العاملين على اثني عشر سهما ، خمسة للذي شرط لرب الأرض ثلثي الثلث من نصيبه ; لأن نصيبه كان تسعة ، وقد أوجب للمزارع من ذلك أربعة ، فبقي له خمسة ، والآخر إنما أوجب لرب الأرض سهمين من نصيبه ، فبقي له سبعة ، فإذا كانا اشترطا أن الباقي بعد الثلث بينهما نصفان ، فهذه مزارعة فاسدة ; لأن الذي شرط ثلثي الثلث من نصيبه لرب الأرض شرط لنفسه سهما من نصيب صاحبه ليستوي به ، وكان صاحبه عاقده عقد المزارعة في نصيبه بهذا السهم الذي شرط له ، وشرط عمله معه ، وذلك مفسد لعقد المزارعة بخلاف الأول ، فهناك ليس بين صاحبي الأرض شبهة عقد ، فاشتراط أحدهما لنفسه سهما من نصيب صاحبه استيهاب للمعدوم ، وإذا فسد العقد كان الخارج بين المزارعين نصفين ، ولرب الأرض أجر مثل أرضه ، أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج فإن قيل : كان ينبغي أن لا يفسد العقد بينهما وبين رب الأرض ; لأن المفسد ممكن فيما بينهما ، ولم يتمكن في العقد الذي فيما بينهما وبين رب الأرض قلنا : العقد كله صفقة واحدة بعضه مشروط في البعض فيتمكن المفسد منه ، وفي جانب منه يفسد الكل ، ثم قد يتمكن المفسد بينهما وبين رب الأرض من وجه ، وهو أن الذي شرط الثلثين لرب الأرض من نصيبه كأنه شرط ربع ذلك [ ص: 91 ] على صاحبه ليستوي به فيما بقي ، واشتراط شيء من الأجر في الإجارة على غير المستأجر يكون مفسدا للإجارة
ولو دفع رجلان أرضا وبذرا إلى رجل ; ليزرعها على أن للعامل ثلث الخارج ، والثلثان من ذلك لأحد صاحبي الأرض ثلاثة أرباعه ، وللآخر ربعه ، فعمل على ذلك فللعامل ثلث الخارج ، والباقي بين صاحبي الأرض نصفين ; لأن البذر بينهما نصفان ، والعامل أجيرهما بالثلث ، فاستحق الثلث بمطلق الشرط من نصيبهما سهمين ، وكان الباقي بينهما نصفين ، فالذي شرط له ثلاثة أرباع ما بقي يكون شرطها له نصف ما بقي من صاحبه لنفسه ، وهذا منه استيهاب المعدوم ، أو طمع في غير مطمع ، فيلغو ، ولو كان البذر من قبل العامل ، والمسألة بحالها جاز ، وكان الباقي بينهما على الشرط ، ثلاثة أرباعه للذي شرط ذلك له ، وربعه للآخر ; لأن العامل هنا مستأجر للأرض منهما ، وإنما استحقاق الخارج عليه بالشرط ، فيكون لكل واحد منهما مقدار ما شرط لأحدهما ، ثلاثة أرباع الثلثين ، وللآخر الربع بخلاف الأول ، فاستحقاقهما هناك يكون من الخارج نماء بذرهما لا بالشرط فإن قيل : هنا العامل يكون مستأجرا نصيب أحدهما من الأرض بجميع الخارج ; لأن الخارج من نصف الأرض ثلاثة أرباع الثلثين مثل ما شرط له ، واستئجار الأرض في المزارعة بجميع الخارج لا يجوز قلنا : نعم ، ولكن لا يميز نصيب أحدهما من نصيب الآخر ; لما في ذلك من تمكن الشيوع في العقد في نصيب كل واحد منهما ، وإذا لم يميز لم يتحقق هذا المعنى ، فبقي العقد بينهما على جميع الأرض بثلثي الخارج ، وذلك صحيح بينهما ، وبين صاحب البذر ثم جعلا ثلاثة أرباع الثلثين بمقابلة نصيب أحدهما من منفعة الأرض والربع بمقابلة نصيب الآخر ، وذلك مستقيم فيما بينهما أيضا
ولو دفع رجل إلى رجلين أرضا يزرعها ببذرهما وعملهما على أن لصاحب الأرض ثلث الخارج وللعاملين الثلثين ، الربع من ذلك لأحدهما بعينه وثلاثة أرباعه للآخر ، فهذا فاسد ; لأنهما استأجرا الأرض على أن يكون جميع الأجر على أحدهما وهو الذي شرط له الربع من الباقي ; لأن الذي شرط لنفسه ثلاثة أرباع ما بقي قد شرط لنفسه جميع ما يخرجه بذره فعرفنا أنه شرط نصيبه من الأجر على صاحبه ، وذلك مفسد للعقد ويوضحه أنهما شرطا لرب الأرض الثلث ، وذلك من نصيبهما نصفين ، فلما شرطا لأحدهما ثلاثة أرباع ما بقي ، فكأن الآخر عقد عقد المزارعة بنصف الباقي من نصيبه على أن يعمل هو معه ، وذلك مفسد للمزارعة وإذا فسدت كان الخارج كله للمزارعين ولرب الأرض أجر مثل أرضه أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج ، وهو الحكم في المزارعة الفاسدة ،
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضا يزرعها [ ص: 92 ] ببذره وعمله على أن الخارج بينهما نصفان ، فلما حصل الخارج قال صاحب البذر شرطت لك عشرين قفيزا من الخارج وقال رب الأرض : شرطت لي النصف منه فالقول قول صاحب البذر ; لأن صاحب البذر يدعي عليه استحقاق نصف الخارج بالشرط ، وهو منكر لذلك ، فالقول قول المنكر مع يمينه ، والبينة بينة رب الأرض ; لأنها تثبت الاستحقاق له ، ولا يقال : الظاهر يشهد لرب الأرض ، فإن العقد الذي يجري بين المسلمين الأصل فيه الصحة ; لأن هذا الظاهر يصلح لدفع الاستحقاق لا للاستحقاق به ، وحاجة رب الأرض إلى ابتداء الاستحقاق ، فإذا حلف صاحب البذر أعطاه أجر مثل أرضه ; لأنه مقر له بذلك القدر ، وإن لم تخرج الأرض شيئا فقال المزارع شرطت له النصف ، وقال رب الأرض : شرطت لي عشرين قفيزا فالقول قول المزارع ; لأن رب الأرض يدعي لنفسه أجر المثل دينا في ذمة المزارع والمزارع منكر لذلك ، ثم الظاهر يشهد للمزارع ;

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|