عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 24-12-2025, 05:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث والعشرون

صـــ 72الى صـــ 81
(469)


وقد صار هذا النصف من الزرع مربى في أرض رب الأرض ، فلا يتمكن فيه الخبث ، وأما المزارع الآخر ، فيأخذ مما أخرج بذره ونفقته ، وما غرم من الأجر ، ويتصدق بالفضل ; لأنه رباه في أرض غيره بعقد فاسد ، ولم يكن رب الأرض أمره أن يعمل فيه برأيه ، أو يشارك في المزارعة ، والمسألة بحالها كان الخارج بين المزارع الأول والآخر نصفين ، لأن الأول صار ضامنا بذر رب الأرض بالخلاف ، فالخارج نماء بذرهما بسبب عقد فاسد جرى بينهما فيكون بينهما نصفين على قدر البذر ، وللمزارع الأول على الآخر أجر مثل نصف الأرض ; لأنه استوفى منفعة نصف الأرض بحكم عقد فاسد جرى بينهما ، والأول ، وإن صار غاصبا للأرض ، ولكن وجوب أجر المثل باعتبار العقد ، وهو العاقد ، فيكون بمنزلة من غصب أرضا ، وأجرها ، ويضمنها رب الأرض نقصان الأرض في قول محمد - رحمه الله - وهو قول أبي يوسف الأول ; لأن الأول غاصب للأرض ، والثاني متلف في مقدار النقصان فيضمن أيهما شاء ، ويرجع به الآخر على الأول ، إذا ضمن ; لأنه مغرور من جهته ، والغرور يتمكن بالعقد الفاسد ، كما يتمكن بالعقد الصحيح ، وظاهر ما نقل في الكتاب يدل على أنه يضمن كل واحد منهما نصف النقصان أيهما شاء ، فأما في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر - رحمهما الله - فإن رب الأرض [ ص: 73 ] يضمن جميع النقصان المزارع الآخر ; لأنه هو المتلف وضمان النقصان في العقار يجب على المتلف دون الغاصب عنده ثم يرجع به المزارع الآخر على الأول بحكم الغرور
ولو دفع إلى رجل أرضا وبذرا يزرعها سنته هذه بالنصف ، ولم يقل له : اعمل فيه برأيك فدفعها المزارع إلى رجل آخر على أن يزرعها سنته هذه بذلك البذر على أن للآخر ثلث الخارج ، وللأول ثلثاه ، فعملهما الثاني على هذا فالخارج بينهما أثلاث ، كما شرطاه في العقد الذي جرى بينهما ، والمزارع الأول صار مخالفا بإشراك الغير في الخارج بغير رضا رب المال ، فلرب الأرض أن يضمن بذره أيهما شاء ، وكذلك نقصان الأرض في قول محمد وأبي يوسف الأول ، فإن ضمنها الآخر رجع على الأول بذلك كله ، وإن ضمنها الأول لم يرجع على الآخر ، وفي قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر - رحمهما الله - إنما يضمن نقصان الأرض للأجر ، ويرجع هو على الأول ثم يأخذ الأول من نصيبه بذره الذي ضمن وما غرم ، ويتصدق بالفضل لتمكن الخبث في تصرفه بخلافه ، ولا يتصدق الآخر بشيء قال : لأنه كان أجيرا بنصف الخارج ، وهو سهو ، والصحيح أن يقال : لأنه كان أجيرا بثلث الخارج ، ومعنى هذا التعليل أن العقد بين الأول والثاني صحيح ، وإن كان الأول غاصبا مخالفا فالثاني إنما استحق الأجر على عمله بعقد صحيح ، فلا يلزمه أن يتصدق بشيء بخلاف ما سبق ، فهناك الثاني إنما استحق الخارج بكونه نماء بذره ، وقد رباه في أرض غيره بغير رضا صاحب الأرض ، ولو كان رب الأرض قال له : اعمل فيه برأيك والمسألة بحالها كان ثلث الخارج للآخر ، ونصفه لرب الأرض ، وسدسه للمزارع الأول ; لأن الأول لم يصر مخالفا بالدفع إلى الثاني ، ولكنه أوجب له ثلث الخارج بعقد صحيح فينصرف ذلك إلى نصيبه خاصة ، وذلك ثلثا نصيبه ، ورب الأرض مستحق لنصف الخارج ، كما شرط لنفسه ، ويبقى ثلث نصيب المزارع الأول ، وذلك سدس جميع الخارج له بضمان العمل في ذمته ، وإن كان دفع إليه البذر والأرض على أن يزرعها سنته هذه فما رزقه الله - تعالى - في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان ، وقال له : اعمل في ذلك برأيك فدفعها المزارع إلى رجل بالنصف فهو جائز ، وللآخر نصف الخارج ; لأن عقد المزارع الأول معه بعد تفويض الأمر إلى رأي الأول على العموم ، كعقد رب الأرض ، فيستحق هو نصف الخارج ، والنصف الآخر بين الأول ، وبين رب الأرض نصفين ; لأن رب الأرض ما شرط لنفسه هنا نصف جميع الخارج ، وإنما شرط لنفسه نصف ما رزقه الله - تعالى - للأول ، وذلك ما وراء نصيب الآخر ، فكان ذلك بينهما نصفين ، وفيما تقدم [ ص: 74 ] إنما شرط رب الأرض لنفسه نصف جميع الخارج ، فلا ينتقض حقه بعقد الأول مع الثاني ، وكذلك لو قال على ما أخرج الله لك منها من شيء فهو بيننا نصفان أو قال : ما أصبت من ذلك من شيء فهو بيننا نصفان ، فهذا ، وقوله وما رزقك الله سواء ، ولو لم يقل له : اعمل فيه برأيك ، والمسألة بحالها كان الأول مخالفا ضامنا حين زرعها الآخر لما قلنا ، والخارج بينهما نصفان ، ولا شيء منه لرب الأرض ، ويضمن رب الأرض بذره أيهما شاء ، وفي نقصان الأرض خلاف كما بينا ، ولو لم يزرع الآخر حتى ضاع البذر من يده أو غرقت الأرض ففسدت ، ودخلها عيب ينقصها ، فلا ضمان على واحد منهما في شيء من ذلك ; لأن الأول بمجرد الدفع إلى الثاني لا يصير مخالفا .

( ألا ترى ) أنه لو دفع إليه البذر والأرض ، واستعان به في عمل الزراعة أو استأجره على ذلك بدراهم لم يكن مخالفا وإنما يصير مخالفا بإيجاب الشركة للغير في الخارج ، وذلك لا يحصل بمجرد العقد ، ولا بدفع الأرض والبذر إليه ، وإنما تكون حقيقة الشركة عند حصول الخارج ، وسببه إلقاء البذر في الأرض على طريق المزارعة ، فما لم يوجد هذا السبب لا يصير واحد منهما مخالفا ، فلهذا لا ضمان على واحد منهما لرب الأرض ، والدليل عليه أن الشركة بعقد المزارعة لا تكون في البذر بل تكون في النماء الحاصل من البذر وسببه ليس هو قبض المزارع البذر ، وإنما سببه إلقاء البذر في الأرض

ولو دفع إليه أرضا وبذرا يزرعها سنته هذه بالنصف ، وقال له : اعمل فيه برأيك ، فدفعها المزارع إلى آخر مزارعة على أن للمزارع الآخر الثلثين مما تخرج الأرض ، وللأول الثلث ، فهذا فاسد ; لأن إيجاب الأول للثاني إنما يصح في مقدار نصيبه من الخارج ، وقد أوجب له أكثر من نصيبه ، فالزيادة على مقدار نصيبه إنما يوجبها له في نصيب رب الأرض والبذر ، وهو غير راض بذلك ، أو قال له : اعمل فيه برأيك ; لأنه فوض الأمر إلى رأيه على العموم على أن يكون له نصف الخارج ; فلهذا فسد العقد ، وإذا حصل الخارج كان للآخر أجر مثله على الأول ; لأنه استوفى عمله بحكم عقد فاسد جرى بينهما ، والزرع بين رب الأرض والمزارع الأول نصفان ; لأن عمل أجيره إجارة فاسدة بمنزلة عمل أجيره أن لو استأجره بالدراهم إجارة صحيحة ، وذلك كعمله بنفسه ، فيكون الخارج بينهما على الشرط ، ويطيب لهما ذلك ; لأنه لا فساد في العقد الذي جرى بينهما ، وإنما الفساد في العقد المعقود على عمل المزارع الآخر ، ولسببه لا يتمكن الخبث في الخارج . قال ولا يشبه هذا المضاربة يريد به ما بينا في كتاب المضاربة : في هذه الصورة بعينها ; لأن للمضارب الآخر نصف الربح نصيب المضارب الأول ، ويرجع على الأول [ ص: 75 ] بسدس الربح ; لأن الربح دراهم أو دنانير ، فاستحقاق رب المال بعض ما شرطه الأول للثاني لا يبطل العقد بينهما ، ولكن يثبت للآخر حق الرجوع على الأول بمثله ، كما لو استأجره بدراهم أو دنانير بأعيانها ، فاستحقت ، وفي المزارعة الذي أوجبه الأول للآخر طعام بعينه ، وهو الخارج من الأرض ، واستحقاق رب الأرض والبذر بعض ما أوجبه له يبطل العقد الذي جرى بينهما يوضح الفرق أنه لا مجانسة بين الآخر ، وبين الخارج من الأرض ، فلا يمكن الجمع بينهما للمزارع الآخر بعقد واحد ، وفي المضاربة الأجر من جنس الربح ، فيجوز أن يجمع بينهما للمضارب الآخر على أن ما يأخذ مما شرط له من الربح مقدار ما تمكن الأول من تسليمه إليه ، ويرجع عليه بما زاد على ذلك إلى تمام حقه دراهم أو دنانير ، ولو لم يكن قال له اعمل فيه برأيك ، والمسألة بحالها كان المزارع الأول مخالفا ، والخارج بينه وبين الآخر أثلاثا على شرطهما ، ويضمن رب الأرض بذره أيهما شاء وفي نقصان الأرض اختلاف ، كما بينا ، ولو كان رب الأرض قال للأول : اعمل فيه برأيك على أن ما رزق الله - تعالى - في ذلك من شيء فهو بيننا نصفان ، والمسألة بحالها كان ثلثا الزرع للآخر ، والثلث بين الأول ورب الأرض نصفان ; لأن رب الأرض ما شرط هنا لنفسه نصف الخارج ، بل نصف ما يرزقه الله - تعالى - المزارع الأول ، وذلك ما وراء نصيب المزارع الآخر ، فكان للمزارع الآخر جميع ما شرط له ، والباقي بين الأول ورب الأرض نصفان على شرطهما
قال - رحمه الله - : وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضا يزرعها سنته ببذره على أن الخارج بينهما نصفان ، وقال له : اعمل في ذلك برأيك أو لم يقل فدفعها المزارع ، وبذرا معها إلى رجل مزارعة بالنصف فهو جائز ; لأن الأول هنا مستأجر للأرض بنصف الخارج ، وله أن يتصرف في الأرض التي استأجرها بالدفع مزارعة على الوجه الذي يتصرف في أرض نفسه .

( ألا ترى ) أنه لو استأجرها بدراهم كان له أن يدفعها مع البذر مزارعة بالنصف ، فكذلك إذا استأجرها ببعض الخارج ، بخلاف ما سبق ، فهناك المزارع أجر رب الأرض بنصف الخارج ، وحقيقة المعنى أن المستأجر عامل لنفسه ، فإنما يوجب الشركة للأجير في حق نفسه وأم الأجير عامل المستأجر فإنما يوجب الشركة للآخر في الخارج من بذر رب الأرض ; فلهذا افترقا [ ص: 76 ] ثم إذا حصل الخارج هنا فنصفه للآخر بمقابلة عمله ، كما أوجبه له صاحب البذر ، ونصفه لرب الأرض بإزاء منفعة أرضه ، كما شرط له صاحب البذر ، ولا شيء لصاحب البذر لأنه أوجب لغيره جميع الخارج من بذره بعقد صحيح ، وكذلك لو كان البذر من قبل الآخر لأن الأول مستأجر للأرض بنصف الخارج ثم أجرها من الآخر بنصف الخارج ، وللمستأجر أن يؤاجر فيما يتفاوت الناس في استيفائه ، ولو كان الشرط للمزارع الآخر ثلث الخارج في المسألتين جميعا جاز ، وللآخر الثلث ، ولرب الأرض النصف ، وللأول السدس طيب له ; لأنه نماء بذره في المسألة الأولى ، وهو فاضل عما أوجبه لغيره ، ولأنه عاقد العقدين جميعا في المسألة الثانية ، فيسلم الفضل له باعتبار عقده ، فإن قيل في المسألة الثانية هو مستأجر الأرض ، وقد أجره بأكثر مما استأجره في العقد الثاني من غير أن زاد من عنده شيئا ، فينبغي أن لا تطيب له الزيادة ، قلنا : هذا في أجر يكون مضمونا في الذمة ، فيقال : إنه ربح حصل لا على ضمانه فأما في المزارعة فلا يتأتى هذا لأن الأجر في العقد جزء من الخارج ، ولا يكون مضمونا في ذمة أحد ، وسلامته لكل واحد منهما باعتبار الشركة لا باعتبار أنه عوض عن منفعة الأرض ، ولو كان رب الأرض دفعها إليه على أن ما رزق الله - تعالى - في ذلك من شيء ، فهو بينهما نصفان أو قال : ما أصبت أو ما خرج لك من ذلك ، ولم يقل : اعمل فيه برأيك فدفعها المزارع ، وبذرا معها إلى رجل بالنصف ، فنصف الخارج للآخر ، والنصف الآخر بين الأول ورب الأرض نصفين ; لأن رب الأرض إنما شرط لنفسه هنا نصف ما يرزق الله المزارع الأول ، وهو ما وراء نصيب المزارع الآخر ، فيستوي إن كان البذر من قبل الأول أو الآخر ، ولو دفع أرضه إلى الأول على أن يعملها ببذره على أن الخارج بينهما نصفان ، فدفعها الأول إلى الآخر على أن يعملها ببذره على أن للآخر ثلثي الخارج ، وللأول الثلث ، فعملها على ذلك فثلثا الخارج للآخر نماء بذره ، فلا يستحق الغير عليه شيئا منه إلا بالشرط ، وإنما شرط للأول ثلث الخارج ثم هذا الثلث يكون لرب الأرض ، ولرب الأرض على المزارع الأول أجر مثل ثلث أرضه ; لأنه استأجرها منه بنصف الخارج ، وقد حصل الخارج ، ولم يسلم له ثلث ذلك النصف بل استحقه المزارع للأجر ، واستحقاق بعض ما هو أجر للأرض إذا كان بعينه يوجب الرجوع بحصته من أجر المثل اعتبارا للبعض بالكل ; لأنه لو استحق جميعه رجع بأجر مثل جميع الأرض ، فكذلك إذا استحق ثلثه ، ولو كان البذر من قبل الأول كان ثلثا الخارج للأجير ، كما أوجبه له المزارع الأول ، والثلث لرب الأرض ، ولرب الأرض أجر مثل ثلث [ ص: 77 ] أرضه على المزارع الأول ، فإن قيل هنا : كل واحد منهما إنما يستحق الخارج على الأول بالشرط ، وشرط النصف لرب الأرض كان أسبق ، فكان ينبغي أن لا يستحق الأجر بإيجاب الأول له شيئا من النصف الذي استحقه رب الأرض ، قلنا : نعم ، ولكن الاستحقاق لا يثبت حقيقة قبل حصول الخارج ، وحكما قبل لزوم السبب ، والسبب في حق صاحب البذر لا يلزم قبل إلقاء البذر في الأرض فصح منه اشتراطه ثلثي الخارج للآخر يوضحه أنا لو أبطلنا استحقاق الأجر في بعض ما شرط له بطل استحقاقه في الكل ; لأنه لا يجوز الجمع له بين أجر المثل وشيء من الخارج ، فإنه يعمل فيما هو شريك فيه ، فلا يستوجب الأجر ، ولو أبطلنا حق رب الأرض فيما زاد على الثلث من الخارج استحق أجر المثل بمقابلة ذلك الجزء من الأرض ، فالضرر الذي يلحقه يعوض بعدله ، والضرر الذي يلحق الآخر بغير عوض ; فلهذا كان الحكم فيه على ما ذكرنا ، ولو كان الأول دفعها إلى الآخر منحة على أن يزرعها لنفسه فالخارج كله له ; لأنه نماء بذره ، ولم يوجب منه شيئا لغيره ، والمزارع الأول مستأجر للأرض ، وللمستأجر أن يغرم لصاحب الأرض على الأول أجر مثل أرضه ; لأنه استأجر الأرض منه بنصف الخارج ، وقد حصل الخارج ، واستحقه الآخر ، فيكون للأول عليه أجر مثله ; لفساد العقد بينهما باستحقاق البدل ، ولو كان البذر من قبل الأول ، فاستعان بإنسان أو استأجره يعمل له فيها فنصف الخارج للأول ونصفه لرب الأرض ; لأن عمل أجيره ومعينه ، كعمله بنفسه
ولو دفع إلى رجل أرضا يزرعها ببذره بالنصف ، ولم يقل : اعمل فيه برأيك فشارك فيها رجلا آخر ، فأخرجا جميعا بذرا على أن يعملا ، والخارج بينهما نصفان جاز لأن ; الأول استأجر الأرض ، فهو في التصرف فيها بمنزلة المالك للأرض ، والمالك للأرض لو شارك فيها رجلا على أن يزرعها ببذر بينهما ، والخارج نصفان جاز ، ويكون هو معيرا نصف الأرض من الآخر ، كذلك هنا ثم نصف الخارج للآخر ; لأنه نماء بذره ، ونصفه بين الأول ورب الأرض نصفان ; لأنه شرط له نصف الخارج من الأرض بإزاء منفعة الأرض ، وهذا الخارج الذي حصل له خارج من نصف الأرض ، فيستحق نصفه بالشرط وعلى الأول لرب الأرض أجر مثل نصف أرضه ; لأن الخارج من النصف الآخر قد استحقه المزارع الآخر ، وقد كان المزارع الأول أوجب لرب الأرض نصف ذلك ، فإذا لم يسلم له رجع عليه بأجر المثل في ذلك النصف ، ولو اشترطا العمل على الأجير خاصة فهو فاسد ; لما بينا أن الأول جعل للثاني منفعة نصف الأرض بمقابلة عمله في النصف الآخر من الأرض له ، والمزارعة لا تحتمل [ ص: 78 ] مثل هذه المقابلة ثم نصف الزرع للآخر ; لأنه نماء بذره ، وعليه نصف أجر مثل الأرض للمزارع الأول ; لأنه استوفى منفعة نصف الأرض التي كانت مستحقة له بعقد فاسد ، ويتصدق المزارع الآخر بالفضل ; لأنه ربح حصل له بسبب عقد فاسد تمكن في منفعة الأرض ، ونصف الزرع بين الأول ورب الأرض نصفان على شرطهما ; لأنه لا فساد في العقد الذي جرى بينهما ، فما سلم لهما يكون على الشرط بينهما طيبا لهما ، وعلى الأول لرب الأرض أجر مثل نصف أرضه ; لأنه شرط له النصف مما يخرج له جميع الأرض ، وإنما يسلم له النصف مما أخرجه نصف الأرض ، فأما ما أخرجه النصف الآخر فقد استحق المزارع الأجر كله ; فلهذا كان عليه أجر مثل نصف الأرض . والله أعلم .

قال - رحمه الله - : وإذا دفع الرجل إلى رجل أرضا وبذرا يزرعها سنته هذه على أن الخارج بينهما نصفان ، فقبضها ثم استعان برب الأرض على عملها لم يضر ذلك ، والخارج بينهما على الشرط في المزارعة ، والأجر له في عمله ; لأن استعانته برب الأرض بمنزلة استعانته بغيره ، وعمل المعين بمنزلة عمل المستعين به ، ثم رب الأرض والبذر ما أقام العمل على سبيل النقض منه للمزارعة ، وإنما أقام على سبيل التبرع منه على عامله ، وإن كان استأجره على ذلك بدراهم معلومة كان الأجر باطلا ; لأن وجوب الأجر يعتمد تسليم العمل إلى المستأجر ، وهو عامل في أرض نفسه ببذره ، فلا يكون مسلما عمله إلى غيره ; فلهذا لا يستوجب عليه شيئا من الأجر ، وإذا لم يستوجب الأجر كان هذا ، وما لو عمله على سبيل الإعانة سواء ، وهذا بخلاف ما إذا كان عمل رب الأرض مشروطا في عقد المزارعة ; لأن ذلك الشرط يعدم التخلية بين المزارع وبين رب الأرض والبذر ، وقد بينا أن التخلية شرط العقد ، فكل شرط يفوته أن يكون مفسدا للعقد ، فأما في هذا الموضع ، فلا ينعدم استحقاق التخلية بإعانة رب الأرض المزارع ، فهو قياس المرهون إذا أعاده المرتهن من الراهن أو غصبه من الراهن لم يبطل به الرهن بخلاف ما إذا شرطا أن يكون في يد الراهن في بعض المدة ، وكذلك لو دفعها إليه يزرعها على أن له ثلث نصيبه ، فعملها على ذلك كان الأمر بينهما على المزارعة الأولى لا يفسدها ما صنعا والشرط باطل ; لأن رب الأرض لا يكون مسلما عمله إلى المزارع ، فكما لا يستوجب عليه بمقابلة عمله [ ص: 79 ] دراهم ، وإن شرط ذلك عليه فكذلك لا يستوجب جزءا من نصيبه من الخارج ، بل يكون هو متبرعا في العمل ، فإن قيل : لماذا لم يجعل هذا من المزارع بمنزلة الحط لبعض نصيبه ، فقد شرط لنفسه نصف الخارج في العقد الأول ، ثم حط ثلثه بالعقد الثاني ؟ قلنا لأن عقد الإجارة تمليك منفعة بعوض ، فلا يمكن أن يجعل هذا كناية عن الحط ، كما لا يجعل بيع المبيع من البائع قبل القبض هبة ثم هذا الحط ليس بمطلق ، بل هو بمقابلة العمل ، وكما لا يستحق بمقابلة عمله في أرضه وبذره عوضا على الغير ، فكذلك لا يستحق حط شيء مما استحقه الغير عليه ، ولو كان استأجر على العمل أجراء كان أجر الأجراء على المزارع ; لأن العمل مستحق عليه ، فإنما استأجرهم لإيفاء ما هو مستحق عليه ، فيكون الأجر لهم بمقابلة دين في ذمته ، ولو كان استأجر على ذلك عبد رب الأرض بدراهم معلومة ، ولا دين عليه فالإجارة باطلة ; لأن كسب العبد الذي لا دين عليه لمولاه ، فكما لا يستحق المولى باعتبار عمله أجرا على المزارع وإن شرط ذلك عليه ، فكذلك لا يستحقه بعمل عبده ، وإن شرط ذلك عليه ، وإن كان على العبد دين فالإجارة جائزة ، والأجر واجب ; لأن كسب العبد المديون لغرمائه ، فاستئجار العبد على العمل في هذه الحالة ، كاستئجار بعض غرمائه ، وإن استأجر مكاتب رب الأرض أو ابنه جاز ، لأن المولى من كسب مكاتبه ، وابنه أبعد منه من كسب عبده المديون ، وكذلك لو كان البذر من قبل المزارع في جميع هذه الوجوه ، فهما في المعنى مستويان ; لأن رب الأرض إنما يعمل في الأرض ، وهو في عمله في أرضه لا يستوجب الأجر على غيره ، والمعاملة في جميع ذلك قياس المزارعة
ولو دفع إليه أرضا وبذرا يزرعها سنته هذه بالنصف ، فلما تراضيا على ذلك أخذ صاحب الأرض البذر ، فبذره بغير أمر المزارع فأخرجت زرعا كثيرا ، فذلك كله لرب الأرض ، وقد بطلت المزارعة ; لأن عقد المزارعة لا يتعلق به اللزوم من قبل صاحب البذر قبل إلقاء البذر في الأرض ، فينفرد صاحب الأرض بفسخ العقد ، وقد صار فاسخا حين أخذه بغير أمر المزارع وزرعه ; لأنه لا يمكن أن يجعل معينا له ; لأنه استعان به ، وليس لأحد أن يعين غيره بغير رضاه ، فكان فاسخا للعقد بخلاف الأول ; فإن هناك يمكن أن يجعل معينا له ; لأنه استعان به ، فلا يجعل فاسخا للعقد ; لأنه امتنع من العمل حتى استعان به ، فعرفنا أن قصده إعانته لا فسخه العقد بينهما ، ولو كان البذر من قبل المزارع ، والمسألة بحالها كان الزرع لرب الأرض ; لأنه غاصب للبذر حين أخذه بغير أمر المزارع ، فالعقد لم يكن لازما في جانب المزارع [ ص: 80 ] قبل إلقاء البذر في الأرض ، وصاحب الأرض لا يملك أن يلزمه العقد بغير رضاه ، فيصير هو غاصبا للبذر ، ومن غصب بذرا فزرعه في أرض نفسه أو غيره كان الخارج كله له ، وعليه بذر مثل ذلك البذر ، ولا شيء له على المزارع ; لأنه لم يسلم للمزارع شيء من منفعة الأرض ، ولكن رب الأرض فوتها عليه ، ولو فوتها غاصب آخر لم يكن لرب الأرض على المزارع شيء فهذا أولى والله أعلم .
( قال - رحمه الله ) - : وإذا دفع إلى رجل أرضا له مزارعة على أن يزرعها سنته هذه ببذره وعمله بالنصف على أن يكري العامل أنهارها فالمزارعة فاسدة ; لأن رب الأرض مؤاجر أرضه بنصف الخارج وكري الأنهار على المؤاجر ، كما لو أجرها بدراهم ، وهذا ; لأن بكري الأنهار يأتيها الماء ويتمكن المستأجر من الانتفاع بها ، وما لم يتمكن المستأجر من الانتفاع لا يستوجب الأجر ، فإذا ثبت أن كري الأنهار على المستأجر ، قلنا : إذا شرط على المستأجر فكأنه شرط لنفسه مع نصف الخارج مؤنة كري الأنهار بمقابلة منفعة الأرض ، وذلك مفسد للعقد ثم منفعة كري الأنهار تبقى بعد مضي مدة المزارعة ، وشرط ما تبقى منفعته بعد مضي المدة على المزارع مفسد للعقد ، فإن عمل على هذا ، وكرى الأنهار كان الخارج للعامل ; لأن البذر من قبله ، ولصاحب الأرض أجر مثل أرضه ; لأنه استوفى منفعة أرضه بعقد فاسد ، وللعامل على صاحب الأرض أجر مثل عمله في كري الأنهار ; لأنه استوفى منفعة عمله بعقد فاسد فيتقاصان ويترادان الفضل ، ولو لم يكن كري الأنهار مشروطا على العامل في العقد ، ولكن العامل كرى الأنهار بنفسه ، فالمزارعة جائزة ، ولا أجر له في كريها ; لأنه تبرع بإيفاء ما ليس بمستحق عليه ، فهو بمنزلة ما لو حوطها ، وكذلك إصلاح المسناة ; فإن ذلك على رب الأرض بمنزلة كري الأنهار ، فإن شرط على المزارع في العقد فسد به العقد ، وإن باشره من غير شرط فالعقد جائز ، ولا أجر له فيما عمل ، ولو كان البذر من رب الأرض ، وقد شرط على العامل لنفسه شيئا وراء ما يقتضيه المزارعة ومنفعة هذا تبقى بعد مضي مدة المزارعة ، فيفسد به العقد ، ويكون الخارج كله لصاحب الأرض ، وللعامل أجر مثل عمله في جميع ذلك ; لأن صاحب الأرض استوفى جميع عمله بعقد فاسد ، ولو اشترطا على رب الأرض كري الأنهار ، وإصلاح المسناة حتى يأتيه الشرب كانت المزارعة جائزة على شرطهما سواء كان البذر من قبل العامل ، أو من قبل رب الأرض [ ص: 81 ] لأن هذا العمل على رب الأرض بدون الشرط فالشرط لا يزيده إلا وكادة ، وليس شيء منها على العامل ، فاشتراطهما عليه اشتراط عوض مجهول ، وهو خلاف ما يقتضيه العقد ، فيفسد به العقد ، ونظيره ما لو استأجر دارا بدراهم مسماة على أن يطين رب الدار سطوحها ، وعلى أن يصلح مساربها لمسيل الماء جاز ذلك ; لأن هذا على رب الدار بدون الشرط ; فإنه إذا لم يفعله رب الدار فوكفت البيوت ، وجاء من ذلك ضرر بين كان للمستأجر أن يخرج من الدار فاشتراطه عليه لا يزيده إلا وكادة ، ولو اشترط رب الدار ذلك على المستأجر كانت الإجارة فاسدة ; لأن اشتراطه هذه الأعمال عليه ، كاشتراط مؤنتها لنفسه بمقابلة منفعة الدار ، وهي مجهولة ، ولو اشترط على رب الأرض كرابها أو الكراب والثنيان ، فإن كان البذر من العامل فالمزارعة فاسدة ; لأن العقد في جانب الأرض يلزم بنفسه ، وموجبه التخلية بين الأرض والمزارع ، واشتراط الكراب والثنيان عليه يفوت موجب العقد ، فيفسد به العقد ثم الكراب والثنيان من عمل الزراعة ، واشتراط بعض عمل الزراعة على رب الأرض مفسد للعقد ، كاشتراط الحفظ ، ثم الخارج كله لصاحب البذر ، ولصاحب الأرض أجر مثل أرضه وعمله في الكراب والثنيان ، ولم يرد به أن عمله في الكراب والثنيان يتقوم على العامل وإنما مراده أنه يغرم أجر مثل الأرض مكروبة أو مكروبة مسناة ; لأنه استوفى منفعتها في وقت إلقاء البذر فيها ، وهي بهذه الصفة ، وإن كان البذر من رب الأرض فالمزارعة جائزة ; لأن لزوم العقد من جهة صاحب البذر لا يكون قبل إلقاء البذر في الأرض ، والكراب والثنيان يسبق ذلك ، فاشتراطه على رب الأرض لا يضر ; لأن الكراب في الثنيان بالبقر يكون ، واشتراط البقر على رب الأرض جائز إذا كان البذر من قبله ، ولا يجوز إن كان البذر من قبل المزارع ، فكذلك اشتراط الكراب والثنيان ، ولو اشترط على أحدهما بعينه أن يسرقنها أو يعذرها ، والبذر من قبل العامل فالمزارعة فاسدة ; لأنه إن شرط ذلك على العامل فقد شرط عليه ما تبقى منفعته في الأرض بعد مضي مدة المزارعة ، وشرط عليه إتلاف عين مال لا يقتضيه عقد المزارعة ، وذلك مفسد للعقد ، وإن شرط على رب الأرض فذلك بمنزلة شرط الكراب والثنيان عليه ; لأن هذا من عمل الزراعة ، فاشتراطه على رب الأرض يكون مفسدا للعقد ، ويكون الخارج كله للعامل ، ولصاحب الأرض أجر مثل أرضه ، وأجر مثل عمله فيما عمل من ذلك وقيمة سرقينه إن كان ذلك من قبله ، وإن كان من قبل العامل لم يكن له على رب الأرض من قبل ذلك شيء ، وإن كان فيه منفعة لرب الأرض فيما بقي [ ص: 82 ] لأن العامل إنما عمل لنفسه ، وما بقي لرب الأرض أثر عمله ، وإن لم يتقوم أصل عمله على رب الأرض ، فكذلك أثر عمله ، وإن كان البذر من رب الأرض ، فإن كان اشترط عليه ذلك فالمزارعة جائزة بمنزلة اشتراط الكراب والثنيان ، وهذا ، لأن إلقاء السرقين والعذرة في الأرض يكون قبل الزراعة ، وقبل الكراب أيضا ، وأن لزوم العقد في جانب صاحب البذر عند إلقاء البذر في الأرض ، فكأنه استأجره للعمل بنصف الخارج بعد ما فرغ من إلقاء العذرة والسرقين ، وإن شرطاه على العامل فالمزارعة فاسدة ; لأنهما شرطا على العامل ما تبقى منفعته بعد مضي مدة المزارعة ، وللعامل أجر مثله فيما عمل ، وقيمة ما طرح من السرقين ; لأن صاحب الأرض استوفى ذلك كله بعقد فاسد ، فهو نظير من استأجر صباغا إجارة فاسدة ليصبغ ثوبه بصبغ من عنده ، ففعل ذلك فإنه يكون له أجر مثل عمله ، وقيمة صبغه ولو اشترط على العامل أن لا يعذرها ، ولا يسرقنها ، والبذر منه أو من صاحب الأرض فالمزارعة جائزة ، والشرط باطل ; لأن هذا شرط لا طالب به ، فإن في إلقاء العذرة والسرقين في الأرض منفعة للأرض ، وليس فيه مضرة ،

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.94 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.72%)]