
24-12-2025, 04:23 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,760
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون
صـــ 92الى صـــ 101
(452)
وإذا دفع الرجل إلى رجلين مالا مضاربة بالنصف فجاء بثلاثة آلاف درهم فقال رب المال : كان رأس مالي ألفين ، والربح ألف وصدقه أحد المضاربين ، وقال الآخر : كان رأس المال ألفا والربح ألفي درهم فإن رب المال يأخذ ألف درهم من رأس ماله من يد المضاربين ; لأنهما اتفقا على ذلك القدر من رأس ماله ويبقى في يد كل واحد منهما ألف درهم فيأخذ رب المال خمسمائة من الذي صدقه ; لأنه يقر أنه قد بقي من رأس ماله ألف : نصفه في يده ، ونصفه في يد شريكه ، وإقراره فيما في يده حجة ، وإن لم يكن حجة فيما في يد شريكه فيأخذ منه خمسمائة بحساب رأس ماله ; لأن حق رب المال في الربح ضعف حق المصدق فيقسمان الحاصل من الربح في أيديهما على أصل حقهما أثلاثا ، ويقاسم الآخر خمسمائة مما في يده أثلاثا ; لأن رب المال يزعم أن هذه الخمسمائة من رأس ماله أيضا ومن في يده ينكر ويقول هو ربح وحق رب المال فيه ضعف حقي ; لأن حق رب المال في نصف الربح ، وحق كل واحد من المضاربين في ربع الربح .
فلهذا يقاسمه خمسمائة أثلاثا : ثلثها لرب المال يأخذها بحساب رأس ماله بزعمه فيجتمع في يده ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، ثم يقتسمون الألف الباقية ربحا بينهم أرباعا فيصير في يد رب المال خمسمائة من الربح ، وفي يد الذي صدقه مائتان وخمسون فيجمع ذلك ، فيأخذ منه رب المال ما بقي من رأس ماله على ما تصادقا عليه ; لأن الربح لا يكون إلا بعد وصول جميع رأس المال إلى رب المال ، وقد بقي من رأس المال بزعمهما مائة وستة وستون وثلثا درهم ، فيأخذ رب المال ذلك ، والباقي من الربح بينهما أثلاثا ; لأن حق رب المال في الربح ضعف حق المصدق فيقسمان الحاصل من الربح في أيديهما على أصل حقهما أثلاثا ، والمكذب بزعمهما استوفى أكثر من حقه فتجعل تلك الزيادة في حقهما كالتاوي ، وقد طعن عيسى بن أبان - رحمه الله - في فصل من جواب هذه المسألة وهو قوله : أن الخمسمائة مما في يد المكذب تقسم بين رب المال ، وبين المكذب أثلاثا ، وقال : الصحيح أنه ليس لرب المال إلا نصفها ; لأن المنكر يزعم أن الألف الباقية مقسومة بينهم أرباعا : نصفها لرب المال ، وربعها للمصدق ، وربعها لي ، فالمصدق أقر بحصته لرب المال من هذه الألف فيصير لرب المال ثلاثة [ ص: 93 ] أرباعها ، وقد وصل إليه من يد المصدق نصف هذه الألف ، وهو خمسمائة فإنما بقي حقه في ربعها وحقي في ربعها فينبغي أن تقسم هذه الخمسمائة بينهما نصفين .
وكان القياس ما ذكره عيسى - رحمه الله - ولكن محمدا - رحمه الله - ترك ذلك لوجهين : أحدهما أنا لو فعلنا هكذا كنا قد أعطينا المنكر جميع حصة مدعاه من ربح الألفين ، ويأخذ من الألف الثانية مائتين وخمسين ، ومن الألف الثالثة مائتين وخمسين فتسلم له حصته من ربح الألفين بزعمه ، ولا يجوز أن يصدق هو على ما في يد صاحبه ، كما لا يصدق صاحبه على ما في يده ، والثاني أن ما وصل إلى رب المال من تلك الألف لم يصل ربحا ، كما ادعاه هذا المضارب ، وإنما أخذه على أنه من رأس ماله فلا يكون للمنكر أن يجعل ذلك محسوبا عليه من الربح في مقاسمته الخمسمائة الأخرى معه ; فلهذا قسمت هذه الخمسمائة بينهما أثلاثا وهذا الجواب حكاه ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله - .
وإذا دفع الرجل إلى رجل مالا فربح فيه ربحا فقال العامل : أقرضتني هذا المال ، وقال الدافع : دفعته إليك بضاعة ، أو مضاربة بالثلث ، أو قال : مضا فالقول قول رب المال ; لأن العامل يدعي تملك المال عليه بالقبض ، ورب المال ينكر ذلك ; ولأن الإذن في التصرف مستفاد من جهة رب المال ، فالقول قوله في بيان الإذن والتسليط ، فإن كان أقر بالمضاربة فلا شيء للعامل ، بل الربح كله لرب المال ; لأنه بما ملكه .
وإن كان أقر له بربح الثلث أعطاه ذلك ; لأن العامل يدعي عليه جميع الربح وهو أقر له بالثلث ، وإن أقر بمضاربة فاسدة أعطاه أجر مثله فيأخذه المضارب قضاء مما ادعاه من المال الذي أخذه منه رب المال ; لأن العامل يدعي عليه أكثر مما أقر له به فيعطيه مقدار ما أقر له به ، من الجهة التي أقر بها ، ويأخذه العامل من الجهة التي يدعيها ، فإن هلك في يد المضارب بعد هذا القول فهو ضامن للأصل والربح ; لأنه كان أمينا في الكل ، وقد جحد حق صاحب المال فيه وادعى أنه ملكه فيكون ضامنا له .
ولو قال المضارب : شرطت لي النصف ، وقال رب المال : شرطت لك الثلث ثم هلك المال في يد المضارب فهو ضامن لسدس الربح ; لأنه ادعى تلك الزيادة لنفسه ، وقد كان أمينا فيه فيصير ضامنا بدعواه الأمانة لنفسه . ولو وضع في المال ، ثم قال العامل : دفعته إلي مضاربة ، وقال رب المال : دفعته إليك قرضا فالقول قول رب المال ; لأن الإذن مستفاد من جهته فالقول قوله في بيان صفته ; ولأن العامل يزعم أنه كان نائبا عن رب المال في العمل ، ورب المال ينكر ذلك فالقول قوله ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة رب المال أيضا ; لأنه يثبت ببينته سبب تمليك المال [ ص: 94 ] منه بالعرض ، ووجوب الضمان دينا له في ذمته فكانت بينته أولى بالقبول ; ولأنه لا تنافي بين البينتين ، فالقرض يرد على المضاربة فيجعل كأنه دفعه إليه مضاربة ، ثم أقرضه منه ولا يمكن أن يجعل على عكس هذا ; لأن المضاربة لا ترد على القرض ، والقرض يرد على المضاربة .
ولو لم يكن عمل بالمال وضاع فالقول قول المضارب ; لأن رب المال يدعي عليه سبب الضمان ، والمضارب ينكر ، والبينة بينة رب المال لإثباته الضمان دينا في ذمة المضارب ، ثم الفرق بين هذا والأول أن في هذا الفصل تصادقا على أنه قبضها بإذن المالك ، وذلك غير موجب للضمان عليه ، فبقيت دعوى رب المال سبب الضمان ، وفي الفصل الأول عمل العامل في ملك الغير سبب موجب للضمان ، وقد ظهر ذلك فيحتاج إلى سبب مسقط للضمان عن نفسه ، وهو كونه نائبا عن المالك في عمله في المال مضاربة ، ولا يثبت هذا المسقط إلا بالبينة عن نفسه ولا يقال : تصادقا أن عمله حصل بإذن رب المال وتسليطه ، فلا يكون سببا لوجوب الضمان عليه ; لأن رب المال يزعم أنه عمل لنفسه في مال نفسه ، فإذا لم يثبت الملك له لا يكون هو عاملا بإذن رب المال كما أقر به ، فيبقى عاملا في المال بغير إذنه ، وذلك موجب للضمان عليه .
ولو قال المضارب : دفعته إلي مضاربة وقد ضاع المال قبل أن أعمل به ، وقال رب المال أخذته غصبا فلا ضمان على المضارب ; لأنه ما أقر بوجود السبب الموجب للضمان عليه ، وإنما أقر بتسليم رب المال إليه ، وذلك غير موجب للضمان عليه ، ورب المال يدعي عليه الغصب الموجب للضمان ، وهو ينكر ، فإن كان عمل به ثم ضاع فهو ضامن للمال ; لأن عمله في مال الغير سبب موجب للضمان عليه ما لم يثبت إذن صاحبه فيه ، ولم يثبت ذلك لإنكاره فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب في الوجهين ; لأنه يثبت تسليم رب المال ، والإذن له في العمل ببينة .
ولو قال المضارب : أخذت منك هذا المال مضاربة فضاع قبل أن أعمل به ، أو بعد ما عملت قال رب المال : أخذته مني غصبا فالقول قول رب المال ، والمضارب ضامن فيه ; لأنه تأخر حتى أقر بالأخذ وهو سبب موجب للضمان عليه قال عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترد ثم ادعى المسقط وهو إذن صاحبه فلا يصدق في ذلك إلا بحجة .
ولو قال : أخذته منك مضاربة فضاع قبل أن أعمل به ، وقال رب المال : أقرضتكه فلا ضمان على المضارب لتصادقهما أن القبض حصل بإذن المالك ، فإنه هو الذي دفعه إليه إلا أن يكون عمل بالمال ، فحينئذ هو ضامن ; لأن عمله في مال الغير سبب موجب للضمان عليه كما ذكرنا .
وإذا دفع الرجل إلى الرجلين ألف درهم مضاربة بالنصف فجاءا بألفين فقال أحدهما : [ ص: 95 ] ألف رأس مالك ، وألف ربح فصدقه رب المال بذلك ، وقال المضارب الآخر : ألف رأس المال وخمسمائة لفلان كان دينا علينا في المضاربة وادعى المقر له ذلك ، فإن رب المال يأخذ رأس ماله ألف درهم لتصادقهما على ذلك ، ويأخذ المقر له بالدين من المضارب المقر مائتين وخمسين درهما ; لأنه أقر أن نصف الخمسمائة دينا عليه يؤديه مما في يده ، ونصفه دين على شريكه ، وإقراره على نفسه وبما في يده حجة وعلى غيره لا فلهذا يأخذ منه مائتين وخمسين ، وهذا بخلاف أحد الوارثين إذا أقر على الميت بدين فإنه يستوفي جميع الدين من نصيبه ; لأن هناك ما أقر بالدين في ذمة نفسه ، ولا في ذمة شريكه وإنما أقر به على الميت ، والمقر يعامل في حق نفسه كان ما أقر به حق فلا يسلم له شيئا من التركة ما لم يقبض جميع الدين الذي على الميت .
وهاهنا إنما أقر بالدين على نفسه وعلى شريكه بسبب معاملتهما مع المقر له ، وإقراره بالدين في ذمة الغير لا يلزمه القضاء مما في يده ، ثم يقاسم المضارب الجاحد مع رب المال مائتين وخمسين درهما مما في يده : له ثلثها ولرب المال ثلثاها ; لأن المضارب المقر يزعم أنه لا حق له في هذا ، بل حق صاحب الدين ، والجاحد يزعم أنه ربح ولكن لا حق فيه للمقر ; لأنه أتلف مثل هذا بإقراره كاذبا فهو محسوب عليه من نصيبه فيقسم هذا المقدار بين رب المال والجاحد على مقدار حقهما من الربح لرب المال ثلثاها ، وللجاحد ثلثها ، ويبقى في يد المضاربين خمسمائة درهم قد أقروا جميعا أنها ربح فيقتسمونها بينهم لرب المال نصفها ، ولكل واحد من المضاربين ربعها ، ولا يرجع الغريم على المضارب المقر بشيء مما أخذ لما بينا أنه أقر له بالدين في ذمة شريكه فلا يلزمه ذلك القضاء من مال نفسه وكذلك لو كان أحدهما أدعى لنفسه خمسمائة من هذا المال أنه من خاصة ماله فهذا ، والأول في التخريج سواء كما بينا .
ولو جاء المضاربان بألفي درهم خمسمائة منها بيض . وألف وخمسمائة سود ، فقال أحدهما : الخمسمائة البيض وديعة لفلان عندنا ، والخمسمائة السود ربح ، وقال المضارب الآخر : كلها ربح فإن رب المال يأخذ رأس ماله ألف درهم من السود ، ويأخذ المقر له مائتين وخمسين من البيض ، وهي التي في يد المقر الوديعة ; لأن نصف البيض في يده ، وإقراره فيه حجة ، ويقسم المضارب الآخر ورب المال مائتين وخمسين من البيض أثلاثا : سهمان لرب المال ، وسهم للمضارب ; لأن المقر لا يدعي لنفسه في هذا شيئا ، والمنكر يزعم أنه أتلف فوق حقه من هذا المال فلا حق له فيما بقي ، بل يقسم هذا المقدار بين الجاحد ورب المال مائتين وخمسين على أصل حقهما أثلاثا ، ويقسم الخمسمائة السود أرباعا لاتفاقهم [ ص: 96 ] على أن ذلك ربح .
وكذلك لو كان جميع المال في يد المنكر للوديعة ; لأن المنكر للوديعة يزعم أن الخمسمائة البيض ربح من مال المضاربة ، ومال المضاربة في أيديهما فباعتبار إقرار ذي اليد هذه ، وما لو كان المال كله في أيديهما سواء بخلاف ما إذا كان المال كله في يد المقر ; لأن المقر يزعم أن هذه الخمسمائة ليست من مال المضاربة ، بل هي وديعة لصاحبها ، ولا يدفعها للمضارب الآخر ولا قول ، فلهذا كان المقر مصدقا في جميعها هنا فإن كان المضاربان حين جاءا بألفين كانت الخمسمائة البيض كلها في يد المقر الوديعة فقال هذه وديعة لفلان عندي وقال الآخر : ورب المال كله ربح أخذها صاحب الوديعة كلها ; لأن اليد فيها له فكان القول قوله فيها ، والخمسمائة السود بينهم أرباعا لاتفاقهم على أنها ربح .
ولو كانت البيض في يد المنكر للوديعة أخذ رب المال رأس ماله ألف درهم ، وما بقي من مال قسم على أربعة أسهم : لرب المال سهمان ، ولكل واحد من المضاربين سهم ; لأن البيض هنا قبل القسمة في يد الجاحد ليس شيء منها في يد المقر ، وإقراره الوديعة فيما في يد الغير لا يكون صحيحا ما لم يصل إليه المال ، فلهذا قسم الكل كما هو زعم المنكر للوديعة ، ثم ما وقع في سهم المقر الوديعة من البيض سلمه إلى صاحب الوديعة ; لأن ذلك القدر قد وصل إلى يده ، وقد أقر بالملك له وهذا بخلاف ما سبق إذا كان المال كله في يد الجاحد ; لأن هناك الجاحد مقر للمقر الوديعة باليد في نصفه وهنا الجاحد لا يقر باليد في شيء من البيض للمقر الوديعة ; لأن في يده مثلها من مال المضاربة ، وهي الخمسمائة السود .
وإذا دفع إلى رجلين ألف درهم مضاربة بالنصف وأمرهما أن يعملا في ذلك برأيهما فجاءا بألفي درهم في أيديهما جميعا ، فقال أحدهما : ألف منها رأس المال ، وخمسمائة ربح ، وخمسمائة وديعة لفلان خلطناها بالمال بأمره فهو شريكنا في هذا المال بخمسمائة درهم ، وصدقه فلان بذلك ، وقال المضارب الآخر : يملك الألف كل ها ربح فإن رب المال يأخذ رأس ماله ألفا ، ويأخذ المقر له بالشركة مائتين وخمسين مما في يد المنكر أثلاثا ; لأنهما يزعمان أن ذلك ربح ، وإن المقر أتلف منه ذلك فهو محسوب عليه ، ثم يقسم رب المال والمضاربان الخمسمائة الباقية أرباعا لاتفاقهم على أنها ربح ، فيكون للمضارب المقر بالشركة منها مائة وخمسة وعشرون درهما فيجمعها إلى ما أخذ المقر له بالشركة ، ويقسم ذلك كله بينهما على خمسة أسهم : سهم للمضارب ، وأربعة للمقر له بالشركة ; لأنهما تصادقا على الشركة بينهما في المال ، وتصادقهما معتبر في حقهما فما وصل إليهما يقسم على أصل حقهما ، وهما متفقان أن حق المقر له في خمسمائة ، وإن حق المقر في مائة وخمسة [ ص: 97 ] وعشرين فاجعل كل مائة وخمسة وعشرين سهما ، فيكون الخمسمائة أربعة أسهم : فأربعة أسهم حق المقر له ، وسهم حق المقر .
فلهذا قال يقسم ما في أيديهما أخماسا بينهما ، وما لم يصل إلى يدهما من المال يجعل كالتاوي بينهما ، ولو كان المال كله في يد المقر بالشركة يوم أقر بها أخذ المقر له بالشركة جميع الخمسمائة من المال ; لأن إقرار المقر فيما في يده مقبول ويأخذ رب المال رأس ماله ألفا ، والخمسمائة الباقية بين المضاربين وبين رب المال أرباعا .
ولو كان المال كله في يد المنكر للشركة أخذ رب المال رأس ماله ألف درهم فاقتسم هو والمضاربان الألف الباقية أرباعا ، وما أخذه المقر بالشركة اقتسمه هو والمقر أخماسا ; لأن الواصل إلى يده من المال هذا المقدار ، فباعتباره يصح إقراره ويقسم بينهما أخماسا : للمقر خمسه وللمقر له أربعة أخماسه .
قال عيسى بن أبان - رحمه الله - هذا غلط وسواء كان المال في أيديهما ، أو في يد المنكر منهما ينبغي أن يأخذ المقر له بالشركة مائتين وخمسين أولا ، كما أجاب به في مسألة البيض والسود قبل هذا ; لأن المنكر مقر أن المال كله من المضاربة ، وأن نصفه في يد صاحبه ولكن ما ذكره هنا أصح .
والفرق بين هذا وبين تلك المسألة من وجهين : أحدهما أن المنكر وإن أقر في هذه المسألة أن نصف المال في يد صاحبه ، وصاحبه ينكر ، ويقول يد المقر له على ماله ; لأنه شريك معي فلم تثبت يد المقر على شيء من تلك الخمسمائة ; فلهذا لا يجوز إقراره في شيء منها قبل القسمة ، بخلاف مسألة البيض والثاني : أن في مسألة الشركة حق المقر له شائع في الكل ، وحق المضاربة كذلك شائع فلم يختص واحد من المضاربين بشيء منه ، ولم يثبت تنفيذ إقراره إلا بعد القسمة .
وأما في الوديعة فقد أقر بشيء بعينه متميز من حق المضاربة غير مفتقر إلى المقاسمة .
ولو جاء المضاربان بألفي درهم فقال أحدهما : كان رأس المال ألف درهم فشاركنا فلان في المال بخمسمائة درهم فخلطناهم بالألف ، ثم عملنا فربحنا خمسمائة ، وقال فإن رب المال يأخذ رأس ماله ألف درهم لاتفاقهم عليه ، ثم يدفع إلى المقر له مائتين وخمسين درهما في يد المقر بالشركة ; لأن إقراره فيما في يده مقبول ، ويبقى في يد المقر بالشركة مائتان وخمسون ، فقد أقر أنها ربح بين صاحب الشركة وبين المضاربين وبين رب المال على ثلاثة ، فيأخذ صاحب الشركة أيضا منها حصته من الربح بإقراره وذلك ثلاثة وثمانون وثلث ، ويبقى في يد المضارب المقر بالشركة مائة وستة وستون وثلثان ، ثم ينظر إلى ما في يد المنكر للشركة وهو خمسمائة فيدفع منها مثل ما أخذ المقر له مما في يد المقر بالشركة وذلك ثلثمائة وثلاثون وثلث فيقسمها [ ص: 98 ] رب المال والمضارب المنكر للشركة بينهما أثلاثا ; لإقرارهما أن هذا ربح ، وأن المقر بالشركة أتلف مثل هذا مما في يده ، وذلك محسوب عليه من نصيبه .
ويقسم هذا القدر بين المضارب الجاحد ورب المال على أصل حقهما : ثلثاه لرب المال ، وثلثه للمضارب الجاحد ، ثم يجمع ما بقي في يد المضاربين ، وذلك ثلثمائة وثلاثون وثلث فيكون ذلك بينهم أرباعا لاتفاقهم على أن ذلك ربح مال المضاربة ، فيقسم بينهم على الشرط ، ثم يجمع ما أصاب المقر بالشركة من الربح ، وهو ثلاثة وثمانون وثلث إلى ما في يد صاحب الشركة فيقسمان ذلك كله على تسعة أسهم : للمقر سهم وللمقر له ثمانية ; لأن المقر زعم أن للمقر له سهما أصل ماله وثلث الخمسمائة ربح وذلك مائة وستة وستون وثلثان ، وثلث الخمسمائة الربح بينه وبين رب المال أرباعا فيجعل كل خمسمائة على ستة أسهم ، والخمسمائة التي أقر بها المقر لصاحب الشركة ستة أسهم وحصته من الربح سهمان ، فذلك ثمانية وحصة المضارب المقر بالشركة مما بقي من الخمسمائة سهم ، فذلك كله إذا جمعته تسعة أسهم ; فلهذا يقسم ما حصل في أيديهما على تسعة أسهم : ثمانية أتساعه للمقر له : وتسعه للمقر ; لأن ما زاد على ما وصل إليهما يجعل في حقهما كالتاوي والله أعلم .
( قال - رحمه الله - ) : وإذا دفع إلى رجل ألف درهم ولم يقل : اعمل فيه برأيك فليس للمضارب أن يدفعه إلى غيره مضاربة ; لأنه سوى غيره بنفسه في حق الغير ; ولأنه يوجب للثاني شركة في ربح مال رب المال ، ورب المال ما رضي إلا شركته ، فليس له أن يكسب سبب الشركة للغير فيه ، فإن دفعه مضاربة إلى غيره فاشترى به وباع ، فرب المال بالخيار إن شاء ضمن المضارب الأول رأس ماله ; لأنه صار غاصبا مخالفا بدفعه إلى غيره لا على الوجه الذي رضي به رب المال فإن ضمنه سلمت المضاربة فيما بين المضارب الأول ، والمضارب الآخر على شرطهما ; لأنه ملكه بالضمان من حين صار مخالفا ، فإنما دفع مال نفسه مضاربة إلى الثاني .
وإن شاء ضمن المضارب الآخر ; لأنه قبض ماله بغير إذنه وتصرف فيه ، ثم يرجع المضارب الآخر بما ضمن من ذلك على المضارب الأول ; لأنه مغرور من جهته فيرجع عليه بما يلحقه من الضمان ; ولأنه كان عاملا للمضارب الأول فيرجع عليه بما يلحقه من العهدة ، ثم الربح بين المضاربين على ما اشترطا ; لأن الضمان استقر على الأول فيثبت الملك له ، وإن اختار رب المال أن يأخذ من الربح الذي ربح [ ص: 99 ] المضارب الآخر حصته الذي اشترط على المضارب الأول لا يضمن واحد منهما شيئا فليس له ذلك ; لأن المضارب الأول صار غاصبا بما صنع ، ومن غصب من رجل مالا ودفعه مضاربة فعمل به المضارب وربح فلا سبيل لرب المال على الربح ، ولكن يضمن أيهما شاء ، وفرق بين المضاربة والرهن فإن المرهون إذا استحق وضمن المرتهن قيمته فرجع به على الراهن لم يصح الرهن حتى يرجع عليه بالدين أيضا وهنا إذا رجع الثاني على الأول صحت المضاربة بين الأول والثاني ; لأن استرداد القيمة كاسترداد العين ; فينتقض قبض المرتهن باسترداد المستحق القيمة منه ، وبدون قبضه لا يكون مرهونا ، وهنا أيضا استرداد المثل كاسترداد العين ، ولكنه لا ينعدم به ابتداء اليد للمضارب على المال ، واستدامته ليست بشرط لحكم المضاربة حتى إنه إذا رد المضارب المال على رب المال ، واستعان به في التصرف كان الربح بينهما على الشرط .
ولو رد المرتهن المرهون على الراهن بعارية أو غيرها خرج من ضمان الرهن ، ولو كان المضارب الثاني لم يعمل بالمال حتى ضاع في يده فلا ضمان على واحد من المضاربين . وكذلك لو غصب رجل المال من الآخر فالضمان على الغاصب ولا ضمان على واحد من المضاربين ، وقال زفر - رحمه الله - : لرب المال أن يضمن أيهما شاء ; لأن المضارب الأول أمين ، وقد خالف بالدفع إلى غيره على وجه المضاربة ، فكان كل واحد منهما ضامنا كالمودع إذا أعار الوديعة من غيره ، ولكنا نقول المضارب غير ممنوع من دفع المال إلى غيره .
( ألا ترى ) أن له أن يودع المال ، وأن يبضعه فلا يكون مجرد الدفع موجبا للضمان على واحد منهما ، ولكن في ظاهر الرواية حين عمل به الثاني صار المال مضمونا على كل واحد منهما ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن بمجرد العمل لا يصير مضمونا على واحد منهما حتى يحصل الربح ; لأنه إنما يصير مضمونا إذا صار مخالفا ، وذلك باشتراك الغير في ربح ماله ، ولهذا لا يضمن إذا أبضع ، أو أودع ; لأنه ليس في ذلك اشتراك الغير في الربح ، والشركة في الربح لا تتحقق قبل حصول الربح ; لسبب الخلاف ، وإنما تتحقق إذا حصل الربح .
وجه ظاهر الرواية : أن الربح إنما حصل بالعمل فيقام سبب حصول الربح مقام حقيقة حصول الربح في صيرورة المال به مضمونا عليهما ، بخلاف مجرد الدفع فهو ليس سببا لحصول الربح ليقام مقام حصوله .
ولو استهلك المضارب الآخر المال أو وهبه كان الضمان على الآخر خاصة دون الأول ; لأنه في مباشرة هذا الفعل مخالف لما أمره به الأول فيقصر حكمه عليه ، بخلاف ما إذا عمل بالمال ; لأنه في مباشرة العمل ممتثل أمر المضارب الأول [ ص: 100 ] فيجعل ذلك كعمل المضارب الأول ; فلهذا كان له أن يضمن أيهما شاء .
ولو أبضعه المضارب الثاني مع رجل يشتري به ويبيع فلرب المال أن يضمن ماله أي الثلاثة شاء ; لأن المضارب الثاني بمطلق العقد يملك الإبضاع ، كما يملك التصرف فيه ، فيكون هو فيما صنع ممتثلا أمر المضارب الأول ، والربح الحاصل بين المضاربين على الشرط ; لأن عمل المستبضع كعمل المبضع بنفسه ، وكان الربح بينهما على الشرط ، والوضيعة على المضارب الأول ولا ربح لرب المال ; لأن الأول صار بمنزلة الغاصب في حق رب المال ، فإن ضمن المضارب الأول صحت المضاربة الثانية ، وإن ضمن الثاني رجع به على الأول ; لأنه مغرور من جهته وصار المال مملوكا للمضارب الأول حين استقر عليه الضمان ، وإن ضمن المستبضع رجع به على المضارب الثاني ; لأنه عامل له ومغرور من جهته ، ويرجع به الثاني على المضارب الأول كما لو ضمن نفسه لرب المال ، فإذا ظهر استقرار الضمان عليه تبين به وجه صحة المضاربة الثانية .
وإذا دفع الرجل مالا مضاربة بالنصف ، ولم يقل له اعمل فيه برأيك فدفعه المضارب إلى آخر مضاربة بالثلث ، ولم يقل له اعمل فيه برأيك فدفعه المضارب إلى آخر مضاربة بالثلث ، ولم يقل له اعمل فيه برأيك فدفعه الثاني إلى آخر مضاربة بالسدس فعمل فيه وربح أو وضع ، فالمضارب الأول بريء من الضمان ; لأن الثاني خالف أمره حين دفعه إلى الغير مضاربة ، فلا يتحول منه هذا العقد إلى الأول ، كما لو استهلك المال ، ورب المال بالخيار : إن شاء ضمن الثاني رأس ماله ، وإن شاء ضمن الثالث ، وحال الثالث في هذه المسألة كحال الأول في المسألة الأولى ، حتى إذا ضمن لم يرجع على أحد بشيء وإن ضمن الثالث رجع على الثاني ، والربح بينهما على ما اشترطا ; لأن الضمان استقر على الثاني فصحت المضاربة بينه وبين الثالث .
ولو كان المضارب الأول حين دفع المال مضاربة إلى الثاني بالثلث ، وقال له اعمل فيه برأيك فدفعه الثاني إلى الثالث مضاربة بالسدس فربح ، أو وضع فلرب المال أن يضمن أي الثلاثة شاء ; لأن الثاني بالدفع إلى الثالث هنا ممتثل أمر الأول فإن بعد قوله اعمل فيه برأيك له أن يدفع المال مضاربة إلى غيره ، فكان فعله كفعل الأول فلرب المال أن يضمن أي الثلاثة شاء فإن ضمن الثالث رجع على الثاني ورجع الثاني على الأول لمعنى الغرور ، وإن ضمن الثاني رجع على الأول ، وإن ضمن الأول لم يرجع على أحد مما ضمن بعد ، كما استقر الملك للأول صحت المضاربتان جميعا : الثانية والثالثة ، والوضيعة على الأول .
وأما الربح فللضارب الآخر سدسه ; لأنه المشروط له هذا المقدار ، وللثاني سدسه ; لأن الأول للثاني شرط ثلث الربح ، ولنفسه ثلثيه فشرط الثاني السدس للثالث ينصرف إلى نصيبه خاصة دون نصيب [ ص: 101 ] الأول ; لأنه ليس للثاني أن يبطل حق الأول عن شيء من الربح الذي شرط لنفسه وإن كان قال : اعمل فيه برأيك فلهذا كان للثاني ما بقي من الثلث بعد حق الثالث وهو السدس ، وللأول ثلث الربح .
ولو كان المضارب الأول دفع المال إلى رجل مضاربة على أن للمضارب الثاني من الربح مائة درهم فعمل به فربح ، أو وضع ، أو توى المال بعد ما عمل به فلا ضمان لرب المال على أحد ، والوضيعة عليه والتوى من ماله ; لأن المضارب الأول إنما يصير ضامنا بإشراك الغير في ربح ماله ، وبما باشر من المضاربة الفاسدة لا يوجد سبب الاشتراك بل المضاربة الفاسدة كالإجارة .
ولو استأجر أجيرا ليعمل في المال لم يكن مخالفا به وجعل عمل الأجير كعمله ، فكذلك إذا دفعه إلى غيره مضاربة فاسدة ، وللعامل أجر مثله على المضارب الأول ; لأنه هو الذي استأجره ويرجع به الأول على رب المال ; لأنه في الاستئجار عامل له بأمره غير مخالف .
وإن كان فيه ربح فإنه يعطي أجر مثل العامل أولا من المال ، كما استأجره إجارة صحيحة ، ثم الربح بين رب المال والمضارب الأول على الشرط ; لأن عمل الأجير كعمل المضارب بنفسه وهذا ، وما لو أبضعه غيره سواء .
ولو كان رب المال شرط للمضارب الأول من الربح مائة درهم ولم يقل له : اعمل برأيك فدفعه المضارب إلى آخر مضاربة بالنصف فعمل به فلا ضمان على المضاربين في الوضيعة والتوى ; لأن المضارب الأول ما أوجب للغير شركة في ربح ماله ، فإن بالعقد الذي بينه وبين رب المال لا يستحق هو شيئا من الربح فكيف يوجبه لغيره ؟ ، وإنما يتحقق الخلاف بإيجاب الشركة للغير في ربح ماله ، ثم الربح كله لرب المال هنا ; لأن عمل الثاني بأمر الأول كعمل الأول بنفسه وعليه أجر مثل المضارب الأول بمنزلة ما لو أقام العمل بنفسه وعلى المضارب الأول للمضارب الآخر مثل نصف الربح الذي ربح في ماله خاصة ; لأنه صار مغرورا من جهته ، فإنه أطعمه في نصف الربح ، وقد حصل الربح ولم يسلم له مع حصوله ، بل استحقه رب المال بسبب كان بينه وبين المضارب الأول وهو فساد العقد ; فرجع المضارب الثاني على المضارب الأول بمثل نصف الربح في ماله خاصة ; لأجل الغرر .
( ألا ترى ) أن رجلا لو استأجر رجلا يعمل له بماله فيشتري به ويبيع ويبضعه ويستأجر عليه إن أحب فاستأجر عليه الأجير من يعمل به ، أو أبضعه مع رجل فربح ، أو وضع فالربح لرب المال والوضيعة عليه ، وللأجير الأول أجره على رب المال ; لأن عمل أجيره بأمره كعمله بنفسه وللأجير الآخر أجره على الأول ; لأنه هو الذي استأجره وعمل له .
ولو كان الأجير الأول دفعه مضاربة إلى رجل بالنصف فعمل به وربح [ ص: 102 ] كان الربح كله لرب المال ، وللأجير أجره على رب المال ، وللمضارب نصف الربح على الآخر في ماله خاصة ; لأجل الغرر الموجود من جهته ، ولا ضمان على الأجير والمضارب في المال ; لأن المضارب لم يصر شريكا في المال بمضاربته والخلاف إنما يتحقق به .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|