
24-12-2025, 04:28 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,912
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون
صـــ 102الى صـــ 111
(453)
ولو دفع إلى رجل مالا مضاربة بالنصف ، وقال له : اعمل برأيك فدفعه المضارب إلى رجل مضاربة بالثلث فعمل به وربح فللمضارب الآخر ثلث الربح ، وللأول سدسه ، ولرب المال نصفه ; لأن دفعه إلى الثاني مضاربة كان بإذن رب المال حين قال له : اعمل برأيك ، فالمضارب بهذا اللفظ يملك الخلط والشركة والمضاربة في المال ; لأن ذلك كله من رأيه ، وهو من صنيع التجار إلا أن رب المال شرط لنفسه نصف جميع الربح فلا يكون للمضارب الأول أن يوجب شيئا من ذلك لغيره ، بل ما أوجبه للثاني ، وهو ثلث الربح ينصرف إلى نصيبه خاصة ، كأحد الشريكين في العبد إذا باع ثلثه .
وإذا كان المشروط للمضارب الأول نصف الربح ، وقد أوجب للثاني الثلث بقي له السدس ، وذلك طيب له بمباشرة العقدين وإن لم يعمل بنفسه شيئا .
( ألا ترى ) أنه لو أبضع المال مع غيره أو أبضعه رب المال له حتى ربح كان نصيب المضارب من الربح طيبا له ، وإن لم يعمل بنفسه شيئا ، وإن دفع الثاني إلى ثالث مضاربة وقد كان الأول قال للثاني : اعمل فيه برأيك فهو جائز ، والمضارب الثاني فيه بمنزلة الأول ; لأنه قال : اعمل فيه برأيك فله أن يخلطه بماله وأن يشارك فيه ، وأن يدفعه إلى غيره مضاربة وهذا بخلاف الوكيل إذا قال له الموكل : اعمل برأيك فوكل غيره ، وقال للثاني : اعمل برأيك لم يصح هذا منه حتى لا يكون للثاني أن يوكل غيره ; لأن الوكيل نائب محض لا حق له في المال ، فليس للأول أن يسوي غيره بنفسه في تفويض الأمر إلى رأيه على العموم ، بل هو نائب عن الموكل في توكيل الثاني به ، فأما المضارب فله في المال نوع حق من حيث إنه شريك في الربح فيكون له أن يفوض الأمر إلى رأي غيره على العموم فيما يعامله من عقد المضاربة .
ولو لم يقل له الأول للثاني لم يكن للثاني أن يدفعه مضاربة ، وله أن يبضعه ويستأجر فيه بمنزلة الأول ، ولو لم يقل له رب المال : اعمل فيه برأيك وهذا ; لأن المضارب لا يستغني عن الأعوان والأجراء لتتميم مقصود رب المال .
وإذا دفع مالا مضاربة إلى رجل على أن للعامل من الربح مائة درهم ، وقال له : اعمل فيه برأيك فدفعه المضارب إلى غيره بالنصف فربح فيه ، أو وضع فالربح كله لرب المال ، والوضيعة عليه ; لأن المضارب غير مخالف في دفعه المال إلى غيره مضاربة ، فقد قال له رب المال : اعمل فيه برأيك والمضاربة الفاسدة تعتبر بالمضاربة الجائزة في [ ص: 103 ] الحكم ، فكما أنه في العقد الجائز بهذه الصورة لا يصير مخالفا بالدفع إلى غيره مضاربة ، فكذلك الفاسدة إلا أنه لا حق للأول في الربح ، فلا يستحق الثاني بشرطه شيئا من غير الربح ولكن عمل المضارب الثاني كعمل الأول ، فالربح كله لرب المال ، والوضيعة عليه ، وعلى رب المال أجر مثل المضارب الأول فيما عمل المضارب الآخر ، وللمضارب الآخر مثل نصف الربح في مال المضارب الأول ; لأنه صار مغرورا من جهته .
وقد استحق الربح من يده بعد حصوله فيرجع عليه بمثل ما أوجبه له .
ولو كان الأول أخذ المال مضاربة بالنصف ، وقيل له : اعمل فيه برأيك فدفعه مضاربة إلى آخر ، على أن له من الربح مائة درهم ، فعمل به الثاني فللثاني أجر مثله على المضارب في تلك المضاربة لما بينا : أنه بمنزلة الأجير له ، ولكن الإجارة فاسدة .
ولو كانت صحيحة كان رجوعه في مال المضاربة فكذلك في الإجارة الفاسدة ، والربح بينه وبين رب المال على الشرط ; لأن عمل أجيره كعمله بنفسه .
ولو كان رب المال حين دفعه إلى الأول قال : على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بيننا نصفان ، أو قال : ما كان في ذلك من رزق فهو بيننا نصفان ، أو قال : خذ هذا المال مضاربة بالنصف ، وقال : اعمل فيه برأيك فدفعه المضارب إلى آخر مضاربة بالثلث فربح فللمضارب الآخر ثلث الربح وللأول سدسه ، ولرب المال نصفه ; لأن رب المال بهذه الألفاظ يكون شارطا نصف ربح جميع المال لنفسه ، فما أوجبه المضارب الأول للآخر يكون من نصيبه خاصة حتى لو دفعه الأول إلى الثاني مضاربة بالنصف ، فنصف الربح للمضارب الثاني ونصفه لرب المال ، ولا شيء للمضارب الأول ; لأنه حول جميع نصيبه إلى الثاني .
فإن كان المضارب الأول شرط للثاني ثلثي الربح فللمضارب الثاني نصف الربح ; لأن إيجاب المضارب الأول للثاني إنما يتم سببا لاستحقاقه فيما هو نصيب الأول ، وهو النصف دون الزيادة على ذلك ، ثم يرجع الثاني على الأول في ماله خاصة بسدس الربح أيضا ; لأنه صار مغرورا من جهته ، فإنه شرط له الثلثين ولم يسلم له إلا النصف ، وهذا الشرط من المضارب الأول غير صحيح في إبطال استحقاق رب المال ، أما في حق نفسه فهو صحيح ، وقد التزم سلامة ثلثي الربح للثاني ، فإذا لم يسلم إلا النصف رجع عليه بالسدس إلى تمام الثلثين ، ولا ضمان على المضارب الأول ; لأن رب المال قال له : اعمل برأيك فلا يصير هو مخالفا بإيجاب الشركة للغير في ربح المال .
ولو قال رب المال للأول : ما ربحت في هذا من شيء فهو بيننا نصفان ، أو : ما رزقك الله فيه ، أو قال : على أن ما كان لك فيه من فضل ، أو ربح أو [ ص: 104 ] قال : على أن ما كسبت فيه من كسب ، أو قال : على أن ما رزقك الله فيه من شيء ، أو قال : على أن ما صار لك فيه من ربح فهو بيننا نصفان ، وقال له : اعمل فيه برأيك ودفعه الأول إلى آخر مضاربة بالنصف ، أو بثلثي الربح ، أو بخمسة أسداس الربح كان ذلك كله صحيحا ، وللثاني من الربح جميع ما شرط له ، والباقي بين الأول ورب المال نصفان ; لأن رب المال بهذه الألفاظ ما شرط لنفسه نصف جميع الربح ، وإنما شرط لنفسه نصف ما يحصل للأول من الربح ; لأنه أضاف بحرف الخطاب وهو الكاف ، أو التاء فما شرطه الأول للثاني قل أو كثر لا يتناول شيئا مما شرط رب المال لنفسه ، فيستحق الثاني جميع ما شرط له ، وما وراء ذلك جميع ما حصل للمضارب الأول ، وإنما شرط رب المال لنفسه نصف ذلك ، فلهذا كان الباقي بينهما نصفين ، بخلاف الأول فرب المال هناك شرط نصف جميع ربح المال لنفسه ; لأنه أضاف الرزق والربح إلى المال دون المضارب الأول .
وإذا دفع رب المال ماله مضاربة على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينه وبين المضارب نصفان ، وقال له : اعمل فيه برأيك فدفعه الثاني إلى الثالث مضاربة بالثلث فعمل به وربح فيه فللثالث ثلث الربح ; لأن ما أوجبه الثاني له ينصرف إلى نصيبه خاصة وللثاني سدس الربح ; لأن هذا القدر هو الباقي من نصيبه ، فلرب المال نصف الربح ، ولا شيء للمضارب الأول ; لأنه أوجب للثاني جميع نصيبه حين شرط له النصف .
ولو كان المضارب الأول دفعه إلى الثاني وشرط عليه أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بيننا نصفان ، وقال له : اعمل فيه برأيك فدفعه الثاني إلى ثالث مضاربة بالثلث فللمضارب الآخر ثلث الربح كله ، وسدس الربح بين المضارب الثاني والأول نصفان ، ونصف الربح لرب المال ; لأن رب المال شرط لنفسه جميع الربح ، والأول إنما شرط للثاني نصف ما رزق الله ، وذلك سدس الربح فكان بينهما نصفين ، ولو كان رب المال قال للأول : ما رزق الله من شيء والمسألة بحالها فالمضارب الآخر يأخذ ثلث الربح ، ويقاسم المضارب الثاني المضارب الأول الثلثين نصفين ; لأن الأول إنما أوجب للثاني نصف ما رزقه الله تعالى ، والذي رزقه الله تعالى ما وراء نصيب الثالث ، فكان ذلك بينهما نصفين ويقاسم رب المال المضارب الأول ثلث الربح الذي وصل إليه نصفين ; لأن رب المال إنما شرط لنفسه نصف ما رزق المضارب الأول ، والذي رزق الأول هذا الثلث فكان بينهما نصفين والله أعلم .
[ ص: 105 ] قال - رحمه الله - : ) وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فربح ألفا فاقتسما الربح ، وأخذ كل واحد منهما خمسمائة لنفسه ، وبقي رأس مال المضاربة في يد المضارب على حاله حتى هلك ، أو عمل بها فوضع فيها ، أو توى بعد ما عمل فيها فإن قسمتها باطلة ، والخمسمائة التي أخذها رب المال تحتسب من رأس ماله ، فيغرم له المضارب الخمسمائة التي أخذها لنفسه فيكون له من رأس ماله ، وما هلك فهو من الربح ; لأن الربح لا يتبين قبل وصول رأس المال إلى رب المال قال عليه الصلاة والسلام مثل المؤمن كمثل التاجر لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأس ماله ، فكذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم له عزائمه ، أو قال فرائضه وهذا ; لأن رأس المال أصل ، والربح فرع وما بقي من رأس المال في يد المضارب فهو أمين فيه ، فإذا هلك من عمله ، أو من غير عمله لا يكون مضمونا عليه ، ولكن يجعل ما هلك كأن لم يكن فتبين أن الباقي من المال كان مقدار الألف وصل إلى رب المال من ذلك خمسمائة وما أخذه لنفسه فهو مضمون عليه فيغرم لرب المال الخمسمائة التي أخذها ، حتى يصل إليه كمال رأس ماله ، وقسمة الربح هنا قبل وصول رأس المال إلى رب المال بمنزلة قسمة الوارث التركة مع قيام الدين على الميت .
ولو أن الورثة عزلوا من التركة مقدار الدين وقيموا ما بقي ، ثم هلك المعزول قبل أن يصل إلى الغرماء بطلت القسمة ، وعليهم ضمان ما أخذوا لحق الغرماء ، فكما أن حق الغرماء سابق على حق الورثة في التركة ، فكذلك هنا حق رب المال سابق على حقهما في الربح .
وكذلك لو هلك أيضا ما أخذه كل واحد منهما لنفسه ; لأن ما أخذ رب المال محسوب عليه من رأس ماله ، فيستوي هلاكه في يده وبقاؤه ، وما هلك في يد المضارب كان مضمونا عليه ; لأنه أخذه لنفسه وأخرجه عن المضاربة بأخذه ، فبقاؤه وهلاكه في يده سواء .
ولو كان الربح ألفين وأخذ كل واحد منهما ألفا من الربح ، ثم ضاع المال كله ولم يقبض رب المال رأس ماله من المضاربة فإن الألف التي قبض رب المال هو رأس ماله ; لأن قسمة الربح بعد انتهاء العقد بوصول رأس المال إلى يد رب المال ، أو إلى يد وكيله ، فأما مع بقاء المال في يد المضارب ، وقيام عقد المضاربة فلا يصح قسمة الربح بينهما ، فيجعل ما هلك كأن لم يكن ، وتبين أن ما قبضه رب المال هو رأس ماله ، وأن الربح كله ما أخذه المضارب ، وقد أخذه لنفسه فكان مضمونا عليه فيغرم نصف تلك الألف لرب المال حصته من الربح ، ولو لم يضع المال حتى اشترى المضارب بالألف [ ص: 106 ] التي بقيت في يده بعد قسمة الربح فربح مالا كثيرا كانت الألف التي قبضها رب المال أولا من رأس المال ، ويأخذ من هذا المال ألف درهم مثل ما أخذ المضارب من الربح الأول ، ثم يكون الباقي ربحا بينهما نصفين لما قلنا : إن قسمة الربح لا تجوز حتى يستوفي رب المال رأس ماله ، أو يستوفي له وكيله ، فإذا استوفاه ثم قسموا الربح جازت المقاسمة ، فإن استوفاه ثم اقتسما الربح فأخذ كل واحد منهما نصفه ، ثم إن رب المال دفع إلى المضارب الألف التي قبضها برأس ماله فقال : خذها فاعمل بها على المضاربة التي كانت فهذه مضاربة مستقبلة جائزة ، إن ربح فيها أو وضع لم تنتقض القسمة الأولى ; لأن العقد الأول قد انتهى بوصول رأس المال إلى يد رب المال ، ثم قسمتهما الربح حصلت في أوانها فتمت ، ثم دفع المال إلى الأول مضاربة مستقلة بمنزلة ما لو دفع إليه ألفا أخرى سوى الألف الأولى .
ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف فربح فيها ألفي درهم ، ثم اقتسما فدفع إلى رب المال رأس ماله ألف درهم وأخذ المضارب من الألفين حصته من الربح ألف درهم ، وبقيت حصة رب المال ولم يأخذها حتى ضاعت فإنها تضيع منهما جميعا ; لأن المضارب أمين فيما بقي في يده من المال ما لم يأخذه لنفسه ، فإذا هلك صار كأن لم يكن ويرد المضارب نصف ما أخذ من الربح ; لأن تلك الألف مضمونة عليه حين أخذها لنفسه ، وقد تبين أنها كانت جميع الربح ; ولأنها لا تسلم للمضارب ربحا حتى يسلم لرب المال مثلها ربحا ، ولم يسلم فعلى المضارب أن يرد نصف ما أخذ من الربح .
ولو كانت الألف التي أخذها المضارب لنفسه هي التي هلكت وبقيت الألف الأخرى فإنها تحسب على المضارب من حصته ، وتسلم الألف التي بقيت لرب المال ; لأنه قبض تلك الألف لنفسه فصارت مضمونة عليه ، والضمان الذي لزمه بعد ما هلك محسوب عليه من حصته من الربح فيأخذ رب المال الألف الباقية من الربح ، فإن كان المضارب قاسم رب المال الربح وأخذ حصته ، ولم يقبض رب المال حصته حتى ضاع ما قبضه المضارب لنفسه وما بقي ، فإن الذي لم يقبضه رب المال هلك من مالهما ويصير كأن لم يكن ; لأن المضارب بقي أمينا في ذلك ويغرم المضارب لرب المال نصف الربح الذي كان قبضه لنفسه وكان مستوفيا له بالقبض فهلك مضمونا عليه ، وقد تبين أنه جميع الربح فيغرم نصفه لرب المال .
ولو ربح ألفا فاقتسما الربح وأخذ كل واحد منهما نصفه ، ثم اختلفا في رأس المال فقال المضارب : قد دفعته إليك وإنما قاسمتني بعد الدفع ، وقال رب المال : لم تدفع إلي رأس المال فالقول قول رب المال ويأخذ الخمسمائة التي [ ص: 107 ] أخذها المضارب فتكون له من رأس ماله ; لأن المضارب أمين ، والأمين فيما يدعي من الرد مقبول القول في براءة نفسه عن الضمان ، غير مقبول القول في وصول المال إلى المردود عليه . ( ألا ترى ) أن المودع إذا ادعى رد الوديعة على الوصي ليس لليتيم أن يضمن الوصي شيئا ، وإذا ادعى الرد على أحد الشريكين ليس للشريك الآخر أن يضمنه شيئا ، فكذلك هنا لا يقبل قول المضارب في وصول رأس المال إلى رب المال ، وما لم يصل رأس المال إليه لا يسلم للمضارب شيء بطريق الربح ; ولأن المضارب يدعي خلوص الخمسمائة المقبوضة له ، ورب المال منكر لذلك والقول قول المنكر فإن قيل : كان ينبغي أن يقال اشتغالهما بقسمة الربح يكون إقرارا بوصول رأس المال إليه فهو في إنكاره بعد ذلك مناقض ، إذ الظاهر يشهد للمضارب ; لأن الظاهر أن قسمة الربح تكون بعد قبض رب المال رأس المال قلنا : لا كذلك فبين التجار عادة ظاهرة في المحاسبة في كل وقت ، وأخذ كل واحد منهما حصته من الربح مع بقاء رأس المال على حاله فلا يكون هذا إقرارا من رب المال بقبض رأس المال ، فباعتبار هذا العرف لا يشهد الظاهر للمضارب أيضا ، ثم الظاهر حجة لدفع الاستحقاق لإثبات الاستحقاق ، والمضارب يدعي استحقاق الخمسمائة ربحا ، والظاهر لهذا لا يكفي ، فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب ; لأنه أثبت ببينته دفع رأس المال إلى رب المال ، وبينة رب المال تنفي ذلك ; ولأنه أثبت استحقاقه الخمسمائة ربحا بالحجة ، وإن لم يقيما بينة وهلكت الخمسمائة التي أخذها المضارب لنفسه ، فالمضارب ضامن لها ; لأنه أخذها على أنها له فصار ضامنا لها .
ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف فذكر المضارب أنه قد ربح فيها ألفا وجاء بألفين ، ثم إنه جحد فقال : لم أربح فيها إلا خمسمائة فهلكت الألفان في يده ، وقامت البينة على إقراره بما قال من الربح فإنه يضمن الخمسمائة التي جحدها من الربح فيأخذها رب المال من رأس ماله ، ولا يضمن شيئا غيرها ; لأن جميع المال أمانة في يده ، وإنما يصير ضامنا مقدار ما جحد من المال كالمودع ، وإنما جحد الخمسمائة فيما سوى ذلك ، وقد هلكت في يده فهي أمانة ، فإنما عليه ضمان الخمسمائة فيأخذها رب المال من رأس ماله .
ولو كان أنكر أن يكون ربح في المال شيئا والمسألة بحالها ، ضمن الألف الربح كلها فيأخذها رب المال من رأس ماله ، ولا ضمان عليه في رأس المال ; لأنه لم يجحدها فهلكت في يده أمانة ، وقد جحد الألف التي اعترف أنها ربح في يده فيكون ضامنا مثلها يأخذها رب المال من رأس ماله .
ولو ربح فيها ألفا وقال لرب المال : قد دفعت إليك رأس المال ألف درهم وبقيت [ ص: 108 ] هذه الألف الربح ، وقال رب المال : لم أقبض منك شيئا فالقول قول رب المال مع يمينه أنه لم يقبض شيئا ، ويأخذ الألف الباقية من رأس ماله ويستحلف المضارب بالله ما استهلكها ولا ضيعها ; لأن المضارب أمين في رأس المال ، والقول قول الأمين مع اليمين في براءته عن الضمان ; لكونه غير مقبول القول فيما يدعي من سلامة نصف ما بقي له ، ولا هو مقبول القول في وصول رأس المال إلى رب المال ، بل القول في ذلك قول رب المال مع يمينه ، فإذا حلف هو ونكل المضارب عن اليمين غرم الخمسمائة لرب المال حصته من الربح ; لأن رب المال يأخذ الألف الباقية كلها من رأس المال ، والمضارب بنكوله عن اليمين قد أقر أنه استهلك تلك الألف أوضيعها ، وقد بين أن ذلك كان جميع الربح فيغرم حصة رب المال وهو النصف .
ولو أن المضارب حين أراد رب المال استحلافه قال : لم أدفعها إليك ولكنها ضاعت مني ، وحلف على ذلك فإنه فيغرم نصفها لرب المال ; لأنه تناقض كلامه في تلك الألف حين ادعى مرة أنه دفعها إليه ، ثم ادعى أنها ضاعت منه ، وقد بينا في الوديعة أن المودع يضمن بمثل هذا التناقض فكذلك المضارب .
ولو أن المضارب حين قال : دفعت إليك رأس مالك وبقيت هذه الألف الربح في يدي وكذبه رب المال ، وأقاما البينة فالبينة بينة المضارب ; لأنه يثبت قبض رب المال رأس ماله ببينته ، ورب المال ينفي ذلك ، ولو أقام المضارب البينة أن رب المال أقر أنه قبض من رأس ماله ألف درهم ، وأقام رب المال البينة على المضارب أن رب المال لم يقبض من رأس ماله شيئا ، فإن لم يعلم أي الإقرارين أول فالبينة بينة المضارب ; لأنه يثبت حق نفسه في نصف ما بقي بطريق الربح ، ورب المال ينفي ذلك ، وإن علم أيهما أول فالبينة بينة الذي يدعي الإقرار الآخر ; لأنا لو عاينا الإقرارين كان الثاني منهما ناقضا للأول ، فإن المقر الآخر يصير به رادا إقرار الأول ، والإقرار يرتد برد المقر له ; فلهذا كان المعمول به آخر الإقرارين .
وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا مضاربة بالنصف فاشترى به وباع وربح ، أو لم يربح ، أو لم يشتر به شيئا منذ دفع المال إليه ، أو اشترى به عرضا ولم يبعه حتى زاد رب المال من الربح السدس فصار لرب المال الثلثان من الربح وللمضارب الثلث ، ثم ربح المضارب بعد ذلك ربحا فهذا جائز على ما فعلا ويقتسمان على ذلك ما حصل قبل الزيادة أو الحط ، وما حصل بعد ذلك لا ينظر فيه إلى الشرط الأول ; لأن الحط والزيادة قد نقضا الشرط الأول وهذا ; لأن العقد قائم بينهما ما لم يصل إلى رب المال رأس ماله ، والزيادة والحط في العقود اللازمة تثبت على سبيل الالتحاق بالأصل ففيما [ ص: 109 ] ليس بلازم أولى ، وإذا التحق بأصل العقد وصار كأنهما شرطا في الابتداء أن يكون الربح بينهما على الثلث والثلثين .
ولو كان ربح ربحا فاقتسماه نصفين وأخذ رب المال رأس ماله قبل الحط والزيادة ، ثم وقع الحط والزيادة بعد ذلك فقال المضارب : إنك قد غبنتني فزاده سدس الربح ، أو قال رب المال : قد غبنتني فنقص المضارب من حقه سدس الربح فهذا جائز لازم يرجع كل واحد منهما على صاحبه بما حصل له من ذلك في القياس ، وهو قول أبي يوسف - رحمه الله - فأما في قول محمد - رحمه الله - فيجوز الحط ، ولا تجوز الزيادة ; لأن العقد قد ارتفع بوصول رأس المال إلى رب المال ، وقسمة الربح وصحة الزيادة في حال بقاء العقد ، ثم ما يأخذ المضارب يأخذه بمقابلة عمله ، وقد انقضى عمله حقيقة وحكما بانتهاء العقد بقسمة الربح ، فلا تجوز الزيادة بعد ذلك في البدل ، وتجوز في الحط ، كما في الإجارة والبيع فإن بعد هلاك المبيع لا تجوز الزيادة ، ويجوز الحط ، فهذا مثله وأبو يوسف يقول : القسمة تنهي عقد المضاربة ، والمنتهى ما يكون متقررا في نفسه ، فكان في معنى القائم دون المفسوخ ، فيجوز الحط والزيادة جميعا ، ثم من حيث المعنى كل واحد منهما يزيد من وجه ، ويحط من وجه ; لأن رب المال يزيد في حصة المضارب ، وذلك حط من نصيبه . وكذلك المضارب يزيد في نصيب رب المال وذلك حط منه لنصيبه ، فإذا جاز من المضارب هذا بطريق الحط فكذلك يجوز من رب المال بطريق الحط والله أعلم .
( قال رحمه الله ) : وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها عبدا يساوي ألفا فأعتقه المضارب ، فعتقه باطل ; لأنه لا فضل في مالية العبد على رأس ماله ، والمضارب إنما يثبت له الملك في الفضل فبعتقه العبد ، ولا فضل فيه ، عتق فيما لا يملكه ، ولا عتق فيما لا يملكه ابن آدم ، والذي تدور عليه مسائل الباب أن رأس المال معتبر في كل نوع من أنواع مال المضاربة كان ذلك النوع جميع المال .
( ألا ترى ) أنه لو هلك أحد النوعين استوفى رب المال جميع رأس ماله من الآخر ، فهنا يعتبر العبد كأنه جميع المال ، ولا فضل فيه على رأس المال ، فلا ينفذ عتق المضارب فيه سواء كان في يد المضارب من مال المضاربة شيء آخر ، أو لم يكن .
ولو أعتقه رب المال كان حرا ; لأنه أعتق ملك نفسه ، ولا ضمان على رب المال فيه ; لأن جميعه [ ص: 110 ] مشغول برأس المال ورأس المال ، خالص حق رب المال ، وقد بطلت المضاربة إن لم يكن في يد المضارب سوى العبد من مال المضاربة شيء ; لأن المال قد تلف كله بإتلاف رب المال .
ولو أن المضارب اشترى بخمسمائة درهم من الألف عبدا يساوي ألفا فأعتقه المضارب فعتقه باطل لما قلنا ، وإن أعتقه رب المال جاز عتقه وصار مستوفيا لرأس المال بعتقه فتبقى الخمسمائة ربحا في يد المضارب فيقسمانها نصفين .
ولو كان اشترى بالألف عبدا يساوي ألفين فأعتقه المضارب جاز عتقه في ربعه ; لأن المال كله من جنس واحد ، وفيه فضل على رأس المال فيملك المضارب حصته من الربح ، وذلك ربع العبد فإن نصفه مشغول برأس المال ، والنصف الآخر ربح بينهما نصفان ، وإعتاق أحد الشريكين صحيح في حصته ، ثم عند أبي حنيفة - رحمه الله - إن كان موسرا فلرب المال الخيار بين أن يضمن المضارب ثلاثة أرباع قيمته ، وبين أن يستسعى العبد فيها ، وبين أن يعتقه بناء على مذهبه أن العتق يتجزأ ، وعندهما قد عتق كله والمضارب ضامن لرب المال ثلاثة أرباع قيمته إن كان موسرا .
وإن كان معسرا استسعى العبد في ثلاثة أرباع قيمته ، وهي مسألة معروفة في العتاق ، ولو كان المضارب اشتراه بخمسمائة درهم من المضاربة وهي تساوي ألفين فأعتقه وهو موسر جاز عتقه في ربعه ، ويأخذ رب المال الخمسمائة الباقية من رأس المال ، ويضمن المضارب تمام رأس ماله خمسمائة ونصف الربح وهو سبعمائة وخمسون ، ويرجع المضارب في قول أبي حنيفة - رحمه الله - على العبد بجميع ما ضمن وهو ألف ومائتان وخمسون ، ويرجع المضارب أيضا على العبد بمائتين وخمسين فيستسعيه فيها وذلك تمام ما كان وجب له من الربح ; لأن عتقه إنما نفذ في القدر الذي هو مملوك له وقت الإعتاق ، وذلك ربع العبد ، فالعبد كأنه جميع مال المضاربة ; لأن ما سواه ليس من جنسه ، وإذا نفذ عتقه في ربعه وذلك خمسمائة ، أخذ رب المال الخمسمائة الباقية من رأس ماله ، وضمن المضارب الخمسمائة الأخرى من قيمة العبد تمام رأس ماله ، وظهر أن الربح ثلاثة أرباع العبد ، وهو ألف وخمسمائة لكل واحد منهما سبعمائة وخمسون ، فيغرم المضارب لرب المال حصته ، وذلك سبعمائة وخمسون ، وقد أتلف من نصيب نفسه بالإعتاق خمسمائة فإنما بقي له مائتان وخمسون فيستسعى العبد في ذلك ، ويرجع عليه أيضا بما ضمن لرب المال وذلك ألف ومائتان وخمسون ; لأنه ضمن له ذلك بإعتاقه ، ومن أصل أبي حنيفة - رحمه الله - أن المعتق إذا ضمن يرجع بما ضمن على العبد فيستسعيه فيه ; لأنه قائم مقام الساكت في ذلك ، وقد كان للساكت أن يستسعى العبد في ذلك ، فكذلك للمعتق إذا ضمن ; ولأنه بالضمان [ ص: 111 ] ملك نصيبه فيستسعى العبد في ذلك لإتمام العتق ، وعند أبي يوسف ومحمد يعتق العبد كله ويستوفي رب المال الخمسمائة الباقية من رأس ماله ، ويضمن المضارب ألفا ومائتين وخمسين درهما ، ولا سعاية له على العبد في شيء بناء على أصلهما أن العتق لا يتجزأ .
ولو اشترى المضارب بألف المضاربة عبدين ، كل واحد منهما يساوي ألفا ، فأعتقهما المضارب فعتقه باطل عندنا ، وعند زفر - رحمه الله - نافذ في ربع كل واحد منهما ، وقيل على قول أبي يوسف ومحمد - رحمه الله - : ينبغي أن يكون الجواب كذلك ; بناء على أصلهما أن الرقيق يقسم قسمة واحدة فكان هذا بمنزلة جنس واحد من المال فيملك المضارب حصته من الربح ، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - لا يجري في الرقيق قسمة الجبر فيستسعى كل واحد من العبدين على حدته ، وكل واحد منهما مشغول برأس المال ، والأصح عند علمائنا الثلاثة - رحمهم الله - أن لا ينفذ عتق المضارب في شيء منها ; لأنهما يريان قسمة الجبر على الرقيق عند إمكان اعتبار المعادلة إذا رأى القاضي النظر في ذلك ، فعند عدم هذا الشرط كل واحد منهما معتبر على حدة ، لا فضل في كل واحد منهما على رأس المال فلا ينفذ عتق المضارب في شيء منها ، فزفر - رحمه الله - يقول : العبدان في حكم المضاربة كعبد واحد ، ورأس المال ألف درهم فيتيقن بوجود الفضل فيهما على رأس المال ; فينفذ عتق المضارب في حصته ، وهو الربع كما في العبد الواحد .
( ألا ترى ) أنه لو أعتقهما رب المال كان ضامنا حصة المضارب خمسمائة ، فإذا ظهر نصيب المضارب في حق وجوب الضمان له عند إعتاق رب المال فلأن يظهر نصيبه في تنفيذ العتق كان أولى .
ولنا أن بإعتاق رب المال إياهما يصل إليه رأس المال ; فيظهر الفضل ، فأما بإعتاق المضارب إياهما لا يصل إلى رب المال شيء ، ولا فضل في واحد منهما على رأس المال فيعتبر كل واحد منهما على حدة ، كأنه ليس معه غيره ، فلا ينفذ عتق المضارب في واحد منهما يوضحه أن للمضارب هنا حقا يتقرر عند وصول رأس المال إلى رب المال لا قبله .
( ألا ترى ) أنه لو هلك أحدهما كان الباقي كله لرب المال برأس ماله ، وباعتبار الحق يجب الضمان ، ولكن لا ينفذ العتق ، وإنما ينفذ باعتبار الملك ، ولا ملك له في واحد منهما عند الإعتاق ; فلهذا لا ينفذ عتقه ، وإن زادت قيمتهما بعد ذلك كان العتق باطلا أيضا ; لأنه إنما يملك نصيبه الآن حين ظهر الفضل فيهما على رأس المال بزيادة قيمتهما ، ومن أعتق ما لا يملك ، ثم ملك لا ينفذ عتقه ، ولو أعتقهما رب المال معا عتقا ; لأن كل واحد منهما ملكه لكون كل واحد منهما مشغولا بملك رأس المال ، وألف ربح فيضمن حصة المضارب من ذلك وهو [ ص: 112 ] خمسمائة موسرا كان أو معسرا ولا سعاية على العبد عندهم جميعا ; لأن كل واحد منهما عتق كله بإعتاق المالك إياه فلا يلزمه السعاية ، ورب المال صار متلفا حق المضارب من الربح بالعتق ; فيضمن له موسرا كان أو معسرا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|