
24-12-2025, 05:01 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,744
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون
صـــ 162الى صـــ 171
(459)
فإن كان الثمن الذي باعها به أربعة آلاف درهم ; كان له خاصة من ذلك اثنا عشر جزءا ، والباقي يكون من المضاربة ; لأن مقدار الألفين من ماله ، وثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث مال المضاربة ، فالسبيل أن يجعل كل مائة وستة وستين وثلثين وسهم ، فصار الألفان اثني عشر وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا خمسمائة ، فتكون الجملة سبعة عشر سهما ، للمضاربة من ذلك خمسة ، وللمضارب الآخر اثنا عشر فعلى ذلك يقسم الأربعة آلاف . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، ودفع آخر ألفي درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى الأول جارية بألف المضاربة ، وبخمسمائة من ماله ، وباعها من الآخر بألف المضاربة وبألفين من ماله فإنه يبيعها مرابحة على ألفين وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; لأن الثاني اشترى ثلث الثلث الباقي لنفسه ، وباع ذلك بثلث الألف ، فيعتبر ذلك كله في بيع المرابحة ، والأول كان اشترى ثلث الثلث الباقي لنفسه ، وباع ذلك بثلث الألف فيعتبر ذلك كله أيضا ، وكان اشترى ثلثي الثلث للمضاربة ، وباعها للمضارب بثلثي الألف ، وإنما يعتبر من ذلك رأس مال هذا الجزء وفي العقد الأول وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وحصة المضارب من الربح وذلك مائة وستة وستون وثلثان ويطرح حصة رب المال من الربح ، وذلك مائة وستة وستون وثلثان فيبيعه مرابحة على ألفين وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث بهذا ، فإذا قسم الثمن على سبعة عشر سهما بينه وبين المضارب كما بينا في الفصل الأول .
قال عيسى - رحمه الله - : هذا الجواب خطأ ، فإنما يبيعها مرابحة على ألفين وستمائة وستة وستين وثلث ; لأن ثلث الثلثين باعه الأول من المضاربة ، واشتراه منه الثاني للمضاربة أيضا ، فلا يعتد بربح رب المال فيه ، وذلك إذا تأملت مائة وستة وستون وثلثان ، فتبين أن المطروح من ثلاثة آلاف : مائة وستة وستون وثلثان مرتين ، فيكون الباقي ألفين وستمائة وستين وثلثين ، وقيل : إنما يصح ما ذهب إليه عيسى - رحمه الله - أن لو كان مقدار ذلك الثلث من الثلثين مقررا في مملوك ، أو في مبيع على حدة ، فأما إذا كان [ ص: 163 ] في جملة مملوك قد بيع بيعا واحدا ، وسائر رأس المال فيه مجمل ، فلا يصح ذلك ولكن يجب اعتبار جميع ثمن الثلثين ; لأن المضارب الآخر اشترى الثلثين لنفسه بألفين من ماله ، فلا بد من اعتبار جميع ذلك في بيع المرابحة والله أعلم .
( قال - رحمه الله - : ) وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، وأمره أن يعمل فيها برأيه ، أو لم يأمره فاشترى بالألف ابن رب المال فهو مشتر لنفسه ; لأن رب المال إنما أمره بأن يشتري بالمال ما يمكنه بيعه ، فإن المقصود الاسترباح ، ولهذا أوجب له الشركة في الربح ، وذلك لا يحصل إلا بالبيع بعد الشراء ، فعرفنا أنه مأمور بشراء ما يمكنه بيعه ، وقريب رب المال لو قال جاز شراؤه منه على المضاربة عتق ولا يمكنه بيعه ، فلم يكن هذا من جملة ما تناوله الأمر ، كما لو قال : اشتر لي جارية أطؤها فاشترى أخت الموكل من الرضاع ، أو جارية مجوسية ، لم تلزم الآمر لهذا ، وإذا لم ينفذ شراؤه على رب المال صار مشتريا لنفسه ، وقد نقد ثمنها من مال المضاربة فيخير رب المال بين أن يسترد المقبوض من البائع ويرجع المضارب على البائع بمثله ، وبين أن يضمن المضارب مثل ذلك ; لأنه قضى بالمضاربة دينا عليه .
ولو كان اشترى دين نفسه ، وقيمته ألف درهم ، أو أقل جاز على المضاربة وهو عبد ; لأنه لا يملك المضارب شيئا منه ، ولا ربح فيه فهو متمكن من بيعه ، فإذا زادت قيمته على ألف عتق ويسعى في رأس المال ، وحصة رب المال من الربح ; لأنه لما ظهر في قيمته فضل على رأس المال ملك المضارب نصيبه من الفضل فيعتق ذلك الجزء عليه ; لأنه ملك جزءا من قريبه ، ولا ضمان على المضارب فيه لرب المال ; لأنه لا صنع للمضارب في هذه الزيادة ، بل عتق حكما وعليه السعاية في رأس المال ، وحصة رب المال من الربح لتتميم العتق ; لأنه احتبس ذلك القدر عنده من ملك رب المال فعليه أن يسعى له في ذلك .
ولو كانت قيمته يوم اشتراه أكثر من ألف درهم كان مشتريا لنفسه ; لأنه اشترى للمضاربة مالا يمكنه بيعه ، فإنه يعتق منه بقدر نصيبه من الربح ، كما ينفذ شراؤه على المضاربة ; فلهذا كان مشتريا لنفسه فيعتق عليه ، ولرب المال الخيار في تضمين مال المضاربة أيهما شاء ، كما بينا .
ولو كان اشترى بالألف عبدا يساوي ألفي درهم لا يعرف له نسب ، فقال المضارب لرب المال : هذا ابنك ، وقال رب المال : كذبت فإن الغلام يعتق ; لأن المضارب مالك مقدار ربع [ ص: 164 ] منه بحصته من الربح ، وقد أقر بفساد الرق فيه حين زعم أنه ابن رب المال فيعتق لذلك ، ويسعى الغلام في جميع قيمته بينهما أرباعا : ثلاثة أرباعها لرب المال .
وربعها للمضارب ، فإن قيل : كان ينبغي أن لا يعتق ; لأن رب المال يزعم أن المضارب كاذب ، وأن العبد مملوك لهما على المضاربة ، والمضارب يزعم أنه مملوك له اشتراه لنفسه ; لأنه ابن رب المال ، قلنا : نعم ولكن العبد في الظاهر مشترى على المضاربة ، وباعتبار هذا الظاهر يكون المضارب مقرا بفساد الرق فيه ، ورب المال مقر بصحة إقرار المضارب فيه باعتبار نصيبه ، فيكون هذا بمنزلة عبد مشترك بين اثنين ، أحدهما مقر على صاحبه بالعتق في نصيبه .
ولو قال المضارب لرب المال هذا ابنك ، وقال رب المال بل هذا ابنك ، وقال صدقت فهو مملوك للمضارب ، أما إذا قال صدقت فقد تصادقا على أن المضارب اشتراه لنفسه ; لأنه ابن رب المال بمنزلة ما لو اشترى ابنه المعروف ، وأما إذا قال : بل هو ابنك فقد تصادقا على أنه اشتراه لنفسه ; لأنه إذا كان في قيمته فضل فالمضارب يصير مشتريا لنفسه ، سواء كان ابنه ، أو ابن رب المال ، ثم كان رب المال شاهدا على المضارب للعبد بالعتق والنسب ، وبشهادة الفرد لا تتم الحجة ; فلهذا كان مملوكا للمضارب ، وعلى المضارب أن يرد رأس المال على رب المال ، بخلاف الأول فهناك المضارب يدعي أنه اشتراه لنفسه ، وقد كذبه رب المال في ذلك ، وكان العبد مشتركا بينهما باعتبار الظاهر ; فلهذا يفسد الرق فيه بإقرار المضارب .
ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى عبدا يساوي ألفا ، فقال المضارب لرب المال : هو ابنك وكذبه رب المال فالعبد على حاله في المضاربة ; لأن المضارب لا يملك شيئا منه حين لم يكن في قيمته فضل على رأس المال ، فلا يفسد الرق فيه بإقراره ، ويبقى على حاله في المضاربة ، فإن لم يبعه حتى زاد فصار يساوي ألفي درهم عتق لإقرار المضارب أنه ابن رب المال ، وأنه أقر بما لا يحتمل الفسخ ، فيصير كالمجدد لإقراره بعد ما ظهر الفضل في قيمته ، فيفسد الرق فيه لذلك ، ويسعى في قيمته بينهما أرباعا ; لأنه في معنى الشاهد على رب المال بالعتق ، أو فساد الرق فيه كان حكما عند ظهور الفضل فيه ، فلا يوجب الضمان على المضارب ، ولا يسقط به حقه عن شيء من نصيبه من السعاية ; فلهذا يسعى في قيمته بينهما أرباعا .
ولو قال رب المال : صدقت ولا فضل فيه على رأس المال فالغلام للمضارب ، ويضمن رأس المال لرب المال ; لتصادقهما على أن المضارب اشتراه لنفسه .
ولو قال رب المال كذبت ، ولكنه ابنك فهو على المضاربة ; لأن المضارب يدعي أنه اشتراه لنفسه ، ورب المال ينكر ويزعم أنه اشتراه على المضاربة ، إذ لا فضل فيه على [ ص: 165 ] رأس المال ، والمضارب يشتري ابن نفسه على المضاربة إذا لم يكن فيه فضل على رأس المال ، والظاهر شاهد لرب المال فيما يقول إنه اشتراه على المضاربة ، فإن لم يبعه حتى زادت قيمته فصار يساوي ألفي درهم استسعى في قيمته بينهما أرباعا ; لأن كل واحد منهما في معنى الشاهد على صاحبه بالعتق ، والمضارب يزعم أنه ابن رب المال ، وأن نصيبه منه قد عتق ورب المال يزعم أنه ابن المضارب ، وأن نصيبه منه قد عتق ، وهذه الشهادة منهما تفسد الرق ، فلا تسقط شيئا من السعاية عن العبد حقيقة فيسعى في جميع قيمته بينهما أرباعا : ثلاثة أرباعها لرب المال ، وربعها للمضارب .
ولو كان اشترى بألف عبدا يساوي ألفين ، فقال رب المال للمضارب : هذا ابنك ، وقال المضارب كذبت ، فإنه يعتق ويسعى في حصة المضارب من الربح خمسمائة ، ولا سعاية عليه لرب المال ; لأن رب المال يتبرأ من السعاية ، ويزعم أن المضارب اشتراه لنفسه ، وأنه عتق كله عليه ، وأنه ضامن له بمثل رأس المال ، إلا أنه لا يصدق فيما يدعي من الضمان على المضارب ، فلا يسعى العبد له في شيء ; لأنه لا يدعي عليه السعاية ، وإنما سعى للمضارب في خمسمائة ; لأنه يدعي سعايته ، ويقول قد فسد الرق فيه بشهادة رب المال عليه كاذبا ولم يجب لي ضمان عليه وإنما حقي في استسعاء العبد في نصيبي ; فلهذا يستسعى له في خمسمائة .
ولو كان المضارب صدقه في ذلك ثبت نسبه منه لتصادقهما عليه ، ويكون حرا على المضارب ; لأنه صار مشتريا إياه لنفسه باعتبار الفضل على رأس المال في قيمته ، ويكون ضامنا لرب المال رأس ماله .
ولو قال رب المال للمضارب هو ابنك ، وقال المضارب ، بل هو ابنك فهو مملوك للمضارب ، وضمن له رأس ماله ; لأنهما تصادقا أن المضارب اشتراه لنفسه ، فإنه إن كان ابن رب المال كما ادعاه المضارب ; فقد اشتراه المضارب لنفسه .
ولو كان ابن المضارب كما زعم رب المال ; فقد اشتراه لنفسه باعتبار الفضل فيه ; فلهذا ضمن لرب المال رأس ماله فيه ، وهو مملوك للمضارب ; لأنه أقر بحريته بإقراره بنسبه لرب المال .
( ألا ترى ) أن رب المال لو صدقه في ذلك يثبت نسبه منه ، ولم يعتق فرب المال شهد عليه بالعتق في ملكه ، وبشهادته لا تتم الحجة .
ولو كان اشترى بها عبدا يساوي ألفا فقال رب المال للمضارب : هو ابنك ، وقال المضارب كذبت فالعبد على المضاربة بحاله ; لأنه وإن كان هو ابن المضارب فقد صار مشتريا له على المضاربة ، إذ لا فضل فيه على رأس المال ، وإنما بقي إقرار رب المال بنسبه للمضارب ، وقد كذبه في ذلك فلم يثبت النسب منه ، فإن زادت قيمته حتى صارت ألفي درهم عتق ويسعى في قيمته بينهما أرباعا ; لأن رب المال أقر بما لا يحتمل الفسخ ، فيصير [ ص: 166 ] كالمجدد لإقراره بعد ما زادت قيمته ، وقد صار الربع منه مملوكا للمضارب ، ففي زعم رب المال أن الرق فيه قد فسد بملك المضارب جزءا منه ; فلهذا عتق ، ويسعى في قيمته بينهما أرباعا .
وإن كان المضارب صدقه ولا فضل في الغلام ; فهو ابنه مملوك له في المضاربة بمنزلة ما لو اشترى ابنه المعروف ، ولا فضل فيه على رأس المال ، فإن لم يبعه حتى بلغت قيمته ألفي درهم ; عتق وسعى في ثلاثة أرباع قيمته لرب المال ; لأن الربع منه صار مملوكا للمضارب ، فيعتق عليه لثبوت نسبه منه ، ولكن هذا العتق حصل منه حكما لظهور الزيادة من غير صنع للمضارب فيه ، فلا يكون ضامنا لرب المال شيئا ، ولكن العبد يسعى في حصة رب المال باعتبار رأس المال ، وحصته من الربح ، وذلك ثلاثة أرباعه .
ولو كان اشترى عبدا يساوي ألفين فقال المضارب : هو ابني ، وقال رب المال كذبت ثبت نسبه من المضارب ; لأنه مالك له بعد مقدار حصته من الربح ، وذلك يكفي لصحة دعواه النسب فيه ، ثم هذه دعوى تحرير ; لأن أصل العلوق به ما كان في ملكه فيكون بمنزلة الإعتاق .
ولو أعتقه المضارب عتق نصيبه ، ورب المال في نصيبه بالخيار - إن كان المضارب موسرا - : بين الإعتاق ، والاستسعاء ، والتضمين ، وإن كان معسرا فله الخيار : بين الإعتاق ، والاستسعاء ، والولاء بينهما أرباعا ; لأن ثلاثة أرباعه عتقت على رب المال حين أعتقه ، أو استسعاه ، وربعه عتق من جهة المضارب .
ولو كان رب المال صدقه في ذلك عتق على المضارب ، ويضمن المضارب رأس المال ; لأنهما تصادقا على أن المضارب اشتراه لنفسه وإن لم يصدقه ، ولكنه ادعى ثبوته بعد ذلك فهو ابن المضارب يعتق عليه ، ويضمن رأس المال ; لأنهما تصادقا على أن المضارب اشتراه لنفسه ، فإنه إن كان ابن رب المال كما زعم ; فقد اشتراه المضارب لنفسه .
وإن كان ابن المضارب فكذلك ، وإذا كان مشتريا لنفسه ترجحت دعواه بالسبق ، وبالملك فيعتق عليه ، ويضمن رب المال .
ولو كان اشترى عبدا يساوي ألفا ، فقال المضارب : هو ابني وكذبه رب المال لم يثبت نسبه ، وهو على حاله في المضاربة ; لأنه مشتر له على المضاربة بمنزلة ابنه المعروف ، ولا ملك له فيه لتصح دعواه باعتباره مع تكذيب رب المال ; فلهذا لم يثبت نسبه منه ، فإن صارت قيمته ألفين عتق ربعه ، وثبت نسبه من المضارب ; لأن بظهور الفضل صار هو مالكا لربعه ، وهو كالمجدد لدعوى النسب ; لأن النسب لا يحتمل الفسخ بعد ثبوته ، فيثبت نسبه منه ، ويسعى في ثلاثة أرباع قيمته لرب المال ، ولا ضمان على المضارب فيه ; لأن العتق حصل حكما بظهور الفضل في قيمته من غير صنع للمضارب فيه .
ولو كان صدقه رب المال وقيمته ألف ثبت نسبه منه وهو على المضاربة ; لأنه [ ص: 167 ] مملوك لرب المال ، وقد أقر بنسبه للمضارب ; فيثبت نسبه منه وهو على المضاربة بمنزلة ابنه المعروف ، فإن صارت قيمته ألفين عتق ربعه ; لأن المضارب صار مالكا ربعه ، وهو ثابت النسب منه ، ويسعى في ثلاثة أرباع قيمته لرب المال .
ولو زادت قيمته حتى صارت ألفين قبل دعوى المضارب ، ثم ادعى أنه ابنه وكذبه رب المال ثبت نسبه منه ; لأنه مالك لربعه حين ادعى نسبه ، ويكون هذا بمنزلة إعتاق ربعه ، فيخير رب المال : بين أن يضمن المضارب ثلاثة أرباع قيمته ، وبين الاستسعاء ، والإعتاق إن كان موسرا ، وإذا ضمن المضارب لم يرجع المضارب بها على الغلام ; لأنه ملك بالضمان ثلاثة أرباعه فعتق عليه لثبوت نسبه منه ، وإذا اختار الاستسعاء أو الإعتاق ; فلرب المال ثلاثة أرباع ولائه ; لأن ثلاثة أرباعه عتقت من قبله .
ولو كان رب المال صدقه ; فلا ضمان له على المضارب ، وله أن يستسعى الغلام ، أو يعتقه ; لأنهما تصادقا على أنه عتق على المضارب ربعه حكما عند ظهور الفضل فيه ، فهو بمنزلة ابن معروف له .
ولو لم تزد قيمته على ألف فقال المضارب : هو ابني ، وقال رب المال كذبت ، ولكنه ابني فهو ابن رب المال حر من ماله ; لأنه في الظاهر مشترى على المضاربة وهو مملوك لرب المال كله فتصح دعواه لمصادفته ملكه ، ويعتق من ماله ، ولا ضمان على المضارب فيه ; لأن رب المال يدعي عليه أنه ضامن رأس ماله ، ومشتري الابن لنفسه ، ولا يصدق في ذلك إلا بحجة ، وإن لم يدعه واحد منهما حتى صارت قيمته ألفين ، فقال المضارب : هو ابني ، وقال رب المال : كذبت ولكنه ابني فهو ابن المضارب ; لأنه حين ادعى نسبه كان مالكا لربعه فثبت نسبه منه ثم رب المال ادعى نسبه منه ، بعد ذلك ، وهو ثابت النسب فلا يثبت نسبه منه ، وقد عتق منهما جميعا ، والولاء بينهما أرباعا ، ولا ضمان على واحد منهما لصاحبه ; لأن رب المال يدعي أنه لا سعاية له على العبد ، وأنه حر كله بإقرار المضارب ، وأن حقه في تضمين المضارب رأس ماله ، وهو غير مصدق في التضمين إلا بحجة ، ولكن كل واحد منهما يصير كالمعتق بحصته منه ، أما المضارب فلا إشكال فيه ، ورب المال بدعواه النسب يصير كالمعتق لنصيبه ; لأن من ادعى نسب مملوكه وهو معروف النسب من الغير يكون ذلك بمنزلة الإعتاق منه ; فلهذا كان الولاء بينهما أرباعا .
ولو كان العبد يساوي ألفين يوم اشتراه ، ونقد ثمنه ، فقال رب المال : هو ابني وكذبه المضارب ثبت نسبه من رب المال ، وعتق ثلاثة أرباع العبد بدعواه إياه ، والمضارب بالخيار في الربع كما وصفنا في رب المال ; لأن رب المال صار بمنزلة المعتق له ، فإن دعوى التحرير كالإعتاق ولو لم يكذبه المضارب ، ولكن صدقه فالغلام ابن لرب المال وعبد للمضارب ، [ ص: 168 ] ويضمن المضارب رأس مال رب المال ; لأنهما تصادقا على أن المضارب اشتراه لنفسه فيكون عبدا له ، ولكن نقد ثمنه من مال المضاربة ، فيصير ضامنا لرب المال ولو لم يصدقه المضارب ، ولكنه قال : كذبت بل هو ابني ، فهو ابن المضارب حر من ماله ; لأنهما تصادقا أن المضارب اشتراه لنفسه ، وقد ادعى نسبه فهو حر من ماله ، ويضمن رأس المال لرب المال .
ولو كان يساوي ألفا فقال رب المال : هو ابني ، وكذبه المضارب فهو ابنه حر من ماله ; لأنه مالك لجميعه في الظاهر ، وقد أقر بنسبه ، ولو صدقه المضارب ، كان ابن رب المال وهو عبد للمضارب ; لأنهما تصادقا أن المضارب اشتراه لنفسه ، وقد أقر بنسبه لرب المال فثبت نسبه منه ، ويكون عبدا للمضارب ، وهو ضامن رأس المال لرب المال ولو لم يصدقه المضارب ، ولكنه قال كذبت ولكنه ابني فهو ابن رب المال حر من قبله ; لأنه هو المالك له في الظاهر ، وقد ادعى نسبه فيثبت نسبه منه ، ويعتق عليه ، ولا ضمان على واحد لصاحبه ; لأن المضارب ما كان يملك منه شيئا ، فلا يضمن رب المال له شيئا من قيمته .
ولو لم يقولا ذلك حتى صارت قيمته ألفي درهم فقال رب المال : هو ابني ، وقال المضارب كذبت ثبت نسبه منه ، وعتق ثلاثة أرباعه لإقراره بنسبه ، والمضارب بالخيار في الربع ; لأنه مالك حصته من الربح ، ورب المال صار كالمعتق فيتخير المضارب في نصيبه كما بينا .
ولو صدقه المضارب بما قال فهو ابن رب المال ، وهو عبد للمضارب لتصادقهما على أن المضارب اشتراه لنفسه ، ويكون ضامنا لرب المال رأس ماله ولو لم يصدقه رب المال ، ولكنه قال : كذبت بل هو ابني فالغلام ابن رب المال ; لأنه سبق بالدعوى فيثبت نسبه منه ، وعتق ثلاثة أرباعه من قبله ، ثم المضارب ادعى نسبه وهو ثابت النسب من رب المال فلا يثبت منه ، ولكنه صار كالمعتق لنصيبه فلا ضمان لواحد منهما على صاحبه ، وكان ولاؤه بينهما أرباعا .
( قال - رحمه الله - : ) وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها شيئا ، ثم ضاعت الألف قبل أن ينقدها المضارب البائع ، فإن المضارب يرجع بمثلها على رب المال ; لأن رأس المال كان أمانة في يده بعد الشراء ، كما قبله فهلك من مال رب المال ، ولم يبطل الشراء بهلاك الألف ، والمضارب عامل لرب المال في هذا الشراء فيرجع عليه بما لحقه من العهدة ; فلهذا يرجع بألف أخرى على رب المال فيدفعها إلى البائع ، فإن قبضها من رب المال فلم [ ص: 169 ] يدفعها إلى البائع حتى ضاع ، رجع بمثلها أيضا .
وكذلك كل ما ضاع مما يقبضه قبل أن ينقده البائع كان ما يقبضه من رب المال يكون أمانة في يد المضارب .
( ألا ترى ) أن عند حصول الربح يحصل جميع رأس المال وهو ما قبضه في المرات كلها ، ورأس المال يكون أمانة في يد المضارب ; فلهذا يرجع مرة بعد أخرى حتى يصل الثمن إلى البائع ، بخلاف الوكيل فإنه إذا رجع بالثمن على الموكل مرة بعد البيع لم يرجع مرة أخرى ; لأن بالشراء يجب الثمن للبائع على الوكيل ، وللوكيل على الموكل فيصير الوكيل بالقبض من الموكل مقتضيا دين نفسه ، فيكون المقبوض مضمونا عليه ، وهنا قبض المضارب لا يكون اقتضاء لدين وجب له ، كيف يكون كذلك والمقبوض رأس مال المضاربة وهو في قبض رأس مال المضاربة عامل لرب المال .
ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى بها عبدا يساوي ألفين فقبضه ، وباعه بألفين ، ثم اشترى بالألفين جارية ولم ينقد الألفين حتى ضاعا ، فإن المضارب يرجع على رب المال بألف وخمسمائة ، ويغرم من ماله خمسمائة ; لأن المضارب في شراء ربع الجارية عامل لنفسه باعتبار حصته من الربح ، فلا يرجع بما يلحقه من العهدة في ذلك الربع على رب المال وفي شراء ثلاثة أرباعها كان عاملا لرب المال فيرجع عليه بالعهدة في ذلك القدر ، فإذا دفع الألفين إلى البائع وقبض الجارية فباعها بخمسة آلاف درهم فله ربع ثمنها وهو : حصة ما اشترى لنفسه ، ونقد الثمن من ماله ، وثلاثة أرباع ثمنها من مال المضاربة فيأخذ منها رب المال رأس ماله ألفين وخمسمائة ; لأنه غرم ذلك مرتين ، وقد بينا أن جميع ما يأخذ المضارب من المال يكون رأس ماله ، والربح لا يظهر إلا بعد وصول رأس المال إلى رب المال ، فإذا أخذ جميع رأس ماله كان الباقي ربحا على الشرط .
ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف ، فضاعت قبل أن يشتري بها شيئا فقد بطلت المضاربة لفوات محلها ، بخلاف ما إذا ضاعت بعد الشراء بها ; لأن حكم المضاربة بالشراء تحول إلى المشتري ، فهلاك الألف بعد ذلك لا يفوت محل المضاربة .
وإن اشترى بالألف جارية فضاعت الألف ، فقال رب المال ضاعت قبل أن يشتري بها ، وقال المضارب بعد ما اشتريت بها فالقول قول رب المال ; لأن المضارب يدعي لنفسه حق الرجوع على رب المال بألف في ذمته ، ورب المال ينكر ذلك ، فإن قيل : هلاك ذلك المال عارض ، ورب المال يدعي فيه سبق تاريخ ، والمضارب ينكره ، قلنا : هذا متعارض ، فالمضارب يدعي سبق التاريخ في شراء الجارية على هلاك المال ، ورب المال ينكره ، فعند التعارض كان الترجيح فيما قلنا ; لأن كون هلاك المال محالا به [ ص: 170 ] على أقرب الأوقات نوع من الظاهر ، وبالظاهر يرفع الاستحقاق ، ولا يثبت الاستحقاق ، وحاجة المضارب إلى استحقاق الرجوع على رب المال ، فإن أقام رب المال البينة أنها ضاعت قبل أن يشتري بها ، وأقام المضارب البينة أنه اشترى بها قبل أن يضيع ، فالبينة بينة المضارب ; لأنه يثبت الاستحقاق لنفسه ببينة ، ورب المال ينفي ذلك ولو لم يهلك الألف ، ولم ينقدها في ثمن الجارية ، ولكنه اشترى بها جارية أخرى على المضاربة ، وقال : أبيعها فأنقد الثمن الأول ، فإنما اشترى الجارية الأخيرة لنفسه ، ولا تكون من المضاربة ; لأن ما في يده من المال مستحق في ثمن الجارية الأولى ، فقد اشترى الأخرى وليس في يده من مال المضاربة شيء من ثمنها ، فلو نفذ شراؤها على المضاربة ، كان هذا استدانة منه على المضاربة ، والمضارب بمطلق المضاربة لا يملك الاستدانة
ولو اشترى بالجارية التي قبض جارية أخرى جاز ، وكانت على المضاربة لما بينا : أن حكم المضاربة تحول بالشراء من الألف إلى الجارية ، فإنما أضاف العقد الثاني إلى مال المضاربة ، والمضارب كما يملك البيع والشراء بالنقد يملك ذلك بالعرض ; فلهذا كانت الأخرى على المضاربة .
( ألا ترى ) أن ثمنها لا يصير دينا على المضارب في هذا الفصل ، وفي الفصل الأول ثمن الجارية الأخرى دين على المضاربة ، فلو نفذ شراؤه على المضاربة لصار عليه دين ألفا درهم في ثمن المشتري للمضاربة ، ورأس مال المضاربة ألف درهم ، فكأنه اشترى جارية أو جاريتين بالألفين ابتداء .
ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة فاشترى جارية بألف درهم ، ولم يقل بهذه الألف ، وقال : أردت بذلك المضاربة فالقول قوله ; لأن المأخوذ عليه الشراء للمضاربة لا إضافة العقد إلى ألف المضاربة ، فإن النقود لا تتعين في العقود بالتعيين ، وإذا لم يتعين الألف لم يبق في التعيين فائدة ، فيكتفي ببينته للمضاربة كما في حق الوكيل ، وما في ضميره لا يعرف إلا من جهته ; فيقبل قوله فيه .
ولو اشتراها بألف درهم نسيئة سنة يريد بها المضاربة جاز على المضاربة أيضا ; لأن في يده من المال مثل ما اشترى به ، والشراء بالنسيئة وبالنقد من صنيع التجار فيملك المضارب النوعين جميعا بمطلق العقد ، فإن قبضها فاشترى بها شيئا فهو على المضاربة ; لأن حكم المضاربة تحول إلى الجارية المشتراة ، فإنما أضاف الشراء الثاني إلى مال المضاربة .
ولو لم يشتر بالجارية ، ولكنه اشترى بالألف التي في يده كان مشتريا لنفسه ; لأن حكم المضاربة تحول إلى الجارية المشتراة ، فلما أضاف الشراء الثاني إلى ألف المضاربة فقد أضافه إلى غير محل المضاربة ، فكان مشتريا لنفسه ; ولأن الألف صارت مستحقة عليه في ثمن الجارية الأولى عند حل الأجل ، فلو صار مشتريا الأخرى على المضاربة [ ص: 171 ] لكان ذلك منه استدانة ، وإذا اشترى بألف المضاربة حنطة ، أو غيرها ، ثم اشترى مما في يديه عبدا بألف درهم وهو يريد أن يبيع بعض ما في يده ، وينقد الألف ، وفي يده وفاء بالألف وفضل فهو مشتر لنفسه ; لأن الذي في يده غير ما اشترى به يعني : أن حكم المضاربة تحول إلى الحنطة ، وهي تتعين في العقد بالتعيين ، فإذا اشترى بالدراهم فقد اشترى بغير مال المضاربة فكان مشتريا لنفسه إذ لو جاز شراؤه بالدراهم على المضاربة كان في معنى الاستدانة منه .
ولو اشترى بالألف حنطة ، ثم اشترى جارية بكر حنطة وسط نسيئة شهر ، وهو يريد أن يكون على المضاربة ، وفي يده حنطة مثل ما اشترى به أو أكثر فهذا جائز على المضاربة ; لأنه اشترى بجنس ما في يده من مال المضاربة ، وله في ترك الإضافة إلى العين غرض صحيح وهو : ثبوت الأجل في ثمن المشترى ; لأن العين لا تقبل الأجل ، ولا فرق في حق رب المال بين أن يشتري بتلك الحنطة بعينها ، وبين أن يشتري بمثلها من حنطة وسط .
( ألا ترى ) أنه عند حلول الأجل يملك إيفاء الثمن بغير ما في يده من مال المضاربة ; فلهذا نفذ شراؤه على المضاربة .
وإذا كانت المضاربة ألف درهم فاشترى عليها جارية بخمسين دينارا ، وقبضها وصرف الدراهم فنقدها البائع ، فالقياس فيه أن يكون مشتريا لنفسه ، وهو قول زفر - رحمه الله - ولكن استحسن علماؤنا الثلاثة - رحمهم الله - وقالوا : هو مشتر للمضاربة ، وكذلك لو كانت المضاربة دنانير فاشترى عليها بدراهم فصرفها ، ونقد الدراهم ، وجه القياس في الفصلين : أنه اشترى بجنس آخر غير ما في يده من مال المضاربة ; لأن الدراهم ، والدنانير جنسان حقيقة وحكما ; ولهذا لا يحرم التفاضل بينهما ، فكان هذا بمنزلة ما لو اشترى بالحنطة والمال في يده دراهم ، أو دنانير .
( ألا ترى ) أنه لا يملك إيفاء الثمن من مال المضاربة إلا بالمبادلة ، أو رضا البائع به كما في المكيل ، والموزون ، وحجة الاستحسان : أن الدراهم والدنانير جنسان صورة ، ولكنهما جنس واحد معنى ، ومقصودا ; لأن المعنى المطلوب بهما الثمنية ، والمقصود هو الرواج والنفاق وهما في ذلك كشيء واحد .
وكذلك في حكم المضاربة هما كشيء واحد ، تصح المضاربة بهما بخلاف سائر الأموال ، فإن الشراء بها يكون شراء محضا بثمن في ذمة المشتري ، ويسير عليه إذ ما يلزمه من أحد النوعين في ذمته بالآخر الذي في يده ; لأن الإنسان في مصارفة أحدهما بالآخر لا يحتاج إلى مؤنة كثيرة ، فهي بمنزلة ما لو كانت المضاربة دراهم بختية لها فضل في الصرف ، فاشترى المضارب بألف درهم غلة البلد جارية ، وصرف الدراهم بالدنانير ، ثم صرفها بدراهم غلة البلد ، وأعطاها البائع فذلك جائز استحسانا وزفر - رحمه الله - يخالف [ ص: 172 ] في هذا الفصل أيضا ، ولكن من عادة محمد - رحمه الله - الاستشهاد بالمختلف على المختلف لإيضاح الكلام .
وكذلك لو دفع إلى رجل ألف دينار مضاربة فاشترى بخمسين دينارا منها جارية ، وقبضها ثم اشترى بها وبدراهم أو فلوس طعاما يأكله ، فإن ذلك من المضاربة ، ولا فرق بين أن يشتري طعاما بالدنانير ، أو بالدراهم ، أو بالفلوس ، بخلاف ما إذا اشترى بشيء آخر ، وهذا في الفلوس بناء على الرواية التي قلنا : إن المضاربة بالفلوس يصح ، وهو كالنقود في الصلاحية لرأس مال المضاربة .
ولو كان الذي في يده من المضاربة سوى هذه الثلاثة الأصناف ، ثم اشترى عليها بدراهم ، أو دنانير أو فلوس ، أو صنف آخر غير ما في يده كان مشتريا لنفسه ; لأنه لا مجانسة بين ما في يده من مال المضاربة ، وبين ما اشترى به في الصورة ، والمعنى المقصود ; فلهذا كان مشتريا لنفسه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|