عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 24-12-2025, 05:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,926
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث والعشرون

صـــ 62الى صـــ 71
(468)



ولو دفع زرعا في أرض قد صار بقلا مزارعة واشترطا أن الحب بينهما نصفان والتبن لصاحب الأرض أو سكتا عنه فهو جائز ، والتبن لصاحب الأرض ، ولو شرطا التبن للعامل فهو فاسد ; لأن دفع الزرع الذي صار بقلا مزارعة كدفع الأرض والبذر مزارعة ، وقد بينا هذا الحكم فيما إذا دفع الأرض والبذر مزارعة ، فكذلك إذا دفع الفضل مزارعة والله أعلم .
قال - رحمه الله - : وإذا دفع إلى رجل أرضا يزرعها سنته هذه ببذره وعمله على أنه إن زرعها في أول يوم من جمادى الأولى فالخارج بينهما نصفان ، وإن زرعها في أول يوم من جمادى الآخرة فالثلثان من الخارج لرب الأرض ، والثلث للمزارع فالشرط الأول جائز ، والثاني [ ص: 63 ] فاسد في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - على قول من أجاز المزارعة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - الشرطان جائزان ، وهذه المسألة تنبني على ما بينا في الإجارات إذا دفع ثوبا إلى خياط ، فقال : إن خطته اليوم فلك درهم ، وإن خطته غدا فلك نصف درهم ، ووجه البناء عليه أن صاحب الأرض مؤاجر أرضه من صاحب البذر ، وإن كان البذر من قبل صاحب الأرض فهو مستأجر للعامل ، وقد شرط عليه إقامة العمل في أحد الوقتين وسمى بمقابلة العمل في كل وقت بدلا مخالفا للبدل الآخر ، فيكون بمنزلة الخياطة في اليوم ، وفي الغد عند أبي حنيفة - رحمه الله - الشرط الأول صحيح ، والثاني فاسد إما ; لأنه علقه بالأول ، أو لأنه اجتمع سببان في الوقت الثاني ، فإن زرعها في جمادى الأولى فالخارج بينهما نصفان ، وإن زرعها في جمادى الآخرة فالخارج كله لصاحب البذر ، وعليه أجر مثل الأرض إن كان البذر من قبل العامل ، وأجر مثل العامل إن كان البذر من قبل صاحب الأرض ، وعندهما الشرطان جميعا جائزان ، فإن زرعها في جمادى الآخرة فالخارج بينهما أثلاثا ، ولو قال على أن ما زرع من هذه الأرض في يوم كذا فالخارج منه بينهما نصفان ، وما زرع منها في يوم كذا فللمزارع ثلث الخارج ، ولرب الأرض ثلثاه ، فهذا فاسد كله ; لأنه أجرها على شيء غير معروف ; فإن مقدار ما يزرع منها في الوقت الأول على شرط النصف غير معلوم ، وكذلك مقدار ما يزرع في الوقت الثاني على شرط الثلث غير معلوم ، فيفسد العقد كله للجهالة ، كما لو دفع ثوبه إلى خياط على أن ما خاط منه اليوم فبحساب درهم ، وما خاط منه غدا فبحساب نصف درهم كان فاسدا كله ، ولو كان في المسألة الأولى زرع نصفها في أول يوم من جمادى الأولى ، ونصفها في أول يوم من جمادى الآخرة ، فما زرع في الوقت الأول فهو بينهما على ما اشترطا ، وما زرع في الوقت فهو لصاحب البذر في القول الأول ، وفي القول الثاني كل واحد منهما على ما اشترطا ; لأن الشرط الأول في المسألة الأولى كان صحيحا في القول الأول ، وفي القول الثاني الشرطان صحيحان فزراعة البعض معتبرة بزراعة الكل ، إذ ليس في هذا التبعيض إضرار بأحد ، وهو نظير مسألة الخياطة إذا خاط نصف الثوب اليوم ، ونصفه غدا فله - فيما خاطه اليوم - نصف درهم اعتبارا للبعض بالكل ، وفيما خاطه غدا - ربع درهم في قول أبي يوسف ومحمد وفي قول أبي حنيفة : أجر مثله لا ينقص عن ربع درهم ، ولا يزاد على نصف درهم اعتبارا للبعض بالكل بخلاف قوله على أن ما زرع منها ; لأن هناك صرح بالتبعيض ، والبعض الذي تناوله كل شرط مجهول في نفسه ، فكان العقد [ ص: 64 ] فاسدا وهنا أضاف كل شرط إلى جملة وهي معلومة ، والتبعيض عند إقامة العمل ، ولا جهالة في ذلك أيضا ، ولو قال على أنه إن زرعها بدالية أو سانية فالثلثان للمزارع ، والثلث لرب الأرض ، وإن زرعها بماء سيح أو سقت السماء فالخارج بينهما نصفان ، فهو جائز على ما اشترطا ، وهذا بناء على قول أبي حنيفة الآخر ، فأما على قياس قوله الأول ، وقول زفر - رحمه الله - فيفسد الشرطان جميعا ; لأنه ذكر نوعين من العمل ، وجعل بمقابلة كل واحد منهما جزءا من الخارج معلوما ، فهو بمنزلة ما لو دفع ثوبا إلى خياط على أنه إن خاطه خياطة رومية فأجره درهم ، وإن خاطه خياطة فارسية فأجره نصف درهم ، وقد بينا هذا في الإجارات ، ولو قال : على أن ما زرع منها بدلو فللعامل ثلثاه ، ولرب الأرض ثلثه ، وإن زرع منها بماء سيح فللعامل نصفه ، فهذه مزارعة فاسدة ; لجهالة كل واحد من العملين ، فإنه صرح بالتبعيض ، وشرط أن يزرع بعضها بدلو على أن له ثلثي الخارج ، وذلك البعض مجهول ، وكذلك فيما شرط الزراعة بماء السيح ، وهو بمنزلة رجل دفع إلى الخياط خمسة أثواب يقطعها قمصا على أن ما خاط منها روميا فله درهم في كل ثوب ، وما خاط منها فارسيا فله نصف درهم في كل ثوب ، وهناك يفسد العقد كله للجهالة ، فهذا قياسه
ولو دفع إليه أرضا يزرعها خمس سنين ما بدا له على أن ما خرج منها من شيء في السنة الأولى فهو بينهما نصفان ، وفي السنة الثانية لرب الأرض الثلث ، وللمزارع الثلثان ، وسميا لكل سنة شيئا معلوما فهو جائز من أيهما شرط البذر ; لأن هذه عقود مختلفة بعضها معطوف على البعض ، ففي السنة الأولى عقد إجارة مطلق ، وفي السنة الثانية مضاف إلى وقت الإجارة تحتمل الإضافة إلى وقت في المستقبل ، فيجعل في حق كل عقد من هذه العقود كأنهما أفردا ذلك العقد بخلاف الأول ، والعقد هناك واحد باتحاد المدة ، وإنما التغاير في شرط البدل ، ثم جواز المزارعة للحاجة ، وهما يحتاجان إلى هذا ; لأن الأرض في السنة الأولى يكون فيها من القوة ما لا يحتاج إلى زيادة عمل لتحصيل الريع ، وفي السنة الثانية يحتاج إلى زيادة العمل لنقصان تمكن في قوة الأرض بالزراعة في السنة الأولى فيشترط للمزارع زيادة في السنة الثانية باعتبار زيادة عمله ، وكذلك لو اشترطا أن البذر في السنة الأولى من قبل الزارع ، وفي السنة الثانية من قبل رب الأرض ، وبينا نحو ذلك في كل سنة فهو جائز ; لأنهما عقدان مختلفان أحدهما معطوف على الآخر ، ففي السنة الأولى العامل مستأجر للأرض بنصف الخارج ، وفي السنة الثانية رب الأرض مستأجر للعامل بنصف الخارج ، وكل واحد من العقدين صحيح عند الانفراد ، فكذلك عند الجمع بينهما ، وهو بمنزلة رجل دفع عبده [ ص: 65 ] إلى حائك يقوم عليه في تعليم الحياكة خمسة أشهر على أن يعطيه في كل شهر خمسة دراهم ، وعلى أن يعطيه الحائك في خمسة أشهر أخرى في كل شهر عشرة دراهم فهو جائز على ما اشترطا للمعنى الذي بينا
ولو دفع إليه أرضه ثلاث سنين على أن يزرعها في السنة الأولى ببذره ما بدا له على أن الخارج بينهما نصفان ، وعلى أن يزرعها في السنة الثانية ببذره وعمله على أن الخارج له ، وعليه أجر مائة درهم لرب الأرض ، وعلى أن يزرعها في الثالثة ببذر رب الأرض على أن الخارج لرب الأرض وللمزارع أجر مائة درهم ، فهذا جائز كله ; لأن العقد بينهما في السنة الأولى مزارعة صحيحة بنصف الخارج سواء كان البذر من قبل رب الأرض أو من قبل العامل ، وفي السنة الثانية العامل استأجر الأرض بأجرة معلومة لمنفعة معلومة ، وفي السنة الثالثة رب الأرض استأجر العامل ببدل معلوم لعمل معلوم ، وكل عقد من هذه العقود صحيح عند الانفراد ، فكذلك عند الجمع ; لأن الإضافة إلى وقت في المستقبل لا تمنع صحة الإجارة ، وإذا دفع إلى رجل أرضا على أن يزرعها أرزا أو قال : رزا - كل ذلك لغة - عشر سنين ، ويغرسها نوى ببذره وعمله ، وعلى أن يحول ذلك من موضعه إلى موضع آخر من الأرض ، ويسقيه ، ويقوم عليه على أن ما خرج منه فهو بينهما نصفان ، فهذا جائز سواء كان البذر من قبل العامل ، أو من قبل رب الأرض ; لأن العقد بينهما مزارعة بشرائطها ، وإنما في هذا العقد زيادة شرط الحوالة على العامل ، وهو من عمل الزراعة به يزكو الريع فيكون بمنزلة اشتراط عمل الكراب والسقي عليه ثم الحوالة تكون في بعض الأشياء التي تزرع كالباذنجان والأرز والأشجار ، وذلك معلوم عند أهل الصنعة ، وربما يحتاج إليه البعض دون البعض ، فلا يشترط إعلام ما يحوله بعينه إما ; لأنه معلوم بالعادة ، أو لأن في شرط إعلام ذلك بعض الحرج ، والحرج مدفوع ، ولو دفع إليه أرضين على أن يزرع هذه أرزا أو هذه أرزا ببذره ، وعلى أن يحول ما يزرع في هذه في هذه الأخرى ، وما يزرع في هذه في هذه الأخرى ، ويسقيه ، ويقوم عليه ، فما خرج فهو بينهما نصفان ، فهذه مزارعة فاسدة ; لوجهين : أحدهما أنه اشترط عليه العمل في أرضين في إحداهما بالزراعة ، وفي الأخرى بالحوالة ، على أن تكون الشركة بينهما في الخارج من إحداهما ، وذلك مفسد للعقد . والثاني : أنه شرط عليه شرطا لا يمكنه الوفاء به ، وهو تحويل جميع ما ينبت في كل واحد من الأرضين إلى الأرض الأخرى ، وربما لا يتمكن من ذلك بأن لا تتسع له الأرض الأخرى ، يوضحه أنه لا يحول جميع ما يزرع في هذه الأرض إلى الأرض الأخرى [ ص: 66 ] إلا بعد أن يقلعه من الأرض التي زرع فيها وعقد المزارعة في كل واحد من الأرضين معقود على حدة ، فبالقلع ينتهي ، ويصير كأنه شرط عليه في كل عقد عملا بعد انتهاء عقد المزارعة ، وذلك مفسد للعقد بخلاف الأرض الواحدة ، فالعقد فيها واحد ، ولا ينتهي بتحويل بعض ما نبت فيها من موضع إلى موضع منها ، وكذلك في الأرضين لو شرطا الزرع في إحداهما ، والتحويل إلى الأخرى ، والغرس في إحداهما ، والتحويل إلى الأخرى أو كانت أرضا واحدة وشرطا أن يزرع أو يغرس ناحية منها معلومة على أن يحول ذلك في ناحية منها أخرى معلومة ، فهذا فاسد ; لأنه إذا ميز إحدى الناحيتين من الأخرى كانتا في معنى أرضين ، وكذلك هذا الجواب في كل ما يحول ، كالزعفران ، ونحوه إذا دفع إلى رجل أرضه سنته هذه على أن يزرعها ببذره قرطما ، فما خرج منها من عصفر فهو للمزارع ، وما خرج من قرطم فهو لرب الأرض أو على عكس ذلك فالعقد فاسد ، سواء كان البذر من قبل رب الأرض أو من قبل المزارع ; لأن القرطم والعصفر كل واحد منهما ريع مقصود في هذه الزراعة فاشتراط أحد الجنسين لكل واحد منهما بعينه شرط يفوت المقصود بالمزارعة ، وهو الشركة بينهما في الريع ، وربما يؤدي إلى قطع الشركة بينهما في الريع مع حصوله بأن يحصل أحدهما دون الآخر ، وقد يجوز أن يحصل العصفر ثم تصيبه آفة فلا يحصل القرطم ، ويكون ذلك للذي شرط له العصفر ، فهو بمنزلة ما لو دفع إليه أرضا ; ليزرعها حنطة وشعيرا على أن الحنطة لأحدهما بعينه والشعير للآخر بعينه ، وكذلك هذا في كل شيء له نوعان من الريع كل واحد منهما مقصود كبذر الكتان إذا شرط لأحدهما بعينه الكتان وللآخر البذر والرطبة إذا شرطا لأحدهما بعينه بذر الرطبة وللآخر العنب فالعقد فاسد ، ولو شرطا القرطم لأحدهما بعينه ، والعصفر بينهما نصفان أو العصفر لأحدهما بعينه ، والقرطم بينهما نصفان لم يجز ذلك من أيهما كان البذر ; لأن كل واحد منهما ريع مقصود ولا يجوز في المزارعة تخصيص أحدهما بشرط ريع مقصود له ، وكذلك هذا في الكتان وبذره والرطبة وبذرها بخلاف مسألة التبن فإنه إذا شرط لصاحبه البذر والحب بينهما نصفان كان جائزا ; لأن التبن ليس بريع مقصود ، ألا ترى أنه لا يشتغل بالزراعة لمقصود التبن خاصة ، بل المقصود هو الحب ، فإذا شرطا الشركة فيما هو المقصود جاز العقد إن شرطا تخصيص صاحب البذر بما ليس بمقصود ، فأما في هذه المسائل فكل واحد من النوعين مقصود ، فاشتراط تخصيص أحدهما بأحد النوعين يقطع الشركة بينهما فيما هو مقصود ، وذلك مفسد للعقد ، واشتراط بذر [ ص: 67 ] البطيخ أو القثاء لأحدهما بمنزلة اشتراط التبن ; لأن ذلك غير مقصود بل هو تبع للمقصود كالتين بخلاف بذر الرطبة فإنه مقصود ، وربما بلغ قيمة القت أو يزيد عليه ، فهو بمنزلة العصفر ، والكتان على ما بينا والله أعلم .
قال - رحمه الله - : وإذا دفع إلى رجل أرضا وبذرا على أن يزرعها هو وعبده هذا فما خرج فللمزارع ثلثه ولعبده ثلثه ، ولرب الأرض ثلثه ، فهذا جائز ، وما خرج فللمزارع ثلثاه : نصيبه ونصيب عبده ; لأن العبد ليس من أهل الملك بل المولى يخلفه في ملك ما يكون من كسبه ، فاشتراط الثلث لعبد المزارع يكون اشتراطا للمزارع ، واشتراط عمل عبد المزارع معه ، كاشتراط البقر عليه ; لأن عمل الزراعة يتأتى له بالبقر ، وبمن يعينه على العمل ثم يجوز اشتراط العمل على المزارع إذا كان البذر من قبله ، أو لم يكن فكذلك اشتراط عمل عبده معه يجوز ، وكذلك لو لم يشترطا على العبد عملا ، ولكنه شرط لعبده ثلث الريع ، فالمشروط للعبد مشروط لمولاه فكأنه شرط الثلثين للمزارع ، وهو بمنزلة ما لو شرط الثلث لبقره ، فذلك اشتراط منه لصاحب البقر ، وسواء شرط العمل ببقره أو لم يشترط ، ولو شرط الثلث لمكاتبه ، أو لمكاتب رب الأرض ، فإن اشترط عمله عليه فهو جائز ، وهو مزارع معه له ثلث الريع ; لأن المكاتب أحق بمكاسبه ، وهو بمنزلة الحر يدا ، فهذا في معنى دفع الأرض والبذر مزارعة إلى حرين على أن لكل واحد منهما ثلث الخارج ، وإن لم يشترط عليه عملا فالمزارعة جائزة بين المزارع ورب الأرض ، فاشتراط ثلث الخارج للمكاتب باطل ، لأن المشروط للمكاتب لا يكون مشروطا لمولاه ; فإن المولى لا يملك كسب مكاتبه ما بقيت الكتابة ، فالمشروط له كالمشروط لأجنبي آخر ، وبطلان هذا الشرط ; لأنه ليس من جهته بذر ولا أرض ولا عمل ، والخارج لا يستحق إلا بأحد هذه الأشياء ، ولكن هذا الشرط وراء عقد المزارعة بين المزارع ورب الأرض ، فلا يفسد به العقد ، بل يكون ثلث الريع للمزارع كما شرط له ، والثلثان لرب الأرض لأن رب الأرض والبذر لا يستحق بالشرط ، والمزارع هو الذي يستحق بالشرط ، فما وراء المشروط له يكون لرب البذر ، ويجعل ما بطل الشرط فيه كالمسكوت عنه ، وكذلك لو شرط الثلث لامرأته أو لابنه أو لأبيه فهو بمنزلة الشرط لأجنبي آخر ، إن شرط عليه العمل معه كان صحيحا ، وإن لم يشترط [ ص: 68 ] عليه العمل معه كان باطلا ، والمزارعة بين رب الأرض والمزارع صحيحة بالثلث ، ولو كان البذر من العامل فهو على هذا القياس ما شرط لعبد العامل ، فهو للعامل سواء شرط عليه العمل أو لم يشترط ، والمزارعة جائزة ، وما شرط لمكاتبه أو لابنه أو لامرأته فهو كالمشروط لأجنبي آخر ، فإن لم يشترط عليه أن يعمل معه فهذا الشرط باطل ، وذلك الثلث للعامل ; لأنه نماء بذره ، وصاحب الأرض يستحق بالشرط ، فلا يستحق إلا ما شرط له ، ولو شرط عليه العمل ، وعمل معه فله أجر مثله على المزارع ; لأن المزارع استأجر الأرض بثلث الخارج ثم استأجر العامل بثلث الخارج ; ليعمل معه ، وقد بينا أن هذا العقد يفسد بينهما ; لانعدام التخلية حين شرط عمل صاحب البذر المستأجر للأرض مع العامل الآخر ، ولكنهما عقدان مختلفان جرى بينه وبين شخصين مختلفين ; فبفساد أحدهما لا يفسد الآخر ، فيكون للعامل الآخر أجر مثله على المزارع ; لأنه استوفى عمله بعقد فاسد ، ولصاحب الأرض ثلث الخارج ; لأنه شرط له ذلك بعقد صحيح ، وثلثا الزرع طيب للعامل ; لأنه لا يتمكن خبث من جانب الأرض ، حيث صح العقد بينه وبين رب الأرض فيطيب له ثلث الريع ، وكذلك لو شرط عمل رب الأرض فهو كاشتراط بقر رب الأرض ، وذلك يفسد المزارعة بينهما ، وإن كان على العبد دين فعبد رب الأرض إذا كان مديونا بمنزلة مكاتبه ; لأن كسبه حق غرمائه ، والمشروط له لا يكون مشروطا لمولاه ، وكذلك لو شرط عليه من العمل فالمشروط عليه لا يكون مشروطا على مولاه ، فيكون له أجر مثله ، والعقد صحيح بين العامل الذي من قبله البذر وبين رب الأرض بثلث الخارج كما شرط لرب الأرض
ولو دفع إليه الأرض على أن يزرعها ببذره وعمله على أن له ثلث الخارج ، ولرب الأرض ثلثه ، وعلى أن يكربها ، ويعالجها ببقر فلان على أن لفلان ثلث الخارج ، فرضي فلان بذلك ، فعلى العامل أجر مثل البقر بثلث الخارج ، وقد بينا أن البقر لا يكون مقصودا في المزارعة ، فكان العقد بينهما فاسدا ، وقد استوفى منفعة بقره ، فله أجر مثله عليه ، وثلث الخارج لرب الأرض ، وثلثاه للعامل طيب ; لأنه لا فساد في العقد بينه وبين رب الأرض ، وإذا كان البذر من قبل رب الأرض كان الثلثان له ، وعليه أجر مثل البقر ; لأنه استأجر العامل بثلث الخارج ، وهو جائز ، واستئجار البقر مقصود بثلث الخارج ، وهو فاسد ، ولو كانا اشترطا عليه أن يعمل بنفسه مع بقره بالثلث حتى استحصد الزرع جاز ، وهما مزارعان جميعا ; لأن عمل البقر هنا تبع لعمل صاحبه ، وقد بينا جواز اشتراط البقر على العامل في عقد المزارعة ، ولا فرق بين أن يشترط ذلك على العاملين [ ص: 69 ] أو على أحدهما كسائر الآلات إذا شرط على أحد العاملين في الإجارة ، ولو كان البذر والبقر من واحد ، والأرض من آخر ، والعمل من ثالث كان فاسدا ; لما فيه من دفع البذر والبقر مزارعة ، ودفع كل واحد منهما على الانفراد مقصودا يفسد عقد المزارعة ، فدفعهما أولى ثم الخارج كله لصاحب البذر وعليه للعامل أجر مثل عمله ، ولصاحب الأرض أجر مثل أرضه يتصدق صاحب البذر بالفضل ; لأنه ربى زرعه في أرض غيره بسبب فاسد ، ولو كان البذر من أحدهم ، والبقر من الآخر ، والأرض والعمل من الآخر كان فاسدا أيضا ، وفيه حديث مجاهد - رحمه الله - كما بينا
ولو دفع إليه أرضا يزرعها سنته هذه ببذره وبقره وعمله على أن يستأجر فيها أجراء من مال الزارع فهو جائز ; لأن هذا شرط يقتضيه العقد ، فإن العمل بمطلق العقد كله يصير مستحقا على الزارع ، وله أن يقيمها بنفسه وأعوانه وأجرائه ، وهو الذي يستأجرهم ; لذلك فيكون الأجر عليه في ماله ، وإن لم يذكره فالشرط لا يزيده إلا وكادة ، ولو اشترطا أن يستأجر الأجراء من مال رب الأرض ، فهذه مزارعة فاسدة ; لأن الأجير الذي يستوجب الأجر من مال رب الأرض يكون أجيرا له ، فإنه إنما يستوجب الأجر عليه إذا كان عاملا له ، واشتراط عمل أجير رب الأرض ، كاشتراط عمل رب الأرض مع المزارع وذلك مفسد للمزارعة ، وكذلك لو شرطا أن يستأجرا الأجراء من مال المزارع على أن يرجع به فيما أخرجت الأرض ثم يقتسمان ما بقي نصفين فهذا فاسد ; لأن القدر الذي شرطا فيه رجوع المزارع من الريع بمنزلة المشروط للمزارع ، فكأنه شرط له أقفزة معلومة من الخارج ، والباقي بينهما نصفان ، وذلك مفسد للعقد ; لأنه لا يؤدي إلى قطع الشركة في الخارج مع حصوله ، وإن كان البذر من قبل رب الأرض فاشترط على الزارع أجر الأجراء من ماله جاز ; لما بينا أن العمل كله مستحق عليه ، وهو متمكن من إقامتها بنفسه وأجرائه ، ولو شرط أجر الأجراء على رب الأرض من ماله لم يجز ، وهو بمنزلة اشتراط عمل رب الأرض والبذر مع المزارع ، وكذلك لو اشترطاه على الزارع على أن يرجع به في الخارج فهو فاسد بمنزلة ما لو شرطا له ذلك العقد من الخارج فيفسد به العقد ، ويكون الريع كله لصاحب البذر ، وللعامل أجر مثله فيما عمل ، وأجر مثل أجرائه فيما عملوا ، ولا يشبه هذا المضاربة فإنه لو دفع إلى رجل مالا مضاربة بالنصف على أن أجر الأجراء من المال كان جائزا ; لأن ذلك شرط يقتضيه العقد ، فإن أجر الأجراء بمنزلة نفقة المضارب إذا خرج للعمل في مال المضاربة ، وذلك يكون في المال بغير شرط فأجراء العمل في مال المضاربة كذلك [ ص: 70 ] فالشرط لا يزيده إلا وكادة ، وهذا ; لأن مقتضى المضاربة الشركة بينهما في الربح خاصة ، والربح لا يظهر إلا بعد أجر الأجراء ، كما لا يظهر إلا بعد رفع رأس المال ، فهذا الشرط لا يغير مقتضى العقد ، فأما عقد المضاربة فمقتضاه الشركة في جميع الريع ، فاشتراط أجر الأجراء من الريع أو أن يرجع به العامل في الريع بمنزلة اشتراط رفع صاحب البذر بذره من الريع ، وذلك مفسد للعقد ، ولو كانا اشترطا أن أجر الأجراء على المضاربة في ماله ، وعلى رب المال في ماله كان ذلك باطلا ، وتفسد المضاربة ; لأنه يغير مقتضى العقد ، فإن أجر الأجراء في مال المضاربة ، فإذا شرط على أحدهما خاصة كان هذا شرطا مخالفا لموجب العقد ، فيفسد به العقد والله أعلم .
( قال - رحمه الله تعالى ) - : رجل دفع إلى رجل أرضا وبذرا يزرعها سنته هذه على أن الخارج بينهما نصفان ، ولم يقل له : اعمل فيه برأيك فله أن يستأجر فيه الأجراء بماله ; لأنه التزم عمل الزراعة في ذمته ، فإن شاء أقامه بنفسه ، وإن شاء بأعوانه وأجرائه ، ولما استأجره رب الأرض والبذر مطلقا لعمل الزراعة مع علمه أنه قد يعجز على إقامة جميع الأعمال بنفسه ، وقد يبتلى بسوء أو مرض لا يمكنه إقامة العمل معه ، فقد صار راضيا بإقامته العمل بأعوانه وأجرائه ، وليس له أن يوليها أحدا ، فيدفعها إليه مع البذر يعملها على أن الخارج بينهما نصفان ; لأنه يوجب للغير شركة في الخارج من يد رب الأرض ، فإنما رضي رب الأرض بشركته لا بشركة غيره ، ولأنه لا يملك نصيبه قبل إقامة العمل ، فلا يتمكن من إيجابه لغيره بمطلق العقد ، ولا يتمكن من إيجاب نصيب رب الأرض لغيره ; لأن رب الأرض لم يرض به ، وإن فعل ذلك فعملها الرجل فالزرع بين الآخر والأوسط نصفان ; لأن الأول صار غاصبا للأرض والبذر بتوليه العقد فيه إلى الثاني ، وإيجاب الشركة في الخارج ، ومن غصب أرضا وبذرا ودفعهما مزارعة كان الخارج بين الغاصب والمزارع على شرطهما لا شيء منه لرب الأرض ، ولرب الأرض أن يضمن بذره أيهما شاء ; لأن كل واحد منهما غاصب فتعدى في حقه الثاني بالإلقاء في الأرض لا على وجه رضي به رب الأرض والأول بالدفع إلى الثاني مع إيجاب الشركة في الخارج منه ، وكذلك نقصان الأرض في قول محمد وفي قياس قول أبي يوسف الأول : يضمن أيهما شاء ، فأما في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر : فإنما يضمن نقصان الأرض الثاني خاصة ; لأنه هو المتلف بعمله والعقار [ ص: 71 ] يضمن بالإتلاف دون الغصب عندهما ، فإن ضمن الثاني فله أن يرجع بما ضمن على الأول ; لأنه مغرور من جهته ، وإن ضمن الأول لم يرجع الثاني بشيء ; لأنه ملك البذر بالضمان ، فإنما دفع بذره مزارعة ، وكذلك نقصان الأرض عند محمد - رحمه الله - إذا ضمن الأول لم يرجع على الثاني ; لأنه لا فائدة فيه ، فإن الثاني يرجع على الأول بما يضمنه لأجل الغرور ، ولو قال له : اعمل فيه برأيك ، والمسألة بحالها فالتولية جائزة ، ونصف الخارج للمزارع الآخر ، ونصفه لرب الأرض ، ولا شيء للمزارع الأول ; لأنه فوض الأمر إلى رأيه على العموم ، والدفع إلى الغير مزارعة بالنصف من رأيه ، فيقوم هو مقام رب الأرض والبذر ثم هو يقيم غيره مقام نفسه في ثبوت حق الشركة له في الخارج بمقابلة عمله عند حصوله ، وقد رضي به صاحب الأرض حين أجاز صنعه على العموم ، فهو كالوكيل يوكل غيره فيما وكل به فيصح منه إذا قيل له : اعمل فيه برأيك وإن ثبت أن الثاني قائم مقام الأول ، فإنما يستحق النصف الذي كان يستحقه الأول ، ولا يستحق شيئا من نصيب رب الأرض ; لأنه لم يرض بذلك ; فلهذا كان الخارج بين المزارع الآخر ، وبين رب الأرض نصفين ، ولو لم يقل له : اعمل فيه برأيك فأشرك فيه رجلا ببذر من قبل ذلك الرجل ، واشتركا على أن يعملا بالبذرين جميعا على أن الخارج بينهما نصفان ، فعملا على هذا ، فجميع الخارج بينهما نصفان ، والمزارع الأول ضامن لبذر صاحب الأرض ; لأنه مخالف له بإلقائه في الأرض على وجه يثبت للغير شركة في الخارج منه ، وإن خلطه ببذر الآخر ، فهو ضامن له بالخلط ; لأنه اشتراك لم يرض به صاحب الأرض ، والبذر ثم هو بالضمان يملك بذر صاحب الأرض ، فظهر أنهما زرعا ببذر بينهما نصفين ، فيكون الخارج بينهما نصفين على قدر البذر ، وهما ضامنان نقصان الأرض ; لأنهما باشرا عمل الزراعة ، فكانا مباشرين إتلاف الجزء الذي تمكن النقصان في الأرض بذهاب قوتها فعليهما ضمان ذلك ، ولا يرجع الثاني على الأول بشيء من النقصان ; لأن الثاني عامل لنفسه ، والأول كالمعير منه لنصف الأرض ، والمستعير لا يرجع بما يلحقه من الضمان على المعير ، ثم يأخذ كل واحد منهما من نصيبه ما غرم ، وما أنفق ، ويتصدق بالفضل ; لأنه ربى زرعه في أرض غيره بغير رضاه ، ولو كان أمره أن يعمل فيها برأيه ، ويشارك فيها من أحب ، والمسألة بحالها جاز ، ونصف الخارج للآخر ; لأنه نماء بذره ، ونصفه بين الأول ورب الأرض نصفان ; لأنه نماء بذر رب الأرض ، والمزارع موافق له في عمل الزراعة فيه ، فالخارج بينهما على الشرط ، ولا شيء لرب الأرض على واحد منهما [ ص: 72 ] لأن نصف الأرض زرعه الأول ، ونصفه زرعه الثاني ، والأول كالمعير منه لذلك النصف ، وقد رضي به رب الأرض حين أمره أن يعمل في ذلك برأيه ، وأن يشارك من أحب ، ولو لم يكن شاركه ، ولكنه دفع إليه البذر على أن يعمل فيه ، ويبذر مثله من عنده في الأرض على أن الخارج بينهما نصفان ، فهذه مزارعة فاسدة ; لأن المزارع الأول قائم في الدفع مقام المالك حين فوض الأمر إلى رأيه على العموم ، وقد بينا أن المالك إذا دفع البذر والأرض إلى رجل على أن يزرعها مع مثل ذلك البذر من عنده على أن الخارج بينهما نصفان لم يجز ; لأنه جعل منفعة نصف الأرض له بإزاء عمله لصاحب الأرض في النصف الآخر ، فهذا مثله ثم المزارع الآخر له نصف الخارج ; لأنه نماء بذره ، وعليه أجر نصف مثل نصف الأرض لرب الأرض ; لأنه استوفى منفعة نصف الأرض بعقد فاسد ، والذي يلي قبضه من المزارع الأول ; لأنه وجب بعقده ، ويكون نصف الزرع بين المزارع الأول ورب الأرض على الشرط ; لأنه نماء بذر رب الأرض ، والمزارع الأول لم يصر مخالفا له بالدفع إلى الثاني بحكم عقد فاسد ; لأن الأمر مفوض إلى رأيه ، فإنما يضمن بالخلاف لا بالفساد ، ويطيب لهما هذا النصف ; لأنه لا فساد في العقد الذي جرى بينهما ،

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.88 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.72%)]