عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 24-12-2025, 04:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,736
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون

صـــ 122الى صـــ 131
(455)


( قال - رحمه الله - ) : وإذا اشترى المضارب بألف المضاربة عبدا ، أو أمة ليس له أن يزوج واحدا منهما في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - ، وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - يزوج الأمة ، ولا يزوج العبد لأن في تزويج الأمة اكتساب المال واسقاط نفقتها من مال المضاربة ، وذلك بمنزلة بيعها وإجارتها ، وتزويج العبد إضرار لا منفعة فيه للمضاربة ، ولهما أن المضارب فوض إليه التجارة في هذا المال ، والتزويج ليس من التجارة فإن التجار ما اعتادوه ، ولم نعرف في موضع من البلدان سوقا معدا للتزويج ، وفيما ليس بتجارة المضارب كغيره من الأجانب .

( ألا ترى ) أنه لا يكاتب ; لأن الكتابة ليست بتجارة وإن كان فيها اكتساب المال ، فكذلك تزويج الأمة وإن كاتب عبدا من المضاربة ، ولا فضل في قيمته على رأس المال فأدى الكتابة فهو عبد ; لأنه لو أعتقه كان عتقه باطلا ، فكذلك إذا استوفى منه بدل الكتابة ، وما أداه فهو من المضاربة ; لأنه كسب عند المضاربة ، والكسب يتبع الأصل ، فإذا كان المكتسب على المضاربة فكذلك كسبه ، وإذا كان كاتبه وفيه فضل على رأس المال ; فكتابته أيضا باطلة ; لأنه لا يمكن تنفيذها على المضاربة فإنها ليست بتجارة ، ولا يمكن تنفيذها في نصيب نفسه باعتبار ملكه ; لأن ذلك القدر يخرج من المضاربة ; فيؤدي إلى سلامة شيء للمضارب قبل وصول رأس المال ، إلى رب المال ثم هذا عبد مشترك بينهما ، وأحد الشريكين إذا كاتب فللآخر أن يفسخ الكتابة لدفع الضرر عن نفسه ، [ ص: 123 ] فهنا للمولى أن يبطل الكتابة أيضا ، فإن لم يبطلها حتى أدى البدل عتق نصيب المضارب منه ; لأنه كان علق عتقه بالأداء ، فعند استيفاء البدل منه يصير كالمعتق إياه ، وإعتاق المضارب في نصيب نفسه صحيح إذا كان في العبد فضل على رأس المال ، ثم حصة نصيب المضارب من المكاتب وهو الربع يسلم له ، وما وراء ذلك كسب ثلاثة أرباعه ، فيكون على المضارب يستوفي رب المال منه رأس المال ، وما بقي بعد ذلك اقتسماه على الشرط في الربح ، ثم رب المال بالخيار في قول أبي حنيفة - رحمه الله - إن شاء ضمن المضارب إن كان موسرا نصف قيمة العبد إذا كانت المضاربة بالنصف ، وإن شاء استسعى العبد ، وإن شاء أعتقه ; لأنه لما وصل إلى رب المال رأس المال بقي العبد كله ربحا ، فيكون بينهما نصفين ، وقد عتق نصيب المضارب منه بإعتاقه ، وهو موسر فيكون للثالث ثلاث خيارات كما هو أصل أبي حنيفة

ولو كان المضارب أعتقه على ألفي درهم ولا فضل في قيمته على رأس المال فعتقه باطل ; لأنه لا يملك إعتاق شيء منه بغير عوض لانعدام ملكه في شيء من الرقبة ، فكذلك لا يملك الإعتاق بعوض .

وإن كان فيه فضل عتق نصيبه منه بحصته من المال الذي أعتقه عليه ; لأنه في حصته يملك الإعتاق بغير عوض فيملك الإعتاق بعوض ، وشرط العتق قبول العبد جميع العوض ، وقد وجد وسلم تلك الحصة له ، ورب المال بالخيار وإن كان المضارب موسرا بين التضمين والاستسعاء والإعتاق .

إذا دفع الرجل إلى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى ببعضها عبدا فرهنه المضارب بدين عليه من غير المضاربة لم يجز ، كان في العبد فضل على رأس المال ، أو لم يكن ; لأنه صرف مال المضاربة إلى حاجة نفسه ، والرهن نقيض الاستيفاء ، وليس له أن يوفي دين نفسه بمال المضاربة قبل القسمة ، فكذلك لا يرهن به ، فإن رهنه بدين من المضاربة وفيه فضل ، أو ليس فيه فضل فالرهن جائز ; لأنه يملك إيفاء دين المضاربة بمال المضاربة فيملك الرهن أيضا ، وهذا ; لأنه من صنيع التجار ، والمضارب فيما هو من صنيع التجار بمنزلة المالك ولو لم يرهنه ولكن العبد استهلك مالا لرجل أو قتل دابة فباعه المضارب في ذلك دون حضور رب المال ، أو دفعه إليهم بدينهم أو قضى الدين عنه من مال المضاربة فذلك جائز ; لأن ما فعله من صنيع التجار .

أما البيع فلا يشكل ، وكذلك قضاء الدين عنه ; لأن فيه تخلص المالية فيكون بمنزلة فكاك الرهن بقضاء الدين ، وهذا بخلاف جنايته في بنى آدم ، فإن موجب الجناية الدفع ، أو الفداء ، وليس ذلك من التجارة فليس تستند المضاربة به .

ولو أذن المضارب لهذا العبد في [ ص: 124 ] التجارة ولم يقل له رب المال في المضاربة . اعمل برأيك

جاز ذلك على رب المال ; لأن الإذن في التجارة من التجارة وبمطلق العقد يملك المضارب ما هو من التجارة في مال المضاربة مطلقا ، فإن اشترى العبد عبدا من تجارته فجنى عبده جناية لم يكن للعبد أن يدفعه ، ولا يفديه حتى يحضر رب المال والمضارب ، وهذا بخلاف العبد المأذون من جهة مولاه إذا اشترى عبدا فجنى جناية ، فإن للمأذون أن يدفعه أو يفديه ; لأن هناك العبد استفاد الإذن ممن يخاطب بموجب جنايته ، فكذلك هو بعد انفكاك الحجر يخاطب بموجب جناية عبده فيخير بين الدفع والفداء .

وأما عبد المضاربة فاستفاد الإذن من جهة من لا يكون مخاطبا بموجب جنايته ، فكذلك هو لا يكون مخاطبا بموجب جناية عبده في الدفع ، أو الفداء قبل حضور رب المال والمضارب وهذا ; لأن المأذون من جهة المضارب لا يكون أحسن حالا في التجارة من المضارب ، فإذا كان المضارب لا ينفرد بدفع عبد المضاربة بالجناية ولا بالفداء من مال المضاربة قبل أن يحضر رب المال ; فكذلك المأذون من جهته ; لأن كسب هذا المأذون مال المضاربة لنفسه .
وإذا دفع الرجل مال ابنه الصغير مضاربة بالنصف ، أو بأقل ، أو بأكثر فهو جائز ; لأنه مأمور بقربان ماله بالأحسن ، وقد يكون الأحسن هذا ، فقد لا يجد من يحتسب بالتصرف في ماله ، ولا يتفرغ لذلك ; لكثرة أشغاله ، وإن استأجر من يتصرف في ماله وجب الأجر ، حصل الربح أو لم يحصل فكان أنفع الوجوه للصبي أن يجعل المتصرف شريكا في الربح التابع في النظر لأجل نصيب نفسه من الربح ، ولا يغرم الصبي له شيئا إن لم يحصل الربح .

وكذلك لو أخذه لنفسه مضاربة ; لأن منفعة الصغير في هذا أبين فإنه أشفق على ماله من الأجنبي ، ويكون المال عنده محفوظا فوق ما يكون عند الأجنبي .

ولو أخذ الأب لابنه الصغير مال رجل مضاربة بالنصف ، على أن يعمل به الأب للابن فعمل به الأب فربح فالربح بين رب المال والأب نصفان ، ولا شيء للابن من ذلك ; لأن الربح في المضاربة يستوجب بالعمل ، وإذا كان العمل مشروطا على الأب فما يقابله من الربح يكون له وهذا ; لأنه يعمل بمنافعه وهو العقد على منافع نفسه ، ولا يكون نائبا عن الابن فكانت الإضافة إلى الابن لغوا إذا كان العمل مشروطا على الأب .

ولو كان مثله يشتري ويبيع فأخذه الأب على أن يشتري به الغلام ويبيع ، والربح نصفان فالمضاربة جائزة ، والربح بين رب المال والابن نصفان ; لأنه ممن يملك التصرف عند الإذن له في التجارة ، والأب نائب عنه فيما هو من عقود التجارة ، وفيما هو [ ص: 125 ] من عقود التجارة عليه ، وأخذ المال له المضاربة بتلك الصفة ، فمباشرة الأب له كمباشرته بنفسه أن لو كان بالغا .

وكذلك لو عمل به الأب للابن بأمره ; ولأنه استعان بالأب في إقامة ما التزم من العمل بعقد المضاربة .

ولو استعان بأجنبي آخر كان عمل الأجنبي له بأمره كعمله بنفسه ، فكذلك إذا استعان فيه نائبه وإن كان الابن لم يأمره بالعمل ; فهو ضامن للمال ; لأن رب المال إنما رضي بتصرف الصبي لا بتصرف أبيه فيكون الأب في التصرف فيه كأجنبي آخر ، بخلاف مال الصبي فله ولاية التصرف فيه شرعا لكونه قائما مقام الصبي ، وإن ثبت أنه في هذا التصرف كأجنبي آخر كان غاصبا ضامنا للمال ، والربح له يتصدق به ; لأنه استفاده بكسب خبيث ، والوصي في جميع ذلك بمنزلة الأب ; لأنه بعد موته قائم مقامه فيما يرجع إلى النظر للصغير في ماله .
إذا دفع المكاتب مالا مضاربة بالنصف أو بأقل ، أو بأكثر ، أو أخذ مالا مضاربة فهو جائز ، وكذلك العبد المأذون له في التجارة ; لأن هذا من عمل التجار ، وكذلك الصبي المأذون له في التجارة ; لأنه منفك الحجر عنه فيما هو من صنيع التجار كالعبد ، وإن دفعه الصبي بغير إذن أبيه أو وصيه ، وهو غير مأذون في التجارة فعمل به المضارب فهو ضامن له ; لأنه غاصب للمال ، فإذن الصبي له في التصرف ودفعه المال إليه بدون رأي الولي باطل ، وإذا كان غاصبا ضمن المال وملك المضمون بالضمان ، والربح له ويتصدق به والله أعلم .
( قال رحمه الله ) : ولا بأس بأن يأخذ المسلم من النصراني مالا مضاربة ; لأنه من نوع التجارة والمعاملة ، أو هو توكيل من رب المال إياه بالتصرف فيه ، ولا بأس للمسلم أن يلي البيع والشراء للنصراني بوكالته ، ويكره للمسلم أن يدفع إلى النصراني مالا مضاربة وهو جائز في القضاء ، كما يكره أن يوكل النصراني بالتصرف في ماله وهذا ; لأن المباشر للتصرف هنا النصراني ، وهو لا يتحرز عن الزيادة ، ولا يهتدي إلى الأسباب المفسدة للعقد ، ولا يتحرز عنها اعتقادا .

وكذلك يتصرف في الخمر والخنزير ، ويكره للمسلم أن ينيب غيره منابه في التصرف فيها ، ولكن هذه الكراهة ليست لعين المضاربة ، والوكالة فلا تمتنع صحتها في القضاء .

ولا يكره للمسلم أن يدفع ماله إلى مسلم ونصراني مضاربة ; لأن النصراني لا يستبد بالتصرف في هذا المال دون المسلم ، والمسلم [ ص: 126 ] لا يمكنه من الربا والتصرف في الخمر ، فكان دفعه إليهما مضاربة كالدفع إلى المسلمين .
ولا ينبغي للمضارب ولا لرب المال أن يطأ جارية اشتراها للمضاربة كان فيها فضل على رأس المال ، أو لم يكن ، ولا يقبلها ، ولا يلمسها ; لأنه إن لم يكن فيها فضل فهي ملك رب المال ، ليست بزوجة للمضارب ولا بملك يمين ، ولكن للمضارب فيها حق نسبة الملك ، حتى إن رب المال لا يملك أخذها منه ولا نهي المضارب عن التصرف فيها ، فكان المضارب ممنوعا عن التصرف ، والتي يختص بالملك فيها والوطء ودواعيه من هذه الجملة ، وكان رب المال ممنوعا من ذلك لقيام حق المضارب فيها ، وفي المضاربة الصغيرة قال : إذا لم يكن فيها فضل فأحب إلي أن لا يطأها رب المال ، ولا يعرض لها بشيء من هذا .

ولو فعل لم يكن آثما فيه ; لأنه خالص ملكه .

وحق المضارب في المالية وحل الوطء ينبني على ملك المتعة ، وإنما يستفاد ذلك بملك الرقبة دون ملك المالية .

وإن كان فيها فضل فهي بمنزلة جارية مشتركة بين اثنين ، فلا يحل لواحد منهما أن يطأها ; لأن حل الوطء ينبني على ملك المتعة ، وإنما يستفاد ذلك بكمال ملك الرقبة وببعض العلة لا يثبت شيء من الحكم ولو زوجها رب المال من المضارب ، فإن كان فيها فضل ; فالنكاح باطل ; لأن المضارب يملك مقدار حصته منها ، وملك جزء منها كملك جميع الرقبة في المنع من النكاح ابتداء وبقاء ، وإذا بطل النكاح بقيت على المضاربة كما كانت ، وإن لم يكن فيها فضل جاز النكاح ، كما لو زوجها من أجنبي آخر ; لأن ولاية التزويج تستفاد بملك الرقبة كولاية الإعتاق ولو أعتقها رب المال ، أو دبرها نفذ ذلك منه ، فكذلك إذا زوجها وقد خرجت من المضاربة ; لأن التزويج ليس من التجارة ، وتنفيذ المولى فيها تصرفا ليس من التجارة ، بل يكون إخراجا لها من المضاربة ، فليس للمضارب أن يبيعها بعد ذلك .

( ألا ترى ) أن المولى لو زوج أمته من كسب عبده المأذون ولا دين عليه من المأذون أو غيره جاز النكاح ، وخرجت الجارية من التجارة حتى لا يملك المأذون بيعها بعد ذلك فكذلك المضارب .

وإذا اشترى المضارب بمال المضاربة جارية ثم أشهد بعد ذلك أنه اشتراها لنفسه شراء مستقلا بمثل ذلك المال أو بربح ، وكان رب المال أذن له أن يعمل فيه برأيه ، أو لم يأذن فإن شراءه لنفسه باطل ، ولا ينبغي له أن يطأها وهي على المضاربة على حالها ; لأنه يشتري من نفسه لنفسه وأحد لا يملك ذلك غير الأب في حق ولده الصغير ، وهذا المعنى يضاد الأحكام .

وإن كان حين اشتراها بمال المضاربة أشهد أنه يشتريها لنفسه فإن كان رب المال أذن له في ذلك ; فذلك جائز وما اشترى فهو له ، وهو [ ص: 127 ] ضامن لرب المال ما نقد ; لأنه قضى بمال المضاربة دين نفسه ، فإن ثمن ما اشترى لنفسه يكون عليه .

وإن كان رب المال لم يأذن له في ذلك ; فالجارية على المضاربة ; لأنه أضاف الشراء إلى مال المضاربة وهو لا يملك التصرف في مال المضاربة إلا للمضاربة ، والمأمور بالتصرف لا يعزل نفسه في موافقته أمر الآمر كالوكيل بشراء شيء بعينه ، إذا اشترى ذلك الشيء لنفسه ; يكون مشتريا لرب المال ; لأنه يريد عزل نفسه في موافقة أمر الآمر . فأما إذا كان أذن له في ذلك فيتمكن من التصرف في هذا المال إلا للمضاربة ، ويصير رب المال بهذا الإذن كالمقرض للمال منه إن اشترى به لنفسه . وإن كان اشتراها على المضاربة ، وفيها فضل فأراد المضارب أن يأخذها لنفسه فباعها إياه رب المال بربح ; فذلك جائز ويستوفي رب المال من ذلك رأس ماله ، وحصته من الربح ، وقد خرج المال من المضاربة ; لأن رب المال ولو باعها من غيره برضاه جاز ، فكذلك إذا باعها منه ، وأكثر ما فيه أن للمضارب فيها شركة ، وشراء أحد الشريكين من صاحبه جائز في نصيبه ، ثم قد خرج المال من المضاربة ; لأنه حين اشتراها لنفسه فقد تحول حكم المضاربة إلى ثمنها ، والثمن مضمون في ذمة المضاربة ومن شرط المضاربة كون المال أمانة في يد المضارب ، فإذا صار مضمونا عليه بطلت المضاربة .

ولو كان رب المال أراد أخذ الجارية لنفسه فباعها إياه المضارب بزيادة على رأس المال ; فهو جائز عندنا ، وهو قول زفر لا يجوز ; لأن الملك فيها لرب المال حقيقة ، وللمضارب فيها حق وبيع الحق لا يجوز ، ولنا أن هذا تصرف مفيد ; لأنه يخرج به من المضاربة ما كان فيها ، ويدخل به في المضاربة ما لم يكن فيها وهو الثمن ، ومبنى التصرفات الشرعية على الفائدة ، فمتى كان مفيدا كان صحيحا كالمولى إذا اشترى عبدا من عبده المأذون المديون ، ويكون الثمن هنا على المضاربة ; لأن شرط المضاربة ما انعدم بصيرورة الثمن دينا في ذمة رب المال ، فإن العينية شرط ابتداء المضاربة ، فأما في حالة البقاء في ذمة رب المال وكونه في ذمة أجنبي آخر فسواء ، بخلاف الأول فيكون المال أمانة في يد المضارب بشرط بقاء العقد وابتدائه ، فإذا صار مضمونا عليه قلنا بأن المضاربة تبطل .

وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا مضاربة بالنصف فارتد المضارب ، أو دفعه إليه بعد ما ارتد ، ثم اشترى وباع فربح ، أو وضع ثم قتل على ردته ، أو مات ، أو قتل بدار الحرب جاز جميع ما فعل من ذلك ، والربح بينهما على ما اشترطا ; لأن توقف تصرفاته عند أبي حنيفة - رحمه الله - لتعلق حق ورثته بماله ، أو لتوقف ملكه باعتبار توقف نفسه ، وهذا المعنى لا يوجب تصرفه في مال المضاربة ; لأنه نائب فيه عن رب المال ، وهو [ ص: 128 ] متصرف في منافع نفسه ، ولا حق لورثته في ذلك ; فلهذا نفذ تصرفه ، والعهدة في جميع ما باع واشترى على رب المال في قول أبي حنيفة ; لأن حكم الردة نيط بردته ، وقد بينا ذلك في ردة الوكيل وهذا ; لأنه لو لزمته العهدة لكان قضى ذلك من ماله .

فإذا نحيت العهدة عنه بأن قتل على ردته تعلق بما انتفع بتصرفه بمنزلة الصبي المحجور عليه إذا توكل بالشراء للغير ، أو بالبيع في قول أبي يوسف ومحمد ، وحاله في التصرف بعد الردة كحاله قبل الردة ، فالعهدة عليه ، ويرجع بذلك على رب المال ، وإن كان المضارب امرأة فارتدت ، أوكانت مرتدة حين دفع المال إليها ثم فعلت ذلك ; كانت العهدة عليها كما لو تصرفت لنفسها وهذا ; لأن المرتدة لا توقف نفسها ما دامت في دار الإسلام ولا يوقف مالها أو تصرفها أيضا ، بخلاف المرتد قال : ولو لم يرتد المضارب وارتد رب المال أو كان مرتدا ، ثم اشترى المضارب وباع فربح ، أو وضع ، ثم قتل المرتد أو مات أو لحق بدار الحرب فإن القاضي يجيز البيع ، والشراء على المضاربة والربح له ويضمنه رأس المال في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - هو على المضاربة ; لأن رب المال حين ارتد فقد توقفت نفسه ، وصار بحيث لا يملك التصرف بنفسه ، فكذلك لا يتملك المضارب التصرف له ، ولكن ينفذ تصرفه في الشراء والبيع على نفسه ، ويضمن ما نقد من مال المضاربة ، وعند أبي يوسف ومحمد : تصرفه نافذ على المضاربة ، ثم على قول أبي حنيفة - رحمه الله - ينفذ شراؤه على نفسه غير مشكل ، ولكن الإشكال في تنفيذ بيعه ، وإنما ينفذ بيعه ; لأن ردة رب المال بعد ما صار المال عروضا كموته ، وقد بينا أنه يملك البيع بعد موت رب المال ، فلا بد من تنفيذ بيعه لذلك ثم شراؤه بعد ذلك بالمال على نفسه .

ولو لم يدفع ذلك إلى القاضي حتى رجع المرتد مسلما ، جاز جميع ذلك على المضاربة كما اشترطا ، وهذا بخلاف الوكالة فإن الموكل إذا ارتد ولحق بدار الحرب ، ثم عاد مسلما جاز جميع ذلك على المضاربة كما اشترطا وهذا بخلاف الوكالة فإن الموكل إذا ارتد ولحق بدار الحرب ثم عاد مسلما لم يعد الوكيل على وكالته .

أما إذا لم يتصل قضاء القاضي بلحاقه ; فلأن هذا بمنزلة الغيبة ، فلا يوجب عزل الوكيل ، ولا بطلان المضاربة ، وأما بعد الالتحاق والقضاء به فالوكيل إنما ينعزل بخروج محل التصرف عن ملك الموكل إلى ملك ورثته ، وذلك مبطل للوكالة ، والوكالة بعد ما بطلت لا تعود إلا بالتجديد ، وهو غير مبطل للمضاربة لمكان حق المضارب ، كما لو مات حقيقة وهذا الفرق فيما ينشأ من التصرف بعد عود رب المال ، فأما فيما كان أنشأ من التصرف ، فإن كان قد قضى [ ص: 129 ] القاضي بلحاقه لا ينفذ ذلك التصرف على المضاربة بعد ما نفذ على المضارب نفسه ، كما لو مات حقيقة فإن كان لم يقض القاضي بلحاقه فهو كما لو غاب ، ثم رجع قبل اللحوق بدار الحرب وأسلم ; فينفذ جميع ذلك على المضاربة .

ولو كان لرب المال امرأة مرتدة كان جميع ذلك جائزا على المضاربة إن أسلمت ، أو لم تسلم ; لأنها تملك التصرف بعد الردة ، فكذلك ينفذ تصرف المضارب لها بعد ردتها .

وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا مضاربة بالنصف فارتد رب المال ، ولحق بدار الحرب فلم يقض في ماله بشيء حتى رجع مسلما ، وقد اشترى المضارب بالمال ، أو باع ورب المال في دار الحرب ، فذلك كله جائز على المضاربة ; لأن اللحوق بدار الحرب إذا لم يتصل به قضاء القاضي بمنزلة الغيبة .

ولو كان المضارب هو الذي ارتد ولحق بدار الحرب واشترى به في دار الحرب وباع ، ثم رجع بالمال مسلما فإن له جميع ما اشترى وباع من ذلك ، ولا ضمان عليه في المال ; لأنه لما لحق بالمال دار الحرب فقد تم استيلاؤه عليها ; لأنه حربي أدخل مال المسلم دار الحرب بغير رضاه ، وهذا الاستيلاء يوجب الملك له في المال ، فتصرفه بعد ذلك لنفسه لا للمضاربة ولا ضمان عليه في المال ; لأنه صار مستوليا مخالفا بعد الإحراز بدار الحرب .

ولو استهلك بعد ذلك لم يكن عليه ضمان ; لأن الموجب للتقوم في هذا المال كان هو الإحراز بدار الإسلام ، وقد انقطع ذلك .

( ألا ترى ) أنه لو لحق مرتدا ثم عاد فأخذ المال فاستهلكه لم يكن عليه ضمان ، فكذلك إذا أدخله مع نفسه في دار الحرب .

وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة فاشترى بها ، ثم ارتد رب المال ولحق بدار الحرب أو قتل مرتدا ، ثم باع المضارب العرض جاز بيعه على المضاربة ; لأنه لو مات رب المال حقيقة كان للمضارب بيع العروض بعد ذلك ، فكذلك إذا قتل أو مات مرتدا ، وإن كان المال في يده دراهم لم يكن له أن يشتري بها شيئا اعتبارا للموت الحكمي بالموت الحقيقي ، وإن كانت دنانير فليس له أن يشتري بها عين الدراهم ، وإن كان غيرهما كان له أن يبيعه بما بدا له حتى يصير في يده دراهم أو دنانير .
وإذا دخل الحربي إلينا بأمان فدفع إليه مسلم مالا مضاربة بالنصف فأودعه الحربي مسلما ، ثم رجع إلى دار الحرب ، ثم دخل إلينا بعد ذلك بأمان وأخذ المال من المستودع فاشترى به وباع فهو عامل لنفسه ، ويضمن لرب المال رأس ماله ; لأنه لما عاد إلى دار الحرب التحق بحربي لم يكن في دارنا قط ، وذلك ينافي عقد المضاربة بينه وبين المسلم ; لأن ما هو أقوى من المضاربة وهو عصمة النكاح منقطع بتباين الدارين حقيقة وحكما ، فانقطاع المضاربة بهذا السبب أولى ، فإذا [ ص: 130 ] بطلت المضاربة كان هو في التصرف غاصبا ضامنا لرب المال رأس ماله .

ولو أن الحربي دخل بالمال دار الحرب فاشترى به وباع هناك فهو له ولا ضمان عليه ; لأنه صار مستوليا على المال حين دخل دار الحرب بغير إذن رب المال ، وتم إحرازه لها فيكون متملكا متصرفا فيه لنفسه ، وبعد الإسلام هو غير ضامن لما يملكه على المسلم بالاستيلاء ، وإن كان رب المال أذن له في أن يدخل دار الحرب فيشتري به ويبيع هناك ، فإني أستحسن أن أجيز ذلك على المضاربة ، وأجعل الربح بينهما على ما اشترطا ، إن أسلم أهل الدار ، ورجع المضارب إلى دار الإسلام مسلما ، أو معاهدا ، أو بأمان وفي القياس هو متصرف لنفسه ; لأن المنافي للمضاربة قد تحقق برجوعه إلى دار الحرب وإن كان بإذن رب المال بعد تحقق المنافي لا يمكن تنفيذ تصرفه على المضاربة ، فيكون متصرفا لنفسه بطريق الاستيلاء على المال ، ووجه الاستحسان : أنه ما دخل دار الحرب إلا ممتثلا أمر رب المال ، ولا يكون مستوليا على ماله فيما يكون ممتثلا فيه أمره ، وإذا انعدم الاستيلاء كان تصرفه في دار الحرب وفي دار الإسلام سواء .

( ألا ترى ) أن رب المال لو بعث بماله إليه ليتصرف فيه له جاز ، وتكون الوديعة في ذلك التصرف على رب المال والربح له ، فكذلك إذا أدخله مع نفسه بإذن رب المال ، وإن ظهر المسلمون على تلك الدار ، والمال في يد المضارب فربح فيه واشترى عرضا - فيه فضل أو لا فضل فيه - قال رب المال : يستوفي من المضاربة رأس ماله وحصته من الربح ، وما بقي فهو فيء للمسلمين ; لأن الباقي حصة الحربي ، والحربي صار فيئا بجميع أمواله ، فأما قدر رأس المال وحصته من الربح ، فهو حق رب المال ، ورب المال مسلم ، ماله مصون عن الاغتنام كنفسه ، وقيل : هذا قول أبي حنيفة فأما عندهما فينبغي أن يكون جميع المال فيئا ; لأنه مال المسلم في يد الحربي ، ولا حرمة ليده ، وأصل الخلاف في مسلم أودع ماله عند حربي في دار الحرب ، ثم خرج إلى دار الإسلام ، ثم ظهر المسلمون على الدار فعند أبي حنيفة هذا ، وما لو أودعه عند مسلم أو ذمي سواء ، فلا يكون فيئا ، وعند أبي يوسف ومحمد يد المودع على الوديعة لا تكون أقوى من يده على مال نفسه ، ويد الحربي على مال نفسه لا تكون دافعة للاغتنام ، فكذلك يده على الوديعة .

وإذا دخل الحربيان دار الإسلام بأمان ، فدفع أحدهما إلى صاحبه مالا مضاربة بالنصف ، ثم دخل أحدهما دار الحرب لم تنتقض المضاربة ; لأنهما من أهل دار الحرب ، والذي بقي منهما في دار الإسلام كأنه في دار الحرب حكما .

( ألا ترى ) أنه يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب وأن زوجته التي في دار الحرب ، لا تبين منه ، فانتقاض المضاربة بين المسلم [ ص: 131 ] والحربي الراجع إلى دار الحرب كان حكما لتباين الدارين ، وذلك غير موجود هنا .

ولو أن أحد الحربيين دفع إلى مسلم مالا مضاربة بالنصف ، ثم دخل المسلم دار الحرب لم تنتقض المضاربة ، وكذلك إن كان المضارب ذميا ; لأنه من أهل دار الإسلام ، فإن دخل دار الحرب تاجرا حتى لا تبين زوجته التي في دار الإسلام فيكون هذا السفر في حقه بمنزلة السفر إلى ناحية أخرى من دار الإسلام .
ولو دفع أحد الحربيين إلى صاحبه مالا مضاربة على أن له من الربح درهما فالمضاربة فاسدة ، وهما في ذلك بمنزلة المسلمين ، والذميين ; لأن المضاربة من المعاملات ، وقد التزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات حين دخلوا دارنا بأمان للتجارة ، فما يفسد بين المسلمين يفسد بينهم ، إلا التصرف في الخمر والخنزير .

وكذلك حكم المسلمين في المضاربة الفاسدة في دار الحرب ودار الإسلام سواء ; لأن المسلم ملتزم أحكام الإسلام حيثما يكون ، فإذا دخل المسلم والذمي دار الحرب بأمان فدفع إلى حربي مالا مضاربة بربح مائة درهم ، أو دفعه إليه الحربي فهو جائز في قول أبي حنيفة ، ومحمد ، والربح بينهما على ما اشترطا حتى إذا لم يربح إلا مائة درهم ، فهي كلها لمن شرط له ، والوضيعة على رب المال ، وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - المضاربة فاسدة ، وللمضارب أجر مثله ، وحالهما في ذلك كحالهما في دار الإسلام ، وهو بناء على مسألة الربا فإنه لا يجري بين المسلم والحربي في دار الحرب عن أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - خلافا لأبي يوسف - رحمه الله - والعقود الفاسدة كلها في معنى الربا .

وإن كان ربح أقل من مائة درهم ، فذلك للمضارب ، ولا شيء على رب المال غيره ; لأنه إنما شرط له المائة من الربح ، فلا يلزمه أداء شيء من محل آخر ، وهكذا إن لم يربح شيئا فلا شيء له على رب المال ; لأن محل حقه قد انعدم ، ولا وجه لإثبات الحق له في محل آخر لانعدام السبب .

وإذا دفع المسلم المستأمن في دار الحرب مالا مضاربة إلى رجل قد أسلم هناك ولم يهاجر إلينا بربح مائة درهم ، وأخذ منه ذلك جاز على ما اشترطا في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - المضاربة فاسدة ، وهو بمنزلة الربا أيضا ، فإن عند أبي حنيفة الذي أسلم ولم يهاجر في حكم الربا كالحربي ، وعندهما كالتاجر المسلم في دار الحرب ، وقد بينا المسألة في الصرف والله أعلم بالصواب .
( قال رحمه الله ) : وإذا دفع الرجل إلى رجل مالا مضاربة ، ولم يقل له : اعمل فيه برأيك ، فدفع [ ص: 132 ] المضارب المال إلى رجل وقال له : اخلطه بمالك هذا ، أو بمالي ثم اعمل بهما جميعا فأخذه الرجل منه ، فلم يخلطه حتى ضاع من يده فلا ضمان على المضارب ولا على الذي أخذه منه ; لأنه بمنزلة الوديعة في يده ما لم يخلطه ، والمضارب بمطلق العقد يملك الإيداع والإبضاع فلا يصير هو بالدفع مخالفا ، ولا القابض بمجرد القبض منه غاصبا ما لم يخلطه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.91 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]