عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 24-12-2025, 04:32 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون

صـــ 112الى صـــ 121
(454)


فإن أعتق أحدهما قبل صاحبه عتق الأول كله ، وولاؤه له ويعتق من الثاني نصفه ; لأنه حين نفذ عتقه في الأول منهما ، قد وصل إليه كمال رأس ماله وبقي العبد الآخر ربحا ، والربح مشترك بينهما نصفان فهو بإعتاق الثاني ، أعتق عبدا مشتركا بينه وبين غيره ، وحكم هذا في الخيار ، والاستسعاء ، والتضمين معروف ، ولو كان المضارب اشترى بها عبدين يساوي أحدهما ألفين والآخر ألفا فأعتقهما المضارب معا ، أو متفرقين وهو موسر فعتقه في دين قيمته ألف درهم باطل ; لأنه لا فضل في قيمته على رأس المال ، فلا يملك هو شيئا منه ، وأما الذي قيمته ألفان فالمضارب مالك لربعه حين أعتقه فيعتق منه ربعه ، ثم باع الذي قيمته ألف درهم فيستوفي رب المال من ذلك رأس ماله ; لأن رأس المال يحصل من شراء الأموال ، وذلك مالية العبد الذي لقي فيه عتقه بطريق البيع ، فقد تعذر البيع في معتق العبد فإذا وصل إليه رأس ماله ظهر أن العبد الثاني كله ربح ، وأن نصيب المال منه ألف درهم فيضمن المضارب ذلك لرب المال إن كان موسرا ، ويرجع بها على العبد في قول أبي حنيفة ويستسعيه أيضا في خمسمائة تمام نصيبه ; لأنه حين أعتق ما كان يملك منه إلا الربع ، فإن حدث له ملك في ربع آخر بعد ذلك بأن وصل إلى رب المال رأس ماله لا ينفذ ذلك العتق فيه ; فلهذا يستسعيه في هذا الربع لتتميم العتق .

ولو لم يعتقهما المضارب ، وأعتقهما رب المال في كلمة واحدة ، فالعبد الذي قيمته ألف جزء من مال رب المال ، ولا سعاية عليه ، وأما العبد الذي قيمته ألفان فثلاثة أرباعه جزء من مال رب المال ; لأن عتقه إنما نفذ فيه بقدر ملكه فيهما وقت الإعتاق ، وقد كان مالكا جميع العبد الأوكس ; لأنه لا فضل فيه على رأس المال وثلاثة أرباع الأرفع فينفذ عتقه في ذلك القدر ، وأما الربع الباقي فإن كان رب المال موسرا فالمضارب في قول أبي حنيفة - رحمه الله - بالخيار : إن شاء أعتق ذلك الربع ، وإن شاء استسعى العبد فيه ، وإن شاء ضمنه رب المال ويرجع به رب المال على العبد .

وإن كان معسرا : فإن شاء أعتق ، وإن شاء استسعى ، وهذا ظاهر وضمن المضارب أيضا رب المال تمام حصته من الربح ، وذلك خمسمائة موسرا كان أو معسرا ; لأنه بالإعتاق صار متلفا مقدار ألفين وخمسمائة : ألف من ذلك رأس ماله ، وألف وخمسمائة ربح ، وقد وصل إلى [ ص: 113 ] المضارب خمسمائة ، إما بالتضمين أو بالاستسعاء فيسلم مثله لرب المال بقي ألف درهم بما أنفقه : فنصفها حصة المضارب ; فلهذا غرم له خمسمائة موسرا كان أو معسرا .

والحاصل أن كل شيء زاد به نصيب المضارب بعد عتق رب المال فالضمان فيه على رب المال ، ولا ضمان فيه على العبد ، وكل ما كان الملك فيه ظاهرا للمضارب وقت إعتاق رب المال ، فالحكم فيه بالتضمين والاستسعاء يختلف باليسار والإعسار ، كما بينا ، ثم رب المال لا يرجع على العبد بما ضمن للمضارب من هذه الخمسمائة الأخرى ; لأنه التزم ذلك بالإتلاف فإن كان رب المال أعتق الذي قيمته ألفان أولا عتق منه ثلاثة أرباعه لما بينا ، ثم تبين بوصول رأس المال إلى رب المال أن الآخر كله ربح مشترك بينهما فإنما ينفذ عتق رب المال في نصفه فالحكم فيه بمنزلة الحكم في العبد المشترك يعتقه أحد الشريكين .

وإن كان أعتق الذي قيمته ألف درهم أولا عتق الأول كله وصار رب المال مستردا جميع رأس ماله فيظهر أن الآخر كله ربح ، وأنه مشترك بينهما ، وإنما ينفذ عتق رب المال في نصفه وللمضارب الخيار في نصيبه ، كما بينا .
ولو اشترى بألف عبدين كل واحد منهما يساوي ألفا فأعتقهما المضارب معا ، أو أحدهما قبل صاحبه ، ثم فقأ رب المال عين أحدهما ، أو قطع يده فقد صار مستوفيا نصف رأس ماله ; لأن العين من الآدمي نصفه فصار متلفا نصفه بفقء العين ، أو قطع اليد .

ولو كان العبد الأجنبي يضمن نصف قيمته خمسمائة ، فإذا كان من مال المضاربة صار مستوفيا نصف رأس ماله ، ثم ظهر الفضل في العبد الآخر ; لأن الباقي من رأس المال خمسمائة وقيمته ألف إلا أن العتق الذي كان من المضارب قبل ذلك فيه باطل ; لأنه سبق الملك فلا ينفذ ، وإن ظهر الملك من بعده ، وإن أعتقهما المضارب بعد ذلك لم يجز عتقه في المجني عليه ; لأنه لا فضل فيه عما بقي من رأس المال ، وأما العبد الآخر فيعتق منه ربعه نصف الفضل على ما بقي من رأس المال فيه ، ثم يباع المجني عليه فيدفع إلى رب المال تمام رأس ماله ، ويضمن المضارب إن كان موسرا لرب المال نصف قيمة العبد الذي جاز عتقه فيه ; لأنه ظهر أن جميعه ربح وأن نصفه لرب المال ; فيضمن المضارب له ذلك إذا كان موسرا ضمان العتق ، ويرجع به على العبد ، ويرجع عليه أيضا بمائتين وخمسين درهما ، وهذا قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأنه ظهر ملكه في نصفه إلا أن أعتقه حين عتق ، ما نفذ إلا في ربعه فيستسعيه في قيمة ربعه لتتميم العتق فيه .

وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها جارية تساوي ألفا فولدت ولدا يساوي ألفا فادعاه المضارب فدعواه باطلة ; لأن كل [ ص: 114 ] واحد منهما مشغول برأس المال ، ولا فضل فيه ، وكل واحد منهما معتبر بانفراده فدعوته حصلت في غير ملكه فهو ضامن لعقر الجارية ; لأنه أقر بوطئها وهي مملوكة لرب المال فعليه عقرها لما سقط الحد عنه بالشبهة ، وله أن يبيع الجارية وولدها ، فقد أبهم الجواب هنا وهو على التقسيم ، فإن كانت جاءت بالولد منذ اشتراها لأقل من ستة أشهر فله أن يبيعها ، ولكن لا يلزمه العقر ; لأنا تيقنا أن الوطء سبق شراؤه ، فلا يوجب عليه العقر للمضاربة .

وإن كانت جاءت به لأكثر من ستة فعليه العقر ، وله أن يبيعها ما لم يستوف رب المال منه عقرها ، فإن استوفى عقرها وهو مائة درهم صحت دعوته وثبت نسب الولد منه ، وصارت الجارية أم ولد له ; لأن ما وصل إلى رب المال وهو مائة درهم محسوب من رأس ماله ، فإنما يبقى من رأس ماله تسعمائة ، وفي قيمة كل واحد منهما فضل على ما بقي من رأس المال فتصح دعواه ، ثم يغرم لرب المال من قيمة الجارية تسعمائة تمام رأس ماله وخمسين درهما مما بقي ، موسرا كان أو معسرا ; لأن ضمان الاستيلاد ضمان تملك فلا يختلف باليسار والإعسار ، ولهذا لا يعتمد الصنع ، فإذا غرم له تسعمائة فقد وصل إليه تمام رأس ماله ، وصارت المائة الباقية من قيمتها ربحا بينهما فيغرم حصة رب المال من ذلك خمسين درهما .

وأما الولد فهو ربح كله ، ويعتق نصيب المضارب منه وهو النصف ويستسعى في نصف قيمته لرب المال ، ولا ضمان على المضارب في ذلك وإن كان موسرا ; لأنه كالمعتق له ، وضمان الإعتاق لا يجب إلا بالصنع ، وإنما عتق نصيبه هنا حكما لظهور الفضل في قيمة كل واحد منهما على رأس المال ، فإن لم يبع واحد منهما ، ولم يستوف رب المال عقرها حتى زادت الجارية فصارت تساوي ألفين فهي أم ولد للمضارب ; لأنه ظهر الفضل في قيمتها على رأس المال فيملك المضارب حصته منها ، وهو الربع فتصير أم ولد له ; لأنه بدعواه نسب الولد ، قد أقر أنها أم ولد له والإقرار بالاستيلاد إذا حصل قبل الملك يوقف على ظهور الملك في المحل ، وبعد الملك يصير كالمجدد له ، ثم الاستيلاد لا يحتمل الوصف بالتحري في المحل فصار هو متملكا نصيب رب المال منها ، وذلك ثلاثة أرباعها : ألف وخمسمائة ، ألف رأس ماله ، وخمسمائة ربح فعليه قيمة ثلاثة أرباعها موسرا كان أو معسرا ; لأنه ضمان التملك ، وأما الولد فهو رقيق على حاله ما لم يؤد ما عليه من قيمة الأم ، أو يأخذ رب المال شيئا من المقر ; لأنه لا فضل فيه على رأس المال ، وله أن يبيعه فإن لم يبعه حتى صار يساوي ألفين فإنه يصير ابن المضارب ، ويعتق منه ربعه ; لأنه ظهر الفضل في قيمته على رأس المال فملك المضارب نصيبه من الربح ، وذلك ربع [ ص: 115 ] الولد فيعتق ذلك القدر عليه ، بخلاف ما سبق إنه إذا أعتقه ولا فضل فيه على رأس المال ، ثم ظهر الفضل فيه لم ينفذ ذلك العتق ; لأن إنشاء العتق متى سبق الملك لم ينفذ بحدوث الملك في المحل بعده .

ودعوى النسب إذا سبقت الملك نفذ لحدوث الملك في المحل بعده باعتبار أن سببه لا يحتمل الفسخ بحال ، وهو كونه مخلوقا من مائه ، ثم لا ضمان على المضارب فيه ; لأنه عتق حكما لظهور الفضل في قيمته ، وضمان العتق يعتمد الصنع ، وحين وجد منه الصنع وهو الدعوى لم يعتق شيء منه ; لأن علة العتق القرابة والملك فإن ما يضاف إلى آخر الوصفين وجودا ، وقد حصل ذلك حكما بغير صنعه ; ولهذا لو ورث بعض قريبه لم يضمن لشريكه شيئا ، بخلاف الأم فإن ضمان الاستيلاد ضمان تملك وهو لا يعتمد الصنع .

( ألا ترى ) أنه لو ورث بعض أم ولده يضمن لشريكه نصيبه ، فإن استوفى رب المال من المضارب ألف درهم صار ما بقي من الابن وما بقي على المضارب من قيمة الأم وعقرها على المضاربة ربحا كله ، فإن كان العقر مائة درهم ضمن رب المال المضارب الألف كلها ، والمائة الدرهم ، فإذا أخذها كان للمضارب مثل ذلك من الولد فيعتق من الولد قدر ألف درهم ومائة ، ويبقى تسعمائة فهو بين المضارب وبين رب المال نصفين فيعتق حصة المضارب ، ويستسعى الولد لرب المال في حصته أربعمائة وخمسين ، ولرب المال من ولاء الولد عشره وربع عشره وإلا والباقي للمضارب في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وهذا اللفظ سهو فإن لرب المال من ولاء الولد خمسه وربع عشره ; لأن قيمة الولد ألفان ، والذي عتق منه على ملك رب المال قدر أربعمائة وخمسين وأربعمائة خمس الألفين ، والخمسون ربع العشر فإن العشر مائتان فعلمنا أن له من الولاء خمسه وربع عشره ، والباقي للمضارب ، وقد طعن عيسى - رحمه الله - في هذا الجواب فقال : هو خطأ ; لأن الباقي بعد الألف الذي استوفاها رب المال ، كله ربح بينهما نصفان ، فلا يكون حصة المضارب من الولد خاصة ، ولكن المضارب يضمن نصف ما بقي من نصف قيمة الأم ، ونصف العقر واستسعى الولد في نصف قيمته ، واستشهد بالمسألة التي ذكرها في آخر الباب ، فإنه خرجها على هذا الوجه فقال : تلك صحيحة وهي تنقض هذه المسألة فقال مشايخنا - رحمهم الله - ما ذكره عيسى هو القياس ، ولكن ما ذكره محمد - رحمه الله - نوع استحسان ، وإنما أخذ به هنا لزيادة العتق في الولد .

فأما لو سلكنا طريق القياس لم يعتق الولد مجانا إلا بصفة ، وإذا صرنا إلى ما ذكره محمد - رحمه الله - يعتق من الولد ثلاثة أرباعه وربع عشره مجانا ، ومبنى العقد على الغلبة والسراية ، فيترجح الطريق الذي فيها تكثير العتق ، [ ص: 116 ] ثم الفرق بين هذه المسألة وبين تلك بيناه آخر الباب .

ولو كان المضارب معسرا لا يقدر على الأداء فأراد رب المال أن يستسعي الجارية في رأس ماله وحصته من الربح لم يكن له ذلك ; لأن ذلك دين على المضارب ولا سعاية على أم الولد في دين مولاها ، وإن أراد أن يستسعي الولد كان له ذلك في الألف ، وخمسمائة ألف درهم رأس ماله وخمسمائة حصته من الربح في الولد ; لأن نصيب المضارب من الولد وهو الربع عتق بالدعوى فعليه السعاية في نصيب رأس المال وهو ثلاثة أرباعه وهذا ; لأن الولد يعتق بأداء السعاية ، والاستسعاء لتتميم العتق صحيح ، فأما أم الولد فلا تعتق بأداء السعاية ; فلهذا لا يلزمها السعاية في دين مولاها ثم لرب المال ثلاثة أرباع ولاء الولد ; لأن هذا القدر عتق على ملكه بأداء السعاية إليه ، ويرجع على المضارب بنصف قيمة الأم ونصف العقد ; لأنها مع عقرها كله ربح فيسقط عن المضارب حصته من ذلك ، ويغرم حصة رب المال ، فإذا أدى ذلك إلى رب المال فأراد أن يرجع بشيء مما سعى فيه على واحد منهما لم يكن له ذلك ; لأن عوض ما سعى فيه قد حصل له وهو ذلك القدر من رقبته .

ولو كان المضارب حين اشترى الجارية بالألف وهي تساوي ألفا فولدت ولدا يساوي ألفا فلم يدعه ، ولكنه ادعاه رب المال فهو ابنه ، والأم أم ولد له ، ولا يغرم للمضارب شيئا من عقر ولا قيمة جارية ; لأن الجارية كلها مملوكا لرب المال ، إذ لا فضل فيها على رأس المال ، فاستيلاده حصل في خالص ملكه ، وذلك نقض منه للمضاربة بمنزلة ما لو استردها بالإعتاق فلم يلزمه عقرها وقد علق الولد حر الأصل ولا شيء للمضارب قبله من قيمتها ، ولا من قيمة ولدها . وكذلك لو كان الولي يساوي ألفين ; لأن نسبه ثبت من وقت العلوق وإنما علق حر الأصل فلا معتبر بقيمته قلت أو كثرت .

ولو كانت الأم تساوي ألفين غرم ربع قيمتها ، وثمن عقرها للمضارب ; لأنه حين استولدها كان الربع منها للمضارب فيغرم له ربع قيمتها ، وقد لزمه ربع عقرها أيضا باعتبار ملك المضارب لكن هذا الربع من العقر ربح بينهما نصفان ; فتسقط حصته من ذلك ، ويغرم حصة المضارب وهو ثمن عقرها ، ولا ضمان عليه في الولد ; لأنه علق حر الأصل فإن أصل العلوق حصل في ملكه فتستند دعواه إلى تلك الحالة ، ويكون الولد حر الأصل .

ولو كان المضارب هو الذي وطئ الجارية وقيمتها ألفان فجاءت بولد فادعاها المضارب بعد ما ولدته وقيمته ألف درهم فالولد ولد المضارب ; لأنه كان مالكا لربعها حين استولدها وذلك يكفي لثبوت نسب الولد بالدعوى ، ولا ضمان عليه فيه وهو عبد ; لأنه لا يملك شيئا من الولد فإنه [ ص: 117 ] لا فضل في قيمته على رأس المال .

ولو اشترى المضارب ابنا معروفا له بمال المضاربة ولا فضل فيه على رأس المال لم يعتق عليه ، فكذلك إذا ثبت النسب بدعواه ويغرم لرب المال ثلاثة أرباع قيمة الجارية ; لأن نصيبه منها صار أم ولد له ، وصار به متملكا نصيب رب المال وهو ثلاثة أرباعها ; فلهذا يغرم ثلاثة أرباع قيمتها ويغرم له ثلاثة أثمان العقر ولكن ذلك ربح كله فيقسط نصف حصة المضارب ويضمن لرب المال حصته من ذلك ، وهو ثلاثة أثمان عقرها فإذا قبض رب المال ذلك عتق نصف الولد ; لأن الولد صار ربحا كله فيعتق نصيب المضارب منه وهو النصف ، ويسعى في نصف قيمته لرب المال ، ولا ضمان على المضارب فيه ; لأن العتق حصل حكما بحدوث ملكه فيه .

ولا يقال : كان ينبغي أن يكون الولد حر الأصل كما في جانب رب المال ; لأن رب المال صار ناقضا للمضاربة باسترداد رأس المال عنه عند الاستيلاد ، والمضارب لا يتمكن من ذلك فلا يسلم له شيء من الربح ما لم يسلم رأس المال لرب المال ; فلهذا كان الولد رقيقا وإنما يعتق إذا سلم رأس المال لرب المال ، ولو كانت الجارية تساوي ألفا فولدت ولدا يساوي ألفا فادعاه المضارب فغرمه رب المال المقر وهو مائة درهم وأخذها صارت الجارية أم ولد للمضارب ويعتق الولد ويثبت نسبه لظهور الفضل في قيمة كل واحد منهما على ما بقي من رأس المال ويضمن المضارب من قيمة الأم تسعمائة وخمسين درهما تسعمائة ما بقي من رأس المال ، وخمسون حصة رب المال من المائة التي هي ربح في الجارية ، فإذا قبضها رب المال عتق نصف الولد من المضارب ، ويسعى في نصف قيمته لرب المال ، وولاؤه بينهما نصفان ; لأن الولد كله ربح بينهما نصفين ، وهذه هي المسألة التي استشهد بها عيسى - رحمه الله - والفرق بينهما وبين الأول على جواب الكتاب من وجهين : أحدهما أن في هذا الموضع سبب عتق الولد : اشترك فيه المضارب ورب المال ، فلهذا لا يجمع نصيب المضارب من الربح في الولد كله وهناك لا صنع لرب المال في السبب الموجب للعتق في الولد ، وإنما السبب ظهور الفضل في قيمته على رأس المال ; فلهذا يجمع جميع نصيب المضارب من الربح في الولد لدفع الضرر عن رب المال بوصوله إلى جميع نصيبه بالتضمين في الحال .

والثاني : أن الجمع هناك لتغليب العتق ، وذلك لا يقوى هناك ; لأن تفاوت ما بين الجمع والتفريق نصف عشر الولد ، فالربح من الجارية قدر المائة ، وإن جعلنا ذلك كله لرب المال لا يزداد العتق للولد إلا بقدر نصف العشر ، وذلك قليل ; فلهذا لم يشتغل بالجمع هنا .

وإن كان المضارب معسرا وقد أدى العقر فلرب المال أن يستسعي الولد بتسعمائة وخمسين [ ص: 118 ] درهما : تسعمائة بقية رأس ماله ; لأنه لا وجه لاستسعاء الجارية في ذلك فإنها أم ولد فلا يلزمها السعاية في دين مولاها ، ولكن يستسعي الولد في ذلك ليعتق ، ثم المائة الباقية منه ربح فيسعى لرب المال في نصفها ، ويكون لرب المال من الولد تسعة أعشاره ، ونصف عشره ويكون له نصف قيمة الأم دينا على المضارب في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأن الأم صارت ربحا كلها ، وإنما يضمن المضارب لرب المال مقدار حصته منها بالاستيلاد ، وذلك النصف والله أعلم .

( قال - رحمه الله - ) : رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى وباع وربح ، ثم اشترى ببعضها عبدا يساوي ألفا فقتله رجل عمدا فلا قصاص فيه لاشتباه المتوفى ; لأن في الحال العبد كله مشغول برأس المال ، فالقصاص لرب المال دون المضارب ، وباعتبار المال المضارب شريك ; لأن رب المال باستيفاء القصاص لا يصير مستوفيا رأس ماله ، فإن القصاص ليس بمال فلا بد أن يستوفي ما بقي من المال بحساب رأس المال ، وإذا استوفى ذلك ظهر في العبد فضل على ما بقي من رأس المال فيكون المضارب شريكا بقدر حصته من الربح ، وليس لأحد الشريكين أن ينفرد باستيفاء القصاص ، فإن قيل : كان ينبغي أن يجتمعا في استيفاء القصاص قلنا : هذا غير ممكن أيضا ، فإن المضارب يصير مستوفيا لنفسه شيئا قبل أن يصل إلى رب المال كمال رأس ماله ، وذلك لا يجوز وبه فارق العبد المرهون إذا قتل عمدا ، واجتمع الراهن والمرتهن في استيفاء القصاص فإن لهما ذلك في قول أبي حنيفة ، وأحد الروايتين عن أبي يوسف - رحمهما الله - وفي قول محمد - رحمه الله - وهو أحد الروايتين عن أبي يوسف - رحمه الله - ليس لهما ذلك ; لأن حق المرتهن مع حق الراهن فيه بمنزلة حق المضارب مع حق رب المال هنا ، والفرق بينهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن هناك الحق لا يعد وهما ، وليس في اجتماعهما على استيفاء القصاص ما يتضمن مخالفة حكم الشرع ، بل مالية الرهن تصير تاوية به ويسقط الدين ، وذلك مستقيم بتراضيهما وهنا في اجتماعهما على الاستيفاء سلامة شيء للمضارب قبل وصول كمال رأس المال إلى رب المال .

يوضحه أن هناك الراهن هو المالك لجميع العبد في الحال والمآل ، وللمرتهن حق فيشترط رضاه ليتمكن المالك من استيفاء القصاص ، وهنا المالك رب المال في الحال ، وباعتبار المآل المضارب شريك في المآل وهو نظير المكاتب إذا قتل عن وفاء وله وارث سوى المولى لا يجب القصاص [ ص: 119 ] لاشتباه المستحق .

ولو كان المضارب اشترى بالألف المضاربة عبدا يساوي ألف درهم فقتله رجل عمدا فالقصاص واجب لرب المال ; لأن العبد قتل على ملكه ولا شركة للغير فيه باعتبار الحال والمال إذ لا فضل في المال على رأس المال فيجب القصاص له على القاتل ، وقد خرج العبد عن المضاربة ; لأن القصاص الواجب ليس بمال ، وقد صار مال المضاربة بحال لا يتأتى فيه التصرف بيعا ولا شراء ; فلهذا يخرج من المضاربة كما لو أعتقه رب المال ، فإن صالحه على ألف درهم كانت لرب المال من رأس ماله ، وإن صالحه على ألفي درهم استوفى رب المال من ذلك رأس ماله ، وما بقي بمنزلة الربح بينهما على ما اشترطا ; لأن القود الواجب كان مثلا لمال المضاربة ، وقد صار ذلك القود بالصلح مالا ، والمال عوض عن ذلك القود ، وحكم العوض حكم المعوض إلا أنه كان لا يظهر حق المضارب في القود ; لأنه ليس بمال ، والربح لا يظهر ما لم يصل رأس المال إلى رب المال .

فأما هنا العوض مال فيظهر نصيب المضارب فيه إذا وصل رب المال رأس ماله وهو نظير الموصي له بالثلث لا حق له في القصاص ، فإن وقع الصلح عنه على مال ; ثبت فيه حق الموصي له .

ولو كان المضارب اشترى العبد بألف المضاربة وهو يساوي ألفين فقتله رجل عمدا فلا قصاص عليه ، وإن اجتمع على طلبه رب المال والمضارب ; لأن رب المال لا ينفرد باستيفاء القصاص هنا للشركة التي كانت للمضارب في العبد حين قتل ، ولا يجوز أن يجتمعا على الاستيفاء ; لأن رب المال باستيفاء القصاص لا يصير مستوفيا رأس ماله ، فيؤدي إلى أن يستوفي المضارب شيئا لنفسه قبل أن يصل إلى رب المال رأس ماله ; فلهذا لا يجب القصاص أصلا . ومتى تعذر إيجاب القصاص في العمد المحض يجب بدل المقتول في مال القاتل ، وبدل المقتول قيمته هنا فيأخذ المضارب قيمة العبد من القاتل في ماله في ثلاث سنين ; لأن وجوب المال بنفس القتل فيكون مؤجلا ، وإن كانت العاقلة لا تعقله لكونه عمدا كالأب إذا قتل ابنه عمدا ثم هذه القيمة على المضاربة يشتري بها ، ويبيع بمنزلة ما لو غصب العبد غاصب وتلف في يده .

ولو كانت قيمته ألف درهم ، أو أقل فقتل العبد رجلا عمدا فادعى ذلك أولياؤه على العبد ، وأقاموا عليه البينة بذلك ، والمضارب حاضر ورب المال غائب لم يقض على العبد بالقصاص حتى يحضر رب المال وكذلك إن حضر رب المال والمضارب غائب ما لم يقض بالقصاص حتى يحضر المضارب ; لأن الملك لرب المال ، واليد للمضارب وهي يد مستحقة له .

( ألا ترى ) أنه يتمكن من التصرف باعتبارها على وجه لا يملك رب المال نهيه عن ذلك ; فنزل هو منزلة المالك ، [ ص: 120 ] واشتراط حضور المالك في القضاء بالبينة على العبد بالقود قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وفي قول أبي يوسف الآخر لا يشترط ذلك ; لأن العبد في حكم دمه مبقى على أصل الحرية ، وعندهما للمولى حق الطعن في الشهود ، فلا يجوز تفويت ذلك الحق عليه بالقضاء بالبينة حال غيبته ، وقد بينا المسألة في الآبق ، فحال غيبة المضارب على الخلاف أيضا ، ولا خلاف أن العبد لو أقر بالقتل عمدا فإنه يقضى عليه بالقود حضرا أو لم يحضرا ; لأن الإقرار ملزم بنفسه ، وليس لهما حق الطعن في إقراره .

ولو أقر العبد بذلك وهما حاضران يكذبانه فيه ، وللمقتول وليان فعفا أحدهما فإن حق ولي الآخر باطل ; لأن صحة إقراره باعتبار أن المستحق به دمه ، وهو خالص حقه ، وبعد عفو أحد الوليين المستحق للآخر هو المال ، وإقراره في استحقاق الملك والمالية على مولاه باطل ، كما لو أقر بجناية خطأ .

وكذلك لو كان المضارب صدقه ; لأن العبد كله مشغول برأس المال فالمضارب فيه كالأجنبي ، وباعتبار لا ينفذ إقراره كالمرتهن إذا أقر بذلك على المرهون ، فإن كان في العبد فضل فقيل له ادفع نصف حصتك إلى الولي الذي لم يعف أو افده لأنه ملك حصته من الفضل .

ولو أقر بجناية خطأ خوطب بالدفع أو الفداء ، فكذلك بجناية العمد بعد عفو أحد الوليين في نصيب الآخر فإذا احتال أحدهما بطلت المضاربة ; لأنه لو اختار الدفع فقد صار مملكه ذلك القدر من جهة نفسه لا على وجه التصرف في مال المضاربة ، وإن اختار الفداء فقد سلم له ذلك القدر بما أدى من الفداء ، وذلك يبطل عقد المضاربة فيه ، وإذا بطل حكم المضارب في بعض رأس المال ; بطل في كله فيأخذ رب المال من العبد قدر رأس ماله وحصته من الربح ، ويأخذ المضارب نصف حصته الذي بقي .

ولو لم يكن في دفعه إلا إثبات الشركة للغير في مال المضاربة لكان ذلك مبطلا للمضاربة ، ولو كان المضارب أنكر ما أقر به العبد ، وأقر به رب المال وقيمته ألف أو أقل قيل لرب المال : ادفع نصفه أو افده بنصف الدية ; لأن العبد كله مملوك لرب المال فإقراره عليه بالجناية الموجبة للمال صحيح ، فإن دفعه ; كان النصف الباقي على المضاربة ، ورأس المال فيه خمسمائة ; لأنه في حق المضارب صار هو مستوفيا نصفه بالدفع فيكون ذلك محسوبا عليه من رأس ماله .

وإن كانت قيمته أقل من ألف طرح من الألف قدر قيمة ما استهلك رب المال من العبد بالدفع ، ورأس ماله ما وراء ذلك والباقي على المضاربة ، يتمكن المضارب من التصرف فيه .

ولو كانت قيمته ألفي درهم صدق رب المال على حصته من ذلك وهو ثلاثة أرباع العبد فيقال له : ادفع نصف حصتك أو افده ويسلم لرب المال [ ص: 121 ] نصف حصته من العبد ، ويكون للمضارب حصته من العبد وهو الربع ; لأن المولى حين أقر عليه بالجناية كان العبد مشتركا بينه وبين المضارب أرباعا ، فإنما يعمل إقراره في نصيبه دون نصيب المضارب .

ولو اشترى المضارب بألف المضاربة عبدا قيمته ألف درهم فجنى جناية خطأ لم يكن للمضارب أن يدفعه بالجناية ; لأن العبد كله مملوك لرب المال ، فالدفع بالجناية تمليك لا بطريق التجارة فلا يملكه المضارب بعقد المضاربة ، كالتمليك بالهبة والصدقة وكإبطال الملك فيه بالإعتاق وإن فداه كان متطوعا في الفداء ; لأنه لا ملك له في العبد ، وهو غير مجبر على هذا الفداء فهو فيه كأجنبي آخر ، وكان العبد على المضاربة على حاله ; لأنه فرغ من الجناية بالفداء ، فإن كان رب المال حاضرا قيل له : ادفعه أو افده ; لأنه هو المالك لجميع العبد حين جنى ، والمالك هو المخاطب بالدفع أو الفداء ، فإن اختار الفداء ; أخذه ولم يكن للمضارب عليه سبيل ; لأنه سلم له العبد بما أدى من الفداء ، فصار هو في حق المضارب كالتاوي حين أبى المضارب أن يفديه فلا يبقى له حق فيه باعتبار يده ، وإن أراد دفعه فقال المضارب : أنا أفديه ويكون على المضاربة ; لأني أريد أن أبيعه فأربح فيه كان له ذلك ; لأن له في العبد يدا معتبرة ، وباعتبارها يتمكن من التصرف على وجه لا يملك رب المال منعه عن ذلك فيكون هو متمكنا من استدامة يده بأداء الفداء ; لأنه لا يبطل بالفداء شيئا من حق رب المال ، ورب المال بالدفع يبطل حق المضارب .

ولو كان المضارب غائبا لم يكن لرب المال أن يدفعه ، وإنما له أن يفديه ; لأنه ليس في الفداء إبطال اليد المستحقة للمضارب فيه ، بل فيه تقرير يده بعد ما أشرفت على الفوات ، وفي الدفع تفويت يده فلا يملكه إلا بمحضر من المضارب ; لأن له أن يختار الفداء إذا حضر ، فلا يملك رب المال أن يبطل عليه خياره .

ولو كان المضارب اشترى ببعض المضاربة عبدا فجنى جناية خطأ وفي يد المضارب من المضاربة مثل الفداء أو أكثر لم يكن له أن يفديه بالمال الذي في يده ; لأن الفداء من الجناية ليس من التجارة ، وليس له أن يتصرف في مال المضاربة على غير وجه التجارة ، وإنما له أن يفديه من مال نفسه إن أحب .
ولو كان اشترى بألف المضاربة عبدا يساوي ألفين فجنى جناية خطأ تحيط بقيمته أو أقل منها لم يكن لواحد منهما أن يدفعه حتى يحضرا جميعا ; لأن العبد مشترك بينهما ربعه للمضارب ، وثلاثة أرباعه لرب المال ، وأحد الشريكين في العبد لا ينفرد بدفع جميع العبد ، وأيهما فداه فهو متطوع في الفداء ; لأن في نصيب شريكه هو غير مجبر على الفداء ، ولا مضطر إلى ذلك لإحياء ملكه فكان متبرعا فيه فإن حضرا واختارا [ ص: 122 ] الدفع دفعاه وليس لهما شيء ، وإن اختار الفداء فالفداء عليهما أرباعا على قدر ملكهما فيه ، وقد خرج العبد من المضاربة وليس للمضارب بيع نصيب رب المال منه ; لأنه إنما سلم له بما أدى من الفداء ، والمضارب قد رضي بفوات يده وحقه فيه حين أبى الفداء في حصة رب المال ، فإن اختار رب المال الفداء ، واختار المضارب الدفع فكل واحد منهما يختص بملك نصيبه وله ما اختار في نصيبه من دفع أو فداء ، وقد وقعت القسمة بينهما ، وخرج العبد من المضاربة ; لأن رب المال إن دفع نصيبه وفدى المضارب نصيبه ، فقد تميز نصيب أحدهما من الآخر ، وكذلك إن كان المضارب دفع نصيبه وتميز أحدهما من نصيب الآخر ; لا يكون إلا بعد القسمة ; فلهذا جعل ذلك قسمة بينهما وإبطالا للمضاربة ; ولأن بالتخيير في حق كل واحد يثبت في نصيبه حكم ، ليس ذلك من حكم المضاربة فيتضمن ذلك بطلان المضاربة بينهما ، والله أعلم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.92 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.59%)]