عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 24-12-2025, 04:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون

صـــ 142الى صـــ 151
(457)





ولو أقر في مرضه بمال في يده أنه مضاربة لفلان ولا يعرف إلا بقوله بدئ بدين الصحة ; لأن المريض محجور عن الإقرار بالدين ، والعين بحق غرماء الصحة ، فإن لم يكن عليه دين في الصحة ، وإنما أقر بالدين في مرضه قبل إقراره بالمضاربة حاص رب المال الغريم برأس ماله ; لأن إقراره بمضاربة بعينها كالإقرار الوديعة ، وقد بينا في كتاب الإقرار أن المريض إذا أقر بالدين أولا ، ثم الوديعة يتحاصان ; لأن حق الغريم متعلق بماله ، فيمنع ذلك سلامة العين للمقر له بالعين ، ويصير هذا كالإقرار الوديعة مستهلكة .

ولو كان بدأ الإقرار بالمضاربة بعينها بدئ بها ; لأن العين صار مستحقا لرب المال ، وخرج من أن يكون مملوكا للمضارب ، فإقراره بالدين بعد ذلك يكون شاغلا لتركته لا لأمانة الغير في يده ، وإن أقر لها بغير عينها تحاصا ; لأن الإقرار بالمضاربة المجهولة كالإقرار بالدين ، فكأنه أقر بدين ثم بدين وإن أقر بها بعينها ، ثم أقر بالدين ، ثم أقر بعد ذلك أن المضاربة في هذه الألف بعينها تحاصا ; لأن إقراره بالعين كان بعد الإقرار بالدين ، فلا يكون مقبولا في استحقاق المقر له بالعين واختصاصه به بعد ما صار مشغولا بحق المقر له بالدين .
وإن قال هذه الألف مضاربة لفلان عندي ، ولفلان عندي وديعة كذا ، ولفلان كذا من الدين بدئ بالمضاربة ; لأنه أقر بها بعينها فبنفس الإقرار صارت العين مستحقة لرب المال ، فلا يتغير ذلك بما يعطف عليه الإقرار بوديعة غير معينة بالدين .

ولو لم يقر بها بعينها كان جميع مال المضاربة بين صاحب الدين وصاحب الوديعة وصاحب المضاربة بالحصص ; لأن إقراره بأمانة غير معينة بمنزلة إقراره بالدين .

ولو قال : لفلان عندي ألف درهم مضاربة وهي في هذا [ ص: 143 ] الصندوق ، ولفلان علي ألف درهم فلم يوجد في الصندوق شيء ، كان ما تركه المضارب بين رب المال والغريم بالحصص ; لأنه حين لم يوجد في الصندوق شيء فقد ظهر أن تعيينه كان لغوا بقي إقراره بمضاربة غير معينة وبالدين .

ولو وجد في الصندوق ألف كان رب المال أحق بها ; لأن تعيينه كان صحيحا ، فإن التعيين وجد منه قبل الإقرار بالدين ، فكأنه أقر ابتداء بالمضاربة بعينها ، فإن قيل : كان ينبغي أن يقال إذا لم يوجد في الصندوق شيء أن لا يكون لرب المال شيء لفوات محل حقه ، قلنا : هذا أن لو صح تعيينه مع فراغ الصندوق عنه ، ولم يصح ذلك بل هو تجهيل منه ، والمضارب بالتجهيل ضامن .

وقال في المضاربة الصغيرة : إذا لم يشهد الشهود أن هذه الألف كانت في الصندوق يوم أقر جعلناها بين الغرماء ورب المال بالحصص ، والقياس ما قاله ثمة ; لأن الموجود من المضارب تعيين الصندوق ، ولم يوجد منه تعيين مال المضاربة إذا لم يعلم أن الألف كانت في الصندوق يومئذ ، وطريق العلم به شهادة الشهود ، وما ذكر هنا استحسان ; لأن الصندوق محل لما فيه من المال فتعيينه كتعيين المال ; فلهذا كان رب المال أحق بها .

ولو وجد في الصندوق ألفان فلرب المال ألف منها خاصة ، والباقي بين الغرماء ; لأن تعيينه صحيح لما وجد في الصندوق من جنس حق رب المال مقدار حقه وزيادة ، وسواء كانت الألفان مخلطة أو غير مخلطة ; لأن المضارب أمين في مال المضاربة ، واختلاط الأمانة بمال الأمين من غير صنعه لا يكون موجبا للضمان ، فإن علم أن المضارب هو الذي خلط المال بغير أمر رب المال ; كان المال كله بينهم بالحصص في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد نصفه لرب المال ، ونصفه للغرماء وهو بناء على ما تقدم بيانه : أن الأمين إذا خلط الوديعة بمال نفسه صار مستهلكا للمخلوط ، وصارت الأمانة دينا عليه عند أبي حنيفة - رحمه الله - فيكون رب المال صاحب دين كغيره من الغرماء ، وأما عندهما فبالخلط يصير ضامنا ، ولكن لا يصير متملكا فلرب المال أن يرضى بالخلط ويختار المشاركة فيأخذ نصف المخلوط برأس ماله ، ونصفه للغرماء .

ولو قال لفلان عندي ألف درهم مضاربة وهي التي على فلان ولفلان علي ألف درهم ولا مال له غيره فذلك الدين لرب المال ; لأن تعيينه للمضاربة التي على غيره كتعيينه ألفا في صندوقه ، أو في كيسه ، أو بيته ، فإذا حصل ذلك قبل الإقرار بالدين ; اختص رب المال به .
وإن جحد المضارب المضاربة في صحة أو مرض ، ثم أقر بها فهي دين في ماله ; لأن الإقرار بعد الإنكار صحيح ، ولكن الأمين بالجحود يصير ضامنا ، فإقراره بعد ذلك كالإقرار بالدين .

وكذلك لو جحد شيئا من الربح ، ثم أقر ، [ ص: 144 ] ثم قال : لم يصل إلي ضمن ما جحد من الربح .

وإن كان دينا قال عيسى - رحمه الله - : هذا غلط وإن جحد الدين لم يضمنه حتى يقبضه على الجحود ; لأن الجحود إنما يكون موجبا للضمان عليه باعتبار أن المال في يده ، وأنه متملك له مستول عليه بهذا الجحود ، وهذا لا يتحقق فيما هو دين على الغير ما لم يقبضه فإن قبضه على الجحود فهو ضامن ، وإن رجع إلى الإقرار ثم قبضه فلا ضمان عليه ، وقيل : يحتمل أن مراد محمد - رحمه الله - قوله لرب المال لك ثلث الربح ولي ثلثاه ليس بإقرار ، وفي المختصر للكافي قال : ليس إقراره بأن له النصف ، وقيل في تأويله : إنه أقر له بالثلث ، ثم بالنصف بعد ذلك ، فيكون مقرا بالسدس بعد الجحود فيجب عليه الضمان ، وذكر القاضي أبو عاصم في شرحه فقال : جحوده الربح إقرار بإبراء الغريم .

ولو صرح بالإبراء فإنه يضمن الربح ، وإن لم يصل إلى يده كذلك ، هذا إقرار بأن له النصف فيكون ضامنا ، ثم سلم بما سلم من ذلك على ذلك ، والأصح أن يقول : حق القبض فيما وجب بمعاملته له خاصة فكونه في ذمة الغريم ، وكونه في يده سواء في أنه صار متملكا مقدار ما جحده متويا حق رب المال فيه ، فكان قبضه على الجحود وعلى الإقرار بعد الجحود في إيجاب الضمان عليه لأجل الإقرار سواء .
وإذا دفع إلى رجلين مالا مضاربة فمات أحدهما ، وقال الآخر : هلك المال صدق في نصيبه لكونه أمينا فيه ، وكان نصيب الآخر دينا في تركته ; لأنه مات مجهلا لنصيبه فإن علم أن الميت كان أودع نصيبه صاحبه الحي فقال الحي : قد هلك فهو مصدق على جميعه ; لأن المضارب يملك الإيداع ، فقول مودعه قد هلك بمنزلة قول المضارب في حياته إنه قد هلك ، وإن قال قد دفعت ذلك إلى صاحبي كان مصدقا مع يمينه ; لكونه أمينا فيه ، وكان ذلك دينا في مال صاحبه ; لأن صاحبه مات مجهلا فإنه إن ثبت وصوله إليه فلا إشكال ، وإن لم يثبت وصوله إليه من يد الحي فالحي كان مسلطا من جهته على الرد ، وإنما قبل قوله في ذلك لأجل التسليط فيكون للمضارب الميت مجهلا له على كل حال ذلك دينا في تركته .

وإذا ربح المضارب في المال ربحا فأقر به وبرأس المال ، ثم قال : قد خلطت مال المضاربة بمالي قبل أن أعمل وأربح لم يصدق ; لأن الربح صار مستحقا لرب المال فهو بهذه المقالة يبطل استحقاقه ، ويدعي ملك جميع الربح لنفسه بالخلاف الحاصل منه بالخلط ، فلا يقبل قوله إلا بحجة ; ولأن الربح نماء المال ، فيكون ملكا لصاحب المال باعتبار الظاهر ، فلا يستحقه غيره إلا بالشرط . ( ألا ترى ) أن المضارب لو ادعى زيادة فيما شرط له من الربح لم يقبل قوله فيه إلا بحجة ، فإذا ادعى سببا يملك به جميع الربح [ ص: 145 ] فلأن لا يقبل قوله من غير حجة كان أولى ، فإن هلك المال في يده بعد ذلك ضمن رأس المال لرب المال ، وحجته من الربح لإقراره على نفسه بالسبب الموجب للضمان ; ولأنه لما زعم أنه خلطه بماله ، ثم ربح بعد ذلك فقد ادعى أن الربح كله ملكه ، والأمين إن ادعى الملك لنفسه في الأمانة يصير ضامنا .
وإذا أقر المضارب بدين في المضاربة لولده ، أو والده ، أو زوجته ، أو مكاتبه ، أو عبده ، وعليه دين أو لا دين عليه لزمه ذلك في ماله خاصة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - إلا ما أقر به لعبده ، ولا دين عليه فإنه لا يلزمه منه شيء ، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - إقراره لهؤلاء صحيح على المضاربة إلا لعبده ، أو لمكاتبه وهذا ; لأن المضارب نائب في التصرف كالوكيل ، وقد بينا في البيوع أن عند أبي حنيفة - رحمه الله - الوكيل لا يملك التصرف مع من لا تجوز شهادته له في حق الموكل ; لكونه متهما في ذلك ، وعندهما يملك ذلك إلا في عبده ، ومكاتبه ، فالمضارب كذلك وهذا ; لأنه يلزمه لهؤلاء حق في مال رب المال بمجرد قوله ; فيكون في معنى الشاهد لهم على غيره بمال ، وشهادته لهؤلاء لا تقبل فكذلك قراره ، إلا أن الدين بالمعاملة يجب في ذمته ، وهو غير متهم فيما يلزمه لهؤلاء ، فلذا لزمه ذلك في ماله خاصة فأما العبد الذي لا دين عليه ، فهو ليس من أهل أن يستوجب دينا عليه ، وعندهما إقراره لعبده ومكاتبه كإقراره لنفسه ; لأنه يملك كسب عبده ، وله حق الملك في كسب مكاتبه ، وأما إقراره لابنه وأبيه كإقراره لأخيه من حيث إنه لا يثبت له في المقر به ملكا ولا حق ملك ; فيصح في حق رب المال ، وقال في المضاربة الصغيرة في قول أبي حنيفة : إذا كان في المضاربة فضل لزم المضارب ما أقر به من حصته وهو صحيح ; لما بينا أنه غير متهم في حق نفسه ، وإن كان متهما في حق غيره .

ولو أقر المضارب في مرضه بمضاربة بعينها ، ثم أقر بها بعينها وديعة لآخر ، ثم أقر بدين ثم مات بدئ بالمضاربة ; لأن رب المال استحق ذلك بإقراره عينا كما أقر به ، ثم هو أقر للثاني بوديعة قد استهلكها بإقراره فيها بالمضاربة ، والإقرار الوديعة المستهلكة إقرار بالدين ، فكأنه أقر بدين ، ثم بدين فيتحاص صاحب الوديعة والدين فيما بقي من تركته .
( قال - رحمه الله - ) : وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة فاشترى المضارب بها دارا تساوي ألفا ، أو أقل منها ، أو أكثر ، ورب المال شفيعا بدار له فله أن يأخذها بالشفعة [ ص: 146 ] من المضارب ، ويدفع إليه الثمن فيكون على المضاربة ; لأن أكثر ما فيه أن المضارب اشتراها لرب المال ومن اشتري أو اشترى له فهو على شفعته وإنما تسقط شفعة من باع ، أو بيع له ، ثم الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء ; لأنه يملك الدار عليه بما يعطيه من الثمن وقد بينا أن رب المال لو اشترى من المضارب دارا اشتراها للمضاربة جاز شراؤه ; لكونه مفيدا فكذلك إذا أخذها بالشفعة .

ولو اشترى المضارب دارا ببعض المضاربة ، ثم اشترى رب المال دارا لنفسه إلى جنبها فللمضارب أن يأخذها بالشفعة بما بقي من مال المضاربة ; لأن أكثر ما فيه أن المضارب يأخذها لرب المال ، ورب المال مشتر ، والشراء لا يكون مبطلا شفعة الشفيع ، ثم أخذه بالشفعة كالشراء المبتدأ ، وشراء المضارب بمال المضاربة دارا من رب المال يكون صحيحا ; لكونه مفيدا من حيث إنه يدخل فيه في المضاربة ما لم يكن فيها ، ويخرج من المضاربة ما كان فيها .
ولو اشترى بألف مضاربة دارا تساوي ألفا ، ورب المال شفيعا فتسلم الشفعة ، ثم باع المضارب الدار فلا شفعة لرب المال فيها ; لأن المضارب نائب عن رب المال في بيعها ، ومن بيع له لا يستوجب الشفعة ، كما لا يستوجبها من باع ، وكذلك لو باع رب المال داره لم يكن للمضارب فيها شفعة بدار المضاربة ; لأنه لو أخذها ; أخذها للمضاربة ، ومال المضاربة لرب المال ، ورب المال بائع لهذه الدار فكما لا يكون له أن يأخذها بالشفعة بدار أخرى له ، لا يكون لمضاربه أن يأخذها بدار المضاربة .

ولو اشترى المضارب بألف المضاربة دارا تساوي ألفين ، ورب المال شفيعا فسلم الشفعة ، ثم باعها المضارب بألفي درهم لم يكن لرب المال أن يأخذ شيئا منها بالشفعة ، أما مقدار رأس المال وحصته من الربح ; فلأن البيع فيه وقع من المضارب لرب المال وأما حصة نصيبه من الربح ; فلأنه لو أخذها رب المال تفرقت الصفقة على المشتري ، وليس للشفيع أن يفرق الصفقة على المشتري ، ولأن حق المضارب في الربح تبع ، وإذا لم تجب الشفعة فيما هو الأصل لا تجب في التبع ، ولهذا لا يستحق البناء بدون الأصل في الشفعة ; لأن البناء يمنع الأصل .

ولو لم يبعها المضارب ، ولكن باع رب المال داره فأراد المضارب أن يأخذها بالشفعة لنفسه من الربح الذي له في مال المضاربة بحصته من الربح كان له ذلك ; لأن رب المال ما باع داره للمضارب ، والمضارب حاز الدار المبيعة بحصته من الربح ، فإنه تملك حصته قبل القسمة حقيقة ; ولهذا تجب عليه الزكاة فيه فيكون له أن يأخذها بالشفعة لنفسه بذلك السبب .

ولو اشترى المضارب ببعض المال دارا في قيمتها فضل على رأس المال فباع رجل إلى جنبها دارا ، وفي يد [ ص: 147 ] المضارب من مال المضاربة مثل ثمن الدار التي بيعت إلى جنب دار المضاربة ، فأراد المضارب أن يأخذ الدار بالشفعة لنفسه لم يكن له ذلك ، وإنما يأخذها على المضاربة أو يدع ; لأن حق رب المال أصل ، وحق المضارب تبع وهو متمكن من أخذها بما هو الأصل ، والتبع لا يظهر مع ظهور الأصل وهذا ; لأن في أخذها للمضاربة مراعاة الحقين جميعا : حق رب المال ، وحق المضارب وفي أخذها لنفسه إبطال حق رب المال ، وليس للمضارب أن يقدم حق نفسه في الربح ، ويبطل حق رب المال فتسلم المضارب الشفعة فأراد رب المال أن يأخذها بالشفعة لنفسه ، لم يكن له ذلك ; لأن المضارب إذا كان متمكنا من الأخذ بالشفعة يصح منه التسليم في حق نفسه وفي حق رب المال جميعا ، فإن التسليم من التجارة كالأخذ ، قيل : هذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف - رحمهما الله - فأما عند محمد - رحمه الله - فينبغي أن لا يصح تسليمه في حق رب المال ، كما في الأب والوصي إذا سلما شفعة الصبي ، والأصح أن هذا قولهم جميعا ; لأن فيما هو من صنيع التجار ، المضارب نائب عن رب المال على الإطلاق ، وتسلم الشفعة من صنيع التجار .

ولو لم يكن في يد المضارب من مال المضاربة شيء يأخذ به الدار التي بيعت كان له أن يأخذها بالشفعة لنفسه ; لأنه غير متمكن من أخذها للمضاربة هنا ; لأنه لو أخذها للمضاربة كان استدانة منه على المال ، والمضارب لا يملك ذلك فإذا لم يثبت له الحق باعتبار الأصل ظهر حكم التبع ، وهو أنه جار للدار المبيعة بملكه في نصيبه من الربح ، فيكون له أن يأخذ بالشفعة لنفسه ، وإن لم يكن فيها فضل على رأس المال لم يكن للمضارب أن يأخذها لنفسه ; لأنه لا ملك له فيها وإنما جواره من حيث اليد دون الملك وبه لا يستحق الشفعة ، وإن أراد رب المال أن يأخذها لنفسه فله ذلك ; لأن ما في يد المضارب ملك لرب المال حقيقة ، فيكون به جارا للدار المبيعة ، فإن سلم المضارب الشفعة فتسليمه باطل ، ورب المال على شفعته ; لأن تسليم الشفعة إنما يصح ممن يكون متمكنا من الأخذ بالشفعة ، والمضارب هنا لم يكن متمكنا من الأخذ فليس له تسليم الشفعة .

ولو كان في الدار التي من المضاربة فضل على رأس المال ، وليس في يد المضارب من مال المضاربة شيء فأراد المضارب ورب المال أن يأخذ الدار المبيعة إلى جنب دار المضاربة بالشفعة لأنفسهما فلهما أن يأخذاها نصفين ; لأن كل واحد منهما جار لها بملكه في حصته من دار المضاربة ، واستحقاق الشفعة باعتبار عدد رءوس الشفعاء لا باعتبار مقدار الأنصباء ، فإن سلم أحدهما كان للآخر أن يأخذها كلها ; لأن لكل واحد من الشفيعين سببا تاما لاستحقاق جميع الدار المبيعة ، ولكن [ ص: 148 ] للمزاحمة عند طلبهما يأخذ كل واحد منهما النصف ، فإذا انعدمت هذه المزاحمة بتسليم أحدهما ، كان للآخر أن يأخذها كلها ، فإن كان بقي في يد المضارب من المضاربة قدر ثمن الدار التي بيعت فأراد المضارب ، أو رب المال أن يأخذها بالشفعة لم يكن له ذلك ; لأن حق المضاربة في هذه الدار هو الأصل قبل القسمة ; لما في الأخذ للمضاربة من مراعاة الحقين ، وفي أخذ أحدهما لنفسه إبطال حق الآخر وإذا كان الأخذ باعتبار الحق الأصلي ممكنا يوجب ترجيح ذلك ، فيكون للمضارب أن يأخذها للمضاربة ، وليس لواحد منهما أن يأخذها لنفسه ، فإن سلم المضارب الشفعة ; لم يكن لواحد منهما أن يأخذها بالشفعة بعد ذلك ; لأن المضارب كان متمكنا من أخذه لهما ، فيعمل تسليمه أيضا في حقهما ، أرأيت لو أخذها للمضاربة ، ثم باعها من الذي أخذها منه ، أو ردها عليه بحكم الإقالة أما كان يصح ذلك منه في حق رب المال فكذلك إذا ردها عليه بتسليم الشفعة له .

ولو لم يعلم المضارب بالشفعة حتى تناقضا المضاربة واقتسما الدار التي من المضاربة على قدر رأس المال والربح ، ثم أرادا أن يأخذا الدار المبيعة بالشفعة لأنفسهما فلهما ذلك ; لأن سبب الاستحقاق لكل واحد منهما يتقرر بالقسمة ، ولا ينعدم ، فإن السبب كونه جارا للدار المبيعة بملكه في دار المضاربة ، وبالقسمة يتقرر ملك كل واحد منهما ، إلا أن حق المضاربة كان مقدما ، فإذا انعدم ذلك بقسمتها كان لكل واحد منهما حق الأخذ لنفسه ، بالشفعة كالشريك إذا سلم الشفعة فللجار أن يأخذها ، فإن طلباها جميعا فهي بينهما نصفان ، وأيهما سلم أخذ الآخر الدار كلها ; لما قلنا .

وإذا دفع الرجل إلى الرجلين مالا مضاربة فاشتريا به دارا ، ورب المال شفيعا فله أن يأخذ حصة أحدهما بالشفعة دون حصة الآخر ; لأن الصفقة تتفرق بتعدد الشريكين في حكم الشفعة .

( ألا ترى ) أنهما لو اشترياها لأنفسهما كان للشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر قبل القبض في ظاهر الرواية ، وقد بينا هذا في الشفعة ، فكذلك إذا كان المشتريان مضاربين .

وكذلك لو كان الشفيع أجنبيا فإن المضاربين في شرائهما للمضاربة في حق الشفيع كالمشتريين لأنفسهما ، حتى كان له أن يأخذها منهما بالشفعة وإن لم يحضر رب المال ، وكذلك الوكيلان .

ولو كان المضارب واحدا فأراد الشفيع أن يأخذ بعض الدار بالشفعة لم يكن له ذلك ، سواء كان الشفيع رب المال أو أجنبيا لما فيه من تفريق الصفقة على المشتري .
وإذا دفع الرجلان إلى رجل مالا مضاربة فاشترى بها دارا ، وأحد صاحبي المال شفيعها فأراد أن يأخذ بعضها بالشفعة فليس له ذلك ، إما أن يأخذها كلها أو يدع ; لأن المشتري لما كان [ ص: 149 ] واحدا كانت الصفقة في حكم الشفعة متحدة ، فلا يكون للشفيع أن يفرقها بأخذ البعض سواء كان الشفيع أجنبيا ، أو أحد ربي المال .

وكذلك الرجلان يوكلان رجلا بشراء دار كان للشفيع أن يأخذها من الوكيل جملة ، وإن كان الآمران غائبين وليس له أن يأخذ نصيب أحد الآمرين .

وإن كان المأمور اثنين فله أن يأخذ نصيب أحد الآمرين دون الآخر ; لأن المشتري لغيره في حق الشفيع كالمشتري لنفسه ، فإن المعتبر في تفريق الصفقة واجتماعها حال العاقد لا حال من وقع العقد له ، وإذا وجبت الشفعة للمضاربة فسلم أحد المضاربين الشفعة لم يكن للآخر أن يأخذها ; لأن الأخذ بالشفعة شراء ، وأحد المضاربين لا ينفرد بالشراء دون صاحبه فكذلك في الأخذ في الشفعة .

( ألا ترى ) أنه ليس لأحدهما أن يأخذ بالشفعة دون صاحبه وإن لم يسلما فبعد تسليم أحدهما أولى .

وإن كان رأس المال ألف درهم فاشترى بها المضارب دارا تساوي ألفا ، أو أقل ، أو أكثر ، وشفيعها رب المال بدار له ، ورجل أجنبي أيضا شفيعها بدار له ، أخرى ، فلهما أن يأخذا الدار نصفين ; لأن كل واحد منهما لو انفرد لاستحق الكل بالشفعة ، فإذا اجتمعا وطلباها أخذاها بينهما نصفين ، فإن سلم رب المال الشفعة ، وأراد الأجنبي أن يأخذها فالقياس أن يأخذ الأجنبي نصف الدار بالشفعة ، وليس له غير ذلك ; لأن المضارب إنما اشتراها لرب المال ، وشراء الشفيع لنفسه يكون أخذا بالشفعة ، فكذا شراء غيره له ، وأحد الشفيعين إذا سلم بعد الأخذ فليس للآخر أن يأخذ إلا النصف ، بخلاف ما إذا سلم قبل الأخذ ; لأن مزاحمته في الأخذ تنعدم بالتسليم قبل الأخذ لا بعده وفي الاستحسان للأجنبي أن يأخذ الدار كلها ، أو يدع ; لأن المضارب إنما اشترى للمضاربة ، وذلك حق آخر غير حق رب المال فيما له على الخصوص والمزاحمة بينهما باعتبار الحق الخالص لكل واحد منهما ، ولم يوجد من رب المال ، أخذ باعتبار هذا الحق ، ولا من غيره له فإنما سلم قبل الأخذ ، والدليل عليه أنه لو تمكن الأجنبي من أخذ النصف تفرقت الصفقة به على المشتري ، وليس للشفيع حق تفريق الصفقة على المشتري بالأخذ بالشفعة فلهذا يأخذ كلها أو يدع .
( قال - رحمه الله - ) : وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجر : عشرة دراهم كل شهر فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع [ ص: 150 ] الربح أجرا ; لأنه شريك في المال بحصته من الربح ، وكل من كان شريكا في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجرا فيما عمل ; لأن المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال باعتبار عمله له ، فلا يجوز أن يستوجب باعتبار عمله أيضا أجرا مسمى عليه ، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له ، وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله ، فلا يجوز أن يستوجب باعتبار عمله على رب المال أجرا ، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ، ولا أجر للمضارب في ذلك ; لأنه ما سلم عمله بحكم الإجارة على رب المال ، والمضاربة شركة ، والشركة لا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله ، وقد طعن عيسى - رحمه الله - في هذه المسألة ، وقال يجب أن يكون للمضارب أجر مثله فيما عمل ; لأن شرط الأجر المسمى ينافي موجب المضاربة فإن المضاربة جائزة غير لازمة ، فلكل واحد منهما أن يفسخها ، واشتراط الأجر المسمى يجعل العقد لازما ، وكل شرط يضاد موجب المضاربة فهو مفسد للمضاربة ، كما لو شرط للمضارب مائة درهم من الربح ، واستدل بما قاله في كتاب المزارعة في نظير هذه المسألة : أن المزارعة تفسد ، والخارج كله لصاحب البذر ، وقد قيل في الفرق بينهما : إنه قال في مسألة المزارعة على أن للمزارع أجر مائة درهم ، ولم يقل : كل شهر فصار الأجر شرطا على العمل الذي قد اشترط له نصيبه من الزرع عليه ، وفي المضاربة قال : على أن له أجرا : عشرة دراهم كل شهر ، فالأجر هناك مشروط بمقابلة منافعه لا بمقابلة العمل .

( ألا ترى ) أن بمضي المدة بعد تسليم النفس يجب الأجر وإن لم يعمل له شيئا ، وشرط الربح بمقابلة العمل فكانا في حكم عقدين ، إذا فسد أحدهما لم يفسد الآخر ، به وقيل في الفرق بينهما : المزارعة إجارة ; ولهذا شرط التوقيت فيها ، والإجارة تبطل بالشروط الفاسدة ، فأما المضاربة فشركة حتى لا يشترط فيها التوقيت ، والشركة لا تبطل بالشروط الفاسدة قوله : هذا الشرط يضاد موجب المضاربة ، قلنا : الشرط لا يضاد ذلك ، ولكن صحة الشرط واستحقاق الأجر به يوجب اللزوم ، وهذا الشرط غير صحيح هنا ، بل هو لغو كما ذكرنا فتبقى المضاربة بينهما صحيحة كما هو موجب المضاربة ، ولذلك إذا شرط ذلك الآجر لعبد له يعمل معه في المضاربة ، أو لبيت يشتري فيه ويبيع فالربح على ما اشترطا ولا أجر لعبد المضارب ، ولا لبيته ; لأن المشروط للبيت مشروط للمضارب وعليه حفظ مال المضاربة في بيته ، ولا يجوز أن يستوجب على ذلك أجرا ; ولهذا لا يجوز استئجار المرتهن على حفظ المرهون ، وعبد المضارب الذي لا دين [ ص: 151 ] عليه كسبه لمولاه ، فالمشروط له من الأجر كالمشروط للمضارب .

ولو كان العبد الذي اشترط له الأجر عليه دين ، أو كان مكاتب المضارب ، أو ولده ، أو والده فهو جائز على ما اشترطا ، وللذي عمل بالمال مع المضارب من هؤلاء عشرة دراهم كل شهر على ما اشترطا ; لأنه من كسب هؤلاء كالأجنبي ، وله أن يستأجرهم للعمل معه ، ويكون أجرهم في مال المضاربة ، فاشتراط ذلك في المضاربة لا يزيده إلا وكادة ، وليس له أن يستأجر عبده الذي لا دين عليه ، ولا بيته من نفسه ليبيع فيه ويشتري للمضاربة ، فكان اشتراط ذلك في العقد شرطا فاسدا .

ولو اشترطا أن يعمل عبد رب المال مع المضارب على أن للعبد أجرا : عشرة دراهم كل شهر ما عمل معه فهذا شرط فاسد ; لأن عبد رب المال إذا لم يكن عليه دين كنفسه .

ولو شرط عمل رب المال معه بأجر لم يجز ذلك ، ولا أجر له فيما عمل ، فكذلك إذا شرط ذلك لعبده أو لأبيه ، والربح بينهما على الشرط ; لأن الشرط الفاسد غير متمكن في صلب العقد ، بخلاف ما إذا شرط رب المال أن يعمل معه وهو بغير أجر ; لأن ذلك الشرط يعدم التخلية بين المضارب ورب المال ، وهنا الشرط لا يعدم التخلية ، فإن العبد أجير المضارب ، ويد الأجير كيده .

ولو كان عبد رب المال عليه دين فاشترط له أجرا : عشرة دراهم كل شهر ، أو اشترط ذلك لمكاتبه أو لابنه جاز ; لما بينا أن هؤلاء كأجنبي آخر فيما يشترط لهم من الأجر على العمل .

وإذا استأجر رجل رجلا عشرة أشهر كل شهر بعشرة دراهم يشتري له البز ويبيع ذلك فهو جائز ; لأنه عقد على منافعه في مدة معلومة ببدل معلوم ، فإن دفع إليه رب المال في هذه العشرة الأشهر مالا يعمل به على أن الربح بينهما نصفان فعمل به الأجير ; فالربح لرب المال ، والوضيعة عليه ، ولا شيء للأجير من الربح في قول أبي يوسف ، وقال محمد : ربح المضاربة بينهما على ما اشترطا ، ولا أجر للأجير ما دام يعمل بهذا ، وإذا عمل بغيره من ملك رب المال ; فله أجر عشرة دراهم في كل شهر حتى تنقضي هذه الشهور ; لأن اتفاقهما على المضاربة بمنزلة الفسخ منهما للإجارة ، ولكن هذا الفسخ في ضمن المضاربة فيقتصر على المنافع التي يعمل بها في مال المضاربة ، ولا تتعدى إلى ما يعمل به في غيره من مال رب المال فيستوجب الشركة في الربح باعتبار المضاربة ، والأجر بمنافعه المصروفة إلى عمله لرب المال من غير مال المضاربة ; ولأن المضاربة شركة .

ولو أن الأجير شارك رب المال بألف من ماله خلطه بمال رب المال بإذنه على أن يعمل بالمالين ، فما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان كانت الشركة جائزة على ما اشترطا ، ولا أجر للأجير ما دام يعمل بهذا المال ، [ ص: 152 ] فكذلك في المضاربة ، وأبو يوسف يقول : عقد الإجارة لا ينتقض بالمضاربة ; لأن المضاربة دون الإجارة ، فالإجارة لازمة من الجانبين ، والمضاربة غير لازمة ، ولا ينتقض الشيء بما هو دونه ; ولأن المعقود عليه في الإجارة منافعه ، وفي المضاربة العمل ، وأحدهما غير الآخر ، والعقد المضاف إلى محل لا يبطل عقدا مضافا إلى محل آخر هو أقوى منه ، ومع بقاء الإجارة لا يجوز أن تثبت له الشركة في الربح إذا اجتمع له الأجر والشركة في الحاصل بعمله ، وذلك لا يجوز ; ولأن المضارب إنما يستحق الشركة في الربح بإزاء عمل نفسه بمنافع هي له ، وهنا منافعه بعقد الإجارة مستحقة للمستأجر ، فلا يوجد ما هو موجب استحقاق الشركة في الربح ، وهذا بخلاف الشركة فإن الشريك يستحق الربح بماله لا بعمله ، فبالإجارة السابقة بينهما لا ينعدم ما به يستحق الشريك ، ولأن الشريك يعمل لنفسه في مال نفسه فلا يستوجب الأجر بهذا العمل على المستأجر ، والمضارب يعمل لرب المال وهو بعمله بالمال يستوجب الأجر هنا ، فلا يجوز أن يستوجب الشركة في الربح ، وعقد الإجارة يرد على منافعه كما قال ، ولكن المقصود هو العمل ، فإذا وجد ما هو المقصود كان البدل بمقابلته .

وإن كان تسليم النفس عند عدم العمل يقام مقامه في استحقاق الأجر كالصداق ; فإنه بمقابلة ما هو المقصود ، وإن كان تسليم المرأة نفسها قد يقام مقام ما هو المقصود في تأكيد المهر به لدفع الضرر عنها .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.53 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]