عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 24-12-2025, 04:26 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,773
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث والعشرون

صـــ 32الى صـــ 41
(465)


ولو اشترطا العمل عليهما جميعا والخارج بينهما نصفان ، والبذر من المدفوع إليه خاصة فعملا أو عمل صاحب الأرض وحده جعل له منفعة نصف الأرض بمقابلة عمله في النصف الآخر معه من الأرض ، وشرط لنفسه مع ذلك منفعة إقراض نصف البذر منه وذلك مفسد للعقد ، ثم الخارج كله لصاحب البذر ، ولصاحب الأرض نصف أجر مثل أرضه وأجر مثل نفسه في عمله إن كان عمل ; لأنه لا شركة في الخارج هنا ، فصاحب البذر استوفى منفعة أرضه وعمله بعقد فاسد فيجب عليه أجر المثل والله أعلم .
قال - رحمه الله - : وإذا اشترطا أن يرفع صاحب البذر بذره من الريع والباقي بينهما نصفان فهو فاسد أيا ما كان البذر ; لأن جواز المزارعة على قول من يجوزها لمتابعة الآثار ، فأما القياس فما ذهب إليه أبو حنيفة - رحمه الله - فمتى كان العقد لا على الوجه الذي ورد به الأثر أخذ فيه بالقياس ، ثم المزارعة شركة في الخارج وكل شرط يؤدي إلى قطع الشركة بينهما مع حصول الخارج في بعضه أو في كله كان مفسدا للعقد ، وقدر البذر من جملة الريع فإن البذر بالإلقاء في الأرض يتلف ، فهذا الشرط يؤدي إلى قطع الشركة بينهما في بعض الريع أو في جميعه إذا كان لا يحصل من الخارج إلا قدر البذر ، وهذا بخلاف المضاربة ; لأن رأس المال هنا ليس من الربح فإن بالتصرف لا يتلف رأس المال ، فاشتراط دفع رأس المال لا يوجب قطع الشركة بينهما في شيء من الربح ، ثم اشتراطه دفع البذر هنا في كونه مخالفا لموجب العقد كاشتراط [ ص: 33 ] كون رأس المال بينهما في المضاربة ، ولو اشترطا أن الربح ورأس المال كله نصفان فسد العقد فهذا قياسه ، ولو اشترطا أن يرفع صاحب البذر عشر الخارج لنفسه والباقي بينهما نصفان جاز ; لأن هذا الشرط لا يؤدي إلى قطع الشركة في شيء من الريع بينهما مع حصول الخارج ، فإنه ما من قدر يخرج إلا ويبقى بعد رفع العشر منه تسعة أعشاره ، ثم هذا في المعنى اشتراط خمسة ونصف من عشرة لصاحب البذر وأربعة ونصف للآخر ، وذلك لا يؤدي إلى قطع الشركة في شيء من الريع ، وكذلك لو اشترط العشر لمن لا بذر من قبله والباقي بينهما نصفان جاز لما قلنا ، ولو اشترطا رفع الخراج من الريع والباقي بينهما نصفان كان فاسدا ; لأن الخراج على رب الأرض وهو دراهم مسماة ، أو حنطة مسماة فاشتراط رفع الخراج بمنزلة اشتراط ذلك القدر من الخارج لرب الأرض ، وهذا شرط يؤدي إلى قطع الشركة في الريع مع حصوله لجواز أن لا يحصل إلا ذلك القدر أو دونه
ولو كانت الأرض عشرية فاشترطا رفع العشر إن كانت الأرض تشرب سحا ، أو نصف العشر إن كانت تشرب بدلو والباقي بينهما نصفان فهذا جائز ; لأن هذا الشرط لا يؤدي إلى قطع الشركة في الخارج فإنه ما من مقدار تخرجه الأرض إلا وإذا دفع منه العشر أو نصف العشر يبقى شيء ليكون مشتركا بينهما نصفين ، فإن حصل الخارج أخذ السلطان حقه من عشر أو نصف ، والباقي بينهما نصفان ; لأنهما شرطا كذلك والمؤمنون عند شروطهم ، وإن لم يأخذ السلطان منهم شيئا ، أو أخذوا بعض طعامهم سرا من السلطان فإن العشر الذي شرط من ذلك للسلطان يكون لصاحب الأرض في قول أبي حنيفة - رحمه الله - على قياس من أجاز المزارعة ، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يكون بينهما نصفين ، وأصل المسألة فيما تقدم بيانه في الزكاة أن من أجر أرضه العشرية فالعشر عند أبي حنيفة على رب الأرض وعندهما العشر في الخارج على المستأجر ، ففي المزارعة رب الأرض مؤجر للأرض أو مستأجر للعامل إن كان البذر من قبله فالعشر عليه - عند أبي حنيفة - في الوجهين فالمشروط للعبد مشروط لرب الأرض وعندهما العشر في الخارج ، فإذا لم يأخذ السلطان منهما العشر أو أخذا بعض الطعام سرا من السلطان ، فالخارج بينهما نصفان وكذلك المشروط للعشر يكون بينهما نصفين ، وكان ذلك مشروطا لهما ولو كان صاحبه قال للعامل : لست أدري ما يأخذ السلطان منا العشر أو نصف العشر ، فإنما تلك على أن النصف لي مما تخرج الأرض بعد الذي يأخذ السلطان ولك النصف فهذا فاسد في قياس أبي حنيفة [ ص: 34 ] رحمه الله - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - هو جائز بينهما على ما قالا ، ومعنى هذه المسألة أن الأرض قد تكون بحيث تكتفي بماء السماء عند كثرة الأمطار وقد تحتاج إلى أن تسقى بالدلاء عند قلة المطر ، وفي مثله السلطان يعتبر الأغلب فيما يأخذ من العشر أو نصف العشر فكأنهما قد قالا لا ندري كيف يكون حال المطر في هذه السنة وماذا يأخذ السلطان من الخارج فتعاقدا على هذه الصفة ، ثم عند أبي حنيفة - رحمه الله - العشر أو نصف العشر يكون على رب الأرض فبهذا الشرط هما شرطا لرب الأرض جزءا مجهولا من الخارج إما العشر أو نصف العشر وذلك مفسد للعقد ، وعند أبي يوسف ومحمد العشر أو نصف العشر يكون في الخارج ، والخارج بينهما نصفان ، فهذا في معنى اشتراط جميع الخارج بينهما نصفين ، وذلك غير مفسد للعقد
وإذا دفع إلى رجل أرضا من أرض الخراج يزرعها بنفسه وبذره وبقره فما خرج منها دفع منه حظ السلطان وهو النصف مما تخرج وكان ما بقي بينهما لرب الأرض ثلثه ، وللعامل الثلثان فهو جائز على ما اشترطا وإنما يعني خراج المقاسمة ، وللإمام رأي في الخراج بين خراج المقاسمة وبين خراج الوظيفة ، وخراج المقاسمة جزء من الخارج حتى لا يجب إلا بوجود حقيقة الخارج بخلاف خراج الوظيفة ، فكان ذلك بمنزلة العشر عند أبي حنيفة ، وهو على رب الأرض فالمشروط لخراج المقاسمة كالمشروط لرب الأرض ، وهذا الشرط لا يؤدي إلى قطع الشركة وعندهما خراج المقاسمة في الخارج فيكون عليهما على قدر الخارج بينهما ، فكأنهما شرطا الثلث والثلثين في جميع الخارج فيصح العقد ، فإن أخذ السلطان من رب الأرض الخراج وترك المقاسمة فالنصف الذي شرطاه للسلطان هو لرب الأرض والباقي بينهما على ما اشترطا ، ومعنى هذا أن السلطان قد يفتح بلدة ويمن بها على أهلها ، ثم يتردد رأيه في توظيف خراج المقاسمة عليهم ، أو خراج الوظيفة فلا يعزم على شيء من ذلك حتى يحصل الخارج ، أو كان جعل عليهم خراج المقاسمة على أنه إن بدا له أن يجعل عليهم خراج الوظيفة فعل ذلك ، وقد يشترط ذلك حتى لا يعطلوا الأراضي فيكون هذا من الإمام نظرا لأرباب الخراج ، فإذا بدا له بعد حصول الخارج أن يأخذ خراج الوظيفة فإنه يأخذ ذلك من رب الأرض ، ثم النصف المشروط للسلطان يكون لرب الأرض ، أما عند أبي حنيفة - رحمه الله - فلا يشكل ; لأن ذلك على رب الأرض وإن كان خراج المقاسمة فالمشروط له مشروط لرب الأرض وعندهما ; لأن بدل ذلك أخذه السلطان من رب الأرض والغنم مقابل بالغرم فما شرط لخراج المقاسمة يكون لرب الأرض [ ص: 35 ] بهذا الطريق ، وكذلك لو لم يأخذ السلطان خراجا ولا مقاسمة وترك ذلك أصلا ، أو أخذا شيئا من الطعام سرا ، ثم قاسمهم السلطان ما بقي فأخذ نصفه فإن ما أخذاه سرا لصاحب الأرض ثلثه وللمزارع ثلثاه ، فقد عطف أحد الفصلين على الآخر بقوله : " وكذلك وجوابهما يختلف فإنه يأخذ إذا لم يأخذ السلطان شيئا " فعطف ذلك على المسألة الأولى دليل على أن المشروط لخراج المقاسمة يكون لرب الأرض ، وفيما إذا أخذا شيئا من الطعام سرا نص على أنه يكون أثلاثا بينهما ففيما ذكره في هذا النوع نوع من التشويش ، والحاصل أن على قول أبي حنيفة المشروط للخراج يكون مشروطا لرب الأرض ففي الفصلين يكون النصف المشروط لخراج المقاسمة يكون لرب الأرض والباقي بينهم أثلاثا ، وعند أبي يوسف ومحمد خراج المقاسمة في الخارج إلا إذا أخذ السلطان الخراج من رب الأرض فحينئذ يكون ذلك له عوضا عما أخذه السلطان منه ، فإذا لم يأخذ منه شيئا أو أخذا شيئا من الطعام سرا فذلك مقسوم بينهما على أصل المشترط ، لصاحب الأرض ثلثه وللمزارع ثلثاه ، وقد ذكر في بعض النسخ في هذا الفصل الأخير أن ما أخذاه سرا يكون لصاحب الأرض ثلثاه وللمزارع ثلثه ، فعلى هذا يتفق الجواب في الفصول الثلاثة ويتحقق العطف فإن ذلك النصف لرب الأرض والثلث من النصف الباقي له ، فإذا أخذ ثلثي الخارج فقد وصل إليه جميع هذا ، ولكن هذا الجواب بناء على قول أبي حنيفة فأما عندهما فالتخريج ما ذكرنا ، وقيل : بل هذا الجواب قولهم جميعا لأن المقاسمة واجبة باسم الخراج كالوظيفة ، والخراج مؤنة تجب على رب الأرض ، فالمشروط للخراج بمنزلة المشروط لرب الأرض عندهما جميعا ، وكذلك لو كان البذر من صاحب الأرض . والذي قلناه أولا من أن المسألة على الخلاف هو الأصح ، وقد نص عليه في بعض نسخ الأصل ، ولو قال : لا أدري ما يأخذ السلطان في هذه السنة المقاسمة أو الخراج فإنما تلك على أن أرفع مما تخرج الأرض حظ السلطان مقاسمة كان أو خراجا أو يكون ما بقي بيننا لي الثلث ولك الثلثان فرضي المزارع بذلك ، فهذه مزارعة فاسدة من أيهما كان البذر ; لأن هذا شرط يؤدي إلى قطع الشركة في الخارج مع حصول الخارج عشرا بأن يأخذ السلطان خراج الوظيفة ويكون الخارج بقدر ذلك أو دونه ، ثم الريع كله لصاحب البذر كما هو الحكم في المزارعة الفاسدة ، والخراج والمقاسمة أيهما كان على صاحب الأرض لما بينا أن الخراج مؤنة للأرض فيكون على صاحب الأرض ، ثم إن كان البذر من قبل صاحب الأرض فهو مستأجر للعامل ولو عمل بنفسه كان الخراج عليه ، فكذلك [ ص: 36 ] إذا استأجر العامل فيه ، وإن كان البذر من قبل العامل فرب الأرض مؤجر للأرض ، ومنفعة الأرض تحصل له بهذه الإجارة كما يحصل إذا استوفاها بنفسه فيكون الخراج عليه والله أعلم .
قال - رحمه الله - : وإذا اشترط رب الأرض على العامل الحصاد فالمزارعة فاسدة من أيهما كان البذر ، والأصل أن العمل الذي به يحصل الخارج أو يتربى في المزارعة الصحيحة يكون على العامل ، وذلك بمنزلة الحفظ والسقي إلى أن يدرك الزرع ; لأن المزارعة على قول من يجيزها شركة في الخارج ، ورأس مال العامل فيها عمل مؤثر في تحصيل الخارج ، كما في المضاربة وما يكون من العمل بعد الإدراك التام إلى أن يقسم كالحصاد والدياس والتذرية يكون عليهما ; لأن الخارج ملكهما فالمؤنة فيه عليهما بقدر الملك ، وما يكون من العمل بعد القسمة كالحمل إلى البيت والطحن يكون على كل واحد منهما في نصيبه خاصة ; لأن بالمقاسمة تميز ملك أحدهما عن ملك الآخر ، فيكون التدبير في ملك كل واحد منهما إليه ، فإذا شرطا الحصاد على العامل فهذا لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين فيفسد به العقد ، كما لو شرط رب الأرض الحمل ، والطحن عليه في نصيب نفسه ; ولأن المزارعة تنتهي باستحصاد الزرع .

( ألا ترى ) أن الزرع بعد ما استحصد لو دفعه معاملة إلى رجل ليقيم فيه هذه الأعمال بالثلث لم يجز ، بخلاف ما إذا كان الزرع بقلا فدفعه معاملة إلى من يحفظه ويسقيه بالثلث فإذا شرط الحصاد على العامل فهذا عمل شرط عليه بعد انتهاء العقد ، واستحقاق العمل عليه بالعقد ، وكل شرط يوجب عليه عملا بعد انتهاء العقد فهو فاسد يفسد به العقد ، وروى بشر وابن سماعة عن أبي يوسف أن العقد لا يفسد بهذا الشرط ، ولكن إن لم يشترطا فهو عليهما ، وإن شرطا فهو على المزارع ; لأن العرف الظاهر أن المزارع يباشر هذه الأعمال ، فهذا شرط يوافق المتعارف فلا يفسد به العقد ولكن بمطلق العقد لا يستحق عليه إلا ما يقتضيه العقد ، فإن شرط ذلك عليه صار مستحقا بالعرف ، كما لو اشترى حطبا في المصر بشرط أن يوفيه في منزله . وفي المعاملة قال : هذا الشرط يفسد المعاملة ; لأنه ليس فيه عرف ظاهر وكان نصر بن يحيى ومحمد بن سلمة - رحمهما الله - يقولان : هذا كله على العامل شرط عليه أو لم يشرط ; لأن فيه عرفا ظاهرا يتناوله والمعروف كالمشروط فقد جوزنا بعض العقود للعرف ، وإن كان القياس [ ص: 37 ] يأباه كالاستبضاع فهذا مثله وهذا هو الصحيح في ديارنا أيضا . وكان أبو بكر محمد بن الفضل - رحمه الله - إذا استفتي في هذه المسألة قال : فيها عرف ظاهر ، ومن أراد أن لا يتعطل فعليه أن لا يمتنع مما هو العرف ، وكذلك لو اشترطا شيئا من ذلك على صاحب الأرض كان العقد فاسدا لما بينا ، وفي جانب رب الأرض فساد العقد بهذا الشرط على الأقاويل كلها ; لأنه ليس فيه عرف ظاهر .

( ألا ترى ) أن رجلا لو جاء إلى رجل قد صار زرعه بقلا فعامله على أن يقوم عليه ويسقيه حتى يستحصد فما خرج فهو بينهما نصفان كان جائزا ، ولو عامله بعد ما استحصد على أن يحصده ويدوسه ويذريه وينقيه ويحمله إلى منزله ، أو إلى موضع كذا كان العقد فاسدا وهذا ; لأن المزارعة على قول من يجيزها إنما تكون باعتبار الأثر ، والأثر إنما جاء في مزارعة يكون للعمل فيها تأثير في تحصيل الخارج ، وذلك لا يوجد في الفصل الثاني وفي الفصل الأول يوجد ذلك ; لأن الزرع يزداد بعمل العامل بمنزلة الثمار تخرج بعمل العامل فلهذا صح العقد هناك ، ولم يصح هنا ، ولو دفع إليه أرضا وبذرا على أن يزرعها سنته هذه على أن ما رزق الله تعالى من شيء فهو بيننا نصفان فصار قصيلا فأرادا أن يقصلاه ويبيعاه ، فحصاد القصيل وبيعه عليهما ; لأنهما أنهيا العقد بما عزما عليه ، والقصل في القصيل كالحصاد بعد الاستحصاد ; لأنه عمل في ملك مشترك ، وليس له تأثير في زيادة الخارج فكما أن الحصاد بعد الإدراك عليهما فكذلك حصاد القصيل عليهما ، ويستوي إن كان البذر من قبل رب الأرض ، أو المزارع ، ولو استحصد الزرع فمنعهم السلطان من حصاده إما ظلما ، أو لمصلحة رأى في ذلك أو استوفى منهم الخراج فالحفظ عليهما ; لأن الحفظ بعد الاستحصاد بمنزلة الحصاد ، فإن عقد المزارعة ينتهي بالحصاد

ولو دفع إلى رجل نخلا له معاملة على أن يقوم عليه ويسقيه ويلحقه على أن الخارج بينهما نصفان فهو جائز ، وعلى العامل حفظه بالليل والنهار حتى يصير تمرا ; لأن عقد المعاملة قائم بينهما ما لم يصر تمرا ، والحفظ من الأعمال التي تستحق على العامل بعقد المعاملة ، فإذا صار تمرا فقد انتهى العقد وبقي التمر مشتركا بينهما ، فكان الحفظ بعد ذلك والجذاذ عليهما بقدر ملكيهما ، فإن اشترط صاحب النخل على العامل في أصل المعاملة بعد ما يصير تمرا كانت المعاملة فاسدة ; لأنه شرط لنفسه منفعة عليه بعد انتهاء العقد ، ولو أراد في المعاملة الصحيحة أن يجداه بسرا فيبيعانه ، أو يلقطانه رطبا فيبيعانه فإن اللقاط والجذاذ عليهما نصفين لما بينا أنهما أنهيا العقد بما عزما عليه ، فإن الجذاذ قبل الإدراك بمنزلته بعد الإدراك ، ولكن الحفظ على العامل ما دام في رءوس النخيل [ ص: 38 ] حتى يصير تمرا ; لأن عقد المعاملة بينهما باق فإنه إنما ينتهي ضمنا للجذاذ واللقاط ، فلا يكون منتهيا قبله ، وحال قيام العقد الحفظ مستحق على العامل والله أعلم .
قال - رحمه الله - : إذا دفع الرجل أرضا له مزارعة بالنصف سنته هذه على أن البذر من قبل العامل فقال صاحب الأرض : اكربها ثم ازرعها فقال العامل : أزرعها بغير كراب فإنه ينظر في ذلك فإن كانت تزرع بغير كراب ويحصل الريع إلا أن بالكراب أجود فإن شاء العامل كرب ، وإن شاء لم يكرب ، وإن كانت لا تخرج زرعا بغير كراب لم يكن له أن يزرع إلا بكراب ; لأن المقصود بالمزارعة تحصيل الخارج ، فإن العمل الذي لا بد منه لتحصيل الخارج يصير مستحقا عليه بمطلق العقد ، وما يحصل الخارج بدونه لا يصير مستحقا عليه إلا بالشرط ; لأن بمطلق العقد يستحق المعقود عليه بصفة السلامة ولا يستحق صفة الجودة إلا بالشرط ، فإذا كانت تلك الأرض بحيث لا يحصل ريعها إلا بكراب فهذا عمل لا بد منه فيصير مستحقا على العامل بمطلق العقد إلا إن شاء أن يدع الزرع ; لأن البذر من قبله فلا يكون العقد لازما في حقه قبل إلقاء البذر في الأرض ، وإن كان الريع يحصل بغير كراب ، ومع الكراب يكون أجود ، ولكن صفة الجودة لا تستحق بمطلق العقد ، وبدون الكراب صفة السلامة تحصل في الريع فيتخير العامل لذلك ، وإن كانت تخرج بعد الكراب شيئا قليلا نظرت فيه فإن كان مما يقصد الناس ذلك بالزراعة تخير المزارع في الكراب ، وإن كان ذلك شيئا لا يقصده الناس بالعمل يجبر على الكراب ; لأن مطلق العقد يتقيد بالمتعارف ; ولأن ما لا يقصد تحصيله بالزراعة عادة يكون معينا . وقضية عقد المعاوضة صفة السلامة عن العيب فيصير الكراب مستحقا على العامل لتحصيل صفة السلامة لصاحب الأرض في نصيبه من الخارج ، وإذا كان يخرج بغير كراب ما يقصد بالزراعة فأدنى السلامة يحصل بغير كراب ، والأعلى لا يصير مستحقا إلا بالشرط ، وكذلك إن زرع ثم قال : لا أسقي ولكن أدعها حتى تسقيها السماء ، فإن كانت تكتفي بماء السماء إلا أن السقي أجود للزرع لم يجبر على السقي ، وإن كانت مما لا يكفيه سقي السماء أجبر على السقي ، وكذلك لو كان البذر من قبل صاحب الأرض في جميع ذلك للمعنى الذي قلنا . ولو دفع إليه أرضا وبذرا على أن يكربها ويزرعها سنته هذه بالنصف فأراد أن [ ص: 39 ] يزرعها بغير كراب فليس له ذلك ، ويجبر على الكراب سواء كان البذر من قبل المزارع ، أو من قبل رب الأرض ; لأن أصل الريع وإن كان يحصل بغير كراب ، فمع الكراب أجود ، وصفة الجودة تصير مستحقة بالشرط كصفة الجودة في المسلم فيه ، وصفة الكتابة والحبر في العبد تصير مستحقة بالشرط ، وإن كان لا يستحق بمطلق العقد ، وكذلك لو شرط في المسلم فيه أن يوفيه في مصر كذا فله أن يوفيه في أي ناحية من نواحي المصر شاء ، وإن شرط عليه أن يوفيه في منزله في المصر فليس له أن يوفيه في موضع آخر ، إلا أن يكون الريع يحصل بالكراب وغير الكراب على صفة واحدة فحينئذ لا يعتبر هذا شرط ; لأنه غير مفيد ، وكذلك إن كان الكراب بحيث يضر بالزرع ، وقد يكون ذلك عند قوة الأرض فإن الكراب يحرق الأرض والزرع ، وإذا كان بهذه الصفة فليس على المزارع أن يكربها ; لأن اعتبار الشرط للمنفعة لا للضرر ، واشتراط التثنية على المزارع في المزارعة يفسد العقد قال : لأنه يبقي منفعتها في الأرض بعد مضي السنة بخلاف الكراب فإنه لا تبقى منفعته في الأرض بعد مضي السنة ، فاشتراطه لا يفسد المزارعة . وتكلموا في تفسير التثنية فقيل المراد أن يكربها مرتين ، ثم يزرع فعلى هذا اشتراط التثنية في ديارنا لا يفسد المزارعة ; لأنه لا تبقى منفعتها بعد مضي السنة ، وفي الديار التي تبقى منفعتها في الأرض بعد سنة إن كانت المزارعة بينهما سنة واحدة يفسد بهذا العقد ; لأنه لا تبقى منفعتها في الأرض بعد المدة وقيل معنى التثنية : أن يكربها بعد ما يحصد الزرع فيردها مكروبة وهذا الشرط مفسد للعقد ; لأن المزارعة تنتهي بإدراك الزرع فقد شرط عليه عملا بعد انتهاء العقد ، وفيه منفعة لرب الأرض وقيل معنى التثنية : أن يجعلها جداول كما يفعل بالمبطخة فيزرع ناحية منها ويبقي ما بين الجداول مكروبا فينتفع رب الأرض بذلك بعد انتهاء المزارعة وهذا مفسد للعقد ، والحاصل أنه متى شرط على العامل ما تبقى منفعته لرب الأرض بعد مضي المدة فالمزارعة تفسد به ، كما لو شرط عليه أن يكرب أنهارها والمزارعة بينهما سنة واحدة ، فإن كرب الأنهار تبقى منفعتها بعد انقضاء السنة ، وكذلك لو شرط عليه إصلاح مشاربها أو بناء حائط فيها ، أو أن يسرجنها فهذا كله مما تبقى منفعته في الأرض بعد مضي مدة المزارعة ، فتكون مفسدة للمزارعة ، ولو دفع إليه الأرض والبذر على أن يعمل سنته هذه على أنه إن زرع بغير كراب فللمزارع ربع الخارج ، وإن كربها ثم زرعها فللمزارع ثلث الخارج ، وإن كرب وثنى ثم زرع فالخارج بينهما نصفان فهذه مزارعة جائزة على ما اشترطا ; لأنه ذكر أنواعا من [ ص: 40 ] العمل وأوجب له بمقابلة كل نوع شيئا معلوما من الخارج ، فيصح العقد كما لو دفع ثوبا إلى خياط فقال : إن خطته رومية فلك درهم وإن خطته فارسية فلك نصف درهم وهذا ; لأن أوان لزوم العقد بين الجانبين ، وانعقاد الشركة بينهما في الخارج عند إلقاء البذر في الأرض ، والكراب والتثنية كل ذلك يسبق إلقاء البذر ، فعند لزوم العقد نوع العمل معلوم ، وبدله معلوم فيجوز العقد كما في مسألة الخياطة ، فإن وجوب الأجر عند إقامة العمل وذلك عند العمل معلوم ، والبدل معلوم ، وقال عيسى - رحمه الله - : هذا الجواب غلط ; لأنه ذكر قبل هذا أن اشتراط التثنية على المزارع يفسد العقد ، وهنا قد شرط عليه التثنية ، وضم إليه نوعين آخرين من العمل فتمكنت الجهالة هنا من العمل ، ومقدار البدل عند العقد مع اشتراط التثنية ، فلأن يكون مفسدا للعقد كان أولى وإن كان لا يفسد العقد إذا كربها أو زرعها بغير كراب فينبغي أن يفسد العقد إذا ثنى ; لأنه تعين ذلك بعمله فكان شرط ذلك في الابتداء بعينه ولكن ما ذكره في الكتاب أصح ، أما إذا جعلنا تفسير التثنية أن يردها مكروبة فلا حاجة إلى الفرق بين هذا وبين ما سبق أن جعلنا تفسير التثنية أن يكربها مرتين ، فهناك تعين عليه التثنية بالشرط وهي مما تبقى منفعتها بعد مضي المدة ، فلا يجوز أن يجبر المزارع على إقامتها ، وهنا لا يتعين عليه التثنية بل يتخير هو في ذلك إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل ، وهذا غير مفسد للعقد ، كما إذا أطلق العقد يصح ، ويتخير المزارع بين أن يثني الكراب ، وبين أن يكربها ويدع التثنية فإن زرع بعضها بكراب وبعضها بغير كراب وبعضها بكراب وثنيان فهو جائز ، وما زرعها بغير كراب فالخارج بينهما يكون أرباعا وما زرعها بكراب فهو بينهما أثلاثا وما زرع بكراب وثنيان فهو بينهما نصفان اعتبارا للبعض بالكل ، وهذا ; لأنه لا يتعين على صاحب الأرض والبذر شرط عقده بهذا التبعيض ، وهو متعارف بين الناس أن يزرع بعض الأرض بكراب وثنيان ، وبعضها بكراب ، وبعضها بغير كراب ، وهذا بخلاف مسألة الخياطة ; فإن هناك ليس له أن يخيط بعض الثوب رومية وبعضه فارسية ; لأن ذلك يفوت المقصود على صاحب الثوب ، وهذا غير متعارف في الثوب الواحد أن يخاط بعضه رومية ، وبعضه فارسية ، بل يعد ذلك عيبا في الثوب ، وكذلك لو كان البذر من قبل المزارع في جميع ذلك ، وكذلك لو كان الشرط أن ما زرع بكراب وثنيان فهو بينهما نصفان ، فهذا والأول سواء ، وقد طعنوا في هذه المسألة ، فقالوا : ينبغي أن لا يصح العقد هنا ; لأن كلمة " من " للتبعيض فقد شرط عليه أن يزرع البعض بكراب ، والبعض بثنيان ، والبعض [ ص: 41 ] بغير كراب ، وذلك البعض مجهول ، وهذه الجهالة تفضي إلى تمكن المنازعة ; لأن العقد لازم من جانب العامل أو من جانب رب الأرض ، إذا كان البذر من قبل العامل ، فينبغي أن يفسد العقد ، واستدلوا على هذا بما ذكره في آخر الباب من التخيير بين أجناس البذر بهذا اللفظ ، وأفسدوا العقد به لهذا المعنى إلا أنا نقول : حرف " من " قد يكون للصلة خصوصا في موضع يكون الكلام بدونه مختلا قال الله - تعالى - { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } . وإذا كان حرف " من " صلة كان له أن يزرع الكل بأي نوع من الأعمال الثلاثة شاء . فهذه المسألة والأولى سواء ، والفرق بين هذا وبين التخيير في جنس البذر بهذا اللفظ نذكره في آخر الباب
ولو دفع إليه الأرض على أن يزرعها ببذره سنته هذه على أن يزرعها حنطة فالخارج بينهما نصفان ، وإن زرعها شعيرا فلصاحب الأرض ثلثه ، وإن زرعها سمسما فلصاحب الأرض ربعه ، فهذا جائز على ما اشترطا لما بينا أن أوان لزوم العقد ، وانعقاد الشركة عند إلقاء البذر في الأرض ، وعند ذلك المعقود عليه معلوم والبذر معلوم . والجهالة قبل ذلك لا تفضي إلى المنازعة ، وإن زرعها بعضها حنطة ، وبعضها شعيرا ، وبعضها سمسما فذلك جائز في كل نوع على ما اشترطا اعتبارا للبعض بالكل ; لأنه لما رضي رب الأرض بأن يزرع كلها على صفة يكون راضيا بأن يزرع بعضها على تلك الصفة ، وبذلك البذر ، كما في المسألة الأولى ، وكذلك لو دفع إليه أرضا ثلاثين سنة على أن ما زرع فيها من حنطة أو شعير أو شيء من غلة الصيف أو الشتاء فهو بينهما نصفان ، وما غرس فيها من نخل أو شجر أو كرم فهو بينهما أثلاثا فلصاحب الأرض الثلث ، وللعامل الثلثان ، فهو بينهما على ما اشترطا سواء زرع الكل على أحد النوعين أو زرع بعضها ، وجعل في بعضها كرما قال : ولا يشبه البيوع في هذا الإجارات ، والإجارات في مثل هذا تجوز ، وذكر حماد عن إبراهيم - رحمه الله - قال سألته عن الأجير ، أقول له : إن عملت في كذا كذا فبكذا ، وإن عملت كذا فبكذا ؟ فقال : لا بأس به إنما يكره ذلك في البيوع . قيل : معنى هذا الفرق أن في البيوع إذا اشترى أحد شيئين ، وسمى لكل واحد منهما ثمنا ، ولم يشترط الخيار ثلاثة أيام لواحد منهما كان العقد فاسدا ، وفي الإجارات يكون العقد صحيحا بدون شرط الخيار ، كما في مسألة الخياطة والمزارعة ; لأن الثمن في البيع يجب بنفس العقد ، والعقد يلزم بنفسه فإذا لم يشترط الخيار فيه كان المعقود عليه مجهولا ، والثمن مجهولا عند لزوم العقد ، وهذه الجهالة تفضي إلى المنازعة ، وفي باب المزارعة العقد لا يلزم من جانب من البذر من قبله قبل إلقاء البذر في الأرض ، وفي الإجارة العقد ، وإن كان يلزم بنفسه ، ولكن البدل [ ص: 42 ] لا يجب إلا بالعمل ، وعند ذلك العمل والبدل معلوم ، وجهالة صفة العمل قبل ذلك لا تفضي إلى المنازعة ، وقيل : بل مراده من هذا الفرق أن في البيع إذا قال : إلى شهر بكذا أو إلى شهرين بكذا فهذا يكون مفسدا للعقد لجهالة مقدار الثمن عند وجوبه بالعقد ، وفي الإجارة وجوب البدل عند إقامة العمل ، وكذلك في المزارعة انعقاد الشركة عند إلقاء البذر في الأرض ، وعند ذلك هو معلوم ، وفي بعض النسخ قال : ولا يشبه هذا البيوع والإجارات ، فهو إشارة إلى الفرق بين المزارعة والبيع والإجارة ، إذ في المزارعة له أن يزرع بعضها حنطة ، وبعضها شعيرا ، وفي الإجارة في مسألة الخياطة ليس له مثل ذلك ، وكذلك في البيع إذا اشترى أحد الثوبين على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء ، وسمى لكل واحد منهما ثمنا ليس له أن يلتزم العقد في نصف كل واحد منهما لما في التبعيض في البيع والإجارة من الضرر على البائع ، وعلى صاحب الثوب ، وذلك لا يوجد في المزارعة ; لأنه ليس في زرعه البعض حنطة والبعض شعيرا معنى الإضرار بصاحب الأرض ، ثم فرق أبو يوسف - رحمه الله - ومحمد - رحمه الله - بين الإجارة والمزارعة فيما إذا استأجر بيتا على أنه إن قعد فيه طحانا فله عشرة دراهم وإن قعد يبيع الطعام فيه فأجره خمسة دراهم فالعقد فاسد في قولهما ، وهو قول أبي حنيفة الأول - رحمه الله - وقد بينا المسألة في الإجارات ، والفرق لهما بين هذه المسألة ، وبين مسألة المزارعة أن هناك يجب الأجر بالتخلية وإن لم يسكنها المستأجر ، وعند التخلية مقدار ما يجب عليه من الأجر مجهول ، وأما في المزارعة فالشركة لا تنعقد إلا بإلقاء البذر في الأرض ، وعند ذلك حصة كل واحد منهما معلومة ، فيكون هذا قياس مسألة الخياطة الرومية والفارسية على ما بينا


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.48 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.85 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]