
24-12-2025, 04:21 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,126
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون
صـــ 22الى صـــ 31
(464)
فأما في ظاهر الرواية فصاحب البذر مستأجر للأرض ولا بد من التخلية بين المستأجر وبين ما استأجر في عقد الإجارة وتنعدم التخلية هنا ; لأن الأرض تكون في يد العامل فلهذا فسد العقد ، ثم في كل موضع صار الريع لصاحب البذر من قبل فساد المزارعة ، والأرض له لم يتصدق بشيء ; لأنه لا يتمكن في الخارج خبث فإن الخارج نماء البذر بقوة الأرض ، والأرض ملكه والبذر ملكه وإذا لم تكن الأرض له تصدق بالفضل ; لأنه تمكن خبث في الخارج فإن الخارج إنما يحصل بقوة الأرض ، وبهذا جعل بعض مشايخنا الخارج لصاحب الأرض عند فساد العقد ، ومنفعة الأرض إنما سلمت له بالعقد الفاسد لا بملكه رقبة الأرض فيتصدق لذلك بالفضل ، ونعني بالفضل أنه يرفع من الخارج مقدار بذره وما غرم فيه من المؤن والأجر ، ويتصدق بالفضل وإن كان هو العامل لا يرفع منه أجر مثله ; لأن منافعه لا تتقوم بدون العقد ، ولا عقد على منافعه إذا كان البذر من قبله ، فلهذا لا يرفع أجر مثل نفسه من الخارج ، ولكن يتصدق بالفضل ، وما يشترط للبقر من الخارج فهو كالمشروط لصاحب البقر ; لأن البقر ليس من أهل الاستحقاق لنفسه فالمشروط له كالمشروط لصاحبه ، وما يشترط للمساكين للخارج فهو لصاحب البذر ; لأن المساكين ليس من جهتهم أرض ولا عمل ولا بذر ، واستحقاق الخارج في المزارعة لا يكون إلا بأحد هذه الأشياء فكان المشروط لهم كالمسكوت عنه ، فيكون لصاحب البذر ; لأن استحقاقه بملك [ ص: 23 ] البذر لا يشترط ، والأجرة تستحق عليه بالشرط فلا يستحق إلا مقدار ما شرط له ، وإذا لم يسم لصاحب البذر وسمي ما للآخر جاز ; لأن من لا بذر من قبله إنما يستحق بالشرط فأما صاحب البذر فيستحق بملكه البذر ، فلا ينعدم استحقاقه بترك البيان في نصيبه ، وإن سمى نصيب صاحب البذر ولم يسم ما للآخر ففي القياس هذا لا يجوز ; لأنهم ذكروا ما لا حاجة بهم إلى ذكره وتركوا ما يحتاج إليه لصحة العقد ومن لا بذر من قبله يستحق بالشرط فبدون الشرط لا يستحق شيئا ، ولكنه استحسن فقال الخارج مشترك بينهما ، والتنصيص على نصيب أحدهما يكون بيان أن الباقي للآخر قال الله سبحانه وتعالى { وورثه أبواه فلأمه الثلث } معناه وللأب ما بقي فكأنه قال صاحب البذر : على أن لي ثلثي الخارج ولك الثلث
وإذا قال له اعمل ببذري في أرضي بنفسك وبقرك وأجرائك فما خرج فهو كله لي جاز ، والعامل معين ; لأن صاحب الأرض والبذر استعان به في العمل حين لم يشترط له بمقابلته شيئا ; ولأن الذي من جانب العامل منفعة والمنفعة لا تتقوم إلا بالتسمية في العقد ، فإذا لم يسم لم تتقوم منافعه ، وإن قال : على أن الخارج كله لك فهو جائز أيضا ، وصاحب الأرض معير لأرضه مقرض لبذره ; لأنه شرط للعامل جميع الخارج ، ولا يستحق جميع الخارج إلا بعد أن يكون البذر ملكا له ، ولتمليك البذر منه هنا طريقان : أحدهما : الهبة ، والثاني : القرض فيثبت الأدنى وهو القرض ; لأنه متيقن به ثم البذر عين متقوم بنفسه فلا يسقط تقومه عنه إلا بالتنصيص على الهبة ، ومنفعة الأرض غير متقومة بنفسها فلا تتقوم إلا بتسمية البدل بمقابلتها ولم يوجد فلهذا كان معير الأرض مقرضا للبذر بمنزلة ما لو دفع إليه حانوتا وألف درهم ، وقال : اعمل بها في حانوتي على أن الربح كله لك فإنه يكون مقرضا للألف معيرا للحانوت
ولو قال : ازرع في أرضي كرا من طعامك على أن الخارج كله لك لم يجز هذا العقد ; لأنه دفع الأرض مزارعة بجميع الخارج . وحكي عن عيسى بن أبان - رحمه الله - أنه قال يجوز هذا ; لأنه لما شرط جميع الخارج لنفسه ولا يكون ذلك إلا بملك البذر فكأنه استقرض منه البذر ، وأمره بأن يزرعه في أرضه فيصير قابضا له باتصاله بملكه ، وقد بينا نظير هذا في كتاب الصرف ، ولكن ما ذكره في الكتاب أصح ; لأن الأصل أن يكون الإنسان في إلقاء بذره في الأرض عاملا لنفسه ، وقوله : " على أن الخارج لي " محتمل بجواز أن يكون المراد الخارج لي عوضا عن منفعة الأرض ، ويجوز أن يكون المراد الخارج لي بحكم استقراض البذر ، والمحتمل لا يترك الأصل به ولا يثبت تمليك البذر منه بالمحتمل فكان الخارج كله لصاحب [ ص: 24 ] البذر وعليه أجر مثل الأرض ; لأن صاحب الأرض ابتغى عن منفعة أرضه عوضا ولم ينل فله أجر مثله أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج
ولو قال : ازرع لي في أرضي كرا من طعامك على أن الخارج لي أو على أن الخارج نصفين جاز على ما قال ، والبذر قرض على صاحب الأرض أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج ; لأن قوله ازرع لي تنصيص على استقراض البذر منه فإنه لا يكون عاملا له إلا بعد استقراضه البذر منه ، فكان عليه بذرا مثل ما استقرض أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج ; لأنه صار قابضا له باتصاله بملكه ، ثم إن كان قال : إن الخارج بيننا نصفان فهي مزارعة صحيحة وإن قال : على أن الخارج لي فهو استعانة في العمل ، وكان محمد بن مقاتل رحمه الله - يقول : ينبغي أن يفسد العقد هنا ; لأنه مزارعة شرط فيها القرض إذا قال : على أن الخارج بيننا نصفان ، والمزارعة كالإجارة تبطل بالشرط الفاسد ولكن في ظاهر الرواية قال : الاستقراض مقدم على المزارعة فهذا قرض شرط فيه المزارعة ، والقرض لا يبطل بالشروط الفاسدة كالهبة وفي الأصل استشهد فقال : أرأيت لو قال أقرضني مائة درهم فاشتر لي بها كرا من الطعام ، ثم ابذره في أرضي على أن الخارج بيننا نصفان ألم يكن هذا جائزا ؟ فكذلك ما سبق إلا أن هذا مكروه ; لأنه في معنى قرض جر منفعة
ولو دفع بذرا إلى صاحب الأرض على أن يزرعه في أرضه على أن الخارج بينهما نصفان فهو فاسد ، وهذه مسألة دفع البذر مزارعة ، وقد بينا قول أبي يوسف - رحمه الله - وحكم هذه المسألة على ظاهر الرواية نفي الإشكال في أنه أوجب لصاحب الأرض أجر مثل أرضه ، ولم يسلم الأرض إلى صاحب البذر فكيف يستوجب عليه أجر مثله ؟ ، ولكنا نقول صارت منفعته ومنفعة الأرض حكما كلها مسلمة إلى صاحب البذر لسلامة الخارج له حكما ، وكذلك إن لم تخرج الأرض شيئا ; لأن عمل العامل بأمره في إلقاء البذر كعمله بنفسه فيستوجب عليه أجر المثل في الوجهين جميعا ، وإن قالا على أن الخارج لصاحب البذر فهو جائز ، وصاحب البذر معين له في العمل معير لأرضه لأنه ما شرط بإزاء منافعه ومنافع أرضه عوضا فيكون متبرعا بذلك كله ، وإن قال ازرعه لي في أرضك على أن الخارج لك لم يجز ; لأنه نص على استئجار الأرض والعامل بجميع الخارج حين قال : ازرعه لي في أرضك ، والخارج كله لصاحب البذر وعليه للعامل أجر مثل أرضه وعمله ، وإن قال ازرعه في أرضك لنفسك على أن الخارج لي لم يجز ; لأن قوله ازرعه لنفسك تنصيص على إقراض البذر منه ، ثم شرط جميع الخارج لنفسه عوضا عما أقرضه وهذا شرط فاسد ; لأن القرض مضمون بالمثل شرعا ، ولكن [ ص: 25 ] القرض لا يبطل بالشرط الفاسد ، والخارج كله لرب الأرض ، وعليه مثل ذلك البذر لصاحبه ، ولو دفع إليه الأرض على أن يزرع ببذره وبقره ، ويعمل فيها معه هذا الأجنبي لم يجز ذلك فيما بينهما وبين الأجنبي ، وهو فيما بينهما جائز ، وثلث الخارج لصاحب الأرض وثلثاه لصاحب البذر ; لأن صاحب البذر استأجر بثلث الخارج وذلك فاسد ، كما لو كانت الأرض مملوكة له ، وهذا فيما بينهما في معنى اشتراط عمل رب الأرض مع العامل ولكنهما عقدان مختلفان ، أحد العقدين على منفعة الأرض ، والآخر على منفعة العامل ، فالمفسد في أحدهما لا يفسد الآخر ، فلهذا كان لصاحب الأرض ثلث الخارج والباقي كله لصاحب البذر وعليه أجر مثل الرجل الذي عمل معه ، وقد أجاب بعد هذا في نظير هذه المسألة فقال : يفسد العقد كله وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع فإنه قال هناك : على أن يعمل معه الرجل الآخر فبهذا اللفظ يصير العقد الفاسد مشروطا في العقد الذي جرى بين صاحب الأرض وبين صاحب البذر فيفسد كله ، وهنا قال ويعمل معه الرجل الآخر والواو للعطف لا للشرط ، فقد جعل العقد الفاسد معطوفا على العقد الصحيح لا مشروطا فيه ، فلهذا لم يفسد العقد بين صاحب الأرض وصاحب البذر ، ولو كان البذر من قبل رب الأرض كانت المزارعة جائزة ، والخارج أثلاثا كما اشترطوا ; لأن صاحب الأرض والبذر استأجر عاملين وشرط لكل واحد منهما ثلث الخارج وذلك صحيح والله أعلم بالصواب .
قال - رحمه الله - وإذا دفع إلى رجل أرضا مزارعة بالنصف يزرعها هذه السنة ببذره وبقره ولما تراضيا على ذلك قال الذي أخذ الأرض مزارعة : قد بدا لي في ترك زرع هذه السنة ، أو قال أريد أن أزرع أرضا أخرى سوى هذه فله ذلك ; لأن المزارعة على قول من يجيزها إجارة ، والإجارة تنقض بالعذر ، وترك العمل الذي استأجر العين لأجله عذر له في فسخ العقد كمن استأجر حانوتا ليتجر فيه ، ثم بدا له ترك التجارة يكون ذلك عذرا له في الفسخ ، وكذلك لو استأجر أرضا بدراهم أو بدنانير ليزرعها ثم بدا له ترك الزراعة يكون ذلك عذرا له في الفسخ وهذا ; لأن الإجارة جوزت لحاجة المستأجر ، ففي إلزام العقد إياه بعد ما بدا له ترك ذلك العمل إضرار به فيؤدي إلى أن يعود إلى موضوعه بالإبطال ، والضرر عذر في فسخ العقد [ ص: 26 ] اللازم ، وكذلك إن قال أريد أن أزرع أرضا أخرى ; لأن البذر من قبله وفي إلقاء البذر في الأرض إتلاف البذر ، وقد يحصل الخارج ، وقد لا يحصل الخارج ، وفي إلزام العقد صاحب البذر قبل الإلقاء في الأرض إضرار به من حيث إنه يلزم إتلاف ملكه وذلك لا يجوز ، ثم له في ترك هذه الأرض وزرعه أرضا أخرى غرض صحيح فتلك الأرض مملوكة له أو يمنحه إياها صاحبها ، أو تكون أكثر ريعا من هذه الأرض فلا يجوز لنا أن نلزمه زراعة هذه الأرض شاء أو أبى ، وهكذا لو كان استأجرها بدراهم أو دنانير إلا أن هناك لا يفسخ العقد إذا أراد زراعة أرض أخرى ; لأن في إبقاء العقد بينهما مع اختياره أرضا أخرى للزراعة منفعة لصاحب الأرض ، وهو أنه استوجب الأجر دينا في ذمته بالتمكن من الانتفاع وإن لم يزرع ، وفي المزارعة لا فائدة في إبقاء العقد مع امتناعه من زراعة هذه الأرض ; لأن حق صاحب الأرض في الغلة ، والغلة لا تحصل بدون الزراعة فلهذا قلنا يفسخ العقد بينهما ، ثم في الاستئجار بالدراهم إذا أراد ترك الزراعة أصلا يكون ذلك عذرا ; لأنه يتحرز عن إتلاف البذر بإلقائه في الأرض ، وإذا أراد أن يزرع أرضا أخرى لا يكون ذلك عذرا له ، وذلك لا يصير مستحقا له بمطلق العقد ، وإذا كان البذر من جهة رب الأرض أجبر العامل على أن يزرعها إن أراد ترك الزراعة سنته تلك أو لم يرد ; لأن العامل هنا أجير لرب الأرض ، وعلى الأجير الإيفاء بما التزم بعد صحة العقد وهذا ; لأنه ليس في إيفاء العقد إلحاق ضرر به سوى ما التزمه بالعقد ; لأنه التزم بالعقد إقامة العمل وهو قادر على إقامة العمل ، كما التزمه بالعقد ، وموجب العقود اللازمة وجوب تسليم المعقود عليه ، فأما في الفصل الأول ففي إلزام العقد إياه إلحاق ضرر به فيما لم يتناوله العقد ; لأن البذر ليس بمعقود عليه ، وفي إلقائه في الأرض إتلافه وإن بدا لرب الأرض والبذر أن يترك الزراعة في تلك الأرض ، أو في غيرها فله ذلك ; لأنه في إلزام العقد إياه إتلاف بذره ، والبذر ليس بمعقود عليه فلا يجوز أن يلزمه إتلافه بالإلقاء في الأرض إنما هو موهوم عسى يحصل ، وعسى لا يحصل . وإن كان البذر من العامل لم يكن لصاحب الأرض أن يمنع الزارع من الزراعة ; لأنه مؤجر لأرضه ولا يلحقه بإيفاء العقد ضرر فيما لم يتناوله العقد ، وإنما الضرر عليه في إلزام تسليم الأرض ، وقد التزم ذلك بمطلق الزراعة إلا أن يكون له عذر ، والعذر دين لا يقدر على قضائه إلا من ثمن هذه الأرض ، فإن حبس فيه كان له أن يبيعها لقضاء الدين ; لأن في إيفاء العقد هنا إلحاق الضرر به فيما لم يتناوله العقد وهو تعينه ، وقد بينا في كتاب الإجارات أن [ ص: 27 ] مثل هذا عذر له في فسخ الإجارة ، وأنه يفسخ العقد بنفسه في إحدى الروايتين ، وفي الرواية الأخرى القاضي هو الذي يتولى ذلك ببيعه في الدين على ما فسره في الزيادات
ولو دفع نخلا له معاملة بالنصف ثم بدا للعامل أن يترك العمل أو يسافر فإنه يجبر على العمل ، أما إذا بدا له ترك العمل ; فلأن في إيفاء العقد لا يلحقه ضرر لم يلتزمه بالعقد ; لأنه التزم بالعقد إقامة العمل ، ولا يلحقه سوى ذلك ، وأما في السفر فقد ذكر في غير هذا الموضع أن ذلك عذر له ; لأن بالامتناع يلحقه ضرر لم يلتزمه بالعقد وفيما ذكر هنا لا يكون عذرا له ; لأنه يتعلل بالسفر ليمتنع من إقامة العمل الذي التزمه بالعقد ، وقيل : إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع ، فهناك وضع المسألة فيما إذا شرط عليه إقامة العمل بيده ، وبعد السفر لا يتمكن من ذلك ، ولا يجوز أن يحول بينه وبين سفر يبتلى به في المدة لما في ذلك من الضرر عليه ، وهنا وضع المسألة فيما إذا لم يشترط عليه العمل بيده ، فهو متمكن من إقامة العمل بأجرائه وأعوانه وغلمانه بعد السفر بنفسه ، فلا يكون ذلك عذرا له في الفسخ ، وكذلك إن بدا لصاحب النخيل أن يمنع العامل منه ويعمل بنفسه ، أو يدفعه إلى عامل آخر ، فذلك لا يكون عذرا له في الفسخ بخلاف من البذر من قبله في باب المزارعة ; لأن هناك هو يحتاج إلى إتلاف بذره بالإلقاء في الأرض ، وهنا رب النخيل لا يحتاج إلى ذلك فيكون العقد لازما من جانبه بنفسه كما في جانب العامل ، وإنما العذر من جانبه أن يلحقه دين فادح لا وفاء عنده إلا من ثمن النخل ، فإذا حبس فيه كان ذلك عذرا له في فسخ المعاملة للبيع في الدين كما بينا في الأرض والله أعلم .
قال - رحمه الله - : وإذا كانت الأرض بين رجلين فدفعها أحدهما إلى صاحبه مزارعة على أن يزرعها هذه السنة ببذره وبقره على أن الخارج بينهما نصفان فالمزارعة فاسدة ; لأن الدافع كأنه قال لصاحبه : ازرع نصيبك من الأرض ببذرك على أن الخارج كله لك ، وهذه مشهورة صحيحة ، أو قال : وازرع نصيبي ببذرك على أن الخارج كله لي وهذا فاسد ; لأنه دفع الأرض مزارعة بجميع الخارج وهي مطعونة عيسى - رحمه الله - وقد بيناها بالأمس ; فإن قيل لماذا لم يجعل كأنه قال : ازرع نصيبي ببذرك على أن الخارج بيننا نصفين ، وازرع نصيبك ببذرك على أن الخارج بيننا نصفين حتى تصح المزارعة في نصيب الدافع من الأرض ، قلنا : لأنه يكون ذلك منه [ ص: 28 ] انتهاب المعدوم وطمعا في غير مطمع ، وهو أن يشترط لنفسه جزءا بما أخرجه نصيب صاحبه من غير أن يكون منه أرض أو بذر أو عمل ، والعاقل لا يقصد ذلك بكلامه عادة ، فلذلك حملناه على الوجه الأول ، وأفسدنا المزارعة ، والخارج كله للزارع ; لأنه نماء بذره وعليه أجر مثل نصف الأرض لصاحبه ; لأنه استوفى منفعة نصيبه من الأرض بعقد فاسد ، ويطيب له نصف الخارج ; لأنه ربى نصف الزرع في أرض نفسه ، ولا فساد في ذلك النصف ويأخذ من النصف الآخر ما أنفق فيه وغرم ، ويتصدق بالفضل ; لأنه ربى زرعه في أرض الغير بسبب فاسد فيتصدق بالفضل ، ولو كان البذر من الدافع فالعقد فاسد ; لأنه يصير كأنه قال : ازرع نصيبي من الأرض ببذري على أن الخارج كله لي ، وهذه استعانة صحيحة لو اقتصر عليها ولكنه قال : وازرع نصيبك من الأرض ببذري على أن الخارج كله لك ، وهذا أيضا إقراض صحيح للبذر لو اقتصر عليه ولكن الجمع بينهما يظهر الفساد باعتبار أنه جعل بإزاء عمله في نصيب الدافع منفعة إقراض البذر إياه ، أو تمليك البذر منه هبة في مقدار ما يزرع به نصيب نفسه ، فلهذا فسد العقد ، والزرع كله للدافع ; لأن إقراض شيء من البذر غير منصوص عليه ، وإنما كنا نثبت التصحيح للعقد بينهما ، وليس فيه تصحيح العقد فلا يجعل مقرضا شيئا من البذر منه ، فلهذا كان الخارج كله لصاحب البذر ، وللعامل عليه أجر مثل عمله وأجر حصته من الأرض ; لأن منفعة حصته من الأرض ومنفعة عمله سلمت للدافع بعقد فاسد ، ويطيب له نصف الريع ; لأنه رباه في أرض نفسه ويأخذ من النصف الآخر نصف البذر وما غرم من أجر مثل نصف الأرض ونصف أجر مثل العامل ، ويتصدق بالفضل ; لأنه رباه في أرض غيره بسبب فاسد
ولو كان البذر من العامل على أن ثلثي الخارج له وللدافع الثلث جاز ; لأن تقدير كلامه كأنه قال : ازرع نصيبك ببذرك على أن الخارج كله لك وهي مشهورة صحيحة ، وازرع نصيبي ببذرك على أن ثلثي الخارج منه لي والثلث لك وهي مزارعة صحيحة ، ولا يتولد من الجمع بينهما فساد فكان الخارج بينهما على الشرط ، ولو كان البذر من الدافع كان العقد فاسدا ; لأنه يصير كأنه قال : ازرع نصيبي ببذري على أن لك ثلث الخارج وهذا صحيح ، ولكنه قال : وازرع نصيبك ببذرك على أن الخارج كله لك ، وهذا إقراض للبذر لو اقتصر عليه إلا أنه باعتبار الجمع بينهما يظهر الفساد من حيث إنه جعل له بالعمل في نصيبه من الأرض ثلث الخارج ومنفعة إقراض نصف البذر ، وكذلك إن كان شرط الثلثين للدافع [ ص: 29 ] لأنه يصير كأنه قال ازرع نصيبي ببذرك على أن الخارج كله لي ، وهذه استعانة صحيحة ولكنه قال : وازرع نصيبك ببذري على أن لي ثلث الخارج ، وهذا دفع البذر مزارعة إلى صاحب الأرض فلهذا كان فاسدا
ولو كان البذر بينهما نصفين على أن ثلثي الخارج للعامل ، وثلثه للآخر فهذا فاسد لأن الدافع شرط للعامل ثلث الخارج من نصيبه من البذر وذلك فاسد ; لأن عمله يلاقي بذرا أو زرعا مشتركا بينهما ، وأحد الشريكين بعمله فيما هو فيه شريك لا يستوجب الأجر على صاحبه فلهذا فسد العقد ، والخارج بينهما نصفان طيب لهما ; لأن البذر بينهما نصفان ، وكل واحد منهما إنما ربى زرعه في أرضه ولا أجر لواحد منهما على صاحبه ; لأن العامل إنما عمل فيما هو فيه شريك وهو لعمله فيما هو فيه شريك لا يستوجب الأجر ; لأن شريكه في المعمول يمنع تسليم العمل إلى غيره ، وبدون التسليم لا يجب الأجر فاسدا كان العقد أو جائزا ، وكذلك لو شرط الثلثين للدافع ، ومعنى الفساد هنا أبين ; لأن الدافع شرط لنفسه جزءا مما يحصل في أرض العامل ببذره من غير أن يكون له في ذلك أرض ولا بذر ولا عمل ، ولو اشترطا أن الخارج بينهما نصفان فهذا جائز ; لأن العامل معين للدافع هنا ، فإن المشروط لكل واحد منهما بقدر حصته من البذر فكأنه قال : ازرع أرضك ببذرك على أن الخارج كله لك ، وازرع أرضي ببذري على أن الخارج كله لي وهذه استعانة صحيحة فيكون العامل معينا له في نصيبه
ولو اشترطا ثلثي البذر على الدافع وثلثه على العامل ، والريع نصفان فهذا فاسد ; لأن الدافع يصير كأنه قال ازرع أرضي ببذري على أن الخارج كله لي ، وازرع أرضك ببذرك وبذري على أن الخارج كله لك وباعتبار الجمع بين هذين العقدين يفسد العقد ; لأنه جعل له بإزاء عمله في نصيبه منفعة إقراض ثلث البذر وذلك فاسد ; ولأنه أوجب له جزءا من الخارج من بذره بعمله فيما هو شريك فيه وذلك فاسد ، وما خرج فثلثاه لصاحب ثلثي البذر ، وثلثه لصاحب ثلث البذر على قدر بذرهما ، والأجر للعامل ; لأنه عمل في شيء هو شريك فيه ، ولا يتصدق صاحب الثلث بشيء منه لأنه رباه في أرض نفسه ، وصاحب الثلثين يغرم أجر مثل سدس الأرض للعامل ; لأنه استوفى منفعة ثلث نصيبه من الأرض بعقد فاسد ، والشركة في الأرض لا تمنع وجوب الأجر على الشريك ، كما لو استأجر أحد الشريكين من صاحبه بيتا ليحفظ فيه الطعام المشترك ، ثم يطيب له نصف الزرع ; لأنه رباه في أرضه ويبقى سدس الزرع فيستوفي منه ربع بذره وما غرم من أجر مثل سدس الأرض ويتصدق بالفضل ; لأنه ربى زرعه في [ ص: 30 ] أرض غيره في ذلك الجزء بسبب فاسد
ولو اشترطا أن ثلث البذر على الدافع وثلثيه على العامل والخارج نصفان فهو فاسد ; لأنه يصير كأنه قال : ازرع ببذرك نصيبك على أن الخارج كله لك ، وازرع نصيبي ببذري وبذرك على أن الخارج كله لي ، وهذه مطعونة عيسى - رحمه الله - والعقد فيها فاسد على رواية الكتاب ، لأن في الجزء المشروط على العامل من البذر استئجار الأرض بجميع ما تخرجه وذلك فاسد فيكون للعامل ثلثا الريع ، وعليه سدس أجر مثل الأرض ; لأنه ربى زرعه في ثلث نصيب صاحبه ، وذلك سدس الأرض بعقد فاسد فيلزمه أجر مثل ذلك ، ويطيب له نصف الريع ويرفع من السدس الباقي ربع نصيبه من البذر وما غرم من الأجر ، ويتصدق بالفضل ، وثلث الريع طيب للدافع ; لأنه رباه في أرض نفسه
ولو اشترطا البقر على الدافع ، والبذر على العامل والخارج نصفان فهذا فاسد ; لأنه يصير كأنه قال : ازرع نصيبك ببذرك وبقري على أن الخارج كله لك ، وازرع نصيبي ببذري وبذرك على أن الخارج كله لي وهذا فاسد من وجهين : أحدهما : ما بينا ، والثاني : أنه جعل له بإزاء عمله في نصيبه منفعة البقر ليعمل به في نصيب نفسه ، ولو كان البذر كله من العامل ، والبقر من الدافع والشرط أن يكون الخارج بينهما نصفين فهو فاسد ; لأنه جعل بإزاء منفعة عمله في نصيب منفعة البقر له بزراعته نصيب نفسه ، وذلك مفسد للزراعة ثم الخارج كله لصاحب البذر ، وللآخر مثل أجر بقره وأجر مثل نصف الأرض يستوفي الزارع نصف الخارج فيطيب له ، ويأخذ من النصف الآخر نصف البذر ، ونصف أجر البقر ، ونصف أجر مثل الأرض ، ويتصدق بالفضل ، وكذلك لو اشترطا الثلثين لصاحب البذر ; لأنه يصير كأنه قال : ازرع نصيبي من الأرض ببذرك وبقري على أن لك ثلث الخارج ، وقد بينا أن البقر إذا كان مشروطا على صاحب الأرض ولا بذر من قبله إن المزارعة تكون فاسدة والله أعلم .
قال - رحمه الله - وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضا على أن يزرعها بنفسه وبقره ، والبذر بينهما نصفان ، والخارج بينهما نصفان فهذه مزارعة فاسدة ; لأن الدافع يصير كأنه قال : ازرع نصف الأرض ببذري على أن الخارج كله لي ، وازرع نصف الأرض ببذرك على أن الخارج كله لك ، وكل واحد من هذين صحيح لو اقتصر عليه ; لأن أحدهما استعان بالعامل ، والآخر [ ص: 31 ] أعاره الأرض ولكن عند الجمع بينهما يظهر المفسد بطريق المقابلة ، وهو أنه لما جعل للعامل بإزاء عمله في نصف الأرض منفعة نصف الأرض وذلك في المزارعة لا يجوز ، والخارج بينهما نصفان على قدر بذرهما ولا أجر للعامل ; لأنه عمل في شيء هو شريك فيه ، فإنه ألقى في الأرض بذرا مشتركا ثم عمل في زرع مشترك فلا يستوجب الأجر ، ولصاحب الأرض على العامل نصف أجر مثل الأرض ; لأنه استوفى منفعة نصف الأرض بحكم عقد فاسد ، وقد بينا أن الشركة في الخارج لا تمنع وجوب أجر مثل الأرض ; لأنه يجب أجر مثل النصف الذي هو مشغول بزرع العامل ، ثم يطيب نصف الخارج لصاحب الأرض ; لأنه رباه في أرضه ، وأما العامل فيتصدق بالفضل فيما بينه وبين ربه ; لأنه رباه في أرض غيره بسبب فاسد ، وكذلك لو اشترط للعامل ثلثي الخارج والفساد هنا أبين ; لأن الدافع شرط للعامل ثلث الخارج من نصيبه ، ومنفعة نصف الأرض بإزاء عمله وذلك مفسد للعقد ، وكذلك لو اشترط لصاحب الأرض ثلثي الخارج ; لأن العامل جعل له بمقابلة منفعة نصف الأرض ثلث الخارج منه ، وعمله في النصف الآخر من الأرض له ، وكذلك لو كان البذر ثلثاه من أحدهما بعينه واشترط الريع على قدر البذر فهو فاسد إن كان ثلثا البذر من العامل فلمقابلة منفعة ثلثي الأرض بمقابلة عمله في ثلث الأرض لصاحبه ، وإن كان ثلث البذر من قبل الدافع فلمقابلة منفعة ثلث الأرض بعمله في ثلثي الأرض لصاحبه ، وكذلك إن اشترطا أن الريع بينهما نصفان فهذا فاسد ، والفساد هنا أبين ; لأنه جعل الدافع للعامل ثلث منفعة الأرض وبعض الخارج من بذره بإزاء عمله في نصيبه ، أو على عكس ذلك فيكون العقد فاسدا في الوجوه كلها ، والخارج بينهما على قدر البذر
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضا له على أن يعمل فيها رب الأرض ، والمدفوع إليه سنته هذه ببذر بينهما نصفان على أن الخارج بينهما نصفان فهذا جائز ; لأنه أعاره نصف الأرض ليزرعه ببذر نفسه ، وزرع نصف الأرض بنفسه لنفسه وكل واحد منهما صحيح ، ولا يظهر فساد بالجمع بينهما ، ولو اشترط لرب الأرض ثلثي الخارج كان هذا فاسدا ; لأنه دفع إليه نصف الأرض مزارعة بثلث ما يخرج ولكن شرط عمل رب الأرض معه ، وهذا شرط يعدم التخلية بين المستأجر وبين ما استأجر فيفسد به العقد ، والخارج بينهما على قدر بذرهما ولا أجر لواحد منهما على صاحبه ; لأنه عمل فيما هو شريك فيه ولصاحب الأرض على الآخر أجر مثل نصف الأرض ; لأنه استوفى منفعة نصف الأرض بعقد فاسد ويطيب [ ص: 32 ] لصاحب الأرض نصيبه ، ويتصدق العامل بما زاد على البذر والنفقة والأجر الذي غرمه ; لأنه رباه في أرض غيره بسبب فاسد ، ولو اشترطا الثلثين للعامل كان فاسدا أيضا ; لأن الدافع دفع إليه نصف الأرض مزارعة بثلث الخارج ، وشرط عمل نفسه معه ثم جعل له منفعة نصف الأرض بإزاء عمله مع ما شرط له من ثلث الخارج فلهذا كان فاسدا ، والخارج بينهما نصفان ولا أجر لصاحب الأرض على العامل هنا ; لأنه ما ابتغى على منافع أرضه عوضا حين لم يشترط لنفسه فضلا بخلاف الأول فإن هناك شرط الفضل لنفسه فعرفنا أنه ابتغى على منافع الأرض عوضا ، ولم ينل فكان له أجر مثل نصف الأرض على صاحبه ، ثم يطيب لكل واحد منهما نصيبه من الزرع ; لأن العامل لما لم يجب عليه الأجر عرفنا أن نصف الأرض كان في يده بطريق العارية ، ولا فساد في ذلك فيطيب له الخارج

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|