عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 24-12-2025, 04:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,698
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون

صـــ 152الى صـــ 161
(458)






ولو كان الأجير دفع إلى رب المال مالا مضاربة يعمل به على النصف جاز والأجير على الإجارة ، والمستأجر على المضاربة ; لأن عقد الإجارة لا يوجب للأجير حقا في منافع رب المال ولا في عمله ، فدفعه المال إليه مضاربة بعد الإجارة كدفعه إليه قبل الإجارة ، فإن استبضع رب المال الأجير مال المضاربة ، يشتري به ويبيع على المضاربة ، فقبضه الأجير فاشترى به وباع ، فهو جائز على ما اشترطا في المضاربة ; لأن عمل المستبضع كعمل المبضع ، كما لو أبضعه المضارب مع أجنبي آخر ، والأجر على حاله للأجير ; لأنه قد تحقق منه تسليم نفسه في المدة للعمل به ، وهو يستوجب الأجر بذلك ، وعقد المضاربة لا يفسد هنا ، بخلاف ما إذا اشترط عمل رب المال بالمال ; لأن ذلك الشرط يعدم التخلية .

فأما الإبضاع فلا يعدم التخلية المستحقة لتمكن المضارب من استرداد المال منه متى شاء .

وإذا دفع إلى رجل مالا مضاربة بالنصف على أن يعمل معه رب المال ، على أن لرب المال أجرا : عشرة دراهم كل شهر فهذا الشرط يفسد عقد المضاربة ; لأنه يعدم التخلية وقد بينا أنه لو شرط عمل رب المال مع المضارب بغير أجر فسد العقد ، فإذا شرط عمله مع المضارب كان أولى ، وإذا فسد العقد [ ص: 153 ] كان الربح كله لرب المال ، والوضيعة عليه ، وللمضارب أجر مثله فيما عمل وهو الحكم في المضاربة الفاسدة ، ولا أجر لرب المال ; لأنه عامل في مال نفسه لنفسه وهو في ذلك لا يكون أجيرا لغيره ; فلهذا لا يستوجب الأجرة به والله أعلم .
( قال رحمه الله ) رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة على أن ما كان في ذلك من ربح فهو بينهما نصفان ، فاشترى رب المال عبدا بخمسمائة وباعه من المضارب بألف المضاربة جاز ذلك ; لكون العقد مفيدا بينهما ، فإن باعه المضارب مساومة باعه كيف شاء ، وإن باعه مرابحة باعه على خمسمائة ، وهو ما اشتراه به رب المال دون الألف الذي اشتراه به المضارب ; لأن الذي يجري بين رب المال والمضارب في الحقيقة لم يكن بيعا ، فإن البيع مبادلة ملك إنسان بملك غيره ، وهذا كان مبادلة ملك رب المال بملكه ، ولكن جعل بمنزلة العقد في حق ما بينهما ; لكونه مفيدا في حقهما .

فأما في حكم بيع المرابحة فالعقد هو الأول ، وهو شراء رب المال إياه بخمسمائة فيبيعه مرابحة على ذلك ، يوضحه أن المضارب متهم في حق رب المال بالمسامحة وترك الاستقصاء ، وبيع المرابحة بيع أمانة ينفي عنه كل تهمة وخيانة ، وانتفاء التهمة في أقل الثمنين ، فبيعه مرابحة على ذلك ، إلا أن يبين الأمر على وجهه ، فحينئذ يبيعه كيف شاء ; ولأن المضارب يبيعه بالمال فينبغي أن يطرح ربح رب المال عند انضمام أحد العقدين إلى آخر ، وربح رب المال خمسمائة فيطرح ذلك من الثمن ويبيعه مرابحة على ما بقي .

ولو كان رب المال اشترى العبد بألف فباعه من المضارب بخمسمائة درهم من المضاربة باعه المضارب مرابحة على خمسمائة ; لأنه أقل الثمنين ، والذي جرى بينهما عقد في حقهما ، فإن لم يكن في الحقيقة عقدا فيعتبر هذا الجانب إذا كان أقل الثمنين عند اعتباره ، وانتفاء التهمة ، إنما يكون في الأقل .

ولو كان رب المال ملك العبد بغير شيء فباعه من المضارب بألف المضاربة لم يبعه مرابحة حتى يبين أنه اشتراه من رب المال ; لما بينا أن الذي جرى بينهما ليس ببيع في الحقيقة ، وليس لرب المال على هذه العين شراء سوى هذه ليبيعه المضارب به مرابحة باعتبار ذلك ، فإن بين الأمر على وجهه فقد انتفت التهمة .

ولو عمل المضارب بألف المضاربة فربح فيها ألفا ، ثم اشترى رب المال عبدا يساوي ألفي درهم ، فباعه من المضارب بالألفين فله أن يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة ; لأن مقدار [ ص: 154 ] الخمسمائة في العقد الثاني ربح رب المال ، فيطرح ذلك من الثمن الثاني إذا لم يخرج ذلك القدر من ملك رب المال ، وإنما بقي من الثمن ربح المضارب فيه وهو خمسمائة ، وما اشتراه به رب المال وهو ألف ، فيبيعه مرابحة على ذلك ; لأن المضارب إنما يبيعه لرب المال في مقدار رأس ماله وحصته من الربح ولهذا لو لحقه عهدة في ذلك رجع به عليه فيطرح مقدار ربح رب المال لذلك .

ولو كان رب المال اشتراه بخمسمائة ، والمسألة على حالها باعه المضارب مرابحة على ألف درهم خمسمائة منها التي اشترى بها رب المال العبد ، وخمسمائة ربح .

فأما ألف المضارب التي طرحت من الثمن بخمسمائة درهم تمام رأس مال رب المال والعقد في ذلك لرب المال فيعتبر أقل الثمنين فتطرح الزيادة إلى تمام رأس مال رب المال ، وخمسمائة درهم ربح رب المال ، فلا يحتسب بشيء من ذلك ، ويبيعه مرابحة على ما اشتراه به رب المال ، وعلى حصة المضارب من الربح إلا أن يبين الأمر على وجهه .

ولو كان رب المال اشتراه بألف وقيمته ألف ، فباعه من المضارب بألفين باعه المضارب مرابحة على الألف ; لأن قيمته إذا كانت مثل رأس المال فلا ربح للمضارب منه .

( ألا ترى ) أنه لو أعتقه لم يجز عتقه ، وربح رب المال يطرح من بيع المضارب ، فإنما يبيعه مرابحة على ما اشتراه به رب المال ، وهو ألف درهم ، وإن كان اشتراه رب المال بخمسمائة ، وقيمته ألف فباعه من المضارب بالألفين باعه المضارب مرابحة على خمسمائة ; لأنه لا ربح في قيمته ، فإنما يبيعه لرب المال كله فإن قيل : كيف ينفذ هذا الشراء بالغبن الفاحش من المضارب على المضاربة ؟ قلنا : لأنه اشتراه من رب المال ، وشراؤه بالزيادة الفاحشة من غيره إنما لا ينفذ على المضاربة ; لحق رب المال ، فإذا كان العامل معه رب المال ; فهو راض بذلك .

ولو كان رب المال اشتراه بألفين ، وقيمته ألف فباعه من المضارب بألفين ، باعه المضارب مرابحة على ألف ، على أنه لا فضل فيه على رأس المال ، وفي حق رب المال إنما يعتبر أقل الثمنين ، وذلك مقدار قيمته فبيعه مرابحة على الألف كذلك ، فإن قيل : رب المال اشتراه بألفين ، والمضارب اشتراه منه كذلك بألفين ، فقولكم أقل الثمنين ألف من أين ؟ قلنا : نعم رب المال اشتراه بألفين ، وقد عاد إليه ألف زائدة على قيمته بالعقد الذي جرى بينه وبين المضارب ، فإنما بقي له فيه بقدر رأس مال المضاربة ، وذلك ألف درهم .

ولو كان العبد يساوي ألفا وخمسمائة ، وقد اشتراه رب المال بألف ، والمسألة بحالها باعه المضارب مرابحة على ألف ومائتين وخمسين ; لأن الربح فيه خمسمائة : نصف ذلك لرب المال ، وقد بينا أن ربح المال يطرح ، وإنما يعتبر قدر رأس المال وربح المضاربة ، وذلك ألف [ ص: 155 ] ومائتان وخمسون .
ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى المضارب بها عبدا ، فباعه من رب المال بألفي درهم ، باعه رب المال مرابحة على ألف وخمسمائة ; لأن خمسمائة من الألفين حصة رب المال من الربح ، فيطرح ذلك من الثمن ; لأن المضارب إنما كان اشترى العبد له ، فيعتبر في حقه أقل الثمنين ، وذلك ما اشترى به المضارب وهو ألف ، وحصة المضارب من الربح معتبرة لا محالة ، فيبيعه رب المال مرابحة على ألفي درهم وخمسمائة .

ولو كان المضارب اشترى العبد بخمسمائة من المضاربة ، فباعه من رب المال بألفي درهم فإنه يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة ، الثمن الذي اشتراه به المضارب ، وخمسمائة ربح المضارب ، ويطرح عنه خمسمائة : ربح رب المال ، وخمسمائة ربح رب المال أيضا مما يكمل به رأس المال .

وإن كان بقي من المضاربة خمسمائة في يد المضارب لم يحتسب بها في ثمن هذا العبد ، وقد بينا أن في حق كل جنس من المال يجعل كأنه ليس في المضاربة غيره .

( ألا ترى ) أن تلك الخمسمائة لو ضاعت كان رأس مال المضاربة كله ثمن هذا العبد ; فلهذا حسب جميع رأس المال في ثمن هذا العبد ، فطرح تمام رأس المال من ثمن العبد الذي اشتراه به رب المال وهو خمسمائة ، وربح رب المال باعه مرابحة على الثمن الذي اشترى به المضارب وهو خمسمائة ، وعلى ربح المضارب وهو خمسمائة ، ويشتري إن كانت قيمة العبد أقل من ذلك ، أو أكثر في هذا الوجه ; لأنه لا معتبر بقيمة العبد ، فإنه إنما يصل إلى المضارب في هذا الوجه الثمن دون العبد .
ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة ، فاشترى بها عبدا فباعه من رب المال بألفي درهم ، ثم باعه رب المال من أجنبي مساومة بثلاثة آلاف ، ثم اشتراه المضارب من الأجنبي بالألفين اللذين أخذهما من رب المال ثمنا للعبد ، فإنه لا يبيعه مرابحة في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - أصلا ، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يبيعه المضارب مرابحة على الثمن الأخير الذي اشتراه به من الأجنبي وهو ألفا درهم ، وهذا بناء على ما بينا في كتاب البيوع : أن عند أبي حنيفة يضم بعض العقود إلى البعض ، ثم ينظر إلى حاصل الضمان فيه ، فعلى ذلك يباع مرابحة فهنا الثمن الأول كان ألف درهم فلما باعه المضارب بألفين من رب المال كان المعتبر من ذلك مقدار رأس المال وهو ألف ، وحصة المضارب من الربح وهو خمسمائة ، فلما باعه رب المال بثلاثة آلاف ; فقد ربح فيه ألفا وخمسمائة ، فلا بد من أن يطرح ذلك من رأس المال بعد ما اشتراه المضارب من الأجنبي ليبيعه مرابحة لرب المال على ما بقي ، وإذا طرحت ذلك من رأس المال لم يبق شيء ; فلهذا لا يبيعه مرابحة أصلا ، إلا أن يبين الأمر على وجهه ، وعندهما [ ص: 156 ] لا يعتبر ضم العقود بعضها إلى بعض في المعاملة مع الأجنبي ، فيبيعه مرابحة على ما اشتراه من الأجنبي ، وذلك ألفا درهم .

ولو كان المضارب باع العبد من رب المال بألف وخمسمائة ، ثم باعه رب المال من أجنبي بألف وستمائة ، ثم عمل المضارب بالألف وخمسمائة ، حتى صارت ألفين فاشترى بها العبد من الأجنبي بألف وستمائة ثم عمل المضارب بألف وخمسمائة حتى صارت ألفين فاشترى بها العبد من الأجنبي ، فإن بيعه مرابحة في قولهما على ألفين ، وهو ظاهر .

وأما في قياس قول أبي حنيفة فإنه يبيعه مرابحة على ألف وأربعمائة ; لأن المضارب كان ربح في البيع الأول مائتين وخمسين ، وكان المعتبر رأس المال ، وحصة المضارب من الربح ، فحين باعه رب المال بألف وستمائة فثلثمائة وخمسون من ذلك ربح المال ، فيطرح ذلك من الألفين ، ويطرح أيضا ما ربح المضارب على رب المال ، وذلك مائتان وخمسون درهما ، فإذا طرحت ذلك من الألفين ; يبقى ألف وأربعمائة درهم ، فعلى ذلك يبيعه المضارب مرابحة ، وإنما يطرح ما ربح المضارب على رب المال ; لأنه لو ربح ذلك في معاملته مع الأجنبي بيعا وشراء لكان يطرح ذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله - في بيع المرابحة ، فلأن يطرح ذلك عند معاملته مع رب المال أولى .

وإذا دفع إلى رجل مالا مضاربة بالنصف فاشترى بألف منها عبدا يساوي ألفين فولاه رب المال ، فهذا جائز عند أبي حنيفة لا يشكل ; لأنه يملك البيع بالمحاباة ، وعندهما بيعه بالمحاباة الفاحشة من غير رب المال لا يجوز ; لحق رب المال فلا يكون ذلك مانعا من جواز المعاملة بينه وبين رب المال ، فإن باعه رب المال من أجنبي بألف وخمسمائة مرابحة ، ثم اشتراه المضارب من الأجنبي مرابحة بألفي درهم من المضاربة ، ثم حط رب المال عن الأجنبي من الثمن ثلثمائة ، فإن الأجنبي يحط عن المضارب مثل ذلك من الثمن ، وحصته من الربح ، وذلك كله أربعمائة ; لأن العقدين جميعا كانا مرابحة فإذا خرج القدر المحطوط من أن يكون ثمنا في حق الأجنبي بحط رب المال عنه ، يخرج ذلك القدر وحصته من الربح من أن يكون ثمنا في عقد المضارب أيضا ، والمحطوط في عقد رب المال خمس الثمن ، وفي عقد المضارب جملة الثمن ألفان ، فيحط عنه خمس الثمن ، وفي عقد المضارب جملة الثمن ألفان فيحط عنه خمسها أيضا ، وهو أربعمائة ، ثم يبيعه لمضارب مرابحة على ما بقي من الألفين في قول أبي يوسف ومحمد وهو ألف وستمائة ، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - يبيعه مرابحة على ألف ومائتي درهم ; لأن رب المال كان ربح فيه خمسمائة ، فلما حط ثلثمائة كان الحط من جميع الثمن : ثلثاه من رأس المال ، وثلثه من الربح ، فبقي ربحه على الأجنبي أربعمائة درهم ، فيطرح [ ص: 157 ] المضارب هذه الأربعمائة ، مع الأربعمائة التي سقطت عنه من الألفين ; لأنه يبيعه مرابحة لرب المال ; فلهذا باعه مرابحة على ألف ومائتين ، إلا أن يبين الأمر على وجهه .

ولو كان المضارب حط عن رب المال من الثمن الذي ولاه به العقد مائتي درهم ، فإن رب المال يحط المائتين وحصتها من الربح ، وهو مائة درهم عن الأجنبي ; لأن المضارب حط عنه خمس الثمن ، وبيعه من الأجنبي كان مرابحة بألف وخمسمائة ، فيطرح عنه أيضا خمس الثمن ، وذلك ثلثمائة ، ثم يحط الأجنبي عن المضارب هذه الثلثمائة : حصتها من الربح ، وهو مائة لما قلنا ، فيبقى العبد في يد المضارب بألف وستمائة شراء من الأجنبي ، فإن أراد أن يبيعه مرابحة باعه في قول أبي حنيفة مرابحة على ألف ومائتين لما بينا أنه يطرح ما ربح رب المال عن الأجنبي ، وهو أربعمائة ; لأنه بقي حاصل ضمانه الأول فيه ثمانمائة ، وحاصل ما سلم له من الأجنبي ألف ومائتان ، فعرفنا أن ربحه كان أربعمائة فيحط المضارب ذلك في بيع المرابحة عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما يبيعه مرابحة ، وهو على ألف وستمائة لما بينا . والله أعلم .
( قال - رحمه الله - ) : رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، وأمره أن يعمل فيه برأيه ، أو لم يأمره فعمل فربح ألف درهم ، ثم إنه دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف ، وأمره أن يعمل فيها برأيه ، أو لم يأمره فخلط هذه الألف الأخيرة بالألف الأولى ، ثم عمل بالمال كله فربح ألفا ، فإن كان لم يأمره أن يعمل في الأخيرة برأيه فالمضارب ضامن للألف الأخيرة بالخلط ; لأن له في المال من الربح خمسمائة ، فهذا منه خلط مال المضاربة بمال نفسه ، وذلك موجب للضمان عليه في المضاربة المطلقة ، فإن كان ربح بعد هذا الخلط ألف درهم فثلث ذلك حصة الألف الأخيرة ، وقد ضمنها المضارب ، فيكون ربحها له ، فيأخذ من المال هذه الألف ، وربحها ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وما بقي من المال فهو على المضاربة الأولى بينهما ; لأن في حق المضاربة الأولى إنما خلط رب المال بماله ، وذلك لا يوجب الضمان عليه .

ولو ضاع المال قبل القسمة لم يضمن المضارب إلا الألف الأخيرة ; لأن سبب الضمان وهو الخلط بمال نفسه إنما وجد فيها خاصة .

ولو كان أمره في المضاربة الثانية أن يعمل فيها برأيه ، ولم يأمره بذلك في الأولى ، أو أمره والمسألة بحالها فلا ضمان عليه ، والمال كله مضاربة على ما اشترطا ; لأن الأمر [ ص: 158 ] في المضاربة الأخيرة مفوض إلى رأيه على العموم ، فلا يصير ضامنا لها بالخلط ، وفي المضاربة الأولى إنما خلط مال رب المال بماله ، وذلك غير موجب للضمان عليه ; فلهذا كان المال كله مضاربة في يده على ما اشترطا .

ولو لم يأمره أن يعمل في واحد من المالين برأيه فخلطهما قبل أن يربح في واحد منهما شيئا فلا ضمان عليه ; لأنه إنما خلط مال رب المال بماله ، وذلك ليس بسبب موجب للضمان عليه في المضاربة المطلقة .

ولو كان ربح في كل واحد ربحا ، ثم خلطهما ضمنهما جميعا مع حصة رب المال من الربح الذي كان قبل الخلط ; لأن في كل واحد من المالين وجد سبب وجوب الضمان وهو خلط ملك رب المال بملك نفسه ، وذلك حصته من الربح في كل مال ، وما ربح فيهما بعد ما خلطهما فهو للمضارب ; لأنه يملك المالين بالضمان ، فما ربح عليهما بعد ذلك يكون له ، ويتصدق به ; لأنه حصل له ذلك بسبب حرام إلا حصة ربحه قبل أن يخلطها فإنها حلال له ، لأن ذلك حصل له بسبب لا حنث فيه ، وفي قول أبي يوسف لا يتصدق بشيء من الربح ; لأنه حصل على ضمانه ، وأصل الخلاف في المودع إذا تصرف في الوديعة وربح ، وإذا كان أمره فيهما جميعا أن يعمل برأيه كان ذلك كله مضاربة بينهما على الشرط ; لوجود تفويض الأمر إلى رأيه في المضاربتين على العموم ، والجواب في المضاربين إذا خلطا المالين قبل أن يربح واحد منهما شيئا ، أو بعد ما ربح أحدهما في مضاربته شيئا ، نحو الجواب في المضارب الواحد لاستواء الفصلين في المعنى الذي أشرنا إليه . والله أعلم .

( قال - رحمه الله - ) : وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، ودفع إلى آخر ألف درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى أحدهما عبدا بخمسمائة من المضاربة ، فباعه من المضارب الآخر بجميع الألف : المضاربة فهو جائز وإن كان المالان لواحد ; لأن هذا البيع مفيد ، فإنه يدخل في مضاربة كل واحد منهما ما لم يكن فيها ، وللمشتري أن يبيعه مساومة كيف شاء ، وإن أراد أن يبيعه مرابحة باعه على أقل الثمنين ، وهو خمسمائة التي اشتراه بها المضارب الأول ; لأن ما زاد على ذلك لم يتم خروجه من ملك رب المال ، فإن ما في يد المضارب الأول ، وما في يد المضارب الآخر كله ملك رب المال ، وكل واحد منهما عامل له ، فإنما يبيعه مرابحة على ما يتيقن بخروجه من ملكه وهو الخمسمائة التي دفعها الأول إلى البائع .

ولو كان المشتري [ ص: 159 ] اشترى العبد بألف المضاربة ، وبألف من ماله ثم أراد أن يبيعه مرابحة باعه على ألف ومائتين وخمسين ; لأنه اشترى نصفه لنفسه بألف من ماله فيبيعه على ذلك مرابحة ، ويشتري النصف الآخر للمضاربة ، فإنما يبيعه مرابحة على أقل الثمنين فيه ، وثمن هذا النصف في العقد الأول كان مائتين وخمسين ، فيبيع العبد كله مرابحة على ألف ومائتين وخمسين ، فإن بين الأمر على وجهه باعه مرابحة على الألفين ; لأن تهمة الجناية تنعدم ببيان الأمر على وجهه .

ولو دفع ألف درهم إلى رجل مضاربة بالنصف ، ودفع إلى آخر ألفي درهم مضاربة بالنصف فاشترى المدفوع إليه الألف عبدا بها ، وباعه من آخر بألفي درهم المضاربة ; فلهذا كان للثاني أن يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة ; لأن المضارب الأول ربح ألف درهم ، حصته من ذلك خمسمائة ، وحصة رب المال خمسمائة ، إلا أن حصة رب المال من الربح تطرح في بيع المرابحة ; لأن ذلك لم يخرج من ملكه فإنما يعتبر حصة المضارب الأول من الربح ، والألف التي غرمها المضارب الأول في ثمنه فيه ، فيبيعه الآخر مرابحة على ألف وخمسمائة لهذا .

ولو كان الأول اشتراه بخمسمائة من المضاربة ، وباعه من الثاني بألفي المضاربة باعه مرابحة على ألف درهم : خمسمائة منها رأس مال المضاربة الأول الذي نقد في العبد ، وخمسمائة ربح المضارب الأول ، وقد بطلت حصة رب المال من الربح وهو خمسمائة ، وخمسمائة أخرى تمام رأس مال رب المال من المضاربة الأولى ; لأنا قد بينا : أنه يعتبر رأس المال في كل جنس كأنه ليس معه غيره . ( ألا ترى ) أنه لو هلكت الخمسمائة الأخرى كان جميع رأس المال محسوبا من هذا الثمن ، بمقدار ما يكمل به رأس مال رب المال ، ويطرح في بيع المرابحة ، كما يطرح حصة رب المال من الربح ; لأن ذلك لم يخرج من ملكه ، والمضارب الآخر إنما اشتراه لرب المال ، والأول كذلك باعه لرب المال ، وإذا ثبتت أنه يطرح من الثمن الثاني ألف درهم باعه مرابحة على ألف .

ولو كان الأول اشتراه بألف المضاربة ، ثم باعه من الثاني بألفي المضاربة وألف من ماله ; فله أن يبيعه مرابحة على ألفين ومائة وستة وستين درهما وثلثي درهم ; لأنه اشترى ثلثه لنفسه بألف درهم فيبيعه مرابحة على ذلك ، واشترى ثلثيه بألفي المضاربة ، ورأس مال المضاربة الأولى فيه ثلثا الألف ، وربح المضارب الأول فيه خمسمائة ، فإذا ضممت خمسمائة إلى ثلثي الألف ; يكون ألفا ومائة وستة وستين وثلثين ، ويضم إليه الألف التي هي ثمن ثلث العبد ، فيبيعه مرابحة على ذلك ويطرح ما سواه يعني : حصة رب المال من الربح ، وذلك خمسمائة ، وما يكمل به رأس ماله في المضاربة الأولى [ ص: 160 ] من هذا المال ، وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، فتبين أن المطروح من ثلاثة آلاف ثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث .

ولو كان المضارب الأول اشترى العبد بخمسمائة ، وقيمته ثلاثة آلاف ، والمسألة بحالها فإن للآخر أن يبيعه مرابحة على ألف وثمانمائة وثلاثين درهما وثلث ; لأن الآخر اشترى ثلثه لنفسه بألف درهم ، وذلك معتبر كله ، واشتري ثلثه للمضاربة ، وإنما يعتبر فيه حصته من الثمن الأول وهو ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وحصة المضارب من الربح وهو خمسمائة ، فإذا جمعت ذلك كان مقداره ما بيناه ، ويطرح حصة رب المال من الربح وهو خمسمائة ، وما يكمل به رأس ماله في المضاربة الأولى من هذا المال وهو ستمائة وستة وستون وثلثان ، فإذا طرحت من ثلاثة آلاف ألفا ومائة وستة وستين وثلثين يبقى ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث .

ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، ثم دفع إلى آخر ألف درهم مضاربة بالنصف ، فعمل الآخر بالمال حتى صارت ألفين ، ثم اشترى الأول بألف المضاربة عبدا فباعه من الآخر بالألفين اللتين في يده ، وقيمته ألفا درهم ، فإن الثاني يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة ; لأن رأس مال الأول فيه ألف درهم فيعتبر ذلك ، ويعتبر حصة الأول من الربح وهو خمسمائة ، وتبطل حصة رب المال من الربح في المضاربة الأولى ; لأن ذلك لم يخرج من ملكه بالعقد الثاني ; فلهذا باعه الثاني مرابحة على ألف وخمسمائة .

ولو كان الأول اشتراه بخمسمائة من المضاربة ، وخمسمائة من ماله ، والمسألة على حالها باعه مرابحة على ألف وخمسمائة ; لأن الأول اشترى نصفه لنفسه بخمسمائة ، وباعه من الثاني بألف ، فيبيع ذلك النصف مرابحة على ألف ، واشترى الأول النصف الآخر وباعه من الآخر بألف ، ولا فضل فيه على رأس مال المضاربة في العقد الأول ، فإنما يبيع هذا النصف مرابحة على الثمن الأول ، وهو خمسمائة .

ولو كان الأول اشتراها بألف من عنده ، وخمسمائة من المضاربة ، والمسألة بحالها ; باعه الآخر مرابحة على ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; لأن الأول اشترى ثلثيه لنفسه ، وباع ذلك من الآخر بثلث الألفين ، وذلك ألف وثلثمائة وثلاثون وثلث ، فيعتبر ذلك كله ، وأما الثلث الذي اشتراه للمضاربة وباعه من الآخر للمضاربة بما لا فضل فيه على رأس مال المضاربة الأولى ، فإنما يبيع هذا الثلث مرابحة على الثمن الأول ، وهو خمسمائة ، وإذا ضممت الخمسمائة إلى الألف وثلثمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; كانت جملته ألفا وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا .

ولو كان الأول اشتراه بألف المضاربة وبخمسمائة من ماله ; فإن الآخر يبيعه أيضا مرابحة على ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; لأن الأول [ ص: 161 ] اشترى لنفسه ثلثه ، وباعه بثلث الألفين فيعتبر ذلك ، واشترى ثلثه للمضاربة ، وباعه بثلثي الألفين فيعتبر من ذلك مقدار رأس المال ، وهو ألف درهم ، وحصة المضارب من الربح ، وذلك مائة وستة وستون وثلثان ، ويطرح حصة رب المال من الربح خاصة ، وإذا طرحت من الألفين مائة وستة وستين وثلثين ; كان الباقي ألفا وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا .

ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة ، وإلى آخر ألفي درهم مضاربة ، فاشترى الأول بألف عبدا من ماله وبخمسمائة من المضاربة ، ثم باعه من الآخر بثلاثة من ماله وألفي المضاربة ، فإن الآخر يبيعه مرابحة على ألفين وستمائة وستة وستين درهما وثلثي درهم ; لأن الأول اشترى ثلثي العبد لنفسه ، وباعه من الآخر بألفي درهم فيعتبر جميع ذلك ، واشترى ثلثه للمضاربة ، ثم إن الآخر اشترى منه ثلث هذا الثلث لنفسه بثلثمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ، لا ينتقص من ذلك شيء واشترى ثلثي هذا الثلث منه للمضاربة ، فيعتبر فيه حصة من الثمن الأول ، وذلك ثلث الألف ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث هذا هو المعتبر فيه ويطرح ما زاد على ذلك فإن جمعت ذلك كله كان ألفي درهم وستمائة وستة وستين وثلثين فيبيعه مرابحة على ذلك ، وحاصل ما طرح ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وذلك ربح ثلثي هذا الثلث ; لأنه مشغول برأس المال كله ، ولم يخرج من ملك رب المال بالعقد الثاني . ولو كان الأول اشترى العبد وقيمته خمسة آلاف درهم بألف المضاربة ، وبخمسمائة من ماله والمسألة بحالها ، باعه الثاني مرابحة على ألفين وخمسمائة ; لأن الأول اشترى ثلث العبد لنفسه ، وباعه من الثاني بألف فيبيعه مرابحة على ذلك ، فاشترى الثلثين للمضاربة ، ثم إن المضارب الآخر اشترى منه ثلث الثلثين لنفسه بستمائة وستة وستين وثلثين ، فلا ينقص منه شيء ، واشترى منه ثلث الثلثين للمضاربة بألف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ، فالمعتبر من ذلك رأس المال في العقد الأول ، وذلك ستمائة وستة وستون وثلثان ، وحصة المضارب الأول من الربح وهو : مائة وستة وستون وثلثان ، فإذا جمعت ذلك كله كان ألفين وخمسمائة ، والمطروح من ذلك حصة رب المال من الربح وهو : مائة وستة وستون وثلثان ، وما يكمل به رأس المال في المضاربة الأولى ، وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث .
وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، ودفع إلى آخر ألفي درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى الأول جارية بألف من ماله ، وخمسمائة من المضاربة ، وباعها من الآخر بثلاثة آلاف درهم : ألف من المضاربة ، وألفين من ماله ; فإنه يبيعها مرابحة على ألفين وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; لأن الأول اشترى ثلثيها لنفسه ، وباع ذلك من الثاني بألفي [ ص: 162 ] درهم فيعتبر ذلك كله ، واشترى ثلثها للمضاربة ، ثم باع ثلثي هذا الثلث من الثاني ، واشترى الثاني لنفسه بستمائة وستة وستين وثلثين ، فيعتبر ذلك أيضا ، واشترى ثلث هذا الثلث للمضاربة فإنما يعتبر حصة هذا الجزء من الثمن الأول ، وذلك مائة وستة وستون وثلثان ، فإذا جمعت هذا كله كان ألفين وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا ، فإذا قبض الثمن أخذ لنفسه من الثمن حصته : ألف درهم ، وكان ما بقي من المضاربة ; لأن الثمن في بيع المرابحة مقسوم على الثمن الأول ، وثلث الثمن الأول كان من مال المضارب الآخر .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.67 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]